جنيزة القاهرة: الغرفة التي حفظت حياة الناس العاديين
السؤال المحوري:
ماذا يحدث عندما يكتب التاريخ نفسه على الأوراق التي كان الناس ينوون التخلص منها؟
هذه المرة لن نذهب إلى مكتبة دُفنت عمدًا.
لن نجد ملكًا يأمر الكتبة بجمع الحكمة، ولا رهبانًا يخفون مخطوطاتهم خوفًا من جيش قادم.
سنذهب إلى غرفة.
غرفة امتلأت ببطء، ورقة بعد ورقة، وكتابًا بعد كتاب، على امتداد قرون.
كان الناس يضعون فيها أوراقًا لم يعودوا يحتاجون إليها.
بعضها نصوص دينية بالية. وبعضها رسائل، وعقود، وحسابات، ومسودات، ووصفات، وأوراق مدرسية، وأشياء لم يكن أصحابها يتخيلون أن أحدًا سيقرأها بعد مئات السنين.
لكن حدث شيء غريب.
ما بدا في زمنه أوراقًا انتهى دورها، أصبح لاحقًا واحدًا من أغنى الأبواب التي نطل منها على حياة الشرق الأوسط في العصور الوسطى.
اسم الغرفة كان:
الجنيزة.
ومكانها الأشهر كان كنيس بن عزرا في الفسطاط، القاهرة القديمة.
هناك تراكمت مواد مكتوبة عبر قرون، حتى أصبحت جنيزة القاهرة اليوم مجموعة موزعة في عشرات المكتبات والمجموعات حول العالم، ويقدّر مشروع برينستون مادتها بنحو 400 ألف صفحة مخطوطة ومطبوعة.
لماذا لم تُرمَ الأوراق؟
الفكرة تبدأ من تقليد ديني يهودي.
النصوص التي تحمل اسم الله لا ينبغي التخلص منها كما يُتخلص من ورقة عادية. فإذا بليت أو خرجت من الاستعمال، كان من الممكن أن توضع في مكان مخصص يسمى جنيزة تمهيدًا للتعامل معها بما يليق بحرمتها.
لكن جنيزة بن عزرا لم تستقبل النصوص المقدسة وحدها.
مع مرور الوقت دخلت إليها أنواع هائلة من الكتابات الأخرى أيضًا؛ رسائل خاصة، ووثائق تجارية، وعقود قانونية، وحسابات، وأوراق يومية.
وهنا وقع ما لم يكن أحد يخطط له:
التقليد الذي أراد حماية الكلمات المقدسة، انتهى إلى حماية تفاصيل الحياة العادية أيضًا.
وهذا تحديدًا ما يجعل جنيزة القاهرة مختلفة.
فالملوك كانوا يعرفون كيف يحفظون أسماءهم.
ينقشونها على الحجر.
ويضربونها على العملات.
ويضعونها على واجهات المعابد والقصور.
أما البائع الذي اختلف مع شريكه؟
والزوجة التي غضبت من زوجها الغائب؟
والتاجر الذي خسر بضاعته؟
والأب الذي لم يستطع السفر لأنه مسؤول عن أطفاله؟
هؤلاء لا تُقام لهم المسلات.
لكن أوراقهم دخلت الجنيزة.
وبقيت.
—
حين يصبح الهامش هو التاريخ
تصف قاعدة بيانات مشروع جنيزة برينستون عالمًا يكاد يصعب تصديقه لمن اعتاد أن يرى العصور الوسطى من خلال السلاطين والحروب.
هناك رسائل غاضبة من زوجة إلى زوجها الغائب.
وشكاوى من مشكلات السفر التجاري في البحر الأحمر.
وحسابات تجار الحرير.
ووثائق معاملات تجارية.
وشكاوى صحية.
وحتى إشارات إلى مشكلات منزلية مثل بقّ الفراش.
ليست هذه تفاصيل جانبية للتاريخ.
إنها التاريخ عندما يُرى من مستوى الشارع.
فمن خلال وثيقة تجارية واحدة تستطيع أن تعرف ما الذي كان الناس يشترونه ويبيعونه.
ومن عقد زواج تعرف شيئًا عن المال والحقوق والعائلة.
ومن رسالة شخصية ترى كيف كان شخص في القاهرة يتحدث مع شخص في عدن أو الإسكندرية أو صقلية.
ومن دفتر حسابات تستطيع أن تتبع بضاعة تعبر البحر المتوسط والبحر الأحمر.
وفجأة لا تعود القاهرة مدينة بعيدة في كتاب تاريخ.
تبدأ في سماع أصواتها.
—
امرأة تكتب… فيسمعها مؤرخ بعد تسعمئة عام
تلك إحدى أعظم مفاجآت الجنيزة.
التاريخ التقليدي كثيرًا ما يجعل النساء والأطفال والفقراء يظهرون كأرقام، إن ظهروا أصلًا.
