أم الرصاص: المدينة التي رسمت العالم على أرض كنيسة

أم الرصاص: المدينة التي رسمت العالم على أرض كنيسة
كيف ظلّت مدينة مسيحية تبني فسيفساءها بعد أكثر من قرن على دخول الحكم الإسلامي؟
في الصحراء شبه الجافة إلى الجنوب الشرقي من مادبا، توجد مدينة لا يزال معظمها تحت التراب.
ليست استعارة.
فمنظمة اليونسكو تقول إن القسم الأكبر من أم الرصاص لم يُنقّب فيه حتى الآن. ما ظهر منها يكفي لنعرف أننا أمام موقع بدأ معسكرًا رومانيًا محصنًا، ثم تمدد ليصبح مدينة، وعاش عبر العصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية المبكرة، من أواخر القرن الثالث حتى القرن التاسع الميلادي تقريبًا. 
ولكن أكثر ما يجعل أم الرصاص استثنائية ليس ما وجدناه فيها.
بل التاريخ المكتوب تحت أقدامنا.
في كنيسة القديس اسطفانوس بقيت فسيفساء هائلة تصوّر مدنًا من فلسطين والأردن والمنطقة، تحمل أسماءها باليونانية.
القدس.
غزة.
نابلس.
سبسطية.
قيسارية.
عمّان.
مادبا.
حسبان.
الكرك.
وأم الرصاص نفسها.
كأن رجلًا قبل أكثر من اثني عشر قرنًا قرر ألا يرسم قديسًا أو ملكًا أو معركة، بل أن يرسم العالم الذي يعرفه.
ثم ترك لنا الخريطة على الأرض.
لكن المفاجأة الحقيقية تظهر عندما نسأل:
متى صُنعت؟
الجواب يقلب الصورة التقليدية كلها.
مدينة بدأت عسكرية
قبل الكنائس والفسيفساء، كان المكان مرتبطًا أولًا بمنطق مختلف تمامًا:
الحدود والطريق والجيش.
يشير الاسم القديم الذي ظهر في النقوش إلى كاسترون ميفعا — Kastron Mefa’a، وكلمة Kastron مرتبطة بالموقع المحصن أو المعسكر.
وتصف اليونسكو أم الرصاص بأنها بدأت معسكرًا عسكريًا رومانيًا ثم اتسعت، منذ القرن الخامس، إلى تجمع حضري أكبر. 
كان الموقع يقع على تخوم الأرض الزراعية والصحراء.
وهذا ليس موقعًا هامشيًا كما قد يبدو لنا اليوم.
في الإمبراطوريات، الأطراف مهمة بقدر العواصم.
من هنا تمر طرق.
وتتحرك قبائل.
وتصل قوافل.
وتحتاج السلطة إلى مراقبة المناطق الواقعة بين المدن المستقرة والبادية.
ربما جاء الجنود أولًا.
لكن الجنود رحلوا.
ثم بدأت المدينة الحقيقية.
عندما خرجت المدينة من الحصن
هذه واحدة من أجمل التفاصيل في أم الرصاص.
فالمجتمع لم يبقَ محصورًا داخل المعسكر الروماني.
مع الزمن امتدت الأبنية إلى الخارج، وظهرت الكنائس والمساكن والمنشآت الزراعية والصهاريج وقنوات المياه.
أي أن الوظيفة تغيرت.
من:
مكان لحماية الطريق
إلى:
مكان يعيش فيه الناس.
وتضم أم الرصاص، بحسب اليونسكو، بقايا ست عشرة كنيسة، يحتفظ عدد منها بأرضيات فسيفسائية مهمة. 
ست عشرة كنيسة في موقع واحد.
هذا الرقم وحده يخبرنا أن أم الرصاص لم تكن نقطة عسكرية منسية في الصحراء.
كان فيها مجتمع منظم.
رجال دين.
رهبان.
حرفيون.
مزارعون.
مانحون يمولون الأبنية الدينية.
وفنانون يستطيعون إنتاج بعض أكثر الفسيفساء تعقيدًا في المنطقة.
ثم جاءت التحولات الكبرى في القرن السابع.
وهنا تصبح الحكاية أكثر إثارة.
دخل المسلمون… ولم تتوقف الكنيسة
عادةً ما نروي التاريخ بخطوط حادة:
هنا انتهى العصر البيزنطي.
وهنا بدأ العصر الإسلامي.
وكأن شخصًا أطفأ مصباح حضارة ثم أشعل مصباحًا آخر.
أم الرصاص تقول شيئًا مختلفًا.
بعد دخول بلاد الشام تحت الحكم الإسلامي في القرن السابع، استمرت الجماعة المسيحية في الموقع.
