الأنباط: المملكة التي جعلت الصخر مدينة

الأنباط — المملكة التي جعلت الصخر مدينة

عندما يدخل الزائر السيق في البتراء، تضيق الجبال حوله حتى يصبح الطريق شقًا بين جدارين من الصخر.

ثم يتغير المشهد فجأة.

يظهر أمامه بناء منحوت في الجبل.

الخزنة.

واجهة ضخمة تبدو للوهلة الأولى كأنها بُنيت من كتل حجرية ثم رُصّت فوق بعضها.

لكنها لم تُبنَ بهذه الطريقة.

لقد أُخرجت من الصخر نفسه.

هذا المشهد جعل البتراء واحدة من أشهر مدن العالم القديم.

وجعل الأنباط في المخيلة الحديثة شعبًا من نحاتي الصخور.

لكن المدينة تخفي قصة أكبر بكثير.

فالأنباط لم يصبحوا قوة لأنهم عرفوا كيف ينحتون واجهة جميلة.

أصبحوا قوة لأنهم تعلموا كيف يجعلون الصحراء طريقًا.

والماء ثروة.

والموقع تجارة.

والاختلاف الثقافي مصدرًا للمرونة بدل أن يكون حاجزًا.

قبل أن تكون البتراء مدينة من الحجر، كانت عقدة في شبكة امتدت من جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر إلى غزة ودمشق والبحر المتوسط.

من كانوا؟

أصول الأنباط الأولى ليست واضحة تمامًا.

تظهر الجماعة في المصادر التاريخية بصورة أوضح في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد.

وكانوا من سكان العالم العربي الشمالي، وانتشروا خصوصًا في مناطق تقع اليوم ضمن الأردن وشمال غرب الجزيرة العربية وأجزاء من جنوب سوريا والنقب وسيناء.

وصفتهم بعض المصادر القديمة في بدايات ظهورهم بأنهم جماعات تعتمد بدرجة كبيرة على الحركة والتجارة والرعي.

لكن من الخطأ تثبيتهم إلى الأبد في صورة «بدو الصحراء».

فخلال القرون التالية بنوا دولة.

ومدنًا.

ومعابد.

ومراكز تجارية.

ونظامًا سياسيًا ملكيًا.

وتحولت البتراء إلى قلب واحدة من أهم الممالك الواقعة بين الجزيرة العربية والبحر المتوسط.

سنة 312 قبل الميلاد

من أقدم الأخبار المهمة عن الأنباط ما يرويه المؤرخ ديودور الصقلي عن محاولة أنتيغونوس الأول، أحد القادة الذين اقتسموا إمبراطورية الإسكندر الأكبر، السيطرة عليهم في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد.

كانت المنطقة التي يعيش فيها الأنباط مهمة بسبب التجارة والموارد.

وحاولت قوة هلنستية كبرى إخضاعهم.

لكن الأنباط كانوا يعرفون بيئتهم بطريقة لا يعرفها المهاجمون.

الصحراء التي تبدو عائقًا للغريب كانت بالنسبة إليهم دفاعًا.

يعرفون مواقع المياه.

ويستطيعون تخزينها.

ويعرفون الطرق التي يمكن عبورها والطرق التي يتحول فيها الجيش الثقيل إلى عبء على نفسه.

هذه الميزة ستبقى في قلب قوتهم.

الأنباط لم ينتصروا على الصحراء.

تعلموا استخدامها.

البتراء

كان اسم البتراء النبطي «رقمو» أو «رقيمو» بصيغ قريبة تظهر في النقوش.

أما الاسم الذي يعرفه العالم اليوم، Petra، فهو الاسم اليوناني المرتبط بالصخر.

والمكان مناسب للاسم تمامًا.

فالمدينة محاطة بجبال من الحجر الرملي الأحمر.

لكن اختيار الموقع لم يكن قرارًا جماليًا.

كان قرارًا استراتيجيًا.

البتراء تقع عند ملتقى مسارات تربط جنوب الجزيرة العربية بالبحر المتوسط، وتصل كذلك إلى سوريا ومصر ومناطق أخرى.