لكن الأوراق اليومية لا تحترم هذا النوع من الترتيب.
فالرسالة لا تسأل صاحبها إن كان وزيرًا قبل أن تحفظ صوته.
والعقد لا يحتاج إلى أن يكون صاحبه قائد جيش كي يبقى.
لذلك نجد في الجنيزة عقودًا عائلية، ومواد مدرسية، ورسائل خاصة، ووثائق تسمح للباحثين برؤية فئات اجتماعية يصعب سماع أصواتها في السجلات السياسية التقليدية. وقد وصف باحثو كامبريدج أهمية المجموعة تحديدًا بأنها تجعل أصوات النساء والأطفال والحياة المنزلية أكثر ظهورًا مما تسمح به كثير من أرشيفات العصور الوسطى.
وهنا تنقلب وظيفة الوثيقة.
كاتب الرسالة لم يكن يؤرخ لعصره.
كان يريد حل مشكلة.
والمرأة التي أرسلت رسالة إلى زوجها لم تكن تعرف أنها تترك مادة لمؤرخ في القرن الحادي والعشرين.
والتاجر الذي كتب حساباته لم يكن يقول:
> احتفظوا بهذا كي يعرف المستقبل كيف كنا نعيش.
كان يريد فقط معرفة:
من دفع؟
ومن بقي مدينًا؟
وكم بلغت البضاعة؟
لكن التاريخ الحقيقي كثيرًا ما يختبئ في الأشياء التي لم تُكتب من أجل التاريخ.
—
القاهرة التي كانت متصلة بالعالم
جنيزة القاهرة لا تحكي قصة القاهرة وحدها.
الأوراق تكشف شبكة بشرية وتجارية واسعة امتدت عبر البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
وتظهر فيها مجتمعات وأشخاص وأموال وسلع ورسائل تنتقل بين مناطق متباعدة، في عالم كان أكثر اتصالًا مما قد نتخيل حين نستخدم كلمة «العصور الوسطى».
وتضم المواد لغات وطرائق كتابة متعددة، أبرزها العبرية والعربية اليهودية والعربية والآرامية، وهو ما يعكس البيئة اللغوية والثقافية المعقدة التي خرجت منها الوثائق.
لهذا لا يهتم بجنيزة القاهرة باحثو التاريخ اليهودي وحده.
إنها مصدر لتاريخ الاقتصاد.
والتجارة.
والقانون.
والطب.
واللغة.
والعائلة.
والتعليم.
وحركة الأشخاص بين المدن.
بل إنها إحدى النوافذ النادرة على تفاصيل الحياة الاجتماعية في الشرق الأوسط قبل قرون.
—
ثم دخل سليمان شختر إلى الغرفة
قصة ظهور الجنيزة أمام البحث الحديث ليست لحظة اكتشاف واحدة تمامًا.
كانت أخبارها وبعض موادها معروفة قبل نهاية القرن التاسع عشر، ووصلت أجزاء منها إلى جامعين وباحثين.
لكن اللحظة التي غيرت مصيرها جاءت في تسعينيات القرن التاسع عشر.
في عام 1896، عادت الباحثتان والرحالتان أغنيس سميث لويس ومارغريت دنلوب غيبسون من القاهرة ومعهما أوراق من الجنيزة.
وعندما شاهد الباحث في جامعة كامبريدج سليمان شختر إحدى القطع، أدرك أهميتها، خصوصًا لارتباط بعضها بنص عبري لكتاب بن سيرا.
وفي العام التالي ذهب إلى القاهرة.
هناك وصل إلى جنيزة كنيس بن عزرا، ثم نُقلت، بموافقة المجتمع اليهودي المحلي، مجموعة ضخمة من المواد إلى كامبريدج، حيث أصبحت أساس مجموعة Taylor–Schechter التي تضم اليوم نحو 193 ألف قطعة مخطوطة.
تخيل المشهد.
غرفة امتلأت بالأوراق طوال قرون.
لا رفوف متحفية فاخرة.
لا بطاقات فهرسة.
لا أمناء مكتبة يعرفون قيمة كل صفحة.
كومة هائلة من الماضي.
لكن داخل تلك الفوضى كانت مدن كاملة تنتظر أن يعاد سماعها.
—
ليست «كنزًا» بالمعنى المعتاد
من السهل أن نسمي جنيزة القاهرة كنزًا.
لكن الكلمة قد تضللنا قليلًا.
فالكنز يوحي بشيء ثمين عرف صاحبه أنه ثمين، فأخفاه.
الجنيزة أكثر جمالًا من ذلك.
جزء كبير من قيمتها التاريخية جاء من حقيقة أن أصحاب الأوراق لم يكونوا يحاولون صناعة أرشيف اجتماعي للمستقبل.
