في جرش، يستطيع الزائر أن يسير اليوم بين الأعمدة كما لو أن المدينة قد تركت أبوابها مفتوحة ثم غادر أهلها للحظة.
الساحة البيضاوية ما تزال ترسم انحناءها الغريب، والشارع المعمّد يمتد بين الحجارة، ومعبد أرتميس يطل من فوق المدينة. وفي أم قيس، أبعد إلى الشمال، تنتهي الآثار عند حافة مرتفعة يرى منها المرء وادي اليرموك وبحيرة طبريا والجولان.
يبدو المشهد للوهلة الأولى رومانيًا خالصًا.
لكنه ليس كذلك.
فهذه المدن لم تبدأ مع روما، ولم تكن روما أول من منحها معنى. بعضها كان قائمًا قبل أن يصل الجنود الرومان بقرون، وبعضها حمل أسماء يونانية فوق أسماء أقدم، وبعضها احتفظ تحت الأعمدة والتيجان الكورنثية بذاكرة محلية لم تختفِ قط.
وفي مرحلة من تاريخ المنطقة جمعها اسم واحد:
الديكابوليس — Decapolis.
أي، حرفيًا:
«المدن العشر».
لكن المفارقة تبدأ من هنا.
لأنها لم تكن دائمًا عشرًا.
ولأنها لم تكن، على الأرجح، «اتحادًا» بالمعنى الذي توحي به الكلمة الحديثة.
ولأن أكثر من مدينة من أشهر مدنها تقع اليوم داخل الأردن.
وهكذا لا تحكي الديكابوليس قصة عشر مدن بقدر ما تكشف لحظة كاملة حاول فيها الشرق أن يجيب عن سؤال ظل يطارده قرونًا:
كيف تدخل حضارة عالمية إلى مدينة قديمة من دون أن تمحو ما كان فيها قبل وصولها؟
قبل روما: عندما جاءت اليونان إلى الشرق
بدأت القصة قبل بومبيوس بزمن طويل.
عندما اجتاح الإسكندر المقدوني الشرق في القرن الرابع قبل الميلاد، لم تكن فتوحاته مجرد حركة جيوش. بعد موته انقسمت إمبراطوريته بين خلفائه، لكن شيئًا بقي واستمر:
العالم الهلنستي.
انتشرت اللغة اليونانية في الإدارة والثقافة والتجارة، وظهرت أو أُعيد تشكيل مدن على الطراز الهلنستي في بلاد الشام. صارت المدينة ليست تجمعًا للسكان فقط، بل فضاءً سياسيًا وثقافيًا له ساحته ومعابده ومؤسساته ونخبه المحلية.
لكن الهلنستية لم تهبط على أرض فارغة.
ففي المكان الذي سيصبح فيلادلفيا كانت تقوم ربّة عمون القديمة.
وفي مواقع أخرى كانت مدن وقرى ومراكز سكنية تمتد جذورها إلى عصور أبعد بكثير من الإغريق والرومان.
تُظهر حفريات بيلا، مثلًا، طبقات استيطان تمتد إلى عصور ما قبل التاريخ، قبل ظهور الديكابوليس بآلاف السنين.
إذن لم يكن الإغريق يؤسسون الشرق من الصفر.
كانوا يضيفون طبقة جديدة إليه.
وهذا فارق جوهري.
ثم جاء بومبيوس
عام 63 قبل الميلاد تقريبًا أعاد القائد الروماني بومبيوس ترتيب المشهد السياسي في المنطقة بعد انهيار السلطة السلوقية.
وهنا تظهر الديكابوليس في سياق العالم الروماني.
استفادت مجموعة من المدن ذات الطابع الهلنستي من النظام الجديد، وتمتعت بدرجات من الحكم المحلي والامتيازات، بينما بقيت مرتبطة بالمظلة السياسية الرومانية في سورية والمنطقة المحيطة.
ومن هنا نشأت الصورة الشائعة:
عشر مدن رومانية شكّلت حلفًا واحدًا.
لكن الصورة أكثر تعقيدًا.
المؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر، وهو أحد أهم مصادرنا القديمة، يذكر الديكابوليس في القرن الأول الميلادي، ثم يضيف ملاحظة تكاد تهدم بساطتها كلها:
أن الكتّاب لم يكونوا متفقين أصلًا على المدن التي تتكون منها الديكابوليس.
