سقوط روما — حين سقطت الإمبراطورية في الغرب ولم تسقط روما كلها
في سنة 476 للميلاد خُلع إمبراطور شاب في إيطاليا.
كان اسمه رومولوس أوغستولوس.
يحمل اسم مؤسس روما الأسطوري، رومولوس، واسم أول أباطرتها، أغسطس.
وكأن التاريخ تعمد أن يمنح آخر أباطرة الغرب اسم البداية والنهاية معًا.
لكن حين أُجبر على ترك العرش لم تحترق روما.
ولم يخرج الناس إلى الشوارع وهم يقولون:
انتهت الإمبراطورية الرومانية.
ولم تختفِ الإدارة والقوانين والكنائس واللغة اللاتينية مع غروب ذلك اليوم.
حتى الرجل الذي خلعه، أودواكر، لم يعلن أنه جاء لتدمير كل ما هو روماني.
حكم إيطاليا داخل عالم ما تزال مؤسساته وثقافته رومانية إلى حد بعيد.
بل إن إمبراطورًا رومانيًا آخر كان يحكم من القسطنطينية.
وسوف يستمر خلفاؤه في تسمية أنفسهم رومانًا قرابة ألف سنة أخرى.
فماذا سقط إذن سنة 476؟
السؤال أصعب من التاريخ الذي نحفظه.
لأن روما لم تسقط في يوم.
ولم يسقط كل ما كان رومانيًا عندما اختفى الإمبراطور من الغرب.
الذي انهار كان نظام سياسي طويل الأمد، بعد قرون من التحول والحروب والانقسامات وفقدان الموارد.
ولذلك، لكي نفهم «سقوط روما»، علينا أولًا أن نسأل:
أي روما؟
الإمبراطورية التي بدت بلا نهاية
في القرن الثاني للميلاد حكمت الإمبراطورية الرومانية مساحة هائلة.
من بريطانيا إلى شمال إفريقيا.
ومن شبه الجزيرة الإيبيرية إلى سوريا ومصر.
مدن.
وطرق.
وموانئ.
وجيوش حدودية.
وعملة.
وقوانين.
ونظام ضرائب يستطيع نقل الموارد من مقاطعة إلى أخرى.
روما نفسها كانت مركزًا رمزيًا لعالم يحيط بالبحر المتوسط.
لكن الإمبراطوريات لا تبقى ثابتة.
الحدود تتغير.
والأعداء يتغيرون.
والاقتصاد يتغير.
وطريقة اختيار الإمبراطور تتغير.
ومع القرن الثالث بدأت الدولة تدخل سلسلة أزمات كشفت أن حجمها الهائل، الذي كان مصدر قوتها، يستطيع أن يصبح أيضًا مصدر ضغط.
القرن الذي كاد يسقطها قبل السقوط
خلال القرن الثالث للميلاد مرت الإمبراطورية بما يعرف عادة بأزمة القرن الثالث.
تعاقب الأباطرة بسرعة.
قُتل عدد منهم.
ورفعت الجيوش قادتها إلى العرش.
وظهرت انقسامات وانفصالات مؤقتة داخل الإمبراطورية.
وفي الوقت نفسه تعرضت الحدود لضغوط متزايدة.
في الشرق ظهرت الإمبراطورية الساسانية الفارسية بوصفها خصمًا أكثر قوة وتنظيمًا من الدولة الفرثية التي سبقتها.
وفي أوروبا استمرت الحروب والحركات عبر حدود الراين والدانوب.
كما ضربت الإمبراطورية أوبئة وأزمات اقتصادية ونقدية.
ومع ذلك لم تسقط.
وهذه نقطة مهمة.
روما نجت من أزمة هائلة في القرن الثالث.
إذن مجرد وجود أزمات لا يفسر لماذا انتهى الحكم الإمبراطوري في الغرب لاحقًا.
الدولة استطاعت الإصلاح والتكيف.
لكن كل إصلاح صنع دولة مختلفة قليلًا عن الدولة التي سبقته.
دقلديانوس: إمبراطور واحد لم يعد كافيًا
وصل دقلديانوس إلى الحكم سنة 284.
أدرك أن إمبراطورية بهذا الحجم يصعب على رجل واحد إدارتها من مدينة واحدة.
طور نظامًا عُرف بالحكم الرباعي.
أباطرة متعددون يتقاسمون مسؤولية مناطق مختلفة من الإمبراطورية.
لم يكن ذلك تقسيمًا نهائيًا بين دولتين مستقلتين.
كان محاولة لجعل الحكم أكثر فاعلية.
لكن الفكرة نفسها تكشف شيئًا:
روما أصبحت أكبر من أن تُدار كما كانت تُدار في زمن أغسطس.
تغير الجيش.
وتغيرت الإدارة.
وازدادت الضرائب والتنظيم.
وأصبح البلاط الإمبراطوري أكثر حركة وبعدًا عن مدينة روما نفسها.
كانت الإمبراطورية تحاول البقاء.
ولكي تبقى، كانت تتحول.
قسطنطين والمدينة الجديدة
بعد حروب أهلية جديدة خرج قسطنطين الأول منتصرًا.
وفي القرن الرابع أسس مركزًا إمبراطوريًا جديدًا في بيزنطة، وأعاد بناء المدينة التي ستعرف بالقسطنطينية.
موقعها استثنائي.
بين أوروبا وآسيا.
وعلى طرق التجارة.
ومحمية بموقع طبيعي يمكن الدفاع عنه بدرجة كبيرة.
أصبحت القسطنطينية تدريجيًا واحدة من أهم مدن الإمبراطورية.
لم يكن إنشاء العاصمة الجديدة إعلانًا بأن روما القديمة انتهت.
لكنه كشف أن مركز القوة لم يعد يجب أن يكون على نهر التيبر.
اسم «روما» بدأ يعني شيئًا أكبر من مدينة روما.
يمكن للإمبراطور أن يكون رومانيًا ويحكم من القسطنطينية.
المسيحية تدخل قلب الدولة
شهد القرن الرابع تحولًا دينيًا عميقًا.
بعد قرون من الاضطهاد المتقطع للمسيحيين، أصبح المسيحيون يحصلون على حماية متزايدة في عهد قسطنطين.
وفي أواخر القرن أصبحت المسيحية النيقية الدين المفضل والمدعوم بقوة من الدولة، مع تراجع المؤسسات الدينية الوثنية الرسمية.
لاحقًا سيقول بعض الكتاب إن المسيحية أضعفت الإمبراطورية.
وستصبح هذه الفكرة مشهورة خصوصًا في بعض القراءات الحديثة لسقوط روما.
