مخطوطات نجع حمادي: الكتب التي نامت تحت الرمل 1600 عامًا
سلسلة: المخطوطات التي خرجت من الظلام
الحلقة الثانية
في الحلقة الأولى، خرجت الكلمات من كهوف قمران على هيئة لفائف.
أما هذه المرة، فلم تكن هناك لفائف.
كانت هناك كتب.
كتب حقيقية، بصفحات من البردي، مجمعة في ملازم، ومكسوة بأغلفة جلدية.
وترتبط برواية شائعة عن جرّة قرب جبل في صعيد مصر، مع بقاء ظروف العثور الدقيقة موضع نقاش.
يُقدّر أن هذه المخطوطات بقيت محفوظة قرونًا طويلة.
لم يعرف العالم بوجودها.
ولا نعرف على وجه اليقين من جمعها أو لماذا أُخفيت، لكنها خرجت يومًا لتفتح واحدًا من أكثر الأسئلة حساسية في تاريخ المسيحية المبكرة:
من يقرر أي الكتب تبقى… وأيها تختفي؟
جرّة في صعيد مصر
كان ذلك في أواخر عام 1945، قرب نجع حمادي في محافظة قنا بصعيد مصر.
عند سفح جبل الطارف، كان بعض السكان المحليين يبحثون في الأرض.
وتقول الرواية الأشهر للاكتشاف إن رجلًا يُدعى محمد علي السمان كان بين من عثروا على جرّة فخارية كبيرة مدفونة في المكان.
تفاصيل اللحظة نفسها وصلتنا لاحقًا عن طريق الروايات الشفوية، ولهذا لا ينبغي التعامل مع كل جزئية فيها باعتبارها محضرًا مكتوبًا في يوم الاكتشاف.
أما المخطوطات الباقية نفسها فهي دليل مادي يمكن دراسته.
مجموعة من الكتب القديمة المصنوعة من البردي.
ومع انتقالها من يد إلى أخرى، بدأ يتضح أن ما خرج من التراب لم يكن مجرد مخطوطات قديمة.
كان شيئًا سيغير دراسة المسيحية القديمة إلى الأبد.
ثلاثة عشر كتابًا من عالم مفقود
عُرفت المجموعة لاحقًا باسم:
مخطوطات نجع حمادي — Nag Hammadi Codices
وتتكون تقليديًا من ثلاثة عشر مجلدًا قبطيًا، وإن كانت الحالة المادية للمجموعة وتعريف المجلد الثالث عشر أكثر تعقيدًا من هذا العدد البسيط.
وتضم في مجموعها نحو 52 نصًا، مع وجود بعض الأعمال أكثر من مرة.
أي أننا لا نتحدث عن كتاب سري واحد.
بل عن مكتبة صغيرة كاملة تقريبًا.
كتب دينية.
حوارات.
أناجيل غير قانونية.
رؤى.
صلوات.
نصوص فلسفية.
تفسيرات للخلق والإنسان والخلاص.
وحتى مقطع من كتاب الجمهورية لأفلاطون ظهر داخل هذه المجموعة الغريبة.
اجتمعت نصوص من عوالم فكرية متعددة في هذه المجموعة.
والأهم: كانت كتبًا لا لفائف
هناك تفصيل قد يبدو صغيرًا، لكنه يخبرنا أن عالم الكتاب نفسه كان يتغير.
مخطوطات البحر الميت التي رأيناها في الحلقة السابقة ارتبطت في أذهاننا باللفائف.
أما نجع حمادي فنحن أمام Codices — مجلدات.
أي صفحات موضوعة بعضها فوق بعض ومجلدة من أحد الأطراف.
الشكل الذي سيصبح لاحقًا هو الكتاب الذي نعرفه نحن.
وعندما تمسك بصورة أحد مجلدات نجع حمادي، فأنت لا تنظر فقط إلى نص قديم.
بل إلى مرحلة من تاريخ تحول الإنسان من اللفافة إلى الكتاب.
الأفكار تغيرت.
لكن الوعاء الذي يحمل الأفكار كان يتغير أيضًا.
بأي لغة تحدثت هذه الكتب؟
النصوص التي عُثر عليها مكتوبة باللغة القبطية.
لكن الباحثين يرجحون أن عددًا كبيرًا منها ترجمات عن نصوص يونانية أقدم.
