لم تمطر السماء مخطوطات؛ حين فُتح جزء من سقف الجامع أثناء الترميم، ظهر مخبأ ظل يحمل آلاف الرقوق والصفحات قرونًا.
كانت صنعاء تحتفظ بسرّ فوق رؤوس المصلين.
في مساحة علوية من الجامع الكبير، بعيدًا عن رفوف المكتبات وأعين الباحثين، تراكمت مواد مكتوبة قديمة: صفحات، رقوق، أجزاء من مصاحف ومخطوطات أخرى.
لم تكن مرتبة كمكتبة.
ولم يضعها أحد هناك كي يأتي علماء القرن العشرين ويفتحوا صندوقًا اسمه «التاريخ».
كانت مواد خرجت من الاستعمال، ثم بقيت.
وعندما ظهرت أثناء أعمال الترميم في أوائل سبعينيات القرن العشرين، اتضح أن الجامع الكبير لم يكن يخفي عدة أوراق قديمة فقط.
كان يخفي واحدة من أهم مجموعات المخطوطات القرآنية المبكرة التي عرفها البحث الحديث.
تشير اليونسكو إلى اكتشاف نحو 40 ألف قطعة من المخطوطات القرآنية القديمة في الجامع الكبير بصنعاء.
لكن وسط ذلك البحر من الصفحات، كانت هناك مجموعة صغيرة ستجعل القصة أكثر غرابة.
صفحات كُتب عليها القرآن.
ثم مُحيت.
ثم كُتب القرآن عليها مرة أخرى.
وبين الكتابتين بقي أثر لم يختفِ تمامًا.
—
الجامع الذي أصبح مخزنًا للذاكرة
الجامع الكبير في صنعاء ليس مبنى عابرًا في تاريخ المدينة.
إنه من أقدم مساجد اليمن، وفي قلب مدينة كانت مركزًا دينيًا وثقافيًا مهمًا منذ القرون الأولى للإسلام.
ومع مرور الزمن تراكمت فيه المصاحف والمواد الدينية.
والكتاب المقدس البالي يطرح دائمًا مشكلة مختلفة عن الورقة العادية:
ماذا تفعل به عندما يصبح غير صالح للاستعمال؟
لا يبدو التخلص منه ببساطة أمرًا مناسبًا.
وهكذا يمكن للمواد الدينية القديمة أن تنتقل إلى غرف جانبية أو مخازن أو مساحات مهملة، فلا تعود مستخدمة، لكنها لا تُدمّر أيضًا.
في صنعاء أدى هذا السلوك، بصورة لم يكن أحد يقصدها كعمل أرشيفي، إلى حفظ آلاف القطع.
تشير دراسة من مركز ثقافات المخطوط في هامبورغ إلى أن الحجرة التي ظهرت فيها المواد ضمت نحو 40 ألف قطعة قرآنية ترجع إلى القرون الإسلامية المبكرة.
لقد حدث هنا شيء رأيناه بصورة مختلفة في جنيزة القاهرة:
أحيانًا يحفظ الاحترام للنص ما كان الزمن سيأكله.
—
لحظة ظهرت فيها الأوراق
الصورة التي اعتمدناها للغلاف درامية:
سقف مفتوح.
ضوء يسقط.
وأوراق تتطاير إلى الأسفل.
لكن الحقيقة أجمل لأنها أكثر هدوءًا.
المخطوطات لم تسقط كالمطر.
ظهرت أثناء أعمال ترميم في مساحة علوية مرتبطة بالسقف، حيث كانت المواد مخزنة منذ زمن بعيد.
وتختلف بعض الفهارس الحديثة في التفاصيل الدقيقة لتسلسل الكشف والنقل؛ فمصادر تربط الاكتشاف مباشرة بأعمال عام 1972، بينما يشير فهرس Corpus Coranicum إلى أن موضع التخزين كان قد عُثر عليه قبل ذلك ثم نُقلت المواد إلى دار المخطوطات في 1972. الثابت في الحالتين أن المخطوطات خرجت من مخزن علوي في الجامع الكبير إلى دائرة البحث والحفظ الحديث في أوائل السبعينيات.
وهنا تبدأ قصتنا الحقيقية.
ليس بما خرج من السقف فقط.