لكن المشكلة واضحة:
الإمبراطورية الشرقية كانت مسيحية أيضًا.
ومع ذلك استمرت قرونًا بعد سقوط الغرب.
إذن المسيحية جزء أساسي من تحول العالم الروماني.
لكنها لا تصلح وحدها تفسيرًا لانهياره السياسي في الغرب.
سنة 376
على الحدود الدانوبية ظهرت أزمة ستصبح إحدى المحطات الكبرى في تاريخ الإمبراطورية المتأخرة.
كانت جماعات قوطية تتحرك تحت ضغط الهون وقوى أخرى.
طلبت مجموعات منها السماح بعبور الدانوب والدخول إلى الأراضي الرومانية.
وافقت السلطة الرومانية على دخول أعداد منها.
لم يكن هذا غير مسبوق تمامًا.
الإمبراطورية استوعبت جماعات وأفرادًا من خارج حدودها منذ قرون.
المشكلة جاءت في الإدارة.
تعرض القادمون للاستغلال وسوء المعاملة.
انهارت العلاقة.
واندلعت الحرب.
وفي سنة 378 جاءت معركة أدريانوبل.
الإمبراطور الذي مات مع جيشه
واجه الإمبراطور فالنس القوط قرب أدريانوبل.
انتهت المعركة بكارثة رومانية.
قُتل فالنس.
ودُمر جزء كبير من الجيش.
كانت الصدمة هائلة.
لكن مرة أخرى:
لم تسقط الإمبراطورية.
تم التوصل لاحقًا إلى تسويات مع القوط.
وأصبح بعضهم يعيش داخل الحدود ويخدم ضمن النظام العسكري الروماني.
العلاقة بين «الرومان» و«البرابرة» لم تكن جدارًا بسيطًا.
هناك من يقاتل روما اليوم ويخدمها غدًا.
وهناك قادة من أصول غير رومانية يصبحون أهم رجال الجيش الإمبراطوري.
وهناك جماعات تدخل باتفاق ثم تتحول إلى خصم.
الحد الفاصل كان سياسيًا أكثر مما كان عرقيًا بسيطًا.
من هم «البرابرة»؟
الكلمة رومانية ويونانية الأصل في استخدامها الثقافي والسياسي، وليست اسم شعب واحد.
القوط ليسوا الوندال.
والفرنجة ليسوا السويبيين.
والهون ليسوا الجرمان جميعًا.
كانت هناك جماعات متعددة، تتغير تحالفاتها وهوياتها مع الزمن.
بعضها عاش طويلًا قرب الحدود الرومانية.
وبعض قادتها خدموا داخل الجيش الروماني.
لذلك فإن عبارة:
«جاء البرابرة وأسقطوا روما»
مريحة جدًا.
لكنها تحذف نصف القصة.
فكثير من الرجال الذين حاربوا الإمبراطورية كانوا يعرفونها جيدًا، وبعضهم كان جزءًا من منظومتها قبل أن يصبح خصمًا لها.
ثيودوسيوس الأخير الذي حكم الكل
توفي الإمبراطور ثيودوسيوس الأول سنة 395.
بعد موته أصبح ابناه أركاديوس وهونوريوس مرتبطين بحكم القسمين الشرقي والغربي.
غالبًا ما تستخدم سنة 395 بوصفها تاريخًا مهمًا في تبلور الانقسام الدائم بين إدارتين إمبراطوريتين.
لكن حتى هنا يجب تجنب الخريطة الحديثة.
لم يجتمع مجلس ويعلن:
أصبح لدينا دولتان لا علاقة بينهما.
استمر مفهوم الإمبراطورية الرومانية الواحدة بدرجات مختلفة.
لكن الواقع الإداري والسياسي جعل الشرق والغرب يسيران في مسارين منفصلين بصورة متزايدة.
وسوف يتضح أن القسمين لا يملكان الموارد نفسها لمواجهة القرن الخامس.
الشرق أغنى
امتلكت الإمبراطورية الشرقية مجموعة من المزايا.
مصر الغنية بالحبوب والضرائب.
ومناطق حضرية وتجارية كثيفة في شرق المتوسط.
ومدنًا قوية.
وقاعدة ضريبية أكثر استقرارًا نسبيًا.
وموقع القسطنطينية الدفاعي.
أما الغرب فكان يملك مناطق واسعة، لكنه واجه مشكلات مختلفة.
حدود طويلة.
وحروب داخلية.
وضغوط على إيطاليا وبلاد الغال.
ثم سيفقد لاحقًا واحدة من أهم مناطق موارده:
شمال إفريقيا.
هذا لا يعني أن سقوط الغرب كان اقتصاديًا فقط.
لكن الإمبراطورية التي لا تستطيع جمع الضرائب لا تستطيع بسهولة دفع رواتب الجيش.
والجيش الذي لا يُدفع له لا يحرس الإمبراطورية بشعاراتها.
ألاريك
كان ألاريك قائدًا قوطيًا خدم في العالم الروماني ودخل في علاقات معقدة مع السلطة الإمبراطورية.
لم يكن هدفه الأول بالضرورة «تدمير روما».
كان يطالب بموقع وموارد وتسوية لقواته وشعبه ضمن العالم الإمبراطوري.
لكن المفاوضات والصراعات فشلت مرارًا.
أصبح ألاريك قوة تتحرك داخل البلقان ثم إيطاليا.
في الغرب كان الإمبراطور هونوريوس يحكم.
لكن السلطة العسكرية الفعلية اعتمدت بدرجة كبيرة على قائد مهم اسمه ستيليكو.
ومثل كثير من رجال ذلك العصر، كان ستيليكو نفسه من خلفية مختلطة مرتبطة بالعالم الروماني والوندالي.
مرة أخرى يصبح سؤال:
من روماني ومن بربري؟
أقل بساطة مما نريد.
عندما قتلت روما رجلها الأقوى
في سنة 408 تغيرت السياسة في البلاط الغربي.
أُعدم ستيليكو بتهمة الخيانة ضمن صراع داخلي.
وتعرض رجال وأسر من أصول «بربرية» مرتبطة بالخدمة العسكرية الرومانية لأعمال عنف.
انضم بعض الناجين إلى ألاريك.
فقدت الدولة قائدًا خبيرًا.
واكتسب خصمها رجالًا غاضبين.
هذا مثال جيد على مشكلة تتكرر في تاريخ انهيار الدول.
العدو الخارجي مهم.
لكن القرارات الداخلية تستطيع أن تجعل العدو أقوى.
ألاريك لم يصنع كل ضعف روما.
بعضه صُنع داخل البلاط نفسه.
