مخطوطات البحر الميت: من أخفى المكتبة في كهوف قمران؟

مخطوطات البحر الميت: من أخفى المكتبة في كهوف قمران؟
سلسلة: المخطوطات التي خرجت من الظلام
الحلقة الأولى
في مكان يكاد المطر ينساه، حدث واحد من أعظم اكتشافات المخطوطات في القرن العشرين.
صخور قاحلة، كهوف مفتوحة في الجبل، والبحر الميت ساكن في الأسفل. لا شيء في المشهد يوحي بأن وراء إحدى هذه الفتحات الصغيرة مكتبة ستجبر علماء التاريخ والأديان واللغات على إعادة النظر في قرون كاملة من الماضي.
لكن في عام 1947، دخلت إلى العالم الحديث لفائف كان آخر من لمس بعضها قد عاش قبل نحو ألفي عام.
لم تكن كنزًا من الذهب.
كان الكنز كلمات.
والسؤال الذي بدأ مع العثور عليها لم ينته حتى اليوم:
من وضع هذه النصوص في كهوف قمران؟ ولماذا أخفاها؟
حجر يدخل كهفًا… والتاريخ يخرج منه
تختلف بعض تفاصيل قصة الاكتشاف باختلاف الروايات، ولذلك ينبغي الحذر من تحويلها إلى حكاية محسومة في كل جزئية.
لكن الرواية الأشهر تبدأ مع بدوي شاب من قبيلة التعامرة في منطقة البحر الميت سنة 1947.
كان يبحث في المنطقة حين وصل إلى كهف لم يكن يعرف ماذا يخفي داخله. ارتبطت القصة لاحقًا بحجر أُلقي في الكهف وصوت جرّة فخارية انكسرت.
سواء جرت اللحظة بكل هذه التفاصيل تمامًا أم أعادت الذاكرة ترتيبها لاحقًا، فإن الحقيقة الأساسية بقيت:
من أحد كهوف قمران خرجت لفائف قديمة بصورة استثنائية.
في الكهف الأول كانت هناك جرار وأجزاء من لفائف، وبين المكتشفات الأولى ظهرت سبع مخطوطات كبيرة نسبيًا، من بينها نسخة شهيرة من سفر إشعياء، ونص عُرف لاحقًا باسم «قاعدة الجماعة»، وتعليق على حبقوق، ونصوص أخرى.
لم يكن أحد في تلك اللحظة يعرف أن هذا الكهف ليس سوى البداية.
الكهف الأول لم يكن وحده
بعد وصول أخبار المخطوطات إلى الباحثين، بدأ البحث المنظم في المنطقة.
في عام 1949 جرى تحديد الكهف الأول أثريًا وفحصه، ثم تسارعت عمليات البحث والتنقيب خلال السنوات التالية.
شارك في العمل علماء آثار، كما استمر البدو أنفسهم في البحث عن كهوف أخرى.
وبين 1947 و1956 ظهرت مخطوطات وبقايا نصوص من أحد عشر كهفًا في منطقة قمران.
خمسة من هذه الكهوف التي حملت نصوصًا اكتشفها البدو، وستة وصل إليها علماء الآثار.
ومع كل كهف جديد كانت الصورة تكبر.
لم تعد القضية سبع لفائف.
ظهرت عشرات الآلاف من القطع الصغيرة، بعضها لا يتجاوز بضعة سنتيمترات، تمثل بقايا أكثر من تسعمئة مخطوط تقريبًا.
وفجأة لم يعد العلماء أمام كتاب ضائع.
كانوا أمام عالم كامل ممزق إلى آلاف القطع.
تفصيل أردني في قلب القصة
هناك فصل مهم في قصة المخطوطات كثيرًا ما يضيع في الرواية الشعبية.
عندما بدأت التحقيقات الأثرية المنظمة في المنطقة عام 1949، كان جيرالد لانكستر هاردينغ، مدير دائرة الآثار الأردنية، من الشخصيات الرئيسية التي قادت العمل إلى جانب عالم الآثار رولان دو فو من المدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار في القدس.
وفي السنوات التالية أصبحت أعمال التنقيب، وشراء أجزاء المخطوطات التي ظهرت لدى البدو، وفرز آلاف القطع، عملية علمية ضخمة.
لقد بدأ الأمر بلفائف في كهف.
ثم تحول إلى واحدة من أصعب عمليات تجميع النصوص في تاريخ علم المخطوطات.
تخيل كتابًا سقط في آلة تمزيق.
ثم تخيل أن الكتاب ليس كتابًا واحدًا، بل مئات الكتب.