بل بما كان مختبئًا داخل الورقة نفسها.
—
قبل الورق… كان هناك جلد
لكي نفهم مخطوط صنعاء الشهير، علينا أولًا أن ننسى الورق الذي نعرفه.
كثير من المخطوطات القرآنية المبكرة كُتبت على الرق.
والرق يُصنع من جلود الحيوانات بعد معالجتها وتجهيزها للكتابة.
إنه مادة ثمينة.
إعداده يحتاج وقتًا وعملًا وموارد.
ولهذا لم تكن الصفحة شيئًا يُرمى بسهولة.
إذا أصبحت الكتابة الموجودة عليها غير مطلوبة، كان من الممكن في بعض الثقافات المخطوطية غسلها أو كشطها ثم استعمال السطح مرة أخرى.
والنتيجة تسمى:
Palimpsest — الطِّرس، أو الرق الممسوح المعاد استعماله.
لكن المحو القديم لم يكن مثل الضغط على زر Delete.
الحبر قد يختفي من العين.
لكنه لا يختفي دائمًا من المادة.
وبعد قرون قد تعود الكلمات.
—
مصحف فوق مصحف
وسط مخطوطات صنعاء ظهر أحد أشهر الأطراس في تاريخ الدراسات القرآنية.
يحمل اليوم الرمز:
DAM 01-27.1
ويُعرف عادة باسم طِرس صنعاء أو صنعاء 1.
وهنا يجب تثبيت أمر مهم:
مخطوطات صنعاء كلها ليست أطراسًا.
نحن نتحدث عن عشرات الآلاف من القطع المختلفة.
الطِّرس الشهير مجرد مخطوط استثنائي داخل هذه المجموعة الكبيرة.
أما هذا المخطوط نفسه، فله طبقتان من الكتابة القرآنية.
الأولى كُتبت على الرق.
ثم مُحيت.
وبعد ذلك استُخدم الرق مرة أخرى لكتابة نص قرآني ثانٍ.
اليوم نسمي النص الظاهر:
الطبقة العليا — scriptio superior
والكتابة الأقدم التي مُحيت:
الطبقة السفلى — scriptio inferior
وتضم المجموعة المدروسة في دار المخطوطات بصنعاء 38 ورقة تحمل هاتين الطبقتين. وترجع الدراسات الطبقة السفلى إلى القرن السابع الميلادي، بينما تُنسب الكتابة العليا عادة إلى مرحلة لاحقة.
أي أننا لا ننظر إلى كتاب فقط.
نحن ننظر إلى زمنين مكتوبين فوق بعضهما.
—
لماذا يمحو أحدهم القرآن… ليكتب القرآن؟
هذا واحد من أكثر الأسئلة إثارة في المخطوط.
لو كان النص الأول حسابًا تجاريًا ثم كُتب فوقه نص ديني، لفهمنا إعادة الاستخدام بسهولة.
لكن هنا لدينا قرآن تحت قرآن.
لماذا؟
لا نعرف على وجه اليقين.
ربما كانت هناك أسباب تتعلق بحالة النسخة الأولى.
ربما ارتبط الأمر بطريقة كتابتها أو استعمالها.
ربما أعيد استخدام الرق لأنه مورد ثمين.
وقد اقترح الباحثون سيناريوهات متعددة، لكن المخطوط نفسه لا يحمل ورقة تقول لنا:
«لقد محونا النص لهذا السبب.»
وهذه قاعدة مهمة في السلسلة كلها:
حين تصمت الوثيقة، يجب ألا نجعل خيالنا يتكلم مكانها.
مركز ثقافات المخطوط في جامعة هامبورغ نفسه يطرح السؤال بوصفه لغزًا: لماذا بُذل الجهد لمحو قرآن ثم كتابة قرآن آخر فوقه؟ والإجابة النهائية ليست محسومة.
—
الكتابة التي رفضت أن تختفي
الناسخ أو من أعاد استعمال الرق أراد سطحًا جديدًا.
كانت الكتابة الأولى عائقًا.
فمُحيت.
ثم جاءت الكتابة الثانية.
لكن المادة احتفظت بالأثر.
بعد أكثر من ألف عام، أصبح ذلك الأثر الذي كان يراد التخلص منه أهم ما في الصفحة للباحث.