روما لم تعد العاصمة الفعلية
عندما نسمع أن ألاريك وصل إلى روما، نتخيل أنه وصل إلى مقر الإمبراطور.
لكن هونوريوس كان يقيم في رافينا، التي أصبحت مركزًا للحكم الغربي في تلك المرحلة.
كانت رافينا أكثر سهولة للدفاع بسبب طبيعة محيطها وموقعها.
أما روما فبقيت ذات مكانة رمزية هائلة.
مجلس الشيوخ.
الآثار.
الذاكرة.
الكنائس.
اسم الإمبراطورية نفسه.
لذلك فإن سقوط المدينة لا يعني إسقاط الحكومة مباشرة.
لكنه يعني ضرب قلب الأسطورة.
وهذا ما حدث سنة 410.
24 أغسطس 410
بعد حصارات ومفاوضات فاشلة دخل القوط بقيادة ألاريك روما.
تعرضت المدينة للنهب ثلاثة أيام.
قُتل أشخاص.
وسُرقت ممتلكات.
وتضررت مبانٍ.
وأُخذت غالا بلاسيديا، أخت الإمبراطور هونوريوس، ضمن الأسرى.
كان الحدث صادمًا للعالم الروماني.
منذ قرون طويلة لم تدخل قوة أجنبية المدينة بهذه الصورة.
حتى لو لم تكن روما مقر الإمبراطور، فقد كانت «روما».
المدينة التي يفترض أن العالم ينتهي قبل أن تسقط.
ثم سقطت.
هل دُمرت روما سنة 410؟
لا.
وهذه نقطة أساسية.
لم تتحول المدينة كلها إلى رماد.
استمر السكان.
واستمرت الكنائس.
واستمرت مؤسسات.
وغادر جيش ألاريك بعد أيام.
كان النهب حدثًا عنيفًا وعميق الأثر النفسي.
لكنه لم يكن نهاية المدينة.
حتى الإمبراطورية الغربية استمرت بعده أكثر من ستة عقود.
إذن سنة 410 ليست «سقوط الإمبراطورية الرومانية».
إنها لحظة أثبتت أن المدينة الرمزية نفسها لم تعد محصنة من الاضطراب الذي يجتاح الدولة.
أحيانًا تسقط الهيبة قبل النظام.
أغسطينوس يسأل: أي مدينة؟
كان وقع نهب روما شديدًا إلى درجة أنه دخل النقاش الديني والفلسفي.
اتهم بعض الوثنيين المسيحية بأنها أضعفت حماية روما وآلهتها القديمة.
رد أوغسطينوس في مشروعه الضخم «مدينة الله».
ميز بين المدينة الأرضية والمدينة الإلهية.
الإمبراطوريات البشرية، حتى روما، ليست أبدية.
بالنسبة إليه، سقوط مدينة أرضية لا يعني سقوط الإيمان.
هذه الاستجابة تكشف مدى الصدمة.
حين يحتاج أحد أهم مفكري العصر إلى تفسير لماذا يمكن لروما أن تُنهب من دون أن ينهار معنى التاريخ، نعرف أن الحدث كان أكبر من خسارة مبانٍ.
عبور الراين
بينما كانت إيطاليا تعاني، تغيرت بلاد الغال أيضًا.
في بدايات القرن الخامس عبرت مجموعات من الوندال والألان والسويبيين نهر الراين ودخلت أراضي الإمبراطورية الغربية.
تحركوا عبر بلاد الغال.
ووصل بعضهم إلى هسبانيا.
في الوقت نفسه بدأت بريطانيا تخرج تدريجيًا من السيطرة الإمبراطورية الفعلية.
لم يكن هناك يوم واحد أرسلت فيه روما رسالة تقول:
لقد تركنا بريطانيا.
لكن قدرة الحكومة على إرسال الجيوش والحفاظ على الإدارة انكمشت.
الغرب لم يخسر معركة واحدة.
كان يخسر مناطق.
وكل منطقة يخسرها تعني ضرائب أقل.
وضرائب أقل تعني جيشًا أضعف.
والجيش الأضعف يعني احتمال خسارة منطقة أخرى.
هذه الدائرة أخطر من أي معركة منفردة.
القوط يصبحون مملكة
بعد موت ألاريك تحرك القوط غربًا.
دخلوا في علاقات جديدة مع السلطة الرومانية.
واستقروا في أجزاء من بلاد الغال.
ثم تشكلت تدريجيًا مملكة للقوط الغربيين.
هذا مثال آخر على أن «الغزاة» لم يقفوا ببساطة خارج الإمبراطورية ثم يهدموها.
كانوا أحيانًا يحصلون على وضع قانوني وأراضٍ ضمن اتفاق مع الدولة.
ثم مع ضعف المركز تصبح مناطقهم أكثر استقلالًا.
الإمبراطورية استخدمت جماعات مسلحة لحل مشكلة قلة الجنود والموارد.
لكن كل حل قصير الأجل يستطيع أن يصنع مركز قوة جديدًا طويل الأجل.
الوندال يعبرون إلى إفريقيا
من أهم أحداث القرن الخامس انتقال الوندال من إسبانيا إلى شمال إفريقيا بقيادة غايسريك.
عبروا المضيق سنة 429.
وبعد سنوات سيطروا على قرطاج سنة 439.
هذه ضربة يصعب المبالغة في أهميتها.
شمال إفريقيا لم يكن هامشًا فقيرًا.
كان منطقة زراعية وتجارية غنية وذات أهمية مالية هائلة للغرب الروماني.
وفقدان أجزاء رئيسية منها أضعف الدولة اقتصاديًا وعسكريًا.
من السهل رسم سقوط روما في صورة محارب جرماني يضرب بوابة.
لكن أحيانًا تكون الضربة الأهم عبارة عن سجل ضرائب لم يعد يصل إلى الخزانة.
الإمبراطورية تحتاج إلى المال
الجندي يجب أن يأكل.
والحصان يحتاج إلى العلف.
والحصن يحتاج إلى الصيانة.
والأسطول يحتاج إلى البناء.
والإدارة تحتاج إلى موظفين.
الدولة الرومانية المتأخرة كانت تعتمد على نظام ضريبي واسع لتمويل قواتها.
عندما تفقد مقاطعة، لا تفقد لونًا على الخريطة فقط.
تفقد الإيرادات.
وتفقد الرجال.
وتفقد شبكة النقل والإدارة.
ولهذا كانت خسارة إفريقيا خطيرة.
الدولة التي تحتاج إلى جيش أكبر كانت تحصل على موارد أصغر.
هنا تبدأ المشكلة في تغذية نفسها.