ثم اترك القطع في الصحراء ألفي عام.
بعد ذلك اطلب من العلماء معرفة أي قطعة تنتمي إلى أي نص، وأي سطر يأتي قبل الآخر.
كان هذا تقريبًا حجم المهمة.
ماذا وجدوا فعلًا؟
أول ما يجب التخلص منه هو الصورة التي توحي بأن «مخطوطات البحر الميت» كتاب واحد.
ليست كذلك.
إنها مجموعة هائلة من النصوص المختلفة.
بعضها نسخ من أسفار موجودة في الكتاب العبري، وبعضها مؤلفات دينية يهودية أخرى كانت معروفة جزئيًا أو فقدت نصوصها الأصلية، وبعضها قوانين وصلوات وتفاسير ونصوص تتعلق بجماعة دينية ذات أفكار وتنظيم خاص.
هناك نصوص عن الحرب الأخيرة بين قوى النور والظلام.
ونصوص تتحدث عن قواعد الجماعة والحياة المشتركة.
وهناك تراتيل وصلوات وتعليقات على كتب دينية.
كما عثر على نسخ من أعمال مثل أخنوخ واليوبيلات.
أما من كتب الكتاب العبري، فقد ظهرت في كهوف قمران شواهد من جميع أسفاره تقريبًا، باستثناء سفر أستير.
ولهذا لم يكن الاكتشاف مهمًا بسبب قدم الورق وحده.
كان مهمًا بسبب ما كُتب عليه.
ثلاث لغات خرجت من الكهوف
لم يكن أصحاب المخطوطات يتحدثون بصوت واحد.
معظم النصوص القمرانية كُتب بالعبرية، لكن عددًا مهمًا منها كُتب بالآرامية، كما ظهرت نصوص باليونانية.
وهذه اللغات الثلاث وحدها تخبرنا بشيء عن العالم الذي خرجت منه المخطوطات.
كان شرق المتوسط في تلك القرون عالمًا متعدد اللغات والثقافات.
العبرية لغة للنصوص والكتابة الدينية والأدبية.
الآرامية لغة واسعة الانتشار في الحياة والثقافة الإقليمية.
واليونانية لغة عالم هلنستي امتد تأثيره في المنطقة منذ فتوحات الإسكندر وما بعدها.
لم تكن المخطوطات آتية من عالم مغلق تمامًا.
بل من منطقة تتقاطع فيها الإمبراطوريات واللغات والأديان.
كم كان عمرها؟
هذا هو الجزء الذي جعل الاكتشاف زلزالًا علميًا.
استُخدمت دراسة أشكال الخطوط، والمواد الأثرية المرتبطة بالكهوف، ثم تقنيات التأريخ بالكربون المشع، لفهم عمر النصوص.
وتعود مخطوطات قمران في مجموعها تقريبًا إلى الفترة الممتدة من القرن الثالث قبل الميلاد حتى القرن الأول الميلادي.
أي أننا أمام نصوص من زمن الهيكل الثاني ومن القرون التي سبقت ورافقت بدايات المسيحية.
قبل اكتشاف قمران، كانت أقدم النسخ الكاملة أو شبه الكاملة المتاحة للباحثين من بعض نصوص الكتاب العبري أحدث بكثير.
ثم خرجت من الكهوف نسخ تعود إلى نحو ألف عام قبل كثير من المخطوطات العبرية الوسيطة التي اعتمد عليها الدارسون.
لم يعد الباحث يقارن نسخة حديثة بنسخة حديثة نسبيًا.
أصبح قادرًا على وضع نصوص يفصل بينها قرابة ألف عام على الطاولة نفسها.
مخطوطة إشعياء الكبرى
من أشهر المكتشفات ما يسمى مخطوطة إشعياء الكبرى.
والسبب بسيط.
بينما وصلت إلينا معظم مواد قمران في شظايا وقطع، بقيت هذه اللفافة محفوظة بصورة استثنائية، وتحمل معظم سفر إشعياء بصورة متصلة تقريبًا.
وفرت المخطوطة فرصة نادرة لدراسة تاريخ انتقال النص.
وكانت النتيجة أكثر إثارة من شعار بسيط من نوع «النص مطابق تمامًا» أو «النص مختلف تمامًا».
الحقيقة أدق.
هناك قدر كبير من الاستمرار والاستقرار النصي، لكن توجد أيضًا اختلافات في الإملاء والكلمات والقراءات بين المخطوطات القديمة والتقاليد النصية اللاحقة.
وهذا ما جعل مخطوطات البحر الميت كنزًا لعلم نقد النصوص.
