الصرخة: هل يصرخ الإنسان أم يسمع العالم يصرخ؟

الصرخة: هل يصرخ الإنسان أم يسمع العالم يصرخ؟

السؤال المحوري: ماذا يحدث عندما يصبح القلق أكبر من أن يبقى داخل صاحبه؟

نظن أننا نعرف هذه اللوحة قبل أن نتأملها. وجه شاحب، فم مفتوح، يدان مرفوعتان، وسماء تشتعل خلفه. صارت «الصرخة» رمزًا عالميًا للخوف، حتى إن صورتها انتقلت من المتاحف إلى الملصقات والأفلام والرموز التعبيرية.

لكننا قد نكون أخطأنا في فهمها منذ البداية.

الشخص الذي يتوسط اللوحة لا يضع يديه حول فمه كي يطلق صرخة، بل يغطي أذنيه. وربما لم يكن هو الذي يصرخ أصلًا؛ ربما كان يحاول حماية نفسه من صرخة يسمعها في كل ما حوله.

مساء توقف فيه مونك وحده

روى إدفارد مونك أنه كان يسير عند الغروب مع صديقين. واصل الصديقان طريقهما، بينما توقف هو وقد غلبه التعب والقلق. تحولت السماء في عينيه إلى لون أحمر مخيف، وشعر كأنه يسمع صرخة هائلة تمر عبر الطبيعة.

لم يرسم الحادثة كذكرى واقعية. لم يهتم بملامح الصديقين أو بدقة المكان. أخذ الإحساس الذي مر به وفصل له جسدًا ووجهًا وأفقًا كاملًا.

في نسخة 1893، المصنوعة من ألوان التمبرا وأقلام الشمع على الورق المقوّى، لا نجد إنسانًا يقف داخل منظر طبيعي؛ نجد منظرًا طبيعيًا دخل إلى الإنسان وأعاد تشكيله.

السماء تتموج. الماء يتموج. اليابسة نفسها فقدت استقرارها. وحده الجسر يحتفظ بخطوط مستقيمة، لكنه يندفع قطريًا داخل اللوحة كأنه لا يقود الشخصية إلى مكان آمن، بل يدفعها نحو المشاهد.

رجلان واصلا السير

في الخلف يقف شخصان بملامح شبه غائبة. إنهما الصديقان اللذان واصلا الطريق.

لا يصرخان، ولا يلتفتان، ولا يعرفان على الأرجح ما يحدث داخل رفيقهما. وهذه المسافة الصغيرة بينهما وبين الشخصية الأمامية تختصر تجربة إنسانية يعرفها كثيرون: أن تسير وسط الناس بينما يقع داخلك شيء لا يراه أحد.

قد يبدو العالم طبيعيًا للآخرين. الطريق في مكانه، والماء هادئ، والمدينة بعيدة. لكن الشخص القَلِق لا يعيش في العالم نفسه الذي يراه رفاقه.

القلق لا يغيّر ما حول الإنسان بالضرورة؛ إنه يغيّر الطريقة التي تصل بها الأشياء إليه.

الوجه الذي فقد هويته

لم يمنح مونك الشخصية عمرًا واضحًا أو جنسًا محسومًا أو اسمًا. اختصر الرأس والجسد حتى اقتربا من هيئة شبح أو جمجمة أو جنين مذعور.

وبهذا التخلي عن الهوية، لم تعد اللوحة صورة شخص بعينه. صار الوجه مكانًا فارغًا يستطيع كل خائف أن يضع نفسه فيه.

الغرابة أن هذا الوجه لا يبدو شريرًا. إنه ضعيف ومكشوف. عيناه واسعتان، جسده ضيق، ولا يملك ما يدافع به عن نفسه سوى كفيه.

ربما لهذا بقي قريبًا منا. فالخوف الذي يعرضه مونك ليس خوف البطل قبل المعركة، بل خوف الإنسان حين لا يعرف ممَّ يخاف ولا كيف يشرحه.

«لا يرسمها إلا مجنون»

في أعلى نسخة المتحف الوطني النرويجي تظهر كتابة صغيرة بالقلم معناها: «لا يمكن أن يرسمها إلا مجنون».

ظل الاعتقاد زمنًا أن زائرًا غاضبًا كتب العبارة على اللوحة، لكن الفحوص بالأشعة تحت الحمراء ومقارنة الخط كشفتا أن مونك نفسه هو الذي كتبها، على الأرجح متأثرًا بما قيل عن العمل وعن حالته العقلية.

تكشف هذه العبارة جرحًا آخر خلف اللوحة. فالفنان الذي وجد شكلًا بصريًا للقلق لم يُقابل دائمًا بالفهم، بل وُضع هو نفسه في قفص الاتهام.

لكن مونك لم يحوّل المعاناة إلى استعراض، ولم يرسم تقريرًا طبيًا عن نفسه. صنع منها لغة يتعرف إليها من لم يولدوا بعد.

لماذا لم تصمت الصرخة؟

تغير العالم منذ عام 1893، لكن الشعور الذي التقطه مونك لم يختفِ. ازدادت المدن ازدحامًا، وتسارعت الأخبار، وصار الإنسان محاطًا بأصوات لا تنتهي، ومع ذلك بقي كثيرون عاجزين عن وصف ما يحدث داخلهم.

لهذا انتقلت «الصرخة» بسهولة إلى زمننا. إنها لا تحتاج إلى ترجمة. يكفي أن ترى الفم واليدين والسماء المضطربة كي تفهم أن هناك إنسانًا بلغ الحد الذي لم تعد فيه اللغة كافية.

ومع كثرة استخدامها، كادت اللوحة تتحول إلى مزحة مألوفة. لكن خلف الرمز الشعبي ما زال ذلك الشخص واقفًا على الجسر، بينما يبتعد رفيقاه.

إنه لا يطلب منا أن نشخص حالته، بل أن ننتبه إليه.

الصرخة التي تمر عبرنا

قوة اللوحة ليست في أنها تجيب عن سبب الخوف. لو عرفنا السبب، لأمكننا أن نضعه في جملة ونغلق الملف. لكنها تترك الخوف بلا اسم، كما يأتي أحيانًا في الحياة: ثقل في الصدر، اضطراب في العالم، وشعور بأن كل شيء يقترب أكثر مما ينبغي.

وربما لا يكون السؤال: لماذا يصرخ هذا الإنسان؟

السؤال الأعمق هو: كم مرة مررنا إلى جوار شخص يسمع العالم يصرخ، بينما واصلنا نحن السير؟

الوصف التعريفي: قراءة إنسانية في لوحة «الصرخة» لإدفارد مونك: هل تصرخ الشخصية حقًا، أم تحاول حماية نفسها من صرخة تمر عبر العالم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top