أيتيوس
في منتصف القرن الخامس ظهر قائد روماني بارز:
فلافيوس أيتيوس.
أصبح أهم رجال الغرب العسكريين.
تعامل مع القوط والفرنجة وغيرهم بالحرب والتحالف.
كما كانت له علاقات سابقة مع الهون واستخدمهم في الصراعات الرومانية في مراحل من حياته.
نحن مرة أخرى أمام عالم لا توجد فيه جبهتان ثابتتان:
روما هنا.
والبرابرة هناك.
أيتيوس يستطيع أن يستخدم الهون اليوم ضد خصومه.
ثم يقاتل الهون غدًا.
هذا بالضبط ما حدث عندما ظهر أتيلا بوصفه خطرًا على الغرب.
أتيلا
في القرن الخامس بنى أتيلا قوة هونية هائلة في وسط وشرق أوروبا.
هاجم أراضي الإمبراطورية الشرقية وفرض عليها أموالًا واتفاقات.
ثم تحرك غربًا.
في سنة 451 دخل بلاد الغال.
واجهه أيتيوس ضمن تحالف ضم قوات رومانية وقوطية وقوى أخرى.
وقعت معركة شهيرة تعرف عادة بمعركة السهول الكاتالونية.
لم يُدمَّر أتيلا نهائيًا.
لكنه لم يحقق هدفًا حاسمًا في بلاد الغال.
في العام التالي دخل إيطاليا.
ثم انسحب.
بعد فترة قصيرة مات.
وتفككت قوة الهون بسرعة نسبيًا بعد وفاته.
نجا الغرب مرة أخرى من خطر بدا هائلًا.
لكن الرجل الذي ساهم في إنقاذه لم ينجُ من إمبراطوره.
الإمبراطور يقتل قائده
كان فالنتينيان الثالث إمبراطور الغرب.
في سنة 454 قتل أيتيوس بيده أو بمشاركته داخل القصر وفق الروايات القديمة.
خاف من نفوذ قائده.
كان أيتيوس قد أصبح أقوى رجل عسكري في الغرب.
بعد أشهر فقط قُتل فالنتينيان نفسه.
يدخل الغرب بعدها مرحلة شديدة الاضطراب.
القصة تشبه مصير ستيليكو قبل نحو نصف قرن.
الدولة تحتاج قائدًا قويًا لكي تنجو.
ثم تخاف من قوة ذلك القائد إلى درجة قتله.
المشكلة ليست فقط نقص الرجال الأكفاء.
بل نظام سياسي يجد صعوبة في تحمل وجودهم.
سنة 455
بعد مقتل فالنتينيان الثالث دخلت روما أزمة سياسية جديدة.
اعتلى بترونيوس ماكسيموس العرش لفترة قصيرة.
كانت هناك ترتيبات سابقة بين الأسرة الإمبراطورية والوندال، واضطراب السلطة أعطى غايسريك سببًا للتدخل.
وصل أسطول الوندال إلى إيطاليا.
هرب الإمبراطور وقتلته الحشود أو جنود أثناء محاولته الفرار.
ثم دخل الوندال روما.
تعرضت المدينة لنهب جديد.
استمر هذه المرة مدة أطول من نهب 410.
أُخذت كنوز وأسرى، بينهم أفراد من الأسرة الإمبراطورية.
مرة أخرى سقطت روما.
ومرة أخرى لم تنتهِ الإمبراطورية في ذلك اليوم.
هل كان الوندال أكثر وحشية من الجميع؟
دخلت كلمة «Vandalism» اللغات الأوروبية الحديثة بوصفها مرادفًا للتخريب المتعمد.
لكن الصورة التاريخية للوندال أكثر تعقيدًا.
كانوا يبنون مملكة منظمة في شمال إفريقيا.
واستخدموا مؤسسات رومانية متعددة.
وكان نهب المدن جزءًا من حروب العصر عند شعوب مختلفة.
هذا لا يجعل نهب 455 لطيفًا.
لكن تحويل شعب كامل إلى رمز أبدي للتخريب نتاج ذاكرة لاحقة أكثر منه وصفًا علميًا لمجتمع الوندال.
المنتصرون والمهزومون لا يدخلون القاموس بالطريقة نفسها.
الأباطرة يتغيرون والقادة يبقون
بعد منتصف القرن الخامس أصبح الأباطرة الغربيون أحيانًا شخصيات ضعيفة تعتمد على قادة عسكريين أقوى منهم.
من أبرز هؤلاء ريسيمر.
كان من أصول «بربرية» مختلطة، وخدم داخل النظام الروماني وأصبح صانع ملوك فعليًا.
ساعد على رفع أباطرة وإسقاط آخرين.
لم يحتج بالضرورة إلى لقب الإمبراطور نفسه.
كان يستطيع امتلاك القوة خلف العرش.
هذه مرحلة شديدة الدلالة.
المشكلة ليست أن الأجانب اخترقوا الدولة.
ريسيـمر هو الدولة العسكرية نفسها بدرجة كبيرة.
الإمبراطورية أصبحت تعتمد على رجال لا يحتاجون دائمًا إلى المؤسسة الإمبراطورية إلا كغطاء شرعي لقوتهم.
إمبراطور بلا إمبراطورية
كلما اقتربنا من سنة 476، يصبح لقب «إمبراطور الغرب» أكبر من الأرض التي يستطيع صاحبه السيطرة عليها.
بريطانيا خرجت.
أجزاء واسعة من بلاد الغال تخضع لقوى أخرى.
هسبانيا مقسمة بين سلطات مختلفة.
إفريقيا الوندالية ضاعت.
وفي إيطاليا نفسها يعتمد البلاط على الجيوش وقادتها.
ما بقي من الإمبراطورية لم يعد الإمبراطورية التي عرفها القرن الثاني.
لكن الألقاب تستمر أحيانًا بعد أن يتغير الواقع الذي صنعها.
وهذا يفسر لماذا لم تكن سنة 476 مفاجأة كونية.
البيت كان يفقد غرفه منذ وقت طويل.
يوليوس نيبوس
هنا تبدأ مشكلة عبارة:
«آخر إمبراطور روماني في الغرب».
قبل رومولوس أوغستولوس كان الإمبراطور يوليوس نيبوس.
حكم ابتداءً من سنة 474.
لكن قائدًا يدعى أوريستيس تمرد عليه.
هرب نيبوس إلى دالماسيا سنة 475.
ثم وضع أوريستيس ابنه الشاب رومولوس على العرش.
بالنسبة إلى البلاط الشرقي، لم يكن رومولوس بالضرورة الإمبراطور الشرعي.