بل إن الأدلة الأثرية والنقوش دفعت اليونسكو إلى اعتبار أم الرصاص شاهدًا على استمرار المسيحية الرهبانية خلال القرنين السابع والثامن تحت الحكم الإسلامي. 
وهذه ليست ملاحظة هامشية.
إنها تغير الطريقة التي نتصور بها الانتقال بين العصور.
لم يختفِ الناس عندما تغير الحاكم.
لم تتغير لغة البيت في اليوم التالي.
ولم تختفِ الكنائس لأن الخريطة السياسية تغير لونها.
التاريخ الحقيقي أبطأ من الخرائط.
أكتوبر 785
ثم نصل إلى الحجر الذي يجعل القصة كلها مختلفة.
في كنيسة القديس اسطفانوس اكتُشفت فسيفساء ضخمة.
والنقش الموجود فيها لا يترك التاريخ غامضًا.
أفاد تقرير دائرة الآثار الأردنية الأصلي عن التنقيبات بأن العمل اكتمل في أكتوبر/تشرين الأول سنة 785 ميلادية. كما يؤكد ملف اليونسكو التفصيلي التاريخ نفسه. 
لنضع التاريخ في مكانه.
الدولة الأموية انتهت سنة 750.
بغداد أصبحت مركز الدولة العباسية.
والمنطقة كانت تحت حكم إسلامي منذ أكثر من قرن.
ومع ذلك، في أم الرصاص، كان مجتمع مسيحي يجمع المال ويستدعي حرفيي الفسيفساء ويزيّن كنيسة كبيرة.
ليس سرًا.
وليس في قبو.
بل في قلب المدينة.
وتخبرنا النقوش أيضًا عن أسقف وشمامسة ورجال دين ومانحين شاركوا في المشروع. 
لهذا تصبح فسيفساء أم الرصاص وثيقة سياسية واجتماعية بقدر ما هي عمل فني.
إنها تقول ببساطة:
الانتقال من بيزنطة إلى الحكم الإسلامي لم يكن لحظة محو.
كانت هناك استمرارية.
وتفاوض.
وتعايش.
وتغير تدريجي.
وأناس عاشوا حياتهم بين كل تلك العناوين التي اخترعها المؤرخون لاحقًا.
لكن لماذا يرسمون المدن؟
لو أراد صانع الفسيفساء أن يملأ أرض الكنيسة بالزخرفة لكان يستطيع رسم أشكال هندسية فقط.
لكنه رسم مدنًا.
وتظهر على إطار الفسيفساء ثماني مدن فلسطينية من بينها القدس ونابلس وسبسطية وقيسارية واللد وبيت جبرين وعسقلان وغزة، وفي الجانب الآخر مدن ومواضع شرقي الأردن بينها أم الرصاص وعمّان ومادبا وحسبان ومعان/بيليمونتا والربة والكرك، بينما تظهر مواضع أخرى في أجزاء مختلفة من الأرضية. 
لم يكن هذا «Google Maps» من القرن الثامن.
فالمدن ليست مرسومة بمقاييس جغرافية دقيقة.
إنها صور رمزية.
أسوار.
بوابات.
كنائس.
أبراج.
كل مدينة تُختزل إلى ملامح تجعل المشاهد يعرفها.
لكن وراء ذلك فكرة أعمق:
العالم كان شبكة من المدن.
لم يكن الإنسان في أم الرصاص معزولًا في قرية على حافة الصحراء.
كان يعرف القدس.
ويعرف غزة.
ويعرف عمّان.
ويعرف مادبا.
ويعرف الكرك.
ويرى نفسه جزءًا من جغرافيا أوسع.
غزة تحت أقدام أم الرصاص
ومن بين الصور التي بقيت على الأرض حتى اليوم:
غزة.
اسمها القديم مكتوب ضمن سلسلة المدن الفلسطينية.
ليست غزة هنا خبرًا سياسيًا.
ولا حدودًا.
ولا خريطة حديثة.
إنها مدينة عرفها فنان عاش في الأردن قبل أكثر من 1200 عام، فوضعها داخل جغرافياه المقدسة والحضرية إلى جانب القدس ونابلس وقيسارية وغيرها. 
وهذه التفصيلة تمنح الفسيفساء قيمة تتجاوز الفن.
فالحدود الحديثة تجعلنا نتصور الأردن وفلسطين وسورية وكأنها عوالم منفصلة منذ الأزل.
لكن فسيفساء أم الرصاص تقول:
لم يكن الأمر كذلك.
المدن كانت تعرف بعضها.
والحجاج والتجار ورجال الدين والحرفيون كانوا يتحركون بينها.