فهي لا تخبرنا فقط بما كُتب.
بل تساعدنا في دراسة كيف انتقل ما كُتب عبر القرون.
غرفة واحدة في الكهف الرابع قلبت الحسابات
إذا كان الكهف الأول هو الأشهر، فإن الكهف الرابع كان الأغنى من حيث كمية المواد.
عُثر فيه على آلاف القطع التي تمثل مئات المخطوطات، وتشكل نسبة كبيرة من مجموع مواد قمران.
لكن المفارقة أن كثرة النصوص جاءت مع مشكلة.
كانت معظمها ممزقة بشدة.
بعض القطع تحمل كلمة.
بعضها سطرين.
وبعضها جزءًا من حرف.
وأصبح العلماء أمام أحجية ضخمة.
لون الجلد.
نوع الحبر.
شكل الحروف.
اتجاه الألياف.
المحتوى اللغوي.
المسافات بين الأسطر.
كل هذه الأشياء أصبحت أدلة تساعد على إعادة قطعة صغيرة إلى مكانها.
أحيانًا كان اتصال قطعتين صغيرتين يعني استعادة جملة لم يقرأها إنسان منذ ألفي عام.
اللفافة المصنوعة من النحاس
ثم هناك مخطوطة لا تشبه البقية تقريبًا.
لفافة النحاس.
لم تُكتب بالطريقة المعتادة على الرق أو البردي، بل نُقش نصها على صفائح من النحاس.
والأغرب هو محتواها.
إنها تسرد مواقع يُفترض أن كنوزًا من الذهب والفضة وأشياء ثمينة مخبأة فيها.
ومنذ اكتشافها بدأت الأسئلة.
هل تصف كنوزًا حقيقية؟
هل تتعلق بممتلكات الهيكل؟
هل كانت القائمة رمزية؟
هل يمكن أصلًا تحديد الأماكن التي تتحدث عنها بعد ألفي عام من تغير الأسماء والجغرافيا؟
لم يظهر حتى الآن الكنز الأسطوري الذي حلم به صائدو الكنوز.
لكن لفافة النحاس أضافت شيئًا آخر إلى قمران:
لغزًا داخل اللغز.
من كتب هذه المخطوطات؟
هنا ندخل إلى أكثر أجزاء القصة حساسية.
لسنوات طويلة كان الجواب الأكثر شيوعًا:
الأسينيون.
كانت هناك جماعة يهودية قديمة وصفها مؤلفون مثل يوسيفوس وبليني الأكبر، وعُرفت باسم الأسينيين. ويعتقد عدد كبير من الباحثين أن جماعة مرتبطة بالأسينيين عاشت في قمران، وأنها كتبت أو نسخت أو جمعت جزءًا مهمًا من المخطوطات.
هناك أشياء تجعل الفكرة جذابة.
موقع قمران المنعزل.
أحواض المياه التي ربطها الباحثون بممارسات الطهارة.
الطابع الجماعي الذي يبدو في بعض أجزاء الموقع.
والتشابه بين بعض ما تصفه المصادر القديمة عن الأسينيين وبين القواعد الموجودة في عدد من المخطوطات.
لكن هنا يجب أن نتوقف.
النظرية قوية ومؤثرة، لكنها ليست حقيقة مثبتة بحيث ينتهي النقاش عندها.
ربما لم تكن «مكتبة قمران» أصلًا
هناك علماء اقترحوا سيناريو مختلفًا.
ماذا لو لم تكن هذه الكتب كلها ملكًا لجماعة صغيرة تعيش في الصحراء؟
ماذا لو جاءت بعض المخطوطات، أو عدد كبير منها، من مكتبات مختلفة في القدس ومناطق أخرى؟
في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي كانت المنطقة تتجه إلى كارثة.
اندلعت الثورة اليهودية ضد روما سنة 66م.
تقدمت القوات الرومانية.
سقطت قمران على الأرجح قرابة سنة 68م.
ثم دُمرت القدس والهيكل سنة 70م.
في مثل هذا العالم، إخفاء الكتب ليس أمرًا غريبًا.
يمكن أن تكون المخطوطات قد نُقلت إلى الكهوف لحمايتها من الحرب.
وقد تكون المجموعة ذات أصول مختلفة.
وهناك تفسيرات أخرى لطبيعة موقع قمران نفسه.
لذلك فإن كلمة «المكتبة» مفيدة لوصف المجموعة، لكنها قد تخدعنا إذا تصورنا رفوفًا واحدة كانت تحمل كل هذه الكتب قبل أن ينقلها أصحابها إلى الكهوف.