أي أن الشك كان موجودًا منذ العصور القديمة نفسها.
عشر مدن… بحسب من؟
القائمة الأشهر التي نقلها بلينيوس تضم:
دمشق — Damascus
فيلادلفيا — Philadelphia، عمّان اليوم
رافانا — Raphana
سكيثوبوليس — Scythopolis، بيسان
غادارا — Gadara، أم قيس
هيبوس — Hippos
ديون — Dion
بيلا — Pella، طبقة فحل
جراسا — Gerasa، جرش
كاناثا — Canatha، قنوات في سورية
لكن هذه ليست نهاية المسألة.
فمصادر لاحقة وسّعت المجال، وذكر الجغرافي بطليموس في القرن الثاني الميلادي عددًا أكبر بكثير من المدن في المنطقة المرتبطة بمفهوم الديكابوليس؛ وتشير المصادر إلى قائمة وصلت إلى ثماني عشرة مدينة.
ومن هنا يصبح عنوان الحكاية أكثر دقة:
المدن العشر التي لم تكن عشرًا.
فالرقم لم يكن بالضرورة دستورًا سياسيًا ثابتًا.
ربما كان اسمًا جغرافيًا وثقافيًا استمر حتى بعدما أصبح الواقع أكثر اتساعًا وتعقيدًا.
مثل أسماء كثيرة في التاريخ تبقى ثابتة بينما يتغير ما تحتها.
وهل كانت «حلفًا» أصلًا؟
هنا تقع واحدة من أكثر الصور الشائعة خداعًا.
كلمة Decapolis تعني المدن العشر، لكنها لا تثبت وحدها وجود اتحاد فيدرالي له عاصمة وبرلمان وجيش مشترك.
ولا توجد أدلة قوية على أن المدن العشر كوّنت مؤسسة سياسية واحدة تعمل بالطريقة التي قد نتخيل بها اتحاد المدن اليوم.
كانت لكل مدينة مؤسساتها ومصالحها ونقودها وهويتها المحلية.
لذلك يميل تفسير أكثر حذرًا إلى النظر إلى الديكابوليس باعتبارها مجموعة مدن ذات طابع هلنستي وروماني مشترك تتمتع بأوضاع محلية متقاربة داخل النظام الإقليمي الروماني، لا دولة مستقلة تتكون من عشر مدن. ويشير عرض Livius إلى أن المدن احتفظت باستقلالها المحلي، وأن الديكابوليس لا تبدو حلفًا ذا مؤسسات مشتركة ثابتة.
وهذا يجعلها أكثر إثارة، لا أقل.
لأن الرابط بينها لم يكن علمًا واحدًا.
كان أسلوب حياة مدينيًا.
جرش: المدينة التي تجعل الفكرة مرئية
إذا أردنا أن نفهم الديكابوليس من خلال الحجارة، فعلينا أن نبدأ من جرش.
كانت جراسا — Gerasa.
وعندما دخلت في المجال الروماني بعد بومبيوس، بدأت مرحلة طويلة ستبلغ أوجها خصوصًا في القرنين الأول والثاني الميلاديين.
ما نراه اليوم ليس مجرد آثار منفردة.
إنها فكرة كاملة عن المدينة.
شارع رئيسي معمّد.
أسواق.
ساحات.
مسارح.
حمّامات.
معابد.
نوافير عامة.
بوابات.
شبكة عمرانية تجعل المواطن يعرف مكانه داخل المدينة حتى قبل أن يعرف مكانه داخل الإمبراطورية.
ويصف الموقع الرسمي للسياحة الأردنية جرش بأنها واحدة من مدن الديكابوليس، مشيرًا إلى أن عمارتها تكشف في الوقت نفسه عن امتزاج العالم اليوناني-الروماني بتقاليد الشرق المحلية.
وهذه الجملة ربما تختصر الديكابوليس كلها:
شرق وغرب في المكان نفسه.
لم تتحول جرش ببساطة إلى نسخة صغيرة من روما.
بل أخذت لغة روما المعمارية وتكلمت بها بلهجة محلية.
عمّان: المدينة التي بدّلت أسماءها ولم تبدّل مكانها
أما فيلادلفيا فقصتها مختلفة.