ولهذا تبدو الوثائق صادقة بطريقة مختلفة.
ليست بيانًا رسميًا يحاول فيه الحاكم أن يخبرك كيف تريد الدولة أن تُرى.
إنها حياة تحدث.
شخص يطلب مالًا.
آخر يشتكي.
تاجر يحسب.
زوجة تعاتب.
معلم يتعامل مع طلابه.
مريض يبحث عن علاج.
وعائلة تحاول ترتيب أمورها.
هذه الأشياء الصغيرة حين تُجمع بعشرات الآلاف لا تبقى صغيرة.
إنها تتحول إلى حضارة.
—
مشكلة جميلة اسمها: القطعة
لكن الجنيزة لم تصل إلينا على هيئة كتب مرتبة.
الكثير منها شظايا.
ورقة بلا نصفها الآخر.
صفحة لا نعرف من أي كتاب اقتُلعت.
رسالة تبدأ من المنتصف.
قطعتان موجودتان اليوم في مكتبتين مختلفتين وقد تكونان في الأصل جزءًا من الوثيقة نفسها.
ومع تشتت مواد الجنيزة بين عشرات المجموعات حول العالم، أصبح البحث أحيانًا أقرب إلى تركيب أحجية ضخمة استمرت ألف عام.
ولهذا ما زال العمل قائمًا حتى اليوم: تصوير، وفهرسة، ورقمنة، وقراءة، ومقارنة، ومحاولات لإعادة جمع الأجزاء افتراضيًا.
إنها مفارقة جميلة.
أوراق لم يعد أصحابها يحتاجونها…
أصبحت تحتاج أجيالًا من الباحثين كي يفهموها.
—
ماذا أنقذت جنيزة القاهرة فعلًا؟
لم تنقذ ورقًا فقط.
أنقذت نسبة مختلفة من البشر داخل التاريخ.
فلو بقيت لنا كتب الحكام والمؤرخين وحدها، لعرفنا أسماء الوزراء والولاة والحروب.
لكننا ربما لم نعرف كيف كان الناس يتزوجون.
وكيف يتداينون.
وكيف يتاجرون.
وكيف يسافرون.
وكيف يختلفون.
وكيف يكتب أحدهم رسالة وهو غاضب.
وكيف يحاول شخص عادي أن يعبر يومًا عاديًا من حياته.
ولهذا فإن أعظم ما حفظته جنيزة القاهرة ليس نصًا واحدًا.
ولا مخطوطًا واحدًا.
ولا اسم عالم واحد.
ما حفظته هو شيء أوسع:
الحياة عندما لا تعرف أنها تتحول إلى تاريخ.
—
خلف السطور
حين نفكر في الأرشيف، نتخيله عادة مكانًا يقرر فيه شخص ما:
هذا مهم، يجب أن نحفظه.
جنيزة القاهرة تقترح الاحتمال المعاكس.
أحيانًا تصبح الأشياء مهمة لأن أحدًا لم يعرف أنها ستكون مهمة.
رسالة زوجية.
وصل دين.
قائمة مشتريات.
عقد.
حساب.
قصاصة عليها كلمات سريعة.
كلها أشياء كان يمكن أن تختفي بلا أثر.
ولو اختفت، لما لاحظ التاريخ غيابها.
فالملوك سيبقون.
والحروب ستبقى.
والتواريخ الكبرى ستبقى.
لكن شيئًا آخر كان سيضيع:
الناس.
وهنا تكمن قيمة الجنيزة.
لقد حفظت التاريخ الذي لا يعرف عادة أنه يستحق الحفظ.
ولهذا، عندما نفتح إحدى أوراقها اليوم، فنحن لا نقرأ الماضي فقط.
نحن نسمع شخصًا عاش قبل قرون يقول، من دون أن يقصد:
كنت هنا أيضًا.
—
السؤال الأخير
ربما ليست المشكلة أن التاريخ ينسى الناس العاديين.
ربما المشكلة أن أوراقهم عادة لا تعيش طويلًا بما يكفي كي تصل إلينا.
وفي القاهرة حدث استثناء مذهل.
بقيت الأوراق.
فبقي أصحابها.
والسؤال الذي تتركه جنيزة القاهرة أمامنا هو:
> كم حياة اختفت من التاريخ، فقط لأن أحدًا لم يحتفظ بورقة؟
هذه عندي حلقة أساسية جدًا في السلسلة، وأقترح تثبيت عنوانها كما كتبته أنت بلا تعديل:
«جنيزة القاهرة: الغرفة التي حفظت حياة الناس العاديين».
والجميل أنها تأتي بعد مخطوطات دونهوانغ بتضاد ممتاز: دونهوانغ حفظت مكتبة أُغلقت خلف جدار؛ أما القاهرة فحفظت أوراق الحياة التي تراكمت لأن التخلص منها لم يكن أمرًا بسيطًا.