قد تكون مكتبة.
وقد تكون مكتبات.
إذن من أخفاها؟
هذا هو السؤال الموجود على غلاف الحلقة.
والإجابة الأكثر أمانة هي:
لا نعرف يقينًا.
ربما أخفتها الجماعة التي عاشت في قمران عندما شعرت باقتراب الخطر الروماني.
ربما كانت بعض النصوص ملكًا لها، بينما وصلت نصوص أخرى من أماكن مختلفة.
وربما جُمعت مواد من مكتبات متعددة قبل أن توضع في الكهوف.
لا توجد وثيقة تقول:
«نحن فلان، وضعنا هذه المخطوطات هنا في هذا اليوم لهذا السبب.»
لدينا الأدلة.
الكهوف.
الجرار.
النصوص.
الموقع القريب.
تواريخ المخطوطات.
وتاريخ الحرب.
ثم تبدأ مهمة المؤرخ.
والمؤرخ الجيد لا يملأ الفراغ بما يتمنى.
يترك الفراغ مفتوحًا عندما لا تكفي الأدلة لإغلاقه.
لماذا أخفاها أحد أصلًا؟
قد يكون اقتراب الجيش الروماني التفسير الأكثر بداهة لبعض الإخفاء.
كتاب في العالم القديم لم يكن ملفًا يمكن نسخه خلال ثانية.
كان جلدًا أو برديًا.
وحبرًا.
وكاتبًا يعمل ساعات وأيامًا وشهورًا.
وقد تكون المخطوطة نسخة لا توجد منها أخرى في المكان.
إذا جاء الجيش، فليس لديك «نسخة احتياطية على السحابة».
إما أن تنقذ الكتاب، أو قد تختفي كلماته إلى الأبد.
الكهف، في هذه الحالة، ليس مخزنًا.
إنه خزنة للذاكرة.
ربما حمل شخص لفافة يعرفها جيدًا، صعد بين الصخور ووضعها داخل الظلام وهو يتوقع العودة إليها بعد أيام أو أشهر.
ثم لم يعد.
وظلت تنتظر قرابة ألفي عام.
ماذا غيّرت مخطوطات البحر الميت؟
أهميتها لا تختصر في عبارة: «أثبتت نصًا» أو «نفت نصًا».
قيمتها أكبر وأكثر تعقيدًا.
لقد منحت العلماء نافذة مباشرة إلى اليهودية في عصر الهيكل الثاني، وكشفت عالمًا دينيًا أكثر تنوعًا مما توحي به الصور المبسطة اللاحقة.
وجد الباحثون اختلافات في طرق تفسير النصوص.
خلافات في القوانين الدينية.
تقويمات مختلفة.
تصورات عن الطهارة.
أفكارًا عن نهاية الأزمنة.
صلوات وتراتيل.
جماعات تحدد نفسها في مواجهة جماعات أخرى.
أي أننا لم نجد ديانة جامدة في صورة واحدة.
وجدنا بشرًا يناقشون ويتجادلون ويفسرون وينقسمون وينتظرون المستقبل.
وهذه إحدى أعظم قيم المخطوطات.
إنها تعيد البشر إلى التاريخ.
وماذا عن المسيحية؟
لأن المخطوطات تنتمي إلى الفترة القريبة من بدايات المسيحية، أصبحت المقارنات حتمية.
هناك مفردات وأفكار وموضوعات في مخطوطات قمران تساعد الباحثين على فهم البيئة الدينية اليهودية التي ظهرت فيها المسيحية المبكرة.
لكن هنا أيضًا ظهرت مبالغات شعبية كثيرة.
مخطوطات قمران ليست «أناجيل سرية للمسيح».
ولا يوجد بينها نص مؤكد من العهد الجديد.
وقد جرت محاولات لربط بعض الشظايا اليونانية الصغيرة جدًا في الكهف السابع بنصوص من العهد الجديد، لكن هذه التعريفات لم تحظ بقبول علمي مقنع.
القيمة الحقيقية أعمق من البحث عن مفاجأة مثيرة.
المخطوطات تقربنا من العالم الفكري والديني الذي أحاط بتلك المرحلة التاريخية.
وهذا أكثر أهمية من أي عنوان مثير.
الرجل الذي نسخ ولم يضع اسمه
هناك شيء يختفي أحيانًا خلف الحديث عن الأديان والحروب والآثار.
الكاتب.
شخص جلس قبل ألفي عام أمام قطعة من الجلد.
غمس أداة الكتابة في الحبر.
كتب حرفًا.
ثم حرفًا.
