جلال الدين الرومي — الرجل الذي حوّل الفقد إلى طريق
قبل أن يصبح جلال الدين الرومي واحدًا من أشهر شعراء التصوف في العالم، كان رجلًا يعرفه الناس بطريقة مختلفة.
فقيه.
ومدرّس.
وواعظ.
وابن عالم ديني مشهور.
كان يجلس أمام طلابه في قونية، يشرح ويعلّم، وتحيط به المكانة التي يمكن لرجل مثله أن يقضي حياته كلها داخلها.
ثم دخل رجل غريب المدينة.
شمس الدين التبريزي.
وبعد ذلك لم يعد الرومي الشخص نفسه.
لكن قصة الرومي ليست قصة رجل ظهر ليغيره ثم اختفى فقط.
إنها قصة ما حدث بعد الاختفاء.
ماذا يفعل الإنسان حين يخسر الشخص الذي فتح أمامه بابًا لم يكن يعرف بوجوده؟
الرومي لم يستطع استعادة شمس.
ففعل شيئًا آخر.
حوّل الغياب إلى شعر.
والحزن إلى حركة.
والبحث عن شخص واحد إلى رحلة نحو معنى أكبر بكثير من الشخص.
من بلخ إلى الطريق
وُلد جلال الدين محمد سنة 1207 في بلخ، في المنطقة التي تقع اليوم ضمن أفغانستان.
كان والده بهاء الدين ولد عالمًا وواعظًا ذا مكانة.
لكن الأسرة لم تبقَ في بلخ.
غادرت المنطقة في زمن شهد اضطرابات سياسية وعسكرية كبرى، وتحركت غربًا عبر مدن متعددة قبل أن تستقر في الأناضول.
كبر جلال الدين إذن داخل الرحلة.
لم تكن المدينة الأولى هي الأخيرة.
ولم يكن العالم الذي ولد فيه ثابتًا.
مرّت الأسرة في مناطق من إيران والعراق والشام والحجاز، وفق ما تسمح به المصادر المختلفة، قبل أن تستقر في قونية في سلطنة سلاجقة الروم.
هناك سيصبح الابن الذي خرج من بلخ «الرومي».
ليس لأنه كان رومانيًا.
بل لأن الأناضول كانت تعرف في الجغرافيا الإسلامية باسم «الروم».
قونية
كانت قونية في القرن الثالث عشر أكثر من مدينة بعيدة عن مراكز العالم الإسلامي التقليدية.
جذبت علماء ومتصوفة ومهاجرين جاؤوا من الشرق، خصوصًا مع الاضطرابات التي صاحبت التوسع المغولي.
استقرت أسرة الرومي هناك.
وعندما توفي والده سنة 1231، أصبح جلال الدين وريثًا لمكانته العلمية بدرجة كبيرة.
لم يتحول فورًا إلى الشاعر الذي نعرفه.
كان عليه أولًا أن يصبح عالمًا.
درس الفقه والعلوم الدينية.
وعُرف بالتدريس والوعظ.
وتولى تربية الطلاب.
كانت له حياة مستقرة نسبيًا.
والرجل الذي سيكتب لاحقًا آلاف الأبيات عن العشق الروحي كان يعرف جيدًا عالم المدارس والفقه والمناظرة.
وهذا مهم.
الرومي لم يترك المعرفة عندما دخل التصوف.
حملها معه.
برهان الدين
بعد وفاة بهاء الدين ولد، ارتبط الرومي ببرهان الدين محقق الترمذي، الذي كان من تلاميذ والده ومن أصحاب الخبرة في الطريق الصوفي.
كان لهذه العلاقة دور مهم في تكوين الرومي الروحي قبل ظهور شمس.
ولهذا فإن الرواية التي تجعل شمسًا يأخذ فقيهًا جافًا لا يعرف شيئًا عن التصوف ثم يحوله فجأة إلى صوفي تحتاج إلى تصحيح.
كان الرومي يعرف التصوف قبل شمس.
وكان قد خضع لتدريب روحي.
لكن شمس فعل شيئًا مختلفًا.
لم يعطه الموضوع.
غيّر شدته.
1244
في سنة 1244 وصل شمس الدين التبريزي إلى قونية.
كان درويشًا جوالًا ذا شخصية قوية وغير سهلة.
التقى الرومي.
أما تفاصيل اللقاء الأول فقد أحاطت بها لاحقًا حكايات كثيرة.
أسئلة مفاجئة.
إغماء.
كتب تسقط في الماء ثم تخرج جافة.