استمر يوليوس نيبوس يحمل اللقب ويطالب بالسلطة من دالماسيا.
ولهذا فإن وصف رومولوس بأنه «آخر إمبراطور روماني غربي» صحيح وفق التقليد الذي يجعل 476 نقطة النهاية في إيطاليا.
لكنه يحتاج إلى هامش مهم:
إمبراطور آخر ظل يدعي الشرعية حتى سنة 480.
رومولوس أوغستولوس
كان الشاب يحمل اسم رومولوس أغسطس، وصغّرت بعض المصادر لقبه إلى «أوغستولوس»، أي أغسطس الصغير.
ربما كان مراهقًا.
الحاكم الفعلي كان أبوه أوريستيس.
وهنا تظهر مفارقة تاريخية جميلة لكنها خطرة.
اسم رومولوس يجعل النهاية تبدو كأنها مكتوبة أدبيًا.
أول ملك أسطوري لروما: رومولوس.
آخر إمبراطور في الغرب: رومولوس.
لكن التاريخ لم يختره ليصنع رواية.
الصدفة هي التي أعطت المؤرخين نهاية شديدة الأناقة.
والواقع أكثر فوضى.
الجنود يريدون الأرض
كانت القوات التي يعتمد عليها أوريستيس تضم رجالًا من أصول متعددة.
طالب بعضهم بالحصول على أراضٍ في إيطاليا.
رفض أوريستيس مطالبهم.
تمردوا.
اختاروا قائدًا يدعى أودواكر.
تحرك ضد أوريستيس.
انهزم أوريستيس وقُتل.
ثم دخل أودواكر رافينا.
وفي 4 سبتمبر 476 خلع رومولوس.
لم يقتله.
أرسله على الأرجح ليعيش في كامبانيا مع مخصص مالي.
هكذا «سقطت روما».
ليس في معركة نهائية أمام أسوار العاصمة.
بل عندما قرر قائد عسكري أن الإمبراطور الصغير لم يعد ضروريًا.
لماذا لم يجعل أودواكر نفسه إمبراطورًا؟
هذه ربما أهم لحظة في القصة.
كان يستطيع نظريًا وضع إمبراطور غربي آخر.
لكنه لم يفعل.
أصبحت إيطاليا تحت حكمه بوصفه ملكًا، مع بقاء علاقة اسمية ومعقدة بالإمبراطور الشرقي في القسطنطينية وبشرعية يوليوس نيبوس فترة من الزمن.
أُرسلت الشارات الإمبراطورية إلى الشرق وفق الروايات.
كأن الرسالة تقول:
لا نحتاج إمبراطورًا منفصلًا في الغرب.
يمكن أن يوجد إمبراطور واحد.
إذن الرجل الذي أنهى المنصب الغربي لم يقل:
الإمبراطورية الرومانية انتهت.
على العكس.
اعترف بدرجة ما بوجود إمبراطور روماني في الشرق.
النهاية التي نراها واضحة اليوم لم تكن واضحة للناس الذين عاشوها.
سنة 476: تاريخ اخترعه المؤرخون؟
ليس بمعنى الاختلاق.
حدث مهم وقع فعلًا.
اختفى منصب الإمبراطور المقيم في الغرب بعد خلع رومولوس.
لكن اختيار اللحظة بوصفها «سقوط روما» هو طريقة لاحقة لتنظيم عملية أطول.
لم تكن الصحف في اليوم التالي تقول:
بدأت العصور الوسطى.
كثير من المؤسسات استمرت.
والسناتور الروماني بقي سناتورًا.
والقانون استمر.
والكنيسة استمرت.
والمدن استمرت بدرجات متفاوتة.
وأودواكر احتاج إلى إدارة إيطاليا لا إلى محوها.
التواريخ تساعدنا على التعلم.
لكنها تستطيع أن تجعل العملية الطويلة تبدو كأنها زر أُطفئ.
يوليوس نيبوس لم يمت بعد
استمر نيبوس في دالماسيا حتى اغتياله سنة 480.
لذلك يقترح بعض المؤرخين أن سنة 480 تستحق هي الأخرى أن تؤخذ في الحسبان عند الحديث عن نهاية الإمبراطورية الغربية.
كما بقيت جيوب من السلطة ذات الطابع الروماني في مناطق أخرى فترة إضافية.
هذا لا يعني أن علينا إلغاء 476 من الكتب.
بل يعني أن علينا فهم ما تعنيه.
هي نهاية تقليدية مفيدة للمنصب الإمبراطوري الغربي في إيطاليا.
وليست لحظة اختفاء كل سلطة رومانية غرب القسطنطينية.
الإمبراطورية التي لم تسقط
في القسطنطينية كان الإمبراطور زينون يحكم الإمبراطورية الشرقية.
بالنسبة إلى سكان دولته، لم يكونوا «بيزنطيين» بالاسم الذي يستخدمه المؤرخون اليوم.
كانوا رومانًا.
إمبراطورهم إمبراطور الرومان.
وقوانينهم رومانية.
ودولتهم استمرار للإمبراطورية الرومانية.
مصطلح «الإمبراطورية البيزنطية» مفيد للباحث الحديث لتمييز مراحل التاريخ.
لكن الذين عاشوا هناك لم يستيقظوا سنة 476 ويقولوا:
انتهت روما، والآن نحن بيزنطيون.
روما استمرت في الشرق.
وهذا وحده يجعل عنوان «سقوط الإمبراطورية الرومانية سنة 476» غير دقيق إذا لم نضف كلمة:
الغربية.
ألف سنة أخرى تقريبًا
ستستمر الدولة الرومانية الشرقية حتى سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين سنة 1453.
خلال هذه القرون ستتغير اللغة والثقافة والمؤسسات.
ستصبح اليونانية اللغة المهيمنة في الإدارة والثقافة بدرجة أكبر.
ستتقلص الأراضي ثم تتوسع ثم تتقلص.
وستواجه الفرس والعرب والبلغار والسلاجقة والصليبيين والعثمانيين.
لكن الدولة نفسها ترى استمرارية رومانية.
بين خلع رومولوس أوغستولوس وسقوط القسطنطينية نحو ألف سنة.
هذه ليست ملاحظة جانبية.
إنها تقلب فهم القصة كلها.
نصف الإمبراطورية تقريبًا لم يقرأ سنة 476 بوصفها نهايته.
جستنيان يحاول إعادة الغرب
في القرن السادس، بعد عقود من زوال الإمبراطور الغربي، حكم الإمبراطور جستنيان من القسطنطينية.
أرسل جيوشه لاستعادة أراضٍ غربية.