باستخدام التصوير المتخصص ومعالجة الصور، أصبح بالإمكان فصل الطبقتين بدرجات أكبر من الوضوح.
وفي عام 2007 صُورت صفحات الطرس ضمن بعثة علمية فرنسية-إيطالية، ما ساعد الباحثين على دراسة الكتابة السفلية بصورة أكثر دقة.
هنا تنقلب القصة.
المحو لم يعد نقصًا.
المحو نفسه أصبح وثيقة.
—
ما عمر الكتابة القديمة؟
هذا سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحتاج إلى ضبط.
يمكن استخدام التأريخ بالكربون المشع لفحص الرق.
لكن الكربون يؤرخ جلد الحيوان الذي صُنع منه الرق، لا اللحظة الدقيقة التي أمسك فيها الناسخ القلم.
ولهذا لا ينبغي أن نقول:
«الكربون أثبت أن هذه الكلمة كُتبت في سنة كذا.»
ما يستطيع الاختبار فعله هو وضع المادة داخل نطاق زمني احتمالي، ثم يأتي تحليل الخط والنص وبقية الأدلة.
فهرس Corpus Coranicum يضع مخطوط صنعاء 1، بناءً على الخط والتأريخ الإشعاعي، بثقة كبيرة قبل عام 700م، بينما تنسب الدراسات الطبقة السفلى عمومًا إلى القرن الأول الهجري/السابع الميلادي.
وهذا وحده يجعلها شاهدًا بالغ الأهمية.
فنحن أمام نص قريب زمنيًا من البدايات الأولى لتاريخ المصحف المكتوب.
—
وهل الطبقتان متطابقتان؟
لا.
وهنا نصل إلى أكثر أجزاء القصة حساسية.
الطبقة العليا تمثل نصًا قرآنيًا يقع ضمن التقليد النصي العثماني المعروف للمصاحف المبكرة.
أما الطبقة السفلى فتحتوي على اختلافات نصية وكتابِيّة وترتيبية مقارنة بالنص القياسي المعروف لاحقًا.
هذا أمر حقيقي يجب ألا نخفيه.
لكنه أيضًا أمر يجب ألا نحمله أكثر مما يحتمل.
دراسة المخطوطات القديمة تكشف اختلافات في الهجاء والرسم، ومواضع الكلمات، وأحيانًا الصياغة والترتيب.
وفي طرس صنعاء، جعلت طبيعة الطبقة السفلية المخطوط شاهدًا استثنائيًا في دراسة انتقال النص القرآني المبكر. ويصف الباحث نيكولاي سيناي الطبقة السفلى بأنها الشاهد المادي المعروف حاليًا على تقليد نصي يختلف في بعض المواضع عن النص القانوني القياسي، بينما ما تزال كيفية تفسير طبيعة ذلك الشاهد محل بحث ونقاش.
وهذه الجملة مهمة:
وجود اختلاف مخطوطي شيء، وتفسير معناه التاريخي أو العقدي شيء آخر.
—
مصحف كامل… أم أوراق للتعلم؟
حتى هذه النقطة ليست محسومة تمامًا.
من السهل أن نتخيل أن الطبقة السفلى كانت مصحفًا كاملًا جاهزًا على رف مكتبة.
لكن بعض الباحثين اقترحوا تفسيرًا آخر.
درست الباحثة أسماء هلالي الخصائص المادية والنصية للطبقة السفلى، واقترحت أنها قد لا تمثل بالضرورة مصحفًا كاملًا بالمعنى التقليدي، بل ربما كانت أوراقًا أو مواد مرتبطة ببيئة تعلم أو نسخ غير نهائي.
وباحثون آخرون ناقشوا هذا التفسير ولم يعتبروا المسألة مغلقة.
إذن عندما نكتب:
«هذا مصحف مختلف كامل»
فنحن نتجاوز ما تسمح به المادة.
والصياغة الأدق هي:
لدينا شاهد قرآني مبكر ذو خصائص نصية مختلفة في طبقته السفلى، وما تزال طبيعته الأصلية الدقيقة موضع دراسة.
الفرق بين الجملتين هو الفرق بين البحث والإثارة.