ومشاهد صيغت لتفسير لحظة بدا للناس بعدها أن شيئًا هائلًا قد حدث.
ليس من الضروري أن نعرف الحوار الحرفي.
فالنتيجة نفسها واضحة.
أصبح شمس مركزًا استثنائيًا في حياة الرومي.
تراجع جانب من نشاطه العام.
وأمضى معه أوقاتًا طويلة في الحديث والخلوة.
وأثار هذا القرب توترًا لدى بعض المحيطين بالرومي.
الأستاذ الذي كان ملكًا لطلابه أصبح منشغلًا برجل واحد.
لماذا شمس؟
ربما كان شمس مهمًا لأنه لم يتعامل مع الرومي بوصفه الشيخ الذي يجب أن يوافقه الجميع.
تحداه.
هز يقينه.
ونقله من المعرفة التي يستطيع الإنسان شرحها إلى تجربة يصعب شرحها.
الكتاب يستطيع أن يخبرك ما قاله الآخرون عن الحب.
أما الإنسان الذي يهز وجودك كله فيجعلك تواجه الحب نفسه.
وهنا تغيرت لغة الرومي.
لم يعد السؤال:
ماذا أعرف؟
بل:
ماذا أصبحت؟
الرحيل الأول
اشتدت الضغوط حول شمس.
وغادر قونية إلى دمشق.
دخل الرومي في حالة من الحزن والبحث.
ثم تمكن من إقناعه بالعودة.
لكن المشكلة التي دفعت شمس إلى الرحيل لم تختفِ بالكامل.
بعد فترة اختفى مرة أخرى نحو سنة 1247.
ومن هنا تدخل القصة في منطقة ضبابية.
تقول روايات إنه قُتل.
وبعض الروايات تربط قتله بأشخاص من محيط الرومي، بل بابنه علاء الدين أحيانًا.
لكن الأدلة لا تسمح بإثبات تفاصيل جريمة قتل بصورة يقينية.
ما نعرفه هو أن شمس اختفى من حياة الرومي.
وبحث الرومي عنه.
ولم يعد إليه.
البحث في دمشق
تذكر المصادر أن الرومي ذهب إلى دمشق يبحث عن شمس.
لكن البحث الخارجي لم يجد الرجل.
شيئًا فشيئًا بدأ تحول آخر.
إذا كان شمس قد فتح له طريقًا، فهل يتوقف الطريق عندما يغيب شمس؟
بدأ الرومي يجد حضور المعلم داخل التجربة التي تركها فيه.
كان هذا هو التحول الأهم.
الإنسان الذي بحث عن شمس في المدن بدأ يبحث عنه في نفسه.
ومن هذه المسافة بين الحضور والغياب خرج جزء ضخم من شعره.
ديوان شمس
سمى الرومي مجموعته الكبرى من الغزليات باسم شمس التبريزي.
وهذا وحده أمر لافت.
الشاعر يكتب آلاف الأبيات.
ثم يضع عليها اسم رجل آخر.
لكن شمس في الديوان لم يعد دائمًا شخصًا تاريخيًا يقيم في قونية.
تحول إلى رمز.
الشمس.
والحبيب.
والمرشد.
والنافذة التي يعبر منها الضوء.
أحيانًا يصبح الفصل بين شمس الإنسان و«شمس» الرمز صعبًا.
وهذا ربما ما أراده الرومي.
الشخص اختفى.
لكن المعنى الذي فتحه لم يعد قابلًا للاختفاء.
الشعر الذي لا يجلس ساكنًا
شعر الرومي ليس هادئًا دائمًا.
فيه حركة.
ودوران.
وصور تتلاحق بسرعة.
النار.
والبحر.
والخمر.
والموسيقى.
والشمس.
والمرآة.
والطائر.
والقفص.
والسكر.
والصحو.
كأن اللغة نفسها لا تستطيع الجلوس في مكان واحد.
ليس الهدف وصف شعور من الخارج.
الشعر يريد إدخال القارئ داخله.
ولهذا يبدو أحيانًا أن الرومي يبدأ بفكرة ثم يهجرها لأن الصورة التالية أقوى.
الشعر عنده ليس تقريرًا.
إنه حركة.
هل كان يكتب بالعربية أم الفارسية؟
كتب الرومي معظم شعره الكبير بالفارسية.
لكن أعماله تحتوي أيضًا على أبيات وعبارات بالعربية، وتظهر لديه كذلك آثار البيئة اللغوية المتعددة في الأناضول.