وهنا يجب التفريق بين شيئين:
المخطوطة التي بين أيدينا تعود أساسًا إلى القرن الرابع الميلادي.
أما النص نفسه فقد يكون أقدم من النسخة القبطية التي حفظته.
وهذا أمر طبيعي في تاريخ المخطوطات.
حين نعثر اليوم على نسخة عربية مخطوطة من كتاب كُتب قبلها بمئات السنين، فإن تاريخ الورق ليس بالضرورة تاريخ تأليف الكتاب.
ونجع حمادي وضعت العلماء أمام المشكلة نفسها.
كتاب من القرن الرابع قد يحمل نصًا صيغ قبل ذلك بزمن.
لكن تحديد عمر كل نص وأجزائه وتقاليده مسألة مستقلة، ولا يجوز وضع جميع الكتب في تاريخ واحد لمجرد نسبتها إلى المجموعة نفسها.
إنجيل توما: النص الذي سرق الأضواء
من بين جميع مخطوطات نجع حمادي، أصبح أحدها أشهر من البقية:
إنجيل توما
لكن من يسمع كلمة «إنجيل» قد يتوقع قصة مثل متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا.
ميلاد.
رحلات.
معجزات.
صلب.
قيامة.
إنجيل توما مختلف.
إنه في الأساس مجموعة من أقوال منسوبة إلى يسوع.
لا يقدم سيرة متصلة لحياته.
بل سلسلة من الأقوال والتعليمات، يبلغ عددها في النسخة المعروفة 114 قولًا.
بعضها يشبه أقوالًا موجودة في الأناجيل القانونية.
وبعضها مختلف.
وبعضها غامض إلى درجة جعلته مادة لنقاش أكاديمي استمر عقودًا.
هل يحتفظ ببعض تقاليد قديمة مستقلة؟
متى جُمعت هذه الأقوال؟
هل بعضها مبكر وبعضها متأخر؟
ليس هناك جواب واحد متفق عليه لكل ذلك.
لكن مجرد امتلاك نص كهذا غيّر طبيعة النقاش.
لم يعد الباحث مضطرًا إلى معرفة هذه التيارات من خلال ما قاله خصومها عنها.
أصبح النص نفسه أمامه.
لأن التاريخ كان يعرف الخاسرين من كلام المنتصرين
هذه ربما أهم نقطة في نجع حمادي.
قبل اكتشاف المخطوطات، عرف الباحثون الكثير عن بعض الاتجاهات المسيحية القديمة من كتابات رجال الكنيسة الذين ردوا عليها وحاربوها.
من أشهر هؤلاء إيريناوس في القرن الثاني الميلادي، الذي كتب ضد تيارات اعتبرها هرطقات.
وهذا مصدر تاريخي مهم.
لكن تخيل أننا أردنا دراسة شخص ولم نمتلك شيئًا كتبه هو.
كل ما نعرفه عنه جاء من خصمه.
ستتعلم أشياء كثيرة.
لكنك ستظل تسأل:
ماذا كان سيقول عن نفسه؟
نجع حمادي أعطتنا جزءًا من ذلك الصوت الآخر.
ليس لأن كل ما في الجرّة ينتمي إلى جماعة واحدة.
بل لأننا أصبحنا نقرأ نصوصًا كانت تمثل أفكارًا واتجاهات لم تصبح هي الشكل الغالب للمسيحية في القرون اللاحقة.
وهنا تحولت دراسة «الهرطقة» من ملف كتبه الخصوم إلى مكتبة تستطيع بعض أصواتها أن تتحدث بنفسها.
هل هي «المكتبة الغنوصية»؟
لسنوات طويلة أصبح التعبير شبه تلقائي:
مكتبة نجع حمادي الغنوصية.
ولا يزال المصطلح مفيدًا في سياقات كثيرة.
عدد مهم من النصوص يحمل أفكارًا ترتبط بما سماه الباحثون الغنوصية — Gnosticism.
في صورة شديدة التبسيط، نجد في بعض هذه التيارات تصورًا يرى أن الإنسان يحمل عنصرًا إلهيًا محاصرًا في عالم مادي ناقص، وأن الخلاص يرتبط بنوع من المعرفة — gnosis التي تكشف أصله وحقيقته.
