برديات أوكسيرينخوس: المدينة التي ألقت أوراقها في القمامة

لم يعثروا عليها داخل مقبرة ملك.
ولا خلف جدار سري.
ولا في مكتبة أغلقها أصحابها قبل أن يهربوا.
كان عليهم أن يحفروا في القمامة.
وهناك، بين أكوام ما قرر سكان مدينة مصرية قديمة أنه لم يعد يستحق الاحتفاظ به، ظهرت رسائل الحب والشكوى، وعقود البيع، والإيصالات، والعرائض، والدعوات إلى حفلات الزواج، وصفحات من هوميروس، وأشعار لسافو، ونصوص مسيحية مبكرة.
كانت المدينة قد تخلّصت من أوراقها.
لكن الصحراء رفضت أن تتخلص منها.
وبعد قرابة ألفي عام، أصبحت تلك النفايات واحدة من أعظم مجموعات البردي التي عُثر عليها في التاريخ.
اسم المدينة:
أوكسيرينخوس.
واسمها اليوم:
البهنسا، في مصر.
والسؤال الذي تتركه أمامنا أغرب من قصة العثور نفسها:

ماذا لو كانت الأشياء التي رماها الناس أهم لفهم حياتهم من الأشياء التي تعمدوا حفظها؟


مدينة السمكة ذات الأنف الحاد

كان الاسم اليوناني Oxyrhynchus يعني تقريبًا «السمكة حادة الأنف»، نسبة إلى سمكة ارتبطت بمعتقدات مصرية قديمة.
لكن أهمية المدينة لم تأتِ من اسمها.
كانت أوكسيرينخوس مدينة إقليمية مزدهرة في مصر، خصوصًا في العصرين اليوناني والروماني، تقع إلى الغرب من مجرى النيل على بحر يوسف.
مر عليها البطالمة.
ثم الرومان.
ثم البيزنطيون.
ثم دخلت مصر العصر الإسلامي.
وعلى مدى قرون عاش فيها موظفون وتجار وجنود وكهنة ومدرسون وعائلات وأطفال.
كل هؤلاء كانوا يكتبون.
على البردي.
يدفعون الضرائب فيحصلون على إيصال.
يبيعون بيتًا فيكتبون عقدًا.
يرسل أحدهم شكوى إلى مسؤول.
يقترض آخر مالًا.
ويكتب شخص رسالة إلى أخيه.
وعندما تنتهي الحاجة إلى الورقة؟
تذهب إلى مكب النفايات.
لم يكن أحد يفكر فينا.

السر لم يكن في الناس… بل في الصحراء

لو حدث الأمر نفسه في بيئة رطبة، لما بقي الكثير.
البردي مادة عضوية.
الماء والرطوبة والكائنات الدقيقة كفيلة بأن تجعل الورقة القديمة تختفي.
لكن أوكسيرينخوس كانت محاطة ببيئة صحراوية جافة.
بعيدًا عن الأراضي الزراعية المغمورة بالمياه، تراكمت مكبات نفايات المدينة طبقة فوق طبقة.
ودفنت الرمال الأوراق.
وانخفضت الرطوبة.
وبمرور القرون تحولت أكوام القمامة إلى ما يشبه خزائن أرشيفية لم يقصد أحد إنشاءها.
بعض هذه المكبات استُخدم لقرون متواصلة؛ وتشير أبحاث مشروع أوكسيرينخوس إلى أن أحدها ظل يستقبل النفايات نحو ستة قرون على الأقل. 
وهكذا فعل المناخ ما لم تفعله المكتبات.
حفظ المهمل.

رجلان يبحثان عن الكتب

في نهاية القرن التاسع عشر وصل إلى المكان باحثان شابان من جامعة أكسفورد:
برنارد غرينفيل وآرثر هنت.
كانا يبحثان عن البرديات اليونانية.
وبدأت أعمالهما في المنطقة في موسم 1896–1897، ثم عادا إلى أوكسيرينخوس في مواسم أخرى حتى 1907. 
لم تكن أمامهما مكتبة.
كانت أمامهما تلال.
غبار.
رمال.
ونفايات مدينة ماتت منذ قرون.
ثم بدأت الأوراق تظهر.
قطعة.
ثم أخرى.
ثم مئات.
ثم آلاف.
وفي بعض أيام التنقيب كان العمال المصريون يملأون أكثر من ثلاثين سلة بشظايا البردي، ليقضي الباحثان الليل في فرز ما خرج من التراب قبل أن تُعاد السلال إلى موقع الحفر في الصباح. ووصل عدد العاملين في بعض المواسم إلى نحو مئتي شخص. 
لم يعد السؤال:
هل توجد برديات؟
بل:
كيف سنتعامل مع هذا الطوفان من الورق؟