والذاكرة الجغرافية نفسها كانت مشتركة.
خريطة أخرى غير خريطة مادبا
مادبا مشهورة عالميًا بخريطتها الفسيفسائية للقدس والأرض المقدسة.
وهذا جعل أم الرصاص تعيش طويلًا في ظلها.
لكن الفرق بين الاثنتين شديد الأهمية.
خريطة مادبا تعود إلى القرن السادس تقريبًا، أي إلى العصر البيزنطي.
أما فسيفساء كنيسة القديس اسطفانوس في أم الرصاص، في صورتها المؤرخة الأساسية، فتصل بنا إلى 785 ميلادية. 
أي أننا لا ننظر فقط إلى الفن المسيحي في ذروة بيزنطة.
بل إلى فن مسيحي شرقي استمر بعد زوال بيزنطة من هذه الأرض بزمن طويل.
وهنا تكمن فرادة أم الرصاص.
الحاكم تغير.
الدولة تغيرت.
لكن الحرفي ما زال يعرف كيف يقطع حجر الفسيفساء الصغير.
والراهب ما زال يصلي.
والمتبرع ما زال يضع ماله لبناء الكنيسة.
والمدينة ما زالت ترسم العالم كما تفهمه.
الرجل الذي صعد البرج ولم ينزل
لكن أم الرصاص تخفي حكاية أغرب من الفسيفساء.
بعيدًا عن الكنائس يقف برج حجري مربع يبلغ ارتفاعه نحو 14 مترًا.
لا يبدو كبرج دفاعي طبيعي.
ولا كمنارة.
وتربطه الدراسات الأثرية بواحدة من أكثر الممارسات الرهبانية غرابة في المسيحية الشرقية:
نسّاك الأعمدة — Stylites.
كان بعض الرهبان يختارون الانعزال فوق عمود أو برج، بعيدًا عن الحياة اليومية، في ممارسة زهدية قصوى.
وتصف اليونسكو برج أم الرصاص بأنه من أندر وأكمل الشواهد الباقية على هذا التقليد. وفي أعلاه حجرة كان يمكن الوصول إليها على الأرجح بواسطة سلم قابل للإزالة. 
تخيّل المشهد.
مدينة تتحرك في الأسفل.
مزارعون.
أطفال.
أجراس.
حيوانات.
قوافل.
نزاعات.
أخبار حكام جدد.
وفوق الجميع رجل يعيش في غرفة حجرية مرتفعة، يحاول أن يبتعد عن العالم كي يقترب من الله.
ربما لهذا بقي البرج.
لأن التطرف في الانسحاب من الحياة صار بعد قرون واحدًا من أكثر الأشياء التي تخبرنا عنها.
ومن عاش خارج الكنيسة؟
الآثار الدينية تملك قدرة خطيرة على احتكار التاريخ.
لأن الكنيسة تبقى.
أما بيت الفلاح فينهار.
النقش يبقى.
أما حديث المرأة التي كانت تحمل الماء إلى البيت فلا يبقى.
ولهذا يجب ألا نحول أم الرصاص إلى مدينة رهبان فقط.
حول الموقع توجد آثار منشآت زراعية، ومدرجات وقنوات مياه وصهاريج، وكلها تكشف كيف استطاع المجتمع أن يعيش في بيئة شبه جافة. 
وهنا يظهر الوجه الآخر للمدينة.
كل فسيفساء عظيمة احتاجت إلى شخص يزرع القمح.
وكل كنيسة احتاجت إلى بنّاء.
وكل راهب فوق برج احتاج، بطريقة أو بأخرى، إلى مجتمع يعيش تحته.
الحضارات لا يبنيها العظماء وحدهم.
يبنيها أولئك الذين لا نعرف أسماءهم.
حتى الوجوه اختفت
في بعض فسيفساء أم الرصاص تعرضت صور بشرية وحيوانية للتشويه أو التعديل في مراحل لاحقة.
والقصة معقدة، لذلك سيكون من الخطأ نسبة كل ذلك بثقة إلى جهة أو لحظة واحدة من دون دليل مباشر.
لكن علماء الآثار وجدوا أن بعض المشاهد والصور قد أُزيلت أو شُوهت بينما ظلت الزخارف والهياكل العامة قائمة. 
وهذا يترك واحدة من أغرب صور الموقع:
مدن كاملة بقيت.
لكن بعض البشر الذين عاشوا داخل تلك الصور اختفوا.
كأن الجغرافيا نجت من النقاش العقائدي أكثر مما نجا الإنسان.
الاسم الذي خرج من الأرض
قبل التنقيبات الحديثة، كانت هوية الموقع القديمة موضع نقاش.
ثم جاءت النقوش.