—
المخطوط لا يدخل في المناظرات
منذ ظهور مخطوطات صنعاء، استُخدمت في اتجاهات جدلية متعارضة.
طرف يريد أن يجعلها برهانًا على انهيار كل ما نعرفه عن تاريخ القرآن.
وطرف قد يميل إلى إنكار أي أهمية للاختلافات أصلًا.
لكن المخطوط لا يقول أيًا من ذلك.
إنه قطعة مادية.
جلد.
حبر.
خط.
محو.
وكتابة جديدة.
وظيفة الباحث أولًا أن يصف ما يوجد.
ثم يقارن.
ثم يميز بين النتيجة والفرضية.
وقد ظهرت دراسات حديثة من داخل حقل الدراسات الإسلامية نفسه تفسر الطبقة السفلى في إطار المصاحف الشخصية والقراءات المبكرة، وترفض بناء نظريات واسعة عن «نص أصلي مفقود» اعتمادًا عليها وحدها. وهذا يوضح أن تفسير الدليل أوسع من قراءة واحدة وأن الجدل العلمي مستمر.
وهنا يجب أن تكون «خلف السطور» واضحة:
نحن لا نختار النتيجة التي ترضي طرفًا.
نختار الحدود التي تسمح بها الوثيقة.
—
آلاف القطع… وليست قصة طرس واحد
شهرة صنعاء 1 كادت أن تحجب بقية الاكتشاف.
لكن المجموعة أوسع بكثير.
اليونسكو تشير إلى عشرات الآلاف من القطع القرآنية القديمة، ويعرض مشروعها الرقمي مئات الصور لقطع مصنفة وفق الخط والزخرفة وغيرها من السمات.
هذه المواد تساعد الباحثين في دراسة:
تطور الخط العربي.
طرق كتابة المصاحف.
الزخرفة.
علامات الآيات.
علامات الضبط والحركات.
تطور أشكال الحروف.
وطرائق صناعة الكتاب نفسه.
أي أن أهمية صنعاء لا تتعلق فقط بسؤال:
«ماذا يقول النص؟»
بل أيضًا:
«كيف أصبح المصحف كتابًا كما نعرفه؟»
—
الصفحة قبل أن تصبح مألوفة
القارئ اليوم يعرف المصحف في صورة مستقرة بصريًا.
صفحات متناسقة.
علامات واضحة.
فواصل.
نقاط.
حركات.
ترقيم.
وزخرفة منظمة.
لكن الكتاب لم يولد بهذه الصورة دفعة واحدة.
المخطوطات القديمة تسمح لنا برؤية تاريخ الكتابة نفسها.
كيف ظهرت العلامات.
كيف تطورت الخطوط.
كيف تعامل النساخ مع المسافات.
كيف فُصلت السور.
كيف أصبحت الصفحة أكثر تنظيمًا مع مرور الوقت.
ولهذا فإن مخطوطات صنعاء ليست مجرد حافظة للنص.
إنها جزء من سيرة الصفحة العربية.
—
الناسخ الذي لم نعرف اسمه
وهنا يعود الإنسان إلى القصة.
نحن نتحدث كثيرًا عن «الطبقة العليا» و«الطبقة السفلى».
لكن أحدًا كتب كل واحدة منهما.
إنسان جلس أمام الرق.
غمس القلم في الحبر.
وحاول أن يجعل الحروف منتظمة.
ربما أخطأ.
ربما صحح.
ربما تعلم.
وربما لم يكن يتصور أن الباحثين بعد أكثر من ألف عام سيفحصون ضغط قلمه وميل الألف والمسافة بين الكلمات.
ثم جاء إنسان آخر.
نظر إلى الصفحة.
وقرر أن الكتابة الأولى لن تبقى.
مُحيت.
وعاد الجلد إلى الطاولة.
وكتب عليه من جديد.
نحن لا نعرف اسميهما.
لكننا نعرف شيئًا لم يعرفاه هما:
أنهما سيظلان معًا في الصفحة نفسها.
—
حين يصبح الغياب حضورًا
هناك مفارقة عميقة في الطرس.
عادة نقرأ ما كُتب.
في صنعاء نقرأ أيضًا ما مُحي.
الأثر الذي حاول شخص ما إزالته أصبح بعد قرون مفتاحًا لفهم تاريخ المخطوط.