قادهما رجال مثل بيليساريوس ونارسيس.
سقطت مملكة الوندال في شمال إفريقيا.
واستعادت الجيوش الإمبراطورية أجزاء كبيرة من إيطاليا بعد حرب طويلة ضد القوط الشرقيين.
دخل جيش روماني آتٍ من القسطنطينية مدينة روما.
لو كانت «روما» قد اختفت تمامًا سنة 476، فما الذي كان جستنيان يعتقد أنه يستعيد؟
الإجابة:
الدولة الرومانية ما تزال موجودة.
إنها تحاول استعادة مقاطعات فقدتها.
لكن الاستعادة دمرت ما جاءت لإنقاذه
كانت الحروب القوطية في إيطاليا طويلة ومدمرة.
تعرضت المدن والحياة الاقتصادية لأضرار هائلة.
وتغيرت السيطرة مرات.
وجاءت أوبئة ومجاعات وضغوط أخرى.
نجح جستنيان في استعادة إيطاليا رسميًا.
لكن الثمن كان كبيرًا.
وبعد سنوات قليلة من موته دخل اللومبارديون أجزاء واسعة من شبه الجزيرة.
هذه مفارقة أخرى.
الإمبراطورية الشرقية حاولت إعادة إيطاليا إلى الحكم الروماني.
لكن الحرب التي فعلت ذلك ساهمت أيضًا في إضعاف المجتمع الإيطالي الذي كانت تريد استعادته.
لماذا سقط الغرب وبقي الشرق؟
ليس هناك سبب واحد.
وهذه أهم قاعدة في المقال كله.
كتب المؤرخون مئات التفسيرات.
الجيش.
والضرائب.
والحروب الأهلية.
والهجرة.
والحدود.
والأوبئة.
والتغيرات الاقتصادية.
والفوارق الإقليمية.
ونوعية القيادة.
وفقدان إفريقيا.
والعلاقة بين الدولة والجماعات المسلحة.
كل عامل يشرح جزءًا.
لكن محاولة اختيار سبب واحد تجعل التاريخ شعارًا.
الغرب الروماني لم يمت من مرض واحد.
تعرض لضغوط متعددة، وأصبح أقل قدرة مع الوقت على معالجة كل ضغط جديد.
هل السبب «الفساد الأخلاقي»؟
هذه من أقدم التفسيرات وأكثرها جاذبية.
روما أصبحت مترفة.
فقد المواطنون فضائلهم.
فسدت النخبة.
ثم جاء المحاربون الأقسى وأسقطوها.
القصة تصلح للموعظة.
لكن من الصعب تحويل «الأخلاق» إلى متغير تاريخي يمكنه وحده تفسير لماذا انهار الغرب في القرن الخامس بينما استمر الشرق.
الرومان عرفوا الفساد والصراعات والترف قبل ذلك بقرون.
والدول التي جاءت بعدهم لم تكن مجتمعات بلا فساد.
المشكلة ليست أن الأخلاق لا تؤثر في السياسة.
بل أن عبارة «الانحلال الأخلاقي» واسعة إلى درجة تستطيع تفسير أي نهاية بعد وقوعها.
هل الضرائب أسقطتها؟
كانت الدولة الرومانية المتأخرة تحتاج إلى موارد ضخمة.
والعبء الضريبي ثقيل في مناطق وأوقات مختلفة.
وأثرت الحروب والدمار في قدرة السكان على الدفع.
لكن الضرائب نفسها كانت ما يمول الجيش الذي يحمي الحدود.
تخفيض الضرائب جذريًا قد يجعل الدولة أكثر شعبية اليوم وأضعف عسكريًا غدًا.
الاقتصاد الإمبراطوري كان نظامًا مترابطًا.
حين تفقد إفريقيا تخسر دخلًا.
حين تخسر الدخل تقل قدرتك على تمويل الجنود.
حين يقل الجيش تخسر أراضي أخرى.
ثم يصبح الدخل أقل.
ليس هناك نقطة واحدة يمكن عندها القول:
هذه الضريبة أسقطت روما.
هناك حلقة ضعف متزايد.
هل الجيش «امتلأ بالبرابرة»؟
خدم رجال من أصول غير رومانية في الجيش منذ زمن طويل.
وبعضهم أصبح قادة ممتازين.
المشكلة ليست أن الدم «غير الروماني» دخل المؤسسة.
الإمبراطورية نفسها منحت الجنسية لشعوب كثيرة طوال تاريخها.
وروماني القرن الخامس ليس رومانيًا لأنه ينحدر من سكان مدينة روما القديمة وحدهم.
المشكلة السياسية كانت أن الدولة أصبحت تعتمد أكثر على قوى عسكرية وقادة يملكون شبكاتهم الخاصة ويمكن أن يفاوضوا المركز من موقع قوة.
لكن وصف ذلك بأنه «استبدال الرومان بالبرابرة» يخفي حقيقة أن معنى الروماني نفسه كان قد تغير منذ قرون.
هل الهجرة أم الغزو؟
كلاهما، بحسب المكان والزمان.
بعض الجماعات دخلت بالقوة.
وبعضها طلب اللجوء أو الاستيطان.
وبعضها دخل ضمن اتفاقات عسكرية.
وبعضها بدأ حليفًا ثم أصبح مستقلاً.
كما تغيرت هويات الجماعات نفسها عبر الحركة والحرب.
كانت فترة الهجرات في أوروبا عملية معقدة لا موكبًا واحدًا من القبائل يسير نحو روما.
الدراسات الحديثة، بما فيها الأبحاث الأثرية والجينية، تزيد الصورة تعقيدًا وتكشف تداخل السكان والحركة والزواج والاستمرار المحلي إلى جانب العنف والحروب.
لا توجد ضرورة للاختيار بين «غزو» و«هجرة» كأن أحدهما يلغي الآخر.
هل المناخ والمرض أسقطا روما؟
أظهرت دراسات حديثة أهمية المناخ والأوبئة في التاريخ الروماني.
الأمراض تستطيع خفض السكان والإنتاج والجنود والضرائب.
وتقلبات المناخ تستطيع التأثير في الزراعة وحركة الشعوب.
لكن تحويل كل سقوط الغرب إلى الطقس أو الوباء وحدهما يعيد مشكلة السبب الواحد.
الإمبراطورية الشرقية تعرضت هي الأخرى لأوبئة وصدمات مناخية في عصور مختلفة.
العوامل البيئية مهمة لأنها تعمل داخل نظام سياسي واقتصادي.
الوباء نفسه يصبح أخطر على دولة تموّل حروبًا متعددة وتفقد مقاطعاتها.