إذا مرت القافلة من هنا، تمر معها البضائع.

وإذا مرت البضائع، جاءت الرسوم والخدمات والأسواق والثروة.

ما الذي كانت تحمله القوافل؟

أشهر السلع كان اللبان والمر.

وهما مادتان شديدتا القيمة في العالم القديم، استُخدمتا في الطقوس الدينية والعطور والطب وممارسات اجتماعية متعددة.

جاء جزء كبير منهما من جنوب الجزيرة العربية.

لكن شبكات التجارة كانت تحمل أكثر من ذلك.

توابل.

ومنسوجات.

ومنتجات فاخرة.

وسلع تصل عبر البحر الأحمر من مناطق أبعد.

كانت البضائع تتحرك على مراحل.

لم يكن الأنباط ينتجون كل شيء يبيعونه.

قوتهم جاءت بدرجة كبيرة من قدرتهم على نقل السلع وحمايتها وربط شبكات التجارة المختلفة بعضها ببعض.

كانوا وسطاء.

لكن الوسيط الذي يسيطر على الطريق يمكن أن يصبح أغنى من المنتج نفسه.

الطريق ليس خطًا على الخريطة

حين نرسم طريق التجارة اليوم، نضع خطًا بين نقطتين.

لكن القافلة القديمة لا ترى خطًا.

ترى ماء.

وطعامًا.

ومحطات.

وحماية.

وحدودًا.

وضرائب.

وحرارة.

وصحراء قد تتحول فيها رحلة قصيرة إلى موت.

لهذا فإن السيطرة على الطريق لم تكن تعني الوقوف عند ممر وفرض رسم.

كانت تعني إنشاء بيئة تجعل الحركة ممكنة.

آبار.

وخزانات.

ومحطات.

ومعرفة بالمناخ والمسافة.

وعلاقات مع القبائل والمدن والموانئ.

التجارة القديمة كانت بنية تحتية قبل أن تكون بضائع.

وهنا يظهر سر الأنباط.

المدينة التي لا ينبغي أن تكون هناك

المشكلة في البتراء بسيطة:

المكان جاف.

والمدينة الكبيرة تحتاج إلى الماء كل يوم.

للشرب.

والطبخ.

والحيوانات.

والحمامات.

والزراعة.

والورش.

والحدائق.

لا يستطيع عشرات الآلاف الاعتماد على بئر صغيرة وانتظار المطر.

لذلك طور الأنباط شبكة معقدة لإدارة المياه.

قنوات منحوتة ومبنية.

أنابيب.

خزانات.

صهاريج.

وسدود لتحويل مياه السيول.

كان الهدف مزدوجًا.

الحصول على الماء.

ومنع الماء نفسه من تدمير المدينة عندما تأتي السيول فجأة عبر الأودية الضيقة.

في الصحراء يمكن للماء أن يكون المشكلة والحل في اليوم نفسه.

السيق ليس مجرد مدخل

السيق الذي يسلكه الزائر اليوم للوصول إلى قلب البتراء هو ممر طبيعي ضيق.

لكن الأنباط لم يتركوه للطبيعة وحدها.

تظهر على جانبيه آثار قنوات كانت تنقل الماء.

وكانت هناك أعمال تهدف إلى التحكم بجريان السيول وتحويلها بعيدًا عن المسار الرئيسي.

أي أن المدخل المذهل الذي نراه اليوم كان جزءًا أيضًا من هندسة المدينة.

الجمال والهندسة ليسا دائمًا مشروعين منفصلين.

أحيانًا يمران في الممر نفسه.

هل صنع الأنباط الماء؟

لا.

وهنا تكمن عبقريتهم الحقيقية.

لم يكن لديهم نهر ضخم يستطيعون تغييره إلى نيل آخر.

كان عليهم العمل بما تمنحه البيئة:

ينابيع.

وأمطار موسمية.

وسيول قصيرة.

ثم تخزين الماء وتوزيعه بحيث يصبح المورد المتقطع موردًا يمكن الاعتماد عليه.