نصف مليون قطعة

بحلول نهاية حملات التنقيب، خرج من أوكسيرينخوس ما يقارب نصف مليون قطعة من البردي.
إنها كمية يصعب تخيلها.
صفحات كاملة.
نصف صفحة.
قصاصة لا تحمل إلا عدة كلمات.
وثائق ممزقة.
كتب متفرقة بين عشرات القطع.
وما زال العلماء يعملون على قراءة هذا الإرث ونشره بعد أكثر من قرن من اكتشافه. وتقول جمعية استكشاف مصر إن نحو 6000 نص نُشرت حتى الآن مع ترجمة وتعليقات، بينما ما تزال المجموعة أضخم بكثير مما نُشر منها. 
وهنا توجد إحدى أكثر المفارقات إثارة في السلسلة كلها:
استغرقت المدينة قرونًا كي تنتج القمامة، وربما يحتاج العلماء قرونًا أخرى كي يقرؤوها كاملة.

لكن معظمها لم يكن أدبًا

عندما نسمع «برديات أوكسيرينخوس»، قد نتخيل مكتبة ضخمة من الكتب الضائعة.
هذا ليس دقيقًا تمامًا.
نحو عُشر المجموعة فقط تقريبًا مواد أدبية.
أما الغالبية الساحقة فهي أوراق الحياة اليومية:
سجلات.
إقرارات ضريبية.
عقود بيع.
إيجارات.
وصايا.
قضايا محاكم.
عرائض.
مراسلات حكومية.
حسابات.
أبراج فلكية.
ورسائل شخصية. 
والغريب أن هذه الأوراق «المملة» ظاهريًا ربما تكون أثمن من الكتب بالنسبة للمؤرخ.
فالقصيدة تخبرك ماذا كتب شاعر.
لكن الإيصال يخبرك كم كان ثمن شيء ما.
والعقد يخبرك من كان يستطيع امتلاك الأرض.
والشكوى تخبرك كيف تعامل المواطن مع السلطة.
والرسالة تخبرك كيف تحدث الإنسان عندما لم يكن يتوقع أن يسمعه التاريخ.

دعوة إلى العشاء بقيت ألفي عام

في إحدى البرديات نجد دعوة إلى مناسبة زواج.
وفي أخرى قائمة أو حسابًا.
وفي غيرها عقودًا ومشكلات قانونية.
ورقة كان شخص ما يمسكها في يده يومًا عاديًا، ثم يرميها.
هذه هي قوة أوكسيرينخوس.
إنها لا تقدم لنا مصر كما أراد الإمبراطور أن نراها.
ولا كما كتب المؤرخ الرسمي.
بل كما عاشها الناس.
عامل يريد أجره.
امرأة تدير شؤون أسرتها.
مالك يؤجر عقارًا.
مواطن يشكو موظفًا.
تاجر يحصي أمواله.
وأحدهم يريد ببساطة أن يخبر شخصًا آخر:
تعال إلى حفل الزواج.
وتوثق جمعية استكشاف مصر بين المكتشفات بالفعل عقودًا وقوائم يومية ودعوات إلى حفلات زفاف، إلى جانب النصوص الأدبية الكبرى. 
الإنسان العادي الذي لم يكن يملك نصبًا تذكاريًا…
امتلك قصاصة بردي.
وكان ذلك كافيًا.

ثم ظهرت سافو من القمامة

لكن أوكسيرينخوس كانت تخفي مفاجأة أخرى.
بين الفواتير والعقود ظهرت أجزاء من كتب.
ومن بينها أشعار للشاعرة اليونانية سافو.
كانت سافو من أشهر أصوات الشعر في العالم اليوناني القديم، لكن معظم إنتاجها ضاع عبر القرون.
وفي أكوام أوكسيرينخوس ظهرت أجزاء من قصائد لم تكن معروفة للعالم الحديث.
تحتفظ إحدى البرديات بجزء من الكتاب الثاني من أشعارها، يتضمن قصيدة عن زفاف هكتور وأندروماخي في طروادة. 
فكر في المفارقة.
قصيدة كان يمكن أن تُقرأ في مكتبة راقية قبل نحو ألفي عام…
انتهت في مكب نفايات.
ثم كان مكب النفايات هو الذي أنقذها.