الطبيعة تضغط.
لكن المؤسسات تحدد مقدار ما تستطيع الدولة تحمله.
الحروب الأهلية
هناك عامل يصعب المبالغة فيه:
الرومان قضوا وقتًا طويلًا في محاربة الرومان.
كلما ظهر مغتصب أو منافس على العرش احتاج الإمبراطور إلى سحب قوات ومواجهة جيش آخر كان يمكن أن يدافع عن الحدود.
والقائد المنتصر في الحرب الأهلية لا يحصل على جيشين.
يحصل عادة على ما بقي منهما.
كما أن الصراعات على السلطة تقضي على القادة أصحاب الخبرة.
ستيلكو أُعدم.
أيتيوس قُتل.
وأباطرة عُزلوا أو اغتيلوا.
الإمبراطورية لم تواجه العالم الخارجي وهي موحدة دائمًا.
كانت أحيانًا تنفق قوتها في تحديد من يحق له أن يحكم ما تبقى منها.
وربما هذه هي المشكلة الأساسية للدولة الكبيرة
الإمبراطورية تحتاج إلى جنرال قوي لكي يحميها.
لكن الجنرال القوي يستطيع أن يصبح إمبراطورًا.
إذن يخاف الإمبراطور منه.
إذا أضعفه، تضعف الحدود.
إذا تركه قويًا، يخشى الانقلاب.
هذه المعضلة ظهرت في مراحل كثيرة من التاريخ الروماني.
وفي الغرب المتأخر أصبحت أكثر خطورة لأن الموارد أقل والأزمات أكثر.
الدولة تحتاج إلى رجال أقوياء.
والدولة نفسها لا تثق بالرجال الأقوياء.
روما المدينة بعد 476
لم تختفِ المدينة.
لكنها تغيرت.
تراجع عدد السكان على مدى القرون المتأخرة.
وتضررت أنظمة الإمداد.
وتغيرت استخدامات المباني.
وازداد دور الأساقفة والكنيسة في الحياة العامة.
استمر مجلس الشيوخ الروماني فترة.
واستمرت أرستقراطية رومانية.
لكن روما لم تعد عاصمة إمبراطورية متوسطية تجمع ثروات العالم داخلها بالطريقة القديمة.
تحولت من مركز سياسي عالمي إلى مدينة ذات أهمية دينية ورمزية هائلة، ثم ستصبح مركزًا للمسيحية اللاتينية والبابوية.
لم تمت.
غيرت وظيفتها.
ما الذي بقي رومانيًا؟
الكثير.
القانون الروماني.
اللغة اللاتينية.
شبكات الطرق.
المدن.
الكنيسة التي تطورت داخل الإمبراطورية.
طرق الإدارة.
الألقاب.
الأفكار عن السلطة.
حتى الممالك التي قامت فوق أراضي الغرب حاولت بدرجات مختلفة استخدام الشرعية والثقافة والمؤسسات الرومانية.
القوط الشرقيون في إيطاليا لم يهدموا كل الإدارة الرومانية ويبدأوا من الصفر.
والفرنجة سيستفيدون من الثقافة والمؤسسات الموجودة في بلاد الغال.
والملوك اللاحقون سيبحثون مرارًا عن لقب «إمبراطور الرومان».
الإمبراطورية ماتت في الغرب.
لكن فكرة روما كانت أصعب كثيرًا على القتل.
ثيودوريك
بعد أودواكر ظهر قائد آخر:
ثيودوريك القوطي.
أرسله أو شجعه الإمبراطور الشرقي زينون للتحرك نحو إيطاليا.
دخل في حرب مع أودواكر.
وفي النهاية قتله سنة 493.
أسس حكم القوط الشرقيين في إيطاليا.
لكن إدارة ثيودوريك حافظت على كثير من المؤسسات الرومانية المدنية.
عمل معه مثقفون ومسؤولون رومان مثل كاسيودوروس وبوثيوس.
مرة أخرى تنهار الثنائية البسيطة:
روما مقابل البرابرة.
ملك قوطي يستطيع حكم إيطاليا مستخدمًا إدارة رومانية، بينما يعترف بدرجات مختلفة بعالم الشرعية الإمبراطورية الشرقية.
هذا ليس اختفاء الحضارة في يوم.
إنه تحولها إلى تركيب جديد.
متى تبدأ العصور الوسطى؟
يستخدم عام 476 كثيرًا بوصفه خطًا يفصل التاريخ القديم عن العصور الوسطى في أوروبا الغربية.
هذا مفيد في الكتب الدراسية.
لكنه ليس بابًا عبره الناس ليلة واحدة.
لم يستيقظ فلاح في إيطاليا في 5 سبتمبر 476 ويقول:
انتهى العصر القديم.
التحول بين العصور عملية.
تتغير المدن.
والاقتصاد.
والدين.
واللغة.
والسلطة.
بعض التغيرات بدأت قبل 476 بقرون.
وبعض المؤسسات الرومانية استمرت بعده بقرون.
التاريخ يحتاج إلى حدود زمنية لكي نستطيع تدريسه.
لكن الحياة نفسها لا تحترم حدود الفصول.
هل كان السقوط كارثة؟
هنا يوجد خلاف مهم بين المؤرخين.
هناك اتجاه يشدد على الاستمرار والتحول، ويرى أن عالم العصور القديمة المتأخرة تحول تدريجيًا إلى مجتمعات جديدة بدل أن ينهار ببساطة.
واتجاه آخر يشدد على أن سقوط الدولة الرومانية في الغرب أدى بالفعل إلى تراجع مادي واقتصادي كبير في مناطق متعددة:
انخفاض التجارة.
وتراجع بعض المدن.
وانخفاض إنتاج السلع المعقدة.
وتدهور البنية التحتية في أماكن.
الحقيقتان ليستا بالضرورة متعارضتين.
هناك استمرارية ثقافية ومؤسسية.
وهناك كذلك خسائر مادية حقيقية.
التحول يستطيع أن يكون مستمرًا ومؤلمًا في الوقت نفسه.
الأواني تخبر قصة أيضًا
التاريخ لا يأتي من كتب الأباطرة فقط.
علم الآثار يدرس الفخار والعملات والموانئ والمساكن والعظام وشبكات التجارة.
حين تقل أنواع من الفخار عالي الجودة عن مناطق كانت تصل إليها سابقًا، يمكن أن يكون ذلك دليلًا على تقلص شبكة اقتصادية.
حين تختفي العملات من التداول في منطقة، تتغير طبيعة الاقتصاد.
حين تتراجع صيانة المباني العامة، تخبرنا الحجارة أن الدولة والمدينة لم تعودا تملكان الموارد نفسها.