وأحد أهم اكتشافات كنيسة القديس اسطفانوس أنها ذكرت اسم:
Kastron Mefa’a — كاسترون ميفعا
صراحةً. 
وهكذا حدث شيء يحلم به علماء الآثار:
لم يحتج الموقع إلى مؤرخ حديث يمنحه اسمًا.
قال اسمه بنفسه.
قطعة فسيفساء ساعدت على استعادة هوية مدينة كاملة.
ولهذا ليست الآثار مجرد أشياء جميلة.
أحيانًا تكون كلمة واحدة على حجر كافية لإعادة مكان إلى التاريخ.
المدينة التي لم ننقب عنها بعد
ومع كل ما نعرفه، تظل الحقيقة الأكثر إثارة هي الأولى:
معظم أم الرصاص ما زال غير منقّب. 
وهذه الجملة تغير معنى الموقع.
فنحن لا نقف أمام كتاب قرأناه.
بل أمام كتاب فتحنا منه صفحات قليلة.
ربما توجد تحت التراب بيوت.
وشوارع.
وورش.
ونقوش.
وقبور.
وأسماء أشخاص.
وربما تفاصيل ستجبرنا يومًا على تعديل القصة التي نكتبها الآن.
التاريخ لا ينتهي عندما نكتشف موقعًا.
أحيانًا يبدأ.
ليست قصة دينين
من السهل جدًا أن نحول أم الرصاص إلى قصة مبسطة:
مسيحيون هنا.
مسلمون هناك.
بيزنطة انتهت.
الإسلام بدأ.
لكن الحجارة ترفض هذا الاختزال.
فالمدينة التي بدأت داخل النظام الروماني، وازدهرت مسيحيًا في العصر البيزنطي، استمرت جماعتها المسيحية وكنائسها في القرون الأولى للحكم الإسلامي.
بل إن واحدة من أعظم فسيفساء الموقع أُنجزت سنة 785، في قلب العصر العباسي. 
وهذا لا يعني أن التاريخ كان بلا صراع.
ولا أن العلاقات كانت مثالية.
بل يعني شيئًا أكثر أهمية:
أن الواقع كان أعقد من العناوين التي نضعها فوق القرون.
الإنسان لا يختفي عندما تتبدل الدولة.
يستيقظ في صباح اليوم التالي.
يفتح دكانه.
يزرع أرضه.
يصلي.
يتزوج.
يدفن موتاه.
ويتعلم، ببطء، أن يعيش داخل عالم جديد.
أم الرصاص: الأردن الذي لا يختصره عصر واحد
بعد جرش يمكن أن نرى الأردن الروماني.
وفي البتراء نرى النبطي.
وفي أم الرصاص يحدث شيء آخر.
نرى الطبقات وهي تتداخل بدل أن تتعاقب فقط.
رومان.
بيزنطيون.
مسيحيون عرب ومحليون.
حكم إسلامي.
فن يوناني اللغة.
مدن فلسطينية وأردنية على أرضية واحدة.
راهب فوق برج.
مزارع عند صهريج.
وحرفي يصفّ آلاف الحجارة الصغيرة كي يصنع مدينة.
ولهذا ربما لا تكون أهم قطعة في أم الرصاص هي صورة القدس.
ولا غزة.
ولا عمّان.
ولا حتى البرج.
الأهم هو وجودها كلها معًا.
ففي مكان صغير على حافة البادية الأردنية، بقيت وثيقة تقول إن الحضارات لا تمر الواحدة بعد الأخرى كما تمر عربات في طريق.
إنها تدخل بعضها في بعض.
وتترك شيئًا.
وتأخذ شيئًا.
ثم يأتي من بعدها أناس يظنون أنهم بدأوا من جديد.
قبل أكثر من اثني عشر قرنًا، انحنى فنان فوق أرض كنيسة في أم الرصاص، وأخذ يضع حجرًا صغيرًا بجانب حجر.
لم يكن يعرف أن الدولة التي يحكم في ظلها ستختفي.
ولا أن أسماء بعض المدن ستتغير.
ولا أن حدودًا جديدة ستقسم الجغرافيا التي رسمها.
ولا أن علماء آثار سيزيلون التراب عن عمله بعد أكثر من ألف عام.
كان يعرف شيئًا واحدًا:
أن العالم الذي يراه يستحق أن يُرسم.
فرسمه.
وبقيت المدن.
وبقيت أسماؤها.
وبقيت أم الرصاص نفسها تحت التراب، تنتظر أن نكمل القراءة.
ربما لهذا لا تكون أعظم أسرار أم الرصاص فيما كشفه علماء الآثار حتى الآن، بل فيما لم تزل المدينة تخفيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top