ومناندر عاد أيضًا

لم تكن سافو وحدها.
ظهرت في أوكسيرينخوس أجزاء من نصوص شعراء وكتاب يونانيين كثيرين، ومن بينها أعمال كان العالم قد فقدها أو لم يعرف منها إلا القليل.
ومن أبرزهم الكاتب المسرحي مناندر.
كان مناندر أحد أشهر كتاب الكوميديا في العالم اليوناني.
لكن شهرته القديمة لم تعنِ أن كتبه ستنجو.
مثل كثير من المؤلفات الكلاسيكية، اختفت أعماله تدريجيًا عندما توقف الناس عن نسخها.
ثم ساعدت البرديات المصرية، ومنها أوكسيرينخوس، في إعادة أجزاء مهمة من عالمه الأدبي إلينا. وتشمل المجموعة أيضًا نصوصًا لهوميروس وأفلاطون وسوفوكليس وغيرهم. 
وهنا يظهر قانون قاسٍ من قوانين التاريخ:
الكتاب لا يبقى لأنه عظيم.
يبقى لأن سلسلة من البشر تواصل نسخه… أو لأن الصدفة تتدخل.
وفي أوكسيرينخوس تدخلت القمامة.

الكلمات التي أثارت العالم

وفي عام 1897، أثناء الموسم الأول، ظهرت بردية صغيرة احتوت عبارات منسوبة إلى يسوع.
أثارت القطعة اهتمامًا هائلًا.
لم تكن مطابقة ببساطة لنص أحد الأناجيل الأربعة المعروفة.
وفي ذلك الوقت لم يكن العلماء يعرفون على وجه اليقين إلى أي نص تنتمي.
بعد عقود، ومع اكتشاف نسخة قبطية أكثر اكتمالًا في نجع حمادي، أصبح بالإمكان التعرف على تلك العبارات باعتبارها أجزاء من إنجيل توما.
وكانت القطعة من الأهمية بحيث نشرها غرينفيل وهنت بصورة منفصلة سنة 1897 قبل صدور المجلد الأول الرسمي من برديات أوكسيرينخوس. 
لكنها لم تكن النص المسيحي الوحيد.
فالمجموعة تحتوي مخطوطات مبكرة للعهد الجديد، ونسخًا من الترجمة السبعينية، ونصوصًا مسيحية أخرى قانونية وغير قانونية. 
لذلك الأدق أن نتحدث عن «نصوص مسيحية مبكرة» بدل اختزال القصة في «إنجيل مفقود».
فالقصة أعظم من كتاب واحد.
إنها صورة لعالم كانت فيه النصوص ما تزال تُنسخ وتنتقل وتتشكل داخل المجتمعات الأولى.

لغات مدينة عاشت أكثر من حياة

معظم برديات أوكسيرينخوس مكتوبة باليونانية.
وهذا طبيعي بالنسبة إلى مدينة مصرية أصبحت جزءًا من العالم الهلنستي ثم الروماني.
لكن المجموعة تضم أيضًا نصوصًا بلغات أخرى، منها اللاتينية والديموطيقية والقبطية والعربية. وتمتد مواد المجموعة بصورة عامة من العصر البطلمي مرورًا بالروماني والبيزنطي وصولًا إلى بدايات الحكم العربي في مصر. 
وهذا يعني أن المدينة لا تسمح لنا بمشاهدة لحظة واحدة.
بل تحول مجتمع كامل عبر قرون.
لغة الإدارة تتغير.
الأديان تتغير.
أسماء الناس تتغير.
السلطات تتغير.
لكن الناس يواصلون فعل الأشياء نفسها:
يشترون.
يبيعون.
يتزوجون.
يتخاصمون.
ويكتبون.

ومن وجد البرديات فعلًا؟

من السهل في قصص الاكتشافات أن نذكر اسمَي الباحثين الأوروبيين فقط.
لكن المشهد في أوكسيرينخوس كان أوسع.
كانت أعمال التنقيب تعتمد على عشرات، وأحيانًا نحو مئتي عامل مصري، بينهم رجال وأطفال، يقومون بالحفر ونقل الرمال وفرز التراب واستخراج قطع البردي الهشة.
وتحتفظ سجلات جمعية استكشاف مصر بصور كثير من هؤلاء العمال، رغم أن أسماء عدد كبير منهم لم تُسجل. 
هذه أيضًا جزء من قصة المخطوطات.
أحيانًا يبقى اسم من نشر النص.
ويضيع اسم