الإمبراطور قد يقول في مرسوم إن روما باقية إلى الأبد.
لكن إناء الطهي أحيانًا يخبرنا ما إذا كان العالم الذي يدعم هذا الادعاء ما يزال يعمل.
لماذا سقط الغرب تحديدًا في القرن الخامس؟
لأن سلسلة الضغوط وصلت إلى نقطة أصبح فيها المركز الغربي عاجزًا عن إعادة بناء نفسه كما فعل في القرن الثالث.
دخلت جماعات مسلحة كثيرة أراضيه واستقرت فيها.
فقد مناطق ضريبية.
واجه حروبًا أهلية.
وتراجع تحكمه في الجيوش.
وخسر إفريقيا.
وتحول قادة عسكريون إلى مراكز سلطة مستقلة.
كل أزمة جعلت حل الأزمة التالية أصعب.
المشكلة في النهاية لم تكن أن عدوًا واحدًا أصبح قويًا جدًا.
بل أن الدولة أصبحت ضعيفة بدرجة لم تعد معها قادرة على تحويل الهزيمة إلى تعافٍ جديد.
الإمبراطور الأخير لم يكن أهم رجل في إيطاليا
هذه ربما أفضل علامة على النهاية.
في زمن أغسطس، الإمبراطور هو مركز النظام.
في سنة 476 كان رومولوس أوغستولوس فتى وضعه أبوه على العرش.
ثم جاء أودواكر وأزاله.
إذا كان بإمكانك إزالة الإمبراطور من دون أن تحتاج إلى وضع إمبراطور جديد، فإن المنصب فقد الوظيفة التي صنعت ضرورته.
النهاية ليست عندما يموت آخر رجل يحمل اللقب.
النهاية عندما يصبح اللقب نفسه غير ضروري للنظام الذي حوله.
وهذا ما يجعل 476 مهمًا.
المفارقة
سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية.
لكن الذين أخذوا مكانها لم يستطيعوا الهرب من روما.
استخدموا قوانينها.
وألقابها.
ولغتها.
ودينًا نما داخلها.
وعملتها حين استطاعوا.
وموظفيها.
وبعد قرون سيأتي شارلمان ويُتوَّج إمبراطورًا في روما.
ثم سيظهر «الإمبراطور الروماني المقدس».
وفي الشرق سيستمر إمبراطور القسطنطينية في تسمية نفسه إمبراطور الرومان.
وفي موسكو ستظهر لاحقًا فكرة «روما الثالثة».
كأن سقوط الدولة جعل اسمها أكثر قابلية لأن يرثه الآخرون.
مات الجسد السياسي في الغرب.
وتحول الاسم إلى جائزة.
حين سقطت الإمبراطورية في الغرب ولم تسقط روما كلها
لو أردنا نهاية سينمائية للإمبراطورية الرومانية، فإن سنة 476 مخيبة قليلًا.
لا جيشان عظيمان يلتقيان تحت أسوار روما.
ولا إمبراطور عجوز يقاتل حتى آخر جندي.
ولا مدينة تحترق للمرة الأخيرة.
هناك قائد عسكري.
وإمبراطور شاب.
وعزل.
وشارات تُرسل شرقًا.
ثم تستمر الحياة.
ربما لهذا احتاج المؤرخون إلى إعطاء الحدث معنى أكبر بعد وقوعه.
لكن عندما ننظر إلى القرنين السابقين، تتغير الصورة.
روما لم تسقط في سبتمبر 476.
كانت تتراجع وتتحول وتفقد السيطرة منذ زمن طويل.
نُهبت سنة 410.
ثم مرة أخرى سنة 455.
وخسرت إفريقيا.
وتراجعت في بلاد الغال.
وخرجت بريطانيا من قبضتها.
وتحولت جيوشها.
وتصارع قادتها.
وفي النهاية أصبح وجود إمبراطور غربي نفسه أقل أهمية من وجود الرجل الذي يملك الجنود.
476 لم يكن انفجار المبنى.
كان اليوم الذي أزيلت فيه اللافتة عن مبنى كانت غرف كثيرة فيه قد انتقلت بالفعل إلى أصحاب آخرين.
ومع ذلك لا تكفي كلمة «انهيار» وحدها.
فالشرق بقي رومانيًا.
وإيطاليا بقيت مليئة بالرومان والمؤسسات الرومانية.
واللاتينية ستصبح أصل لغات جديدة.
والقانون الروماني سيعود ليؤثر في نظم قانونية بعد قرون.
والكنيسة التي نشأت داخل الإمبراطورية ستصبح واحدة من أهم المؤسسات في أوروبا الوسيطة.
والمدن والطرق والأسماء ستبقى.
حتى من هزموا الدولة أرادوا جزءًا من هيبتها.
ربما هذه هي الطريقة الأصح لفهم سقوط روما:
لم تختفِ حضارة كاملة في يوم.
فقد الغرب الدولة التي كانت تجمع عالمه السياسي.
ثم بدأت الأجزاء تعيد ترتيب نفسها.
بعضها أصبح ممالك.
وبعضها انهار اقتصاديًا.
وبعضها حافظ على مؤسسات قديمة.
وفي الشرق استمر الإمبراطور الروماني جالسًا على عرشه في القسطنطينية.
ولذلك، عندما نقول:
«سقطت روما سنة 476»
علينا أن نتذكر دائمًا الجملة التي تأتي بعدها:
سقطت الإمبراطورية الرومانية في الغرب.
أما روما…
فكانت قد بدأت حياة أخرى.
المصادر والمراجع
- أميانوس مارسيليانوس — التاريخ الروماني، للفترة المتأخرة من القرن الرابع.
- زوسيموس — التاريخ الجديد.
- بروكوبيوس القيصري — الحروب، خصوصًا حروب الوندال والقوط.
- أوغسطينوس — مدينة الله.
- Peter Heather — The Fall of the Roman Empire: A New History of Rome and the Barbarians.
- Bryan Ward-Perkins — The Fall of Rome and the End of Civilization.
- Guy Halsall — Barbarian Migrations and the Roman West, 376–568.
- Chris Wickham — The Inheritance of Rome.
- Averil Cameron — The Mediterranean World in Late Antiquity.
- Kyle Harper — The Fate of Rome: Climate, Disease, and the End of an Empire.
- The Cambridge Ancient History — مجلدات الإمبراطورية الرومانية المتأخرة والقرن الخامس.
- The Oxford Dictionary of Late Antiquity — مواد الإمبراطورية الغربية وأودواكر ورومولوس أوغستولوس.