لكن المشكلة أن النصوص ليست كلها نسخة من عقيدة واحدة.
ولا توجد «كنيسة غنوصية» واحدة تركت لنا دستورًا موحدًا.
هناك اختلافات كبيرة بين النصوص والتيارات.
فالنتينية.
سيثية.
مسيحية بأشكال مختلفة.
نصوص هرمسية.
مواد فلسفية.
ولهذا أصبح كثير من الباحثين أكثر حذرًا في استعمال كلمة «الغنوصية» وكأنها اسم لكيان واحد بسيط.
الجرّة لم تحتوِ على صوت واحد.
احتوت على أصوات.
عالم كانت المسيحية فيه لا تزال تتشكل
من السهل جدًا أن ننظر إلى الماضي من نهايته.
نحن نعرف اليوم الكتب التي أصبحت جزءًا من العهد الجديد.
ونعرف البنى الكبرى للكنائس المسيحية.
ونعرف العقائد التي أصبحت لاحقًا مركزية.
لكن إن عدنا إلى القرون الأولى، فسنجد المشهد أقل ترتيبًا بكثير.
كانت هناك جماعات.
ومعلمون.
وتفسيرات مختلفة.
ونقاشات حول طبيعة المسيح.
وطبيعة الله.
والخلق.
والجسد.
والقيامة.
والخلاص.
والسلطة.
والكتب التي ينبغي قراءتها.
نجع حمادي لا تخبرنا بأن «المسيحية الحقيقية» كانت سرًا داخل جرّة.
وهذه واحدة من المبالغات التي يجب أن نتجنبها.
بل تخبرنا بشيء أكثر إثارة تاريخيًا:
المسيحية المبكرة كانت أكثر تنوعًا وصراعًا فكريًا مما تبدو عليه عندما نقرأ التاريخ من نهايته فقط.
ثم يأتي السؤال الكبير: لماذا دُفنت؟
نعرف تقريبًا ماذا وُجد.
ونعرف مكان العثور عليه.
ونستطيع دراسة الورق والحبر والخطوط والأغلفة.
لكن لا توجد بطاقة داخل الجرّة تقول:
«دفنّا هذه الكتب لأن…»
ولهذا تبدأ الفرضيات.
واحدة من أشهرها تربط المجموعة بالرهبنة المسيحية المبكرة في المنطقة، ولا سيما الأديرة المرتبطة بتقليد باخوميوس.
هذا ليس افتراضًا بلا أساس.
كانت المنطقة مركزًا مهمًا للرهبنة الباخومية، وقد قدمت دراسة أغلفة المجلدات والوثائق التي أعيد استخدامها فيها وملاحظات النساخ وغيرها حججًا دفعت باحثين حديثين إلى إعادة تقوية فرضية الأصل الرهباني للمجموعة.
لكن النقاش لم يُغلق.
ما زالت هناك أسئلة حول أصحاب الكتب وكيف استُخدمت ولماذا انتهت في مكان دفنها.
سنة 367: الرسالة التي أصبحت جزءًا من اللغز
ثم لدينا تاريخ يصعب تجاهله:
367م
في ذلك العام كتب أثناسيوس، أسقف الإسكندرية، رسالته الفصحية التاسعة والثلاثين.
أهمية الرسالة كبيرة جدًا في تاريخ الكتاب المقدس المسيحي، لأنها تحتوي على أقدم قائمة باقية تطابق بالضبط الكتب السبعة والعشرين التي أصبحت العهد الجديد المتداول لاحقًا.
كما ميز أثناسيوس بين الكتب التي عدها قانونية وكتب أخرى، وحذر من مؤلفات منحولة اعتبرها غير مقبولة.
وهنا ظهرت فرضية مغرية للغاية:
هل تلقى رهبان في مصر الرسالة، وأدركوا أن بعض الكتب الموجودة في مكتبتهم أصبحت غير مرغوب فيها، فجمعوها ووضعوها في جرّة وأخفوها؟
إنها قصة ممتازة.
وتناسب كل ما يحب الكاتب أن يجده:
قرار.
خطر.
كتب ممنوعة.
رهبان في الليل.
جرّة.
صحراء.
ثم اكتشاف بعد 1600 سنة.
لكن المشكلة أن التاريخ لا يكتب على أساس جمال القصة.