تحت الاسم اليوناني كانت تختبئ مدينة أقدم:
ربّة عمون.
إحدى أهم مدن العمونيين.
ثم دخل الاسم الجديد في العصر الهلنستي، وأصبحت المدينة مع الزمن جزءًا من عالم الديكابوليس.
لكن أجمل ما في قصة عمّان ليس أنها غيّرت اسمها.
بل أنها استعادت اسمها القديم بصيغة جديدة.
ربّة عمون.
فيلادلفيا.
عمّان.
ثلاثة أسماء فوق المكان نفسه تقريبًا.
كأن المدينة كانت تبدّل لغة تعريفها كلما تبدّل العالم حولها، بينما يبقى الجبل والوادي والموضع قائمًا.
وهنا تكشف عمّان خطأ آخر في الطريقة التي نقرأ بها التاريخ.
فنحن نقسّمه إلى:
عموني.
هلنستي.
روماني.
بيزنطي.
إسلامي.
كأن كل حضارة تهدم السابقة وتبدأ مدينة جديدة.
لكن المدن الحقيقية لا تعيش بهذه الطريقة.
إنها تتراكم.
أم قيس: مدينة تنظر إلى العالم من الأعلى
إلى الشمال تقع غادارا — Gadara.
أم قيس اليوم.
من هناك يبدو موقع المدينة وحده تفسيرًا لثروتها وأهميتها.
فهي تطل على وادي اليرموك والمناطق المحيطة ببحيرة طبريا، وتقع عند عقدة جغرافية تربط مناطق سورية الداخلية بوادي الأردن.
كانت غادارا مركزًا حضريًا وثقافيًا مهمًا، وارتبط اسمها بفلاسفة وشعراء من العالم الهلنستي والروماني.
وما يزال الموقع يحتفظ بطبقات رومانية وبيزنطية وعثمانية وغيرها، بينما تؤكد أبحاث دائرة الآثار الأردنية استمرار أعمال التنقيب والدراسة في غادارا على مدى عقود.
وحتى حجارتها تبدو مختلفة.
فوسط الحجر الجيري الذي يطغى على كثير من المدن القديمة في الأردن، يظهر البازلت الأسود في أم قيس كأنه توقيع خاص للمدينة.
لكن غادارا تقدم لنا شيئًا أهم من جمال الآثار:
إنها تذكرنا بأن الديكابوليس لم تكن مدنًا متطابقة.
كانت لكل واحدة شخصيتها.
بيلا: المدينة التي سبقت اسمها
ثم تأتي بيلا — Pella، قرب طبقة فحل في الأغوار الشمالية.
قد تكون أقل شهرة سياحيًا من جرش وأم قيس، لكنها من أغنى المواقع تاريخيًا.
فالحفريات الأثرية التي تقودها جامعة سيدني بالتعاون مع الأردن كشفت تتابعًا استثنائيًا للاستيطان: مساكن من العصر الحجري الحديث، ومنشآت من العصر البرونزي، وآثارًا هلنستية، ثم مسرحًا وحمامات ونافورة عامة من العصر الروماني، وكنائس بيزنطية، ثم مدينة أموية ومراحل إسلامية لاحقة.
وهكذا يصبح وصفها بأنها «مدينة رومانية» صحيحًا وغير كافٍ في الوقت نفسه.
فالرومان لم يصنعوا بيلا.
مروا خلالها.
كما مر قبلهم آخرون.
وكما جاء بعدهم آخرون.
وهذه ربما أجمل طريقة لفهم الأردن كله.
أين بقية المدن؟
تتوزع المدن الأخرى التي ارتبطت بالقائمة الكلاسيكية خارج حدود الأردن الحديثة.
دمشق في سورية.
كاناثا في حوران السوري.
سكيثوبوليس هي بيسان القديمة.
وهيبوس تقع شرقي بحيرة طبريا.
أما ديون ورافانا فتظل مسألة تحديد موقعيهما أكثر تعقيدًا، ولذلك يجب الحذر من الخرائط التي تضعهما في نقطة واحدة مؤكدة بلا نقاش.
وهذه الجغرافيا بحد ذاتها مهمة.
فالديكابوليس لم تعرف حدود الدول الحديثة.
لم يكن المسافر يغادر «الأردن» ليصل إلى «سورية» ثم يعبر «فلسطين».