الحضارة لا تبدأ دائمًا بوفرة الموارد.

أحيانًا تبدأ بفهم النقص.

الخزنة

أشهر مباني البتراء يسمى اليوم «الخزنة».

انتشر الاسم بسبب حكايات تقول إن كنزًا كان مخبأً فيها.

لكن المبنى لم يكن خزنة مالية بالمعنى الذي يوحي به الاسم.

يرجح الباحثون أنه كان نصبًا جنائزيًا ملكيًا أو مبنى ذا وظيفة جنائزية مرتبطة بالنخبة، وإن بقيت تفاصيل هوية صاحبه ووظيفته الدقيقة موضع نقاش.

الواجهة نفسها تكشف عالمًا من التأثيرات.

أعمدة وتفاصيل تنتمي إلى تقاليد هلنستية.

عناصر مصرية.

وزخارف محلية.

الأمر لا يبدو كفن شعب منعزل في الصحراء.

يبدو كفن شعب يقف عند ملتقى العالم.

هل كانت العمارة «رومانية»؟

بعض واجهات البتراء تجعل الزائر يشعر أنه ينظر إلى معبد يوناني أو روماني منحوت داخل جبل عربي.

لكن القول إن الأنباط «قلدوا الرومان» يفقدنا القصة.

الفن النبطي كان انتقائيًا.

استعار عناصر من العالم الهلنستي والروماني والمصري والشرقي.

ثم أعاد تركيبها.

الحضارات الموجودة على طرق التجارة لا تحمي نفسها من التأثيرات.

تمتصها.

وتعيد استخدامها.

الهوية ليست دائمًا جدارًا.

قد تكون طريقة خاصة في جمع أشياء جاءت من أماكن متعددة.

الآلهة التي لم تحتج إلى وجه

كان للأنباط عالم ديني خاص بهم.

من أبرز آلهتهم ذو الشرى، إلى جانب آلهة أخرى محلية وإقليمية.

ومن السمات اللافتة أن تمثيل الإله في بعض السياقات النبطية لم يحتج إلى تمثال بشري كامل.

ظهرت أحجار مقدسة أو كتل حجرية بسيطة تعرف في الدراسات باسم betyls، تمثل حضور الإله بصورة تجريدية.

وفي الوقت نفسه تظهر في الفن النبطي صور ونماذج متأثرة بالثقافات المجاورة.

مرة أخرى نرى المجتمع نفسه:

محلي.

ومتصل بالعالم.

اللغة والكتابة

استخدم الأنباط في نقوشهم بصورة واسعة شكلًا من الآرامية يعرف بالآرامية النبطية.

لكن أسماءهم وبعض السمات اللغوية تشير بوضوح إلى بيئة عربية.

ومع مرور الزمن تطور الخط النبطي المتصل بصورة أصبحت مهمة في تاريخ الكتابة العربية.

يرى الباحثون في الخط النبطي أحد أهم الأسلاف المباشرين للخط العربي الذي تطور لاحقًا.

وهذا أثر غريب لحضارة اختفت دولتها.

قد تنتهي المملكة.

ويبقى شكل الحرف.

الملك

بحلول القرن الثاني قبل الميلاد على الأقل كان الأنباط يحكمهم ملوك.

تظهر أسماؤهم في النقوش والعملات والمصادر المجاورة.

ومن أشهرهم الحارث الثالث، الذي وسع نفوذ المملكة شمالًا ووصل إلى دمشق لفترة.

لكن العصر الذي يُنظر إليه عادة بوصفه أحد أوج القوة النبطية جاء في عهد الحارث الرابع، الذي حكم من 9 قبل الميلاد حتى 40 للميلاد.

خلال هذه الفترة ازدهرت البتراء.

واتسعت المنشآت.

وازدهرت التجارة.

وأصبحت المملكة قوة يحسب لها الرومان والحكام المجاورون حسابًا.

مملكة بين العمالقة

المشكلة الجغرافية نفسها التي صنعت ثروة الأنباط صنعت خطرهم أيضًا.