لا نعرف أن رسالة أثناسيوس دفنت الكتب
لا توجد لدينا وثيقة تقول إن مخطوطات نجع حمادي دُفنت استجابة مباشرة لرسالة سنة 367.
ولا نعرف من حمل الجرّة إلى موقعها.
ولا نعرف اليوم المحدد الذي دُفنت فيه.
وقد ناقش الباحثون أصلًا مدى ارتباط المجموعة بالرهبان الباخوميين وكيف كانوا ينظرون إلى هذه النصوص.
بل إن دراسات حديثة اقترحت أن بعض الرهبان ربما لم يحتفظوا بهذه النصوص سرًا خوفًا منها، وإنما قرأوها واستخدموها ضمن حياة فكرية وروحية أكثر تنوعًا مما كنا نتصوره.
لذلك فالعبارة الدقيقة ليست:
أمر أثناسيوس بمنعها، فدفنها الرهبان.
بل:
ظهرت في القرن الرابع ضغوط متزايدة لترسيم حدود الكتب المقبولة، وقد يكون هذا المناخ أحد السياقات المحتملة التي تساعد على تفسير إخفاء المجموعة، لكن الصلة المباشرة غير مثبتة.
وهذا الفرق بين التاريخ والأسطورة.
الأسطورة تملأ الفراغ.
أما التاريخ فيضع علامة استفهام داخله.
هل أراد صاحبها إنقاذها… أم التخلص منها؟
وهذا يجعل اللغز أجمل.
عادةً عندما نجد شيئًا مدفونًا نفترض أن صاحبه أراد الحفاظ عليه.
لكن ليس بالضرورة.
قد تدفن شيئًا لأنك تريد إنقاذه.
وقد تخفيه لأن امتلاكه أصبح خطرًا.
وقد تضعه بعيدًا لأنك لم تعد تحتاج إليه ولكنك لا تريد إتلاف نصوص دينية.
وقد يكون الدفن جزءًا من تغيير حدث داخل مكتبة أو جماعة.
نحن نرى النتيجة.
جرّة وكتب.
لكن الفعل نفسه يحتمل أكثر من معنى.
الحفظ؟
الإخفاء؟
التخلص المحترم؟
الخوف؟
كلها احتمالات.
ولا أحد من الذين اتخذوا القرار بقي ليخبرنا.
المفارقة: الإخفاء هو الذي أنقذها
أيًا كان السبب، حدث شيء لم يستطع من دفن الكتب توقعه.
لقد نجح.
ليس بالمعنى الذي قصده بالضرورة.
نجح لأن الجرّة والصحراء والجفاف أبقت أجزاء ضخمة من المجموعة حية.
اختفت الجماعة التي امتلكتها.
تغيرت الإمبراطوريات.
وتغيرت مصر.
وماتت اللهجات القديمة أو تحولت.
وأصبحت الكتب التي كانت يومًا قابلة للقراءة فورًا غير مفهومة لغالبية البشر.
لكن البردي بقي.
كأن صاحب الكتب قال للزمن:
خذ العالم كله… واترك هذه الصفحات.
وفعل الزمن العكس تقريبًا.
أخذ صاحبها.
وترك الصفحات.
ماذا وجدنا في هذه الصفحات؟
بعض العناوين وحدها تكشف مقدار التنوع:
إنجيل توما
إنجيل فيلبس
إنجيل الحقيقة
كتاب يوحنا السري
رؤيا آدم
الرعد، العقل الكامل
تفسير النفس
حوار المخلص
ونصوص تنسب كلمات أو رؤى إلى شخصيات رسولية أو كتابية.
كما توجد مواد فلسفية وهرمسية.
وهنا يجب الحذر مرة أخرى.
العناوين التي تقول «إنجيل» لا تعني تلقائيًا أن كل كتاب منها هو إنجيل بالمعنى الأدبي نفسه للأناجيل القانونية.
ولا يعني اسم رسول على كتاب أنه كتبه فعلًا ذلك الرسول.
نسبة الكتب إلى الشخصيات الكبرى ممارسة قديمة، ويجب دراسة كل نص من حيث اللغة والتاريخ والمحتوى والتقاليد التي يحملها.
وهل تكشف «حقيقة مخفية عن يسوع»؟
هذا أحد أكثر الأسئلة جذبًا للقراء.
