مكاور: لماذا خاف هيرودس من يوحنا المعمدان؟
رجل بلا جيش، وملك امتلك القلعة والجلاد… فمن كان الأقوى؟
هناك قلاع بُنيت كي تمنع العدو من الدخول.
ومكاور واحدة منها.
جبل مرتفع شديد الانحدار جنوب غربي مادبا، يطل على البحر الميت، وتحيط به الأودية كما لو أن الطبيعة نفسها قررت أن تضيف سورًا آخر إلى أسواره.
في هذا الموضع بنى الحشمونيون حصنًا، ثم دمّره الرومان، قبل أن يعيد هيرودس الكبير بناءه في القرن الأول قبل الميلاد قصرًا محصنًا وموقعًا استراتيجيًا في مواجهة الأنباط. وبعد موته آلت المنطقة إلى ابنه هيرودس أنتيباس.
كل شيء في مكاور كان يوحي بالقوة.
الجبل.
الأسوار.
الجنود.
القصر.
لكن الرجل الذي سيجعل اسم هذا الحصن خالدًا لم يدخل إليه بجيش.
دخل إليه سجينًا.
اسمه يوحنا المعمدان.
وبعد نحو ألفي عام، لا يأتي الناس إلى مكاور لأن هيرودس عاش فيها.
بل لأن يوحنا مات فيها.
ومن هنا يبدأ سؤال «خلف السطور»:
كيف أصبح رجل أعزل خطرًا على حاكم يمتلك جيشًا وقلعة؟
قبل مكاور كان هناك النهر
نعرف يوحنا أولًا بجوار الماء.
الرجل الذي ظهر في البرية يدعو إلى التوبة، واجتمع الناس حوله، وارتبط اسمه بالمعمودية في نهر الأردن.
ولهذا فإن انتقالنا في سلسلة «مملكة الزمن» من المغطس إلى مكاور ليس انتقالًا بين موقعين منفصلين.
إنه انتقال في حياة الرجل نفسه.
هناك، عند النهر، كان يوحنا حرًا ويتكلم والناس يأتون إليه.
وهنا، فوق الجبل، سيصبح سجينًا بسبب الكلمة ذاتها.
تغير المكان.
لكن يوحنا لم يغير ما يفعله.
كان يقول ما يعتقد أنه يجب أن يُقال.
وهذه تحديدًا هي النقطة التي جعلته يصطدم بالسلطة.
الكلمة التي وصلت إلى القصر
بحسب روايات العهد الجديد، أدان يوحنا علاقة هيرودس أنتيباس بهيروديا، زوجة أخيه السابقة، معتبرًا الزواج مخالفًا للشريعة.
المشكلة إذن لم تكن أن رجلًا يعيش في الصحراء كانت لديه وجهة نظر شخصية في حياة الحاكم.
المشكلة أن هذا الرجل كان يسمعه الناس.
كان يوحنا قد اكتسب سلطة من نوع لا يمنحها الإمبراطور، ولا تحتاج إلى ختم ولا قصر:
سلطة أخلاقية.
يمكن للحاكم أن يقول:
أنا أستطيع.
ويأتي رجل مثل يوحنا ليقول:
لكن هل يحق لك؟
وما بين الجملتين تقع واحدة من أقدم المواجهات في تاريخ السلطة.
فالقوة تستطيع أن تحدد ما يمكن فعله.
أما الأخلاق فتسأل عما ينبغي فعله.
وحين يتجرأ شخص على وضع أفعال الحاكم نفسها تحت هذا السؤال، تبدأ المشكلة.
والسجين الذي أحب الملك أن يسمعه
هنا تقدم رواية مرقس تفصيلة مذهلة.
لم يكن هيرودس يتعامل مع يوحنا باعتباره رجلًا يكرهه فقط.
تقول الرواية إنه كان يخشاه، ويعرف أنه رجل بار ومقدس، ويحميه، وإن سماعه كان يربكه، ومع ذلك كان يحب أن يستمع إليه.
وهذه واحدة من أكثر اللحظات النفسية إثارة في القصة.
تخيل العلاقة.
الحاكم يمتلك مفتاح السجن.
لكن السجين يمتلك شيئًا يدخل إلى عقل الحاكم.
هيرودس يستطيع أن يمنع يوحنا من الخروج.
لكنه لا يستطيع أن يمنع كلام يوحنا من الدخول.
وهنا نبدأ بالتساؤل:
من كان يسيطر على من؟
كان جسد يوحنا في يد هيرودس.
لكن ضمير هيرودس لم يعد حرًا تمامًا من يوحنا.
ثم جاءت المأدبة
تروي الأناجيل أن هيرودس أقام مأدبة في عيد ميلاده لكبار رجاله وقادته ووجهاء الجليل.
ورقصت ابنة هيروديا أمام الحاضرين.
