الحرية تقود الشعب: حين صارت الحرية امرأة تمشي فوق الركام

الحرية تقود الشعب: حين صارت الحرية امرأة تمشي فوق الركام

السؤال المحوري: هل تقود الحرية الشعوب، أم يصنعها الذين يقررون السير خلفها؟

تأتي الحرية في الخطب نظيفة: كلمة كبيرة، براقة، لا دم عليها ولا غبار.

أما في لوحة أوجين ديلاكروا، فتأتي حافية القدمين، بثوب ممزق وبندقية في يد، وتعبر فوق أجساد الذين سقطوا قبل أن يصلوا إليها.

لهذا لا تبدو «الحرية تقود الشعب» احتفالًا مريحًا بالنصر. إنها لوحة عن الثمن أيضًا؛ عن اللحظة التي يضطر فيها الناس إلى مغادرة بيوتهم لأن البقاء في الداخل أصبح نوعًا آخر من الهزيمة.

ليست ثورة 1789

يخطئ كثيرون حين يربطون اللوحة بالثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789. رسمها ديلاكروا عام 1830، استجابة إلى انتفاضة باريس المعروفة بـ«الأيام الثلاثة المجيدة»: 27 و28 و29 يوليو/تموز.

كان الملك شارل العاشر قد حاول تشديد قبضته على البلاد، فقيّد الصحافة وحل مجلس النواب وغيّر النظام الانتخابي. خرج الصحفيون والعمال والطلاب وأبناء الطبقة الوسطى، وارتفعت المتاريس في شوارع باريس.

خلال ثلاثة أيام سقط حكم شارل العاشر، لكن فرنسا لم تصبح جمهورية. انتقلت إلى ملكية دستورية جديدة بقيادة لويس فيليب.

هذه النتيجة مهمة لفهم اللوحة: فالحرية التي تتقدم في الصورة ليست نهاية مكتملة، بل وعدًا أكبر من التسوية السياسية التي جاءت بعدها.

الثورات تفتح الباب، لكن ما يدخل منه ليس دائمًا ما حلم به الذين دفعوا ثمنه.

امرأة ليست امرأة واحدة

تتوسط اللوحة شخصية أنثوية ترفع العلم الفرنسي. ترتدي القبعة الفريجية التي ارتبطت قديمًا بالتحرر من العبودية، وتحمل بندقية بحربة، بينما ينكشف جزء من صدرها على طريقة تماثيل الآلهة والبطلات في الفن الكلاسيكي.

لكنها ليست إلهة بعيدة عن الأرض.

قدماها متسختان، وثوبها يتحرك بين الدخان والحجارة، وجسدها قوي لكنه بشري. جمع ديلاكروا فيها بين الرمز والمرأة الشعبية: نصفها آتٍ من الأسطورة، ونصفها خرج للتو من أحد أزقة باريس.

لم يمنح الحرية وجه ملكة، لأن الحرية لا تأتي من العرش. ولم يجعلها فكرة مجردة، لأن الأفكار لا تعبر المتاريس وحدها.

جعلها جسدًا يمكن أن يُصاب، ومع ذلك يواصل السير.

شعب لا يشبه صورة رسمية

خلفها يتحرك حشد غير متجانس. نرى رجلًا بقبعة عالية وملابس تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وعاملًا يحمل سلاحًا، وصبيًا يرفع مسدسين، ورجالًا لا توحد بينهم المهنة أو الثروة.

ما يجمعهم ليس التشابه، بل اتجاه الحركة.

ليسوا جيشًا منظمًا، ولا يقفون في صفوف متساوية. بعض وجوههم واضحة، وبعضها يختفي خلف الدخان. إنهم شعب في اللحظة التي يتحول فيها من أفراد متفرقين إلى قوة واحدة.

التاريخ يختصر ما جرى بعبارة «ثورة يوليو»، لكن اللوحة تعيد إلينا البشر الذين كان على كل واحد منهم أن يقرر منفردًا إن كان سيخرج إلى الشارع.

الحرية تنظر إلى الخلف

رغم اندفاع جسدها إلى الأمام، تدير الحرية رأسها نحو الذين يتبعونها. لا تهرب منهم ولا تصل وحدها إلى الجهة الأخرى. كأنها تتأكد أن الحشد ما زال خلفها.

هذه الحركة الصغيرة تغير معنى القيادة. فالحرية لا تجر الناس كأتباع صامتين، بل تستمد وجودها منهم. لو توقفوا، لتحولت إلى امرأة وحيدة ترفع علمًا وسط الدخان.

الرمز يحتاج إلى الإنسان كي يصبح حقيقة، والإنسان يحتاج أحيانًا إلى رمز يرى فيه المعنى الذي يجعله يتجاوز خوفه الفردي.

الأجساد التي لا يسمح النصر بإخفائها

بنى ديلاكروا لوحته على شكل هرم: الجثث والمتراس في الأسفل، الحشد في الوسط، والعلم عند القمة.

لكن الوصول بصريًا إلى العلم يفرض على العين أن تعبر فوق الموتى.

لا توجد طريق نظيفة إلى أعلى اللوحة. ثمة جسد شبه عارٍ ملقى أمامنا، وجندي سقط بزيه العسكري، وأشخاص لا نعرف إن كانوا من الثوار أم من خصومهم. الموت لا يطلب بطاقة الانتماء قبل أن يساوي بين الأجساد.

لو حذف الفنان القتلى، لتحولت اللوحة إلى دعاية سهلة. لكنه أبقاهم في مقدمتها كي لا يسمح للحماسة بأن تنسى الحساب.

الحرية هنا لا تطير فوق الموت، بل تمشي خلاله.

حين تعبر الحرية ركامًا جديدًا

يعيد الغلاف المرفق نقل الحرية من متاريس باريس إلى مدينة حديثة مهدمة، ويضع خلفها عائلات وأطفالًا بدل رجال الثورة وحدهم.

إنها معالجة معاصرة وليست صورة اللوحة الأصلية، لكنها تلتقط سؤالها الباقي: ماذا تعني الحرية لمن فقد البيت والطريق والأمان؟

بالنسبة لمن ينظر من بعيد، قد تكون الحرية شعارًا. أما من يمشي فوق الركام، فهي القدرة على البقاء إنسانًا، وعلى رفض أن يصبح الخراب قدرًا نهائيًا.

لا تعدنا لوحة ديلاكروا بأن الحرية تنتصر دائمًا، ولا تخبرنا أن سقوط الحاكم يكفي لتغيير التاريخ. إنها تقول شيئًا أكثر صدقًا:

الحرية لا تصل إلى الناس في عربة ملوكية. تظهر بينهم، تتسخ أقدامها بغبارهم، ثم تلتفت لتعرف من بقي قادرًا على السير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top