وهذه ليست مسألة تقنية فقط.
إنها تغير معنى الوثيقة.
الوثيقة لم تعد آخر نسخة وصلت إلينا.
أصبحت تاريخ كل ما حدث لها.
كتبت.
مُحيت.
أعيد استخدامها.
خُزنت.
نُسيت.
عُثر عليها.
صُورت.
ثم قرأ الإنسان طبقتين كان يفترض ألا تعيشا معًا.
—
لماذا بقيت في السقف؟
ربما تكون هذه أجمل نقطة في القصة كلها.
هذه المخطوطات لم تكن «مفقودة» بالطريقة التي ضاعت بها مكتبة هيركولانيوم.
لم يدفنها بركان.
ولم يخبئها شخص وراء جدار خوفًا من جيش.
كانت داخل جامع ظل قائمًا.
البشر يدخلون تحته.
يصلون.
يخرجون.
تتغير الدول.
وتتغير الأجيال.
وفوقهم بقيت الأوراق.
إنها واحدة من أغرب صور الاختفاء:
أن يبقى الشيء في المكان نفسه… ويختفي من الذاكرة.
—
خلف السطور
في دونهوانغ أغلق جدار مكتبة.
وفي جنيزة القاهرة حفظ التقليد أوراق الناس.
وفي هيركولانيوم حفظت النار المعرفة.
وفي أوكسيرينخوس حفظت القمامة ما رماه السكان.
أما في صنعاء، فالقصة مختلفة.
الذي حفظ التاريخ هنا لم يكن المكان وحده.
كان الرق نفسه.
صفحة جلدية حملت ذاكرة أقوى من محاولة محوها.
كتب عليها إنسان.
ثم جاء آخر وقال، بالفعل لا بالكلمات:
لن تبقى هذه الكتابة.
ومحاها.
وبعد أكثر من ألف عام، عاد النص الأول.
ليس كاملًا دائمًا.
وليس سهل القراءة.
لكنه عاد بما يكفي ليخبرنا:
كنت هنا.
وهذه هي الجملة التي تختصر مخطوط صنعاء أكثر من أي جدل آخر:
> أراد الناسخ الثاني أن يجعل الكتابة الأولى تختفي؛ لكن الرق احتفظ بذاكرة ما مُحي.
—
ما تستطيع المخطوطة قوله… وما لا تستطيع
يمكنها أن تقول لنا إن هذا الرق قديم.
وإن نصًا قرآنيًا كُتب عليه ثم مُحي.
وإن نصًا قرآنيًا آخر كُتب فوقه.
وإن الطبقة السفلى تحمل خصائص واختلافات تستحق الدراسة.
وإن تقنيات الكتابة وصناعة المصحف مرت بتاريخ مادي يمكن تتبعه.
لكنها لا تستطيع وحدها أن تعيد بناء تاريخ القرآن كله.
ولا أن تخبرنا لماذا مُحيت الطبقة الأولى بيقين.
ولا أن تجعل شاهدًا واحدًا ممثلًا لكل المصاحف المبكرة.
ولا أن تحسم بمفردها الأسئلة الدينية التي تتجاوز علم المخطوطات.
أحيانًا تكون أكثر الجمل علمية هي: لا نعرف بعد.
—
السؤال الأخير
حين وضع الناسخ الثاني قلمه على الرق، كان يعتقد على الأرجح أنه يكتب فوق صفحة أصبحت فارغة.
لكنه لم يكن يكتب فوق فراغ.
كان يكتب فوق ذاكرة.
وبعد قرون، جاءت تقنيات التصوير والمقارنة والتحليل لتجعل الكلمات القديمة تظهر من تحت الكلمات الجديدة.
لم تعد الصفحة سطحًا واحدًا.
أصبحت زمنًا فوق زمن.
وهنا تترك لنا مخطوطات صنعاء سؤال الحلقة السابعة:
> إذا كان المحو نفسه يستطيع أن يصبح وثيقة، فكم طبقة من التاريخ ما زالت مختبئة تحت الكلمات التي نراها؟
مخطوطات صنعاء لم تخرج فقط من ظلام السقف.
إحدى أهم صفحاتها خرجت من ظلام المحو نفسه.