أعجبت هيرودس.
فوعدها أمام ضيوفه بأن يعطيها ما تطلب.
وعندما سألت أمها ماذا تطلب، جاء الجواب:
رأس يوحنا المعمدان.
عاد الطلب إلى القاعة.
حزن هيرودس، بحسب الرواية.
لكنه كان قد أقسم أمام رجال السلطة الجالسين حوله.
فتراجع أمامهم ربما بدا له أضعف من قتل الرجل الذي كان يعرف في داخله أنه بار.
فأرسل الجلاد.
وقُطع رأس يوحنا.
ووُضع على طبق.
وسُلّم إلى الفتاة.
مشهد كهذا كان مقدرًا له ألا يبقى حبيس النص.
لقد عبر إلى الفن.
إلى اللوحات.
إلى المسرح.
إلى الموسيقى.
إلى الأوبرا.
ملك وراقصة ورأس نبي فوق طبق.
الصورة كاملة أكثر من اللازم.
ولذلك ربما حجبت عنا السؤال الأهم.
هل قُتل يوحنا فعلًا بسبب رقصة؟
هنا يدخل إلى القصة شاهد آخر.
ليس إنجيلًا.
بل المؤرخ اليهودي الروماني فلافيوس يوسيفوس، الذي كتب في أواخر القرن الأول الميلادي.
وهو مهم جدًا لمكاور؛ لأن يوسيفوس لا يكتفي بذكر يوحنا، بل يقول صراحة إنه أُرسل سجينًا إلى مكاور وإنه قُتل هناك.
لكن تفسيره لسبب قتله مختلف في زاويته.
يصف يوحنا بأنه رجل صالح يدعو إلى الفضيلة والعدل والتقوى، ثم يقول إن أعدادًا كبيرة بدأت تجتمع حوله وتتأثر بكلامه.
وهنا خاف هيرودس.
لماذا؟
لأن التأثير الكبير الذي امتلكه يوحنا على الناس قد يتحول، في نظر الحاكم، إلى اضطراب أو تمرد.
فقرر هيرودس أن يتخلص منه قبل أن تصبح المخاوف واقعًا.
وهكذا تظهر أمامنا قصتان.
في الأناجيل نرى المواجهة الأخلاقية، وهيروديا، والمأدبة، والرقصة، والقسم.
وعند يوسيفوس نرى حاكمًا يخاف من نفوذ رجل على الجمهور.
فأيهما الصحيح؟
ربما لا نحتاج إلى الاختيار
سيكون من السهل أن نقول إن إحدى الروايتين «الحقيقة» والأخرى مجرد حكاية.
لكن التاريخ القديم نادرًا ما يمنحنا هذه الرفاهية.
الأكثر انضباطًا أن نقول إن المصدرين ينظران إلى الحادثة من زاويتين مختلفتين.
وقد لا يكون البعد الأخلاقي والسياسي متعارضين أصلًا.
فكر في الأمر من موقع هيرودس.
رجل ينتقد حياتك علنًا.
الناس يأتون لسماعه.
كلمته تمتلك وزنًا.
وسلطته الأخلاقية لا تأتي منك ولا تستطيع سحبها منه.
في هذه الحالة لا يعود اعتراضه على زواجك مسألة عائلية.
لقد أصبح مسألة سياسية أيضًا.
فالسلطة لا تخشى دائمًا الرجل الذي يحمل سيفًا.
أحيانًا تخشى الرجل الذي يستطيع أن يجعل الناس يعيدون التفكير في شرعيتها.
وهكذا ربما لا يكون سؤال مكاور:
هل قُتل يوحنا بسبب الزواج أم بسبب السياسة؟
بل:
متى يصبح الموقف الأخلاقي نفسه خطرًا سياسيًا؟
وماذا عن سالومة؟
هنا توجد تفصيلة جميلة تكشف كيف يصنع التاريخ ذاكرته.
معظم الناس يعرفون الراقصة باسم:
سالومة.
لكن رواية مرقس نفسها لا تسميها «سالومة» في هذا المشهد؛ تقدمها بوصفها ابنة هيروديا.
أما يوسيفوس فيذكر أن لهيروديا ابنة تدعى سالومة. ومن الجمع بين التقليدين التصق الاسم بالفتاة الراقصة في الذاكرة المسيحية والفنية اللاحقة.
وهذه تفصيلة صغيرة، لكنها مهمة جدًا لطريقتنا في «خلف السطور».
لأنها تذكرنا بأن ما نعرفه اليوم أحيانًا ليس موجودًا كاملًا في نص واحد.
التاريخ يترك أجزاء.
والتقاليد تجمعها.
والفن يضيف إليها صورة.
ثم تأتي الذاكرة بعد قرون لتتصرف وكأن الحكاية وُلدت كاملة منذ البداية.