ربما أخطأ وشطب.
ربما عاد إلى السطر وأصلحه.
ربما نسخ كتابًا يعرفه منذ طفولته.
وربما نسخ نصًا لم يكن يعرف أن العالم سينساه.
لا نعرف اسمه.
ولا شكل وجهه.
ولا إن كان يتخيل أن يده ستصبح موضوعًا لدراسة العلماء بعد عشرين قرنًا.
لكن أثرها بقي.
في بعض المخطوطات يستطيع الباحث أن يلاحظ اختلاف الأيدي التي كتبت النصوص.
الإنسان اختفى.
خطه لم يختفِ.
وهذه ربما أعمق فكرة في سلسلة «المخطوطات التي خرجت من الظلام».
كيف حفظتها الصحراء؟
الصحراء تبدو عدوة للحياة.
لكنها تستطيع أن تكون صديقة للورق والجلد القديم.
الجفاف الشديد في منطقة البحر الميت، والعزلة داخل الكهوف، ساعدا على بقاء مواد كان يمكن للرطوبة أن تدمرها في بيئات أخرى.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نتخيل أن كل شيء وصل سالمًا.
الزمن أكل أجزاء هائلة.
الجلد تشقق.
الحبر تلاشى في أماكن.
والحشرات والرطوبة العرضية والاحتكاك تركت آثارها.
ما وصل إلينا ليس مكتبة سليمة.
إنه ما نجا من المكتبة.
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
ثم أخفاها العلماء مرة ثانية… بطريقة مختلفة
بعد الاكتشاف ظهرت مشكلة من نوع آخر.
آلاف القطع دخلت إلى غرف الباحثين، لكن نشرها الكامل استغرق عقودًا.
لسنوات طويلة تعرض المشروع لانتقادات بسبب بطء إتاحة أجزاء كبيرة من المواد للباحثين خارج الفريق الصغير المكلف بالنشر.
وفي أواخر القرن العشرين تغير الوضع.
توسعت فرق البحث.
وتسارعت عملية النشر.
ثم جاءت تقنيات التصوير الرقمي عالي الدقة، وأصبح بالإمكان دراسة أجزاء دقيقة من المخطوطات بطرق لم تكن متاحة للجيل الأول من العلماء.
كانت المخطوطة قد خرجت من ظلام الكهف.
ثم احتاج العالم سنوات طويلة حتى يخرج كل نصها إلى الضوء.
ما الذي وجدناه حقًا في قمران؟
ليس الجواب:
مجموعة كتب قديمة.
ما وجدناه هو لحظة مجمدة من تاريخ الإنسان.
وجدنا عالمًا قبل أن يختفي.
جماعات تتجادل حول القانون.
كتّابًا ينسخون نصوصًا قديمة.
مؤمنين ينتظرون نهاية العالم.
أناسًا يختلفون حول التقويم والطهارة والسلطة.
كتبًا اعتُبرت مقدسة.
وكتبًا اختفت لاحقًا من التداول.
وأفكارًا بقيت.
وأفكارًا ماتت.
وجدنا التاريخ قبل أن يعرف التاريخ أي نسخة منه ستنتصر.
خلف السطور
ربما كان السؤال الأسهل هو:
ماذا كُتب في مخطوطات البحر الميت؟
لدينا آلاف الدراسات التي تحاول الإجابة.
لكن السؤال الأكثر إنسانية هو:
من وضعها في الظلام؟
تخيل آخر شخص حمل إحدى تلك اللفائف.
كان يعرف النص.
ويعرف الكهف.
وربما كان يسمع أخبار الحرب تقترب.
لف المخطوطة.
وضعها في مكان يظنه آمنًا.
وغادر.
هل قال لنفسه إنه سيعود؟
بعد أسبوع؟
بعد انتهاء الحرب؟
هل عرف وهو يبتعد أنه يرى كتابه للمرة الأخيرة؟
لا نعرف.
نعرف فقط أنه لم يعد.
ثم مرت إمبراطوريات.
وتغيرت اللغات.
وسقطت مدن.
وقامت مدن.
وظلت اللفائف هناك.
في الظلام.
إلى أن دخل إنسان آخر الكهف بعد نحو ألفي عام.
ومن دون أن يعرف من وضعها هناك، أعادها إلى العالم.
لهذا لم تكن مخطوطات البحر الميت مجرد اكتشاف أثري.
كانت لقاءً متأخرًا بين إنسانين لم يعرف أحدهما الآخر:
واحد أخفى الكتاب.
وآخر وجده.
وبين الاثنين…
ألفا عام من الصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top