كانت قونية نفسها مكانًا تختلط فيه جماعات وثقافات مختلفة.
لهذا فإن محاولة حصر الرومي داخل قومية حديثة واحدة لا تساعد كثيرًا في فهم القرن الثالث عشر.
ولد في بلخ.
كتب أساسًا بالفارسية.
عاش معظم حياته في الأناضول.
ودُفن في قونية.
وتراثه أصبح جزءًا من ثقافات كثيرة.
الرومي نفسه تجاوز الحدود التي صنعتها الدول الحديثة بعده بقرون.
بعد شمس جاء صلاح الدين
لم ينتهِ عالم الرومي الروحي باختفاء شمس.
ارتبط بعد ذلك بصلاح الدين زركوب، وهو صائغ من قونية أصبح من أقرب أصحابه.
ثم بعد وفاة صلاح الدين ظهر حسام الدين جلبي.
وهذه الشخصية ستصبح حاسمة في ولادة أهم أعمال الرومي.
«المثنوي».
وهنا نرى أن حياة الرومي لم تكن عبادة ذكرى شمس إلى الأبد.
كان قادرًا على بناء علاقات روحية جديدة.
الغياب غيّره.
لكنه لم يجمده.
حسام الدين والسؤال البسيط
تروي التقاليد أن حسام الدين شجع الرومي على كتابة عمل تعليمي كبير يستطيع المريدون الرجوع إليه، على نحو يشبه مكانة بعض الكتب الصوفية الشعرية السابقة.
أخرج الرومي من عمامته أو جيبه ورقة تحتوي على الأبيات الأولى من «المثنوي»، بحسب الرواية المشهورة.
مهما كانت التفاصيل الدقيقة لهذه اللحظة، فإن دور حسام الدين موثق بقوة.
كان الرومي يملي.
وحسام الدين يكتب.
ثم تُراجع المادة.
وأصبح اسمه حاضرًا داخل المثنوي نفسه.
لم يكن الكتاب مشروع رجل منعزل في غرفة.
نشأ من علاقة بين معلم وتلميذ وصديق.
مرة أخرى يحتاج الرومي إلى إنسان كي يفتح له شكلًا جديدًا من الكلام.
اسمع الناي
يبدأ «المثنوي» بصورة أصبحت من أشهر الصور في الأدب الصوفي:
الناي المنفصل عن منبته.
صوته حزين لأنه قُطع من أصله.
هذه الصورة تختصر عالمًا كاملًا.
الإنسان منفصل.
ويشعر بالحنين.
ويبحث عما فقده.
يمكن قراءة الناي بوصفه الإنسان الذي يحن إلى الأصل الإلهي.
لكن الصورة تعمل لأنها إنسانية قبل أن تكون نظرية.
كل شخص عرف الفقد يستطيع أن يفهم صوت الناي قبل أن يقرأ كتابًا في التصوف.
هذه إحدى قوى الرومي.
يأخذ فكرة ميتافيزيقية ضخمة.
ويضعها داخل صوت آلة موسيقية.
ستة كتب من الحكايات
يتكون المثنوي من ستة دفاتر كبيرة.
لكن من يفتحه بحثًا عن كتاب منظم فصلًا بعد فصل قد يشعر بالارتباك.
قصة تبدأ.
ثم تقاطعها قصة أخرى.
ثم يأتي تعليق.
ثم آية أو حديث أو مثل.
ثم حكاية صغيرة.
ثم يعود النص إلى الموضوع الأول أو لا يعود إليه سريعًا.
إنه يشبه عقل معلم يتحدث أمام حلقة حية أكثر مما يشبه كتابًا مدرسيًا مرتبًا.
وهذه الفوضى الظاهرة جزء من قوته.
الحكاية ليست الهدف دائمًا.
إنها باب.
والرومي يدخل منه ثم يفتح أبوابًا أخرى.
لا تثق بالقصة بسرعة
يستخدم الرومي القصص بطريقة تجعل قراءته بحذر أمرًا ضروريًا.
قد تكون الشخصية في بداية الحكاية مثالًا.
ثم تتغير دلالة المثال.
وقد يستخدم قصة فكاهية أو صادمة لإظهار خداع النفس.
ليس كل ما يقوله أحد أبطال الحكايات موقف الرومي نفسه.
ولهذا فإن اقتطاع جملة من قصة ثم تقديمها كأنها «حكمة الرومي» يمكن أن يقلب معناها.
المثنوي ليس صندوق اقتباسات.
إنه جدل طويل مع النفس.
النفس التي تعرف كيف تختبئ
أحد أكثر خصوم الإنسان حضورًا في شعر الرومي هو النفس حين تتحول إلى مركز مغلق على ذاته.
الإنسان يستطيع أن يعتقد أنه يبحث عن الله بينما هو يبحث عن مكانة.
يستطيع أن يتظاهر بالتواضع لكي يحصل على الإعجاب.
وأن يستخدم العلم ليشعر بأنه أعلى من الآخرين.
المشكلة ليست الجهل وحده.
حتى المعرفة تستطيع أن تصبح حجابًا إذا تحولت إلى غرور.
لهذا لم يكن طريق الرومي انتقالًا من الجهل إلى المعرفة فقط.
كان أيضًا محاولة للانتقال من معرفة يتملكها الإنسان إلى معرفة تغيره.
العقل ليس عدوًا
تنتشر أحيانًا صورة للرومي بوصفه شاعرًا يرفض العقل ويطلب من الإنسان أن يعيش بالعاطفة وحدها.
لكن هذه صورة مبسطة.
كان الرومي نفسه عالمًا متعلمًا وفقيهًا.
واستخدم الحجج والمنطق والنقاشات الفكرية في أعماله.
انتقاده يتوجه كثيرًا إلى العقل المحدود عندما يدعي أنه قادر وحده على احتواء كل شيء.
هناك فرق بين استخدام العقل وبين عبادته.
العقل يرشد الإنسان في مجاله.
لكن الحب والتجربة الروحية، في رؤيته، يستطيعان أن يأخذا الإنسان إلى منطقة لا تكفي فيها المفاهيم وحدها.
لم يطلب أن يصبح الإنسان بلا عقل.
طلب ألا يجعل العقل جدارًا حول العالم.
الموسيقى والحركة
ارتبط الرومي بالسماع والموسيقى والحركة الروحية.
والدوران الذي سيصبح لاحقًا أشهر رموز المولوية تطور داخل التقليد المرتبط به.
لكن الصورة السياحية الحديثة لـ«الدراويش الدوّارين» قد تجعلنا نتصور أن الرومي صمم منذ البداية طقسًا رسميًا كاملًا بالشكل المعروف لاحقًا.
هذا غير دقيق.
الممارسة تطورت وتُنظمت بعد موته ضمن الطريقة المولوية.
كان الرومي جزءًا أساسيًا من الأصل الروحي والثقافي.
أما المؤسسة وطقوسها المنظمة فكانت نتاج أجيال بعده أيضًا.
لم يؤسس الطريقة وحده
بعد وفاة الرومي لعب ابنه سلطان ولد دورًا أساسيًا في تنظيم جماعة أتباعه وتحويلها تدريجيًا إلى الطريقة المولوية.
أصبح قبر الرومي في قونية مركزًا مهمًا.
ونشأت شبكة من الزوايا والمراكز المولوية في مناطق مختلفة من الأناضول ثم الدولة العثمانية.
كبرت المؤسسة.
ووضعت تقاليد.
وأزياء.
وموسيقى.
وآدابًا للسماع.
وهنا حدث ما يحدث لكثير من التجارب الروحية:
الرجل يعيش تجربة شخصية شديدة الخصوصية.
ثم يأتي من بعده من يحولها إلى مؤسسة تستطيع الاستمرار.
«فيه ما فيه»
لم يكن الرومي شاعرًا فقط.
وصل إلينا كتاب «فيه ما فيه»، وهو مجموعة من أحاديثه ومجالسه التي دوّنها تلاميذه وأصحابه.
هذا الكتاب مهم لأنه يسمح لنا برؤية المعلم في مجلسه، لا الشاعر في ذروة الغزل.
يتحدث.
ويشرح.
ويرد.
ويستخدم الأمثال والحكايات.
ويظهر فيه العالم الذي ما زال حاضرًا خلف الشاعر.
كما بقيت رسائل وخطب مرتبطة به.
أي أن صورة الرومي لا ينبغي أن تُبنى من القصائد وحدها.
كان صاحب حلقة تعليم وحياة اجتماعية وعلاقات مع شخصيات من مجتمعه.
الرومي والسياسة
عاش الرومي في قرن مضطرب.
المغول اجتاحوا مساحات هائلة من العالم الإسلامي.
وسقطت بغداد سنة 1258.
أما الأناضول فقد أصبحت سلطنة السلاجقة فيها تحت ضغط وهيمنة المغول بعد هزيمتها في كوسه داغ سنة 1243.
قونية نفسها عاشت داخل هذا العالم السياسي المتغير.
لكن الرومي لم يكن قائد ثورة أو صاحب مشروع دولة.
كان على اتصال ببعض أصحاب السلطة والنفوذ، وتلقى احترامًا ورعاية من شخصيات بارزة.
إلا أن مركز مشروعه بقي الإنسان وتحوله الداخلي أكثر من تصميم نظام سياسي.
كان العالم الخارجي ينهار ويتغير.
أما هو فكان يسأل ماذا يحدث للعالم داخل الإنسان.
هل كان يقول إن كل الأديان واحدة؟
تُنسب إلى الرومي اليوم عشرات الأقوال التي تجعله يتحدث بلغة دينية معاصرة جدًا.
بعضها لا أصل له في كتبه.
وبعضها ترجمات حرة أو إعادة صياغة بعيدة.
كان الرومي متصوفًا مسلمًا، وكان القرآن والحديث والأنبياء والمفاهيم الإسلامية حاضرة في أعماله بكثافة.
وفي الوقت نفسه امتلك شعره قدرة واضحة على الحديث عن الحب والبحث والرحمة بلغة تجاوزت جمهوره المباشر وأثرت لاحقًا في قراء من خلفيات متعددة.
لا نحتاج إلى حذف إسلام الرومي حتى نجعله إنسانيًا.
ولا نحتاج إلى حصره داخل جمهور واحد حتى نحترم سياقه.
قوته جاءت من أنه كان شديد التجذر وقادرًا في الوقت نفسه على عبور الحدود.
الرومي الذي نقرأه اليوم ليس دائمًا الرومي الذي كتب
في العصر الحديث أصبح الرومي واحدًا من أكثر الشعراء الفرس انتشارًا في العالم.
لكن جزءًا كبيرًا من القراء يتعرف إليه من خلال ترجمات أو إعادة صياغات باللغة الإنجليزية ولغات أخرى.
وبعض هذه النسخ جميلة أدبيًا، لكنها تحذف السياق القرآني والإسلامي أو تبتعد عن النص الفارسي الأصلي.
وهكذا ظهر «رومي عالمي» جديد.
شاعر للحب.
والطاقة.
والكون.
والتسامح.
هذه الصورة ليست كاذبة بالكامل.
لكنها ناقصة.
فالرومي الأصلي أكثر تعقيدًا.
فقيه وشاعر.
ومفسر وحكّاء.
ومتصوف مسلم.
ورجل يستخدم قصة من القرآن ثم ينتقل منها إلى نكتة ثم إلى سؤال في طبيعة النفس.
الحب الذي ليس قصة عاطفية
كلمة «الحب» تكاد تصبح مفتاحًا جاهزًا لكل حديث عن الرومي.
لكن الحب عنده لا يعني العاطفة الرومانسية وحدها.
هو قوة تحطم مركزية الأنا.
الإنسان يريد أن يحمي نفسه.
ويثبت نفسه.
ويجمع لنفسه.
أما الحب فيطلب منه الخروج من هذا المركز.
ولهذا يرتبط الحب عند الرومي بالألم.
لأن التحول ليس مريحًا.
الفقد نفسه يمكن أن يصبح جزءًا من الطريق.
ليس لأن المعاناة جميلة في ذاتها.
بل لأن الشيء الذي ينكسر قد يكشف ما كان مختبئًا وراءه.
لماذا كان الفقد مهمًا؟
فقد الرومي والده.
ثم معلمين وأصدقاء.
وفقد شمس بالطريقة الأكثر غموضًا وإيلامًا.
لكن الرد لم يكن محاولة إنكار الفقد.
كان تحويله.
هذه الفكرة تكاد تسكن كل مشروعه.
الناي يصدر الموسيقى لأنه مقطوع.
الإنسان يبحث لأنه منفصل.
والشوق موجود لأن هناك غيابًا.
إذا أزلت المسافة، ربما يختفي الشوق نفسه.
من هنا تصبح الخسارة أكثر من نهاية.
قد تصبح طاقة للحركة.
وهذه ليست دعوة إلى حب الألم.
إنها محاولة لاستخراج معنى من شيء لا يستطيع الإنسان التراجع عنه.
وفاة الرومي
توفي جلال الدين الرومي في قونية في ديسمبر 1273.
كان في السادسة والستين تقريبًا.
دُفن هناك، وبدأ قبره يتحول إلى مركز للزيارة والتقاليد التي ستنمو حوله.
في الثقافة المولوية اللاحقة أصبحت ذكرى وفاته مرتبطة بتعبير «ليلة العرس»، في إشارة إلى اللقاء بالمحبوب الإلهي.
مرة أخرى يتحول الموت في عالم الرومي من نهاية إلى عبور.
لكن حياته الأدبية لم تنتهِ.
كانت تبدأ مرحلة أخرى تمامًا.
مرحلة الرجل الذي لم يعد يستطيع شرح نفسه.
وأصبح على القراء أن يفعلوا ذلك مكانه.
بعد الموت
جمع الأتباع الأعمال.
وحُفظ المثنوي.
وانتشر الديوان.
وتشكلت الطريقة المولوية.
وترجمت النصوص.
ووصل الرومي إلى العالم العثماني وإيران وشبه القارة الهندية ثم إلى أوروبا وأمريكا ومناطق أخرى.
كل ثقافة أخذت منه شيئًا.
المتصوف أخذ الشيخ.
الشاعر أخذ الصورة.
الموسيقي أخذ الإيقاع.
القارئ الحديث أخذ الحديث عن الحب.
والباحث عاد إلى الفارسية يسأل:
أي رومي من هؤلاء هو الرومي الحقيقي؟
ربما لا توجد إجابة واحدة.
لكن هناك نصوص.
ومن يريد الرجل عليه أن يعود إليها بدل الاكتفاء بالصورة التي يحبها.
المفارقة
قصة الرومي بدأت بالرحيل.
ترك بلخ.
ثم فقد والده.
ثم فقد شمسًا.
ثم مات هو نفسه بعيدًا عن المدينة التي ولد فيها.
ومع ذلك أصبح واحدًا من أكثر الشعراء قدرة على عبور الأمكنة.
الرجل الذي عاش تجربة الفقد أصبح شعره بيتًا لقراء لم يعرفهم.
والرجل الذي كتب أساسًا بالفارسية أصبح صوته مترجمًا إلى عشرات اللغات.
والإنسان الذي ارتبط في الذاكرة بشخص غائب استطاع في النهاية أن يصبح حاضرًا بعد ثمانية قرون.
ربما كان يعرف هذه المفارقة جيدًا.
فأهم الأشياء عنده لم تكن دائمًا هي الأشياء التي تستطيع العين أن تراها.
الرجل الذي حوّل الفقد إلى طريق
لو عاد شمس إلى قونية وبقي إلى جانب الرومي حتى نهاية حياته، فهل كان العالم سيحصل على الشعر نفسه؟
لا نستطيع أن نعرف.
لكن ما نعرفه أن الغياب أصبح نقطة تحول.
كان يمكن للرومي أن يقضي بقية حياته يبحث عن الرجل الذي فقده.
لكنه في مرحلة ما أدرك أن ما يبحث عنه لم يعد موجودًا في مدينة يمكن السفر إليها.
شمس تحول من شخص أمامه إلى معنى داخله.
ومن هنا بدأ الطريق الحقيقي.
الإنسان يبحث خارج نفسه عن شيء يعتقد أنه سيكمله.
معلم.
حبيب.
مكان.
مكانة.
ثم يفقده.
وهناك يستطيع الفقد أن يصبح نهاية.
أو سؤالًا.
الرومي جعل منه سؤالًا.
كتب آلاف الأبيات محاولًا الإجابة.
ولم يصل إلى جواب نهائي.
ربما لهذا بقي شعره حيًا.
فالجواب المغلق ينتهي.
أما السؤال الذي يمس شيئًا داخل الإنسان، فيستطيع أن يعبر ثمانية قرون ويجلس مرة أخرى أمام قارئ لم يعرف بلخ ولا قونية ولا شمس التبريزي.
ثم يسأله:
ماذا ستفعل أنت بما فقدته؟
المصادر والمراجع
- جلال الدين الرومي — المثنوي المعنوي.
- جلال الدين الرومي — ديوان شمس تبريزي.
- جلال الدين الرومي — فيه ما فيه.
- جلال الدين الرومي — المكتوبات.
- Franklin D. Lewis — Rumi: Past and Present, East and West.
- Annemarie Schimmel — The Triumphal Sun: A Study of the Works of Jalaloddin Rumi.
- Jawid Mojaddedi — دراسات وترجمات المثنوي وتعاليم جلال الدين الرومي.
- Encyclopaedia Iranica — Jalal al-Din Rumi ومواد الأدب الفارسي الكلاسيكي والطريقة المولوية.