الرجل الذي لا يحمل سلاحًا
لنعد إلى يوحنا.
ما الذي كان يملكه؟
لا جيش.
لا قصر.
لا ثروة نعرفها.
لا منصب في الإدارة الرومانية.
لا مدينة يحكمها.
وبالمقاييس السياسية المعتادة، لا يوجد سبب يجعل هيرودس يخشاه.
لكن يوسيفوس يخبرنا بالمفتاح:
الناس كانوا يستمعون إليه.
وهذا يكفي أحيانًا.
فالسلطة السياسية تعرف أن هناك فرقًا بين إنسان يتكلم وبين إنسان يُصدَّق عندما يتكلم.
الأول يمكن تجاهله.
الثاني قد يصبح مشكلة.
ويوحنا كان من النوع الثاني.
ربما لهذا تكشف القصة شيئًا قديمًا جدًا في طبيعة الحكم:
الحاكم لا يخاف فقط ممن يستطيع انتزاع عرشه.
قد يخاف أكثر ممن يستطيع نزع شرعية أفعاله من عيون الناس.
ماذا تقول مكاور عندما تقف فوقها؟
من السهل قراءة القصة في كتاب.
لكن الجغرافيا تضيف إليها شيئًا آخر.
مكاور ليست سهلًا مفتوحًا.
إنها قمة دفاعية تطل على مساحة واسعة من البحر الميت والمناطق المحيطة. وقد بدأت تحصيناتها في العصر الحشموني، قبل أن يعيد هيرودس الكبير بناءها قصرًا وحصنًا؛ ثم أصبحت ضمن أراضي هيرودس أنتيباس. وتؤكد المصادر الأثرية الأردنية استمرار التنقيب في الموقع وكشف بقايا القصر والتحصينات والمنشآت المختلفة.
قف هناك وتخيل المفارقة.
الحاكم اختار موضعًا يصعب الوصول إليه.
حول نفسه بالصخر والتحصين.
رفع قصره فوق الوديان.
ثم دخل الخوف إليه من رجل كان موجودًا بالفعل داخل سجنه.
لا جيش عند الأسوار.
لا فرسان في الوادي.
الخطر الذي يخشاه هيرودس كان تحت سيطرته الكاملة من الناحية المادية.
ومع ذلك لم يشعر بالأمان.
لأن بعض أنواع القوة لا تستطيع الجدران احتواءها.
يحيى في القرآن: شخصية واحدة ورواية مختلفة
في الثقافة الإسلامية، يوحنا المعمدان هو النبي يحيى بن زكريا.
يذكره القرآن بصورة شديدة التكريم، ويصف منحه الحكمة وهو صبيًا، والحنان والزكاة والتقوى وبره بوالديه، ثم تأتي الآية الجميلة:
«وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيًا».
لكن القرآن لا يروي قصة مكاور.
ولا مأدبة هيرودس.
ولا الرقصة.
ولا طلب الرأس على طبق.
ولا ينبغي أن ننقل تفاصيل المصادر المسيحية إلى القرآن ثم نقدمها وكأنها رواية إسلامية.
هذه واحدة من قواعدنا في هذه السلسلة:
نسمح للروايات بأن تتجاور، لكننا لا نجبرها على أن تصبح رواية واحدة.
ومع ذلك تبقى الشخصية نفسها، عبر التقاليد المختلفة، مرتبطة بصورة الإنسان صاحب الطهر والاستقامة والكلمة التي لا تخضع بسهولة.
لماذا لم يصمت؟
وربما هذا هو السؤال الأصعب.
حتى لو عرفنا لماذا أراد هيرودس التخلص منه، يبقى شيء آخر:
لماذا لم يتراجع يوحنا؟
كان يعرف على الأرجح أنه لا يتحدث إلى رجل عادي.
الحاكم يستطيع أن يسجنه.
وأن يؤذيه.
وأن يقتله.
فما الذي يجعل إنسانًا يستمر في قول شيء يعرف أن كلفته قد تكون حياته؟
الجواب الديني واضح: لأنه نبي يؤدي رسالته.
لكن وراء الجواب الديني يوجد سؤال إنساني يستطيع كل قارئ فهمه.
هناك لحظات يصبح فيها الصمت أكثر تكلفة من الكلام.
ليس لأن الموت شيء مرغوب.
ولا لأن المخاطرة فضيلة في ذاتها.
بل لأن الإنسان قد يصل إلى نقطة يعرف عندها أن الحفاظ على حياته مقابل التخلي عن كل ما يمثله سيتركه حيًا في الجسد فقط.
ربما كان يوحنا عند هذه النقطة.
هيرودس قطع الرأس… ثم عاد الرأس إليه
بعد مقتل يوحنا، تقدم لنا رواية مرقس واحدة من أجمل مفارقات القصة.