هم يقفون بين قوى أكبر.

السلوقيون.

ثم الحشمونيون في يهودا.

ثم روما.

وفي الجنوب والشرق توجد مجتمعات وقوى عربية أخرى.

كان على المملكة أن تستخدم أكثر من الجيش.

الدبلوماسية.

والتحالف.

والتجارة.

والاستفادة من التضاريس.

كلها كانت ضرورية.

الدولة الصغيرة نسبيًا لا تستطيع أن تتصرف دائمًا كالإمبراطورية.

يجب أن تعرف متى تقاتل.

ومتى تتفاوض.

ومتى تجعل نفسها مفيدة للقوة الأكبر.

روما تقترب

في القرن الأول قبل الميلاد أصبحت روما القوة الكبرى في شرق البحر المتوسط.

دخل القائد الروماني بومبيوس المنطقة سنة 64 قبل الميلاد تقريبًا، وأصبح العالم السياسي المحيط بالأنباط يتغير.

لم تحتل روما المملكة مباشرة.

استمرت المملكة النبطية أكثر من قرن بعد ذلك.

وأقامت علاقات متقلبة مع روما وجيرانها.

هذا بحد ذاته يدل على قدرة سياسية مهمة.

فالبقاء بجوار إمبراطورية تتوسع ليس أمرًا مضمونًا.

أحيانًا تستطيع الدولة الصغيرة أن تستمر لأنها مفيدة أكثر وهي مستقلة مما ستكون عليه بعد احتلالها.

لكن هذا التوازن لم يكن دائمًا.

التجارة تتغير

لا توجد إمبراطورية تجارية تستطيع التحكم في الطرق إلى الأبد.

مع توسع التجارة البحرية عبر البحر الأحمر، وتغير موازين القوى، أصبحت القوافل البرية تواجه منافسة متزايدة من طرق أخرى.

لا يعني ذلك أن تجارة الأنباط انهارت فجأة.

لكن الاقتصاد الذي صنع ثروتهم كان يتغير.

الدولة التي تعيش من موقعها يجب أن تراقب الخريطة باستمرار.

فإذا تغير الطريق، تغيرت قيمة المدينة.

الحِجر

لم تكن البتراء المدينة النبطية الوحيدة المهمة.

في شمال غرب الجزيرة العربية تقع الحِجر، المعروفة أيضًا بمدائن صالح أو هِجرا.

أصبحت مركزًا مهمًا على الطرق التجارية، وتحتوي على عشرات المقابر الصخرية الضخمة ذات الواجهات المنحوتة.

وتحمل كثير من مقابرها نقوشًا نبطية تقدم لنا أسماء أشخاص وأسر وتواريخ وتحذيرات قانونية ضد العبث بالقبور.

هذه النقوش مهمة لأنها تعيد الأنباط من عالم العمارة الصامتة إلى عالم الناس.

فجأة نرى أفرادًا.

وأسماء.

وملكية.

وقوانين.

وعائلات تريد أن يبقى قبرها كما صنعته.

الحضارة ليست واجهات فقط.

إنها أشخاص يعرفون أن أحدًا قد يأتي بعدهم، ولذلك يكتبون له:

لا تلمس هذا المكان.

البتراء ليست مقبرة ضخمة فقط

المباني الصخرية الشهيرة في البتراء هي في معظمها مقابر ونصب ذات وظائف دينية أو جنائزية.

ولهذا يمكن أن يخرج الزائر بصورة أن المدينة كلها كانت مدينة للموتى.

لكن البتراء الحية كانت تحتوي أيضًا على مساكن وأسواق ومعابد وشوارع ومنشآت مدنية ومرافق للمياه وحدائق ومناطق إنتاج.

ليس كل شيء بقي بالطريقة نفسها.

الصخر المحفور يحتمل الزمن أفضل من بيت يومي قد تُبنى جدرانه بمواد أقل بقاءً.

وهذا يخلق خداعًا أثريًا.

ما بقي ليس دائمًا ما كان أهم في الحياة اليومية.

أحيانًا هو فقط ما كان أقوى أمام الزمن.