وهو أيضًا أحد أكثر الأماكن التي يكثر فيها التضليل.
نجع حمادي لا تعطينا ببساطة «القصة الحقيقية التي حذفتها الكنيسة».
هذا عنوان ممتاز لفيديو رديء.
وليس تاريخًا جيدًا.
معظم المخطوطات التي بين أيدينا تعود إلى القرن الرابع، بينما التقاليد والنصوص التي تُرجمت فيها يمكن أن تكون أقدم بدرجات مختلفة.
بعضها مهم جدًا لفهم تاريخ الأفكار المسيحية.
وبعضها قد يحتفظ بتقاليد قديمة تستحق الدراسة الجادة.
لكن وجود نص مختلف لا يجعله تلقائيًا أقدم.
ولا يجعله تلقائيًا أكثر صحة.
كما أن عدم دخوله في القانون المسيحي لا يثبت وجود مؤامرة واحدة مركزية لمحو كل نسخه.
التاريخ الحقيقي أكثر تعقيدًا.
وأجمل.
لم يكن السؤال فقط: ماذا قال يسوع؟
تسمح لنا مخطوطات نجع حمادي بأن نطرح سؤالًا مختلفًا.
ماذا كان الناس في القرون الأولى يعتقدون أنه يعني أن تكون مسيحيًا؟
وهنا نجد إجابات متعددة.
لبعضهم كان العالم المادي جزءًا من مشكلة كونية.
لبعضهم كان الخلاص معرفة داخلية.
وفي بعض النصوص يصبح البحث عن الهوية الحقيقية للإنسان في مركز الرحلة.
وفي أخرى نجد تأملات معقدة في طبيعة الإله والخلق والروح.
هذه الأفكار لم تصبح جميعها هي المسيحية التي سادت لاحقًا.
لكنها كانت موجودة.
وكان هناك بشر يقرأونها.
ينسخونها.
يختلفون حولها.
وربما يصلّون من خلالها.
وهذا وحده يجعلها تاريخًا.
الكتاب الذي يحمل أصابع صاحبه
هناك شيء يجعل نجع حمادي أكثر حميمية من مجرد أفكار لاهوتية.
الأغلفة.
الجلد.
الخياطة.
طريقة جمع الصفحات.
ملاحظات الناسخ.
والبرديات القديمة التي أعيد استخدامها داخل بعض الأغلفة.
الكتاب لم يولد في مكتبة رقمية.
صنعه شخص بيديه.
قاس الصفحات.
قطع الجلد.
ثقب الغلاف.
مرر الخيط.
وكتب آخر النص حرفًا وراء حرف.
وعندما أخطأ الناسخ، بقي خطؤه.
وعندما صحح، بقي التصحيح.
كل هذه الأشياء تجعل المخطوطة شيئًا لمسه إنسان.
هناك أفكار مجردة جدًا داخل نجع حمادي.
لكن الشيء الذي حملها كان ماديًا للغاية:
جلد. بردي. حبر. يد.
ثم بدأ الشتات الثاني للكتب
لم يكن خروج المخطوطات من الأرض نهاية القصة.
بدأت بعض الأجزاء تنتقل عبر تجار الآثار والوسطاء.
وتفرقت أجزاء من المجموعة قبل أن يتمكن العلماء والسلطات من جمع معظمها والمحافظة عليها.
أحد أشهر المجلدات أصبح يعرف باسم مجلد يونغ — Jung Codex بعد ارتباطه بمعهد كارل غوستاف يونغ في زيورخ.
وفي النهاية أصبحت مخطوطات نجع حمادي محفوظة أساسًا في المتحف القبطي بالقاهرة.
الغريب أن الكتب نجت قرونًا مجتمعة تحت الأرض.
ثم كادت تتفرق بعد أن خرجت منها.
تاريخ المخطوطة لا ينتهي عندما يعثر عليها أحد.
أحيانًا يبدأ فصل جديد من المخاطر.
ما الذي غيرته نجع حمادي فعلًا؟
لم تثبت أن كل التاريخ السابق كان كذبًا.
ولم تكشف عن دين عالمي سري.
ولم تهدم الأناجيل القانونية.
ما فعلته أكبر علميًا من هذه الشعارات.