هذه الحدود لم تكن موجودة.
كان يعبر شبكة من الأودية والسهول والمدن والطرق والأسواق.
ولهذا ربما يكون من الخطأ أن نسأل:
لأي دولة تنتمي الديكابوليس؟
السؤال التاريخي الأدق هو:
أي عالم كانت هذه المدن تصنعه بينها؟
الطريق كان أهم من الحدود
لم تكن المدن جزرًا حجرية منفصلة.
فالمدينة الرومانية تحتاج إلى ما حولها:
قمح.
زيت.
نبيذ.
ماشية.
ماء.
أخشاب.
حرفيين.
تجار.
طرق.
وقوافل.
ومن دون الريف والقرى والطرق تفقد أعمدتها معناها.
هكذا تشكّلت شبكة اقتصادية ربطت وادي الأردن بحوران ودمشق ومناطق فلسطين الداخلية والصحراء والطرق المتجهة جنوبًا نحو المملكة النبطية.
لم يكن التاجر يفكر بالديكابوليس كما نفكر نحن بها على خريطة أثرية.
بالنسبة إليه كانت مسافات.
سوقًا هنا.
مبيتًا هناك.
ضريبة عند بوابة.
حمولة يجب أن تصل.
وطريقًا آمنًا قدر الإمكان.
التاريخ الذي يبقى لنا هو الأعمدة.
أما التاريخ الذي جعل الأعمدة ممكنة فكان حركة الناس.
هل كانت المدن يونانية أم رومانية أم شرقية؟
الإجابة الأكثر صدقًا:
كل ذلك معًا.
كانت اللغة اليونانية واسعة الحضور.
والإطار السياسي رومانيًا.
والعمارة العامة متأثرة بالنموذج اليوناني والروماني.
لكن السكان لم يستيقظوا ذات صباح وقد محيت ذاكرتهم السابقة.
استمرت أسماء محلية ومعتقدات وعادات وتقاليد وأصول سكانية مختلفة، وظهرت أشكال من التداخل بين الآلهة والتقاليد الدينية المحلية والعالم اليوناني-الروماني.
حتى جرش التي تبدو اليوم «رومانية» إلى حد مذهل يصفها الموقع السياحي الأردني بأنها تكشف تحت واجهتها اليونانية-الرومانية عن امتزاج بين ثقافتين وتقاليد شرقية ومتوسطية.
وهنا ربما تقع الفكرة الأعمق في الديكابوليس:
الإمبراطوريات تستطيع توحيد شكل الشارع، لكنها لا تستطيع بسهولة توحيد ما يتذكره الناس وهم يسيرون فيه.
عندما وصل الإمبراطور إلى المدينة
في القرن الثاني الميلادي بلغت مدن كثيرة في المنطقة ذروة ازدهارها العمراني.
مر الإمبراطور هادريان عبر الشرق، وبُنيت في مدن المنطقة منشآت ضخمة، بينما دخلت المقاطعات الشرقية مرحلة من الاستقرار النسبي سمحت بتوسع العمران والتجارة.
في جرش مثلًا يرتبط قوس هادريان بزيارة الإمبراطور للمدينة في القرن الثاني الميلادي، بينما تعود أجزاء مهمة من برنامجها العمراني الضخم إلى هذه الحقبة.
لكن الرخام والأقواس لا ينبغي أن تخدعنا.
فكل مدينة عظيمة تحتاج إلى مئات الأشخاص الذين لا تكتب أسماؤهم عادة على النقوش:
الحجار الذي قطع العمود.
العامل الذي جرّه.
البنّاء الذي رفعه.
البائع الذي فتح متجره تحت الرواق.
المرأة التي حملت الماء.
الطفل الذي عبر الشارع.
والفلاح الذي أنتج الطعام الذي أبقى المدينة حيّة.
هؤلاء أيضًا كانوا الديكابوليس.
ربما كانوا الديكابوليس الحقيقية.
ثم اختفى الرقم
عام 106 ميلادية ضم الإمبراطور تراجان المملكة النبطية وأنشأ المقاطعة العربية الرومانية.
أعيد تنظيم المنطقة إداريًا، وتغيّرت علاقة بعض مدن الديكابوليس بالمقاطعات المحيطة.