تبدأ شهرة يسوع بالانتشار.
تصل الأخبار إلى هيرودس.
يسمع عن الرجل الجديد وما يقال عنه.
فما أول تفسير يخطر في ذهن الحاكم؟
يقول:
إنه يوحنا الذي قطعت رأسه؛ لقد قام.
هذه الجملة وحدها تكفي تقريبًا لإنهاء المقال.
لأنها تعني أن قرار الإعدام حقق عكس ما أراد هيرودس نفسيًا.
قتل الرجل لكي يتخلص من الخطر.
ثم بدأ يرى الرجل في غيره.
يوحنا لم يعد في السجن.
لكنه أصبح في رأس هيرودس.
لقد استطاع الحاكم أن يوقف قلبه.
ولم يستطع أن يوقف أثره.
وهنا يصبح السؤال الذي طرحناه في البداية أكثر إلحاحًا:
من كان سجين من؟
ثم رحل الجميع
مرت السنوات.
مات هيرودس أنتيباس.
انتهت الأسرة الهيرودية.
تغيرت الإمبراطوريات.
وخلال الثورة اليهودية الأولى أصبحت مكاور نفسها مسرحًا للصراع مع روما، وانتهى الحصن إلى السقوط أمام القوات الرومانية في القرن الأول الميلادي. كما تركت العصور اللاحقة آثارًا بيزنطية في المنطقة.
انتهى القصر.
غابت المأدبة.
اختفى الضيوف.
لم يعد هناك جلاد ينتظر الأمر.
لكن بقي شيء غريب.
اسم يوحنا.
وهذه ربما أكثر لحظات التاريخ سخرية من أصحاب السلطة.
ففي تلك الليلة كان من السهل تحديد الأقوى.
هيرودس يستطيع أن يقول كلمة فيموت يوحنا.
بعد ألفي عام تغير معيار القوة.
أصبح السؤال:
أي الرجلين استطاع أن يبقى؟
من انتصر في مكاور؟
الجواب ليس بسيطًا.
يوحنا مات.
لا ينبغي أن نحول الإعدام إلى انتصار رومانسي وننسى أن إنسانًا فقد حياته.
وهيرودس بقي حيًا بعده مدة من الزمن.
لكن السلطة التي امتلكها هيرودس كانت مؤقتة بطبيعتها.
قصر.
منصب.
جنود.
اسم رسمي على القرارات.
أما يوحنا فامتلك شيئًا لم يستطع هيرودس منحه له ولم يستطع نزعه منه:
المعنى الذي أعطاه الناس لكلمته.
ومن هنا تأتي مكاور في مشروع «مملكة الزمن».
ليست مجرد قلعة رومانية-هيرودية.
وليست فقط المكان الذي قُطع فيه رأس نبي.
إنها مختبر صغير لسؤال يتكرر منذ أن ظهرت السلطة:
ما القوة؟
هل هي القدرة على إسكات الإنسان؟
أم القدرة على جعل كلمته تعيش بعد أن يصمت؟
لم تكن الرقصة هي القصة كلها
لهذا لا أريد أن نغادر مكاور ونحن نحمل صورة سالومة والطبق فقط.
تلك هي الصورة الأكثر إثارة.
لكنها ليست بالضرورة الفكرة الأعمق.
قبل أن تبدأ الرقصة، كان هيرودس قد بدأ يخاف.
وقبل أن يدخل الجلاد السجن، كانت المشكلة قد ولدت.
كانت المشكلة أن رجلًا لا يحمل سيفًا أصبح يمتلك جمهورًا وضميرًا وصوتًا.
الرأس على الطبق كان نهاية المشهد.
أما القصة فقد بدأت قبل ذلك بكثير.
بدأت عندما قال رجل أعزل للحاكم إن السلطة لا تجعل كل شيء مباحًا.
وفي ليلة ما فوق جبل مكاور، اعتقد هيرودس أن الجلاد أنهى الجدال.
لكن الجبل نفسه يخبرنا اليوم بشيء آخر.
ذهب الملك.
وذهب القصر.
وذهب الجلاد.
وبقي اسم السجين.
لذلك ربما يكون السؤال الأخير الذي يليق بمكاور ليس:
لماذا قتل هيرودس يوحنا؟
بل:
لماذا، بعد ألفي عام، ما زلنا نعرف اسم الرجل الذي قُتل أكثر مما نهتم باسم الرجل الذي أمر بقتله؟
ربما لأن السلطة تستطيع أن تختار لحظة موت الإنسان.
لكنها لا تستطيع دائمًا أن تختار متى تنتهي كلمته.
في مكاور قطع هيرودس رأس يوحنا المعمدان؛ لكنه لم يستطع أن يقطع الطريق بين صوته والذاكرة.