النساء في المملكة

تكشف النقوش والعملات والوثائق عن حضور نساء في المجتمع النبطي بدرجات مختلفة، ومنهن ملكات ارتبطت صورهن أحيانًا بالنقود إلى جانب الملوك.

كما تظهر النساء في بعض النقوش بوصفهن مالكات أو أطرافًا في ترتيبات عائلية وقانونية.

لكن يجب الحذر من القفز من هذه الأدلة إلى القول إن المجتمع النبطي كان «مجتمع مساواة حديثًا».

المصادر لا تسمح بذلك.

ما نستطيع قوله إن المرأة لم تكن غائبة عن المجال القانوني والاقتصادي والرمزي، وأن الوثائق النبطية تمنحنا صورة أكثر تعقيدًا من افتراض أن النساء كن بلا حضور مستقل.

سنة 106

جاءت نهاية المملكة من دون قصة معركة كبرى بقيت في الذاكرة.

في سنة 106 للميلاد، في عهد الإمبراطور الروماني تراجان، ضمت روما المملكة النبطية.

كان آخر ملوكها رب إيل الثاني قد مات أو انتهى حكمه في تلك الفترة.

تحولت الأراضي النبطية إلى جزء من مقاطعة رومانية جديدة عرفت باسم «العربية البترائية».

نحن لا نملك رواية واضحة عن حرب ضخمة انتهت بسقوط البتراء.

وقد يبدو الضم، بحسب الأدلة المتاحة، أقل عنفًا من كثير من الفتوحات الرومانية الأخرى.

لكن النتيجة كانت واضحة.

لم يعد هناك ملك نبطي مستقل.

انتهت المملكة.

ولم تنتهِ المدن.

الطريق الجديد

بعد الضم الروماني طُورت شبكة الطرق، ومن أشهرها الطريق الذي عرف باسم Via Nova Traiana، وربط مناطق من جنوب الشام وشمال الحجاز ببصرى ومراكز أخرى.

البتراء استمرت مدينة مهمة.

والحِجر استمرت مأهولة فترة.

ولم تختفِ الثقافة النبطية في صباح اليوم التالي لرفع الراية الرومانية.

هذه قاعدة مهمة في التاريخ:

الدولة تستطيع أن تموت في سنة.

أما المجتمع فلا يقرأ المرسوم ثم يمحو نفسه.

اللغة.

والأسماء.

والعبادات.

والعادات.

والعمارة.

تعيش أطول من النظام السياسي أحيانًا.

هل اختفت البتراء؟

لا.

وهذه أسطورة حديثة أخرى.

توصف البتراء كثيرًا بأنها «المدينة المفقودة».

لكنها لم تُمحَ من معرفة سكان المنطقة.

عاشت فيها جماعات خلال العصور الرومانية والبيزنطية، واستمرت المنطقة معروفة في الفترات الإسلامية اللاحقة.

ما حدث هو أن أهميتها الاقتصادية والسياسية تراجعت، وتقلص سكانها، وتحولت طرق التجارة، وضربتها زلازل وأزمات مختلفة.

أما «اكتشافها» في العصر الحديث، فهو اكتشاف من منظور الرحالة والباحثين الأوروبيين الذين أعادوا تقديمها إلى جمهورهم.

أهل المنطقة لم يحتاجوا إلى أوروبا كي تخبرهم أن الجبال موجودة.

الزلازل

تعرضت المنطقة لزلازل قوية خلال العصور المتأخرة، وكان زلزال سنة 363 للميلاد من الأحداث المهمة التي أضرت بالبنية الحضرية وشبكات المياه.

لكن من الخطأ القول إن زلزالًا واحدًا «دمر البتراء وأنهاها».

المدن نادرًا ما تموت بهذه البساطة.

التراجع نتج من تراكم عوامل:

تغير التجارة.

والتحولات السياسية.

والزلازل.

وتغير أنماط الاستيطان والاقتصاد.

إنها نهاية بطيئة أكثر من كونها مشهدًا واحدًا ينهار فيه كل شيء.