لقد أعادت مصادر أولية إلى طاولة البحث.
أصبح الباحث قادرًا على دراسة عدد من التيارات القديمة من خلال نصوصها نفسها، لا من خلال ما كتبه خصومها فقط.
وأصبحت صورة المسيحية في القرون الأولى أكثر تعددًا.
وأصبح مفهوم «الغنوصية» نفسه موضع إعادة نظر.
وأصبح تاريخ تشكل القانون المسيحي أكثر وضوحًا وتعقيدًا في الوقت ذاته.
بعض الاكتشافات تجيب عن الأسئلة.
نجع حمادي فعلت شيئًا آخر:
حسّنت الأسئلة.
من قرر أي الكتب ستبقى؟
قد يبدو هذا هو السؤال المركزي للسلسلة.
لكن لا يوجد رجل واحد جلس أمام خمسين كتابًا وقال:
هذا سيبقى.
وهذا سيختفي.
تكوّن القانون المسيحي كان عملية تاريخية طويلة.
دخلت فيها العبادة.
والانتشار بين الكنائس.
والنقاش اللاهوتي.
والنسبة الرسولية.
والسلطة الكنسية.
والجدل.
والزمن.
بعض الكتب أصبحت مركزية في مجتمعات واسعة.
وبعضها بقي في جماعات محدودة.
وبعضها هوجم.
وبعضها توقف الناس عن نسخه.
وهذه نقطة مهمة جدًا في عالم المخطوطات:
لكي يعيش كتاب قبل الطباعة، يجب أن يقرر شخص ما نسخه مرة أخرى.
ثم مرة أخرى.
ثم مرة أخرى.
إذا توقف الناس عن النسخ…
يموت الكتاب ببطء.
ليس بالحرق دائمًا.
بل بالصمت.
خلف السطور
لنتخيل إنسانًا مجهولًا يقف في قلب هذه القصة؛ المشهد الآتي احتمال سردي لا نملك وثيقة تثبته.
كان لديه ثلاثة عشر مجلدًا، أو كان مسؤولًا عنها بطريقة ما.
وفي لحظة ما، قرر أن الكتب لا ينبغي أن تبقى حيث كانت.
جمعها.
وحملها.
ووضعها في جرّة.
ثم أخذ الجرّة إلى مكان قريب من جبل الطارف.
ودفنها.
لا نعرف إن كان خائفًا.
ولا إن كان غاضبًا.
ولا إن كان ينقذ مكتبته.
ولا إن كان يزيلها من مكتبة أخرى.
ولا إن كان يتوقع العودة إليها.
إن صح هذا التصور، فقد غيّر قرار إخفاء الكتب ما وصلنا من التاريخ.
لو أحرقها، لاختفت.
لو تركها في غرفة رطبة، لتحللت.
لو أعاد استخدامها، لضاعت.
لكنه وضعها تحت الأرض.
وهناك حدث أغرب شيء يمكن أن يحدث لكتاب:
اختفى كي يبقى.
بعد قرون طويلة، وصلت المخطوطات إلى أيدي الباحثين.
وعادت الأصوات.
ليس لكي تخبرنا أن كل ما عرفناه كان خطأ.
بل لتذكرنا بشيء أكثر تواضعًا:
التاريخ الذي وصل إلينا ليس كل ما حدث.
إنه فقط الجزء الذي نجا.
ولهذا، عندما فتح العالم كتب نجع حمادي، لم يكن يقرأ كلمات خرجت من الرمل فقط.
كان يقرأ أصواتًا خسرت معاركها القديمة…
لكنها ربحت معركة واحدة أخيرة ضد النسيان.
تنبيه منهجي
تصف الفقرات الأخيرة احتمالًا تخييليًا لمن أخفى المخطوطات؛ هوية من دفنها ودوافعه غير معروفتين. والرواية المتداولة عن الجرّة وظروف العثور عليها ليست محسومة في البحث التاريخي، فلا تُقرأ مشاهد السرد بوصفها شهادة موثقة.
المصادر والمراجع
- أرشيف نجع حمادي — مكتبة كليات كليرمونت الرقمية؛ صور المخطوطات الأصلية وفهرسها.
- مارك غوداكر، «ما مدى موثوقية قصة اكتشاف نجع حمادي؟»، Journal for the Study of the New Testament، 2013.