وبمرور الوقت فقد الاسم وظيفته السياسية أو الإدارية — إن كانت له وظيفة موحدة أصلًا — لكن المصطلح بقي مستخدمًا جغرافيًا وثقافيًا مدة أطول.
ثم تغير العالم مرة أخرى.
انتشرت المسيحية.
تحولت المعابد أو أُعيد استخدام بعض فضاءاتها.
بُنيت الكنائس.
جاء البيزنطيون.
ثم دخلت المنطقة العصر الإسلامي.
وفي جرش وبيلا وأم قيس استمرت الحياة بأشكال مختلفة.
حتى المعابد نفسها لم تكن دائمًا نهاية القصة؛ فمعبد أرتميس في جرش، مثلًا، تشير المعلومات الأثرية الرسمية إلى إعادة استخدام أجزاء منه في فترات لاحقة، وصولًا إلى العصر البيزنطي والأموي.
الحضارات لا تغلق الأبواب خلفها كما تفعل المتاحف.
تترك الأشياء للذين يأتون بعدها.
الأردن الذي كان في قلب الشبكة
حين ننظر إلى خريطة الديكابوليس اليوم، تظهر حقيقة تستحق التوقف.
من أهم مدن قائمتها الكلاسيكية:
فيلادلفيا — عمّان.
جراسا — جرش.
غادارا — أم قيس.
بيلا — طبقة فحل.
أي أن مساحة كبيرة من قلب الديكابوليس تقع داخل الأردن الحالي.
لكن أهمية ذلك ليست في إضافة أربع مدن إلى قائمة الفخر الوطني.
فالتاريخ أوسع من الحدود المعاصرة.
الأهم أنه يكشف موقع الأردن نفسه.
لم يكن هامشًا صحراويًا يقع بعيدًا عن المراكز الكبرى.
كان معبرًا.
وعقدة.
ومنطقة تماس بين الجزيرة العربية وسورية ووادي الأردن والبحر المتوسط.
تتقاطع فيه القوافل والجيوش والأديان واللغات.
لهذا نجد في أرض صغيرة نسبيًا:
عمونيين.
مؤابيين.
أدوميين.
أنباطًا.
هلنستيين.
رومانًا.
بيزنطيين.
دولًا إسلامية متعاقبة.
ليس لأن التاريخ كان مولعًا بالأردن.
بل لأن الجغرافيا كانت تجبر التاريخ على المرور من هنا.
المدن التي لم تكن عشرًا
ربما كان الرومان يحبون التصنيف.
ونحن نحبّه أكثر منهم.
نريد عشرة أسماء.
وخريطة واضحة.
وبداية محددة.
ونهاية محددة.
لكن الديكابوليس ترفض كل ذلك.
حتى بلينيوس، الذي منحنا أشهر قائمة، أخبرنا منذ البداية بأن الناس لم يتفقوا عليها.
وهذا ليس خللًا في التاريخ.
بل ربما يكون جوهره.
فالمدينة لا تعرف أنها ستصبح بعد ألفي سنة نقطة على خريطة مدرسية.
ولا يعرف التاجر أنه يعيش في «العصر الروماني».
ولا يعرف الطفل الذي يلعب قرب سوق جرش أن علماء آثار سيحفرون تحت بيته يومًا بحثًا عن إجابات.
الناس يعيشون حاضرهم.
ونحن الذين نحوله بعد موتهم إلى عصور وحدود وقوائم.
لهذا، عندما نقف اليوم في الساحة البيضاوية في جرش أو فوق هضبة أم قيس، ربما لا ينبغي أن نسأل فقط:
كيف بنى الرومان كل هذا؟
بل السؤال الأجمل:
كم عالمًا مر من هنا وترك شيئًا منه دون أن يستطيع محو ما سبقه؟
فالديكابوليس لم تكن عشر مدن رومانية متناثرة على الخريطة.
كانت لحظة التقت فيها مدن قديمة بثقافة يونانية وسلطة رومانية وذاكرة شرقية، ثم صنعت من ذلك كله شكلًا جديدًا للحياة.
وبعد ألفي عام بقيت الأعمدة.
أما الرقم عشرة…
فلم يبقَ ثابتًا حتى في كتب القدماء.
وهكذا كانت الديكابوليس: مدنًا جمعتها الإمبراطورية في اسم، وفرّقها التاريخ في الحكايات.