ماذا بقي من الأنباط؟

بقيت البتراء.

والحِجر.

وبصرى في مراحل من تاريخ المملكة وميراثها.

وبقيت النقوش.

والعملات.

والمعابد.

والمقابر.

وشبكات المياه.

وبقي أثر خطهم في تاريخ تطور الكتابة العربية.

لكن ربما بقي شيء أقل وضوحًا.

طريقة في التفكير بالمكان.

الصحراء لا تعني غياب الحياة.

والجبل ليس عائقًا بالضرورة.

والطريق البعيد يمكن أن يتحول إلى مصدر ثروة.

والماء القليل يستطيع أن يصنع مدينة إذا أُدير جيدًا.

هل كان الأنباط «عباقرة مجهولين»؟

هذه العبارة شائعة في الكتابات الشعبية.

لكنهم لم يكونوا مجهولين في عصرهم.

عرفهم اليونان والرومان.

وتعامل معهم التجار والحكام.

وضربوا النقود.

وكتبوا النقوش.

وبنوا دولة استمرت قرونًا.

نحن الذين اختزلناهم لاحقًا في مبنى واحد.

الخزنة أصبحت أشهر من الشعب الذي نحتها.

والصورة أصبحت أقوى من الشبكة التي جعلت الصورة ممكنة.

لكن المدينة ليست مجرد واجهة.

خلف الواجهة توجد دولة كاملة.

المفارقة

أشهر ما تركه الأنباط هو الحجر.

لكن سر قوتهم الحقيقي لم يكن ثابتًا مثل الحجر.

كان الحركة.

قوافل تتحرك.

ورسائل تتحرك.

وبضائع تنتقل بين البحر والصحراء.

وماء يتحرك عبر القنوات.

وأفكار فنية تنتقل من مصر واليونان وسوريا والجزيرة العربية إلى واجهة واحدة.

نحن نتذكرهم بسبب ما لم يتحرك.

المقابر.

لكنهم أصبحوا أغنياء بسبب ما تحرك.

وهذه واحدة من أجمل مفارقات البتراء.

المملكة التي جعلت الصخر مدينة

لم يبنِ الأنباط البتراء لأن الصحراء كانت سخية معهم.

بنوها لأنهم فهموا حدودها.

عرفوا أين يوجد الماء.

وكيف يخزن.

وكيف تُحمى القافلة.

وكيف يتحول الممر بين الجبال إلى بوابة تجارية.

وكيف تستطيع مدينة بعيدة عن الأنهار الكبرى أن تصبح ملتقى عالم كامل.

لم يكن الصخر المشكلة.

أصبح مادة البناء.

لم يكن الجفاف نهاية الاستيطان.

أصبح تحديًا هندسيًا.

ولم تكن المسافة عن البحر المتوسط عزلة.

أصبحت الطريق التي صنعت الثروة.

ثم تغيرت التجارة.

وجاء الرومان.

وانتهى الملوك.

وبقيت الجبال.

بعد نحو ألفي عام يدخل الإنسان السيق، يمشي بين القنوات القديمة، ثم تظهر الخزنة أمامه.

يبدو المشهد كأن المدينة انتصرت على الزمن.

لكن الحقيقة أجمل قليلًا.

الصخر هو الذي بقي.

أما العبقرية التي جعلته مدينة، فعلينا أن نعيد اكتشافها خلف الواجهة.

المصادر والمراجع

  • UNESCO World Heritage Centre — Petra.
  • The Metropolitan Museum of Art — Nabataean Kingdom and Petra.
  • The Metropolitan Museum of Art — Trade between Arabia and the Empires of Rome and Asia.
  • The Metropolitan Museum of Art — The World between Empires: Art and Identity in the Ancient Middle East.
  • Jane Taylor — Petra and the Lost Kingdom of the Nabataeans.
  • John F. Healey — The Religion of the Nabataeans: A Conspectus.
  • Glen W. Bowersock — Roman Arabia.
  • David Graf — دراسات في الأنباط وشبكات التجارة والطرق في العربية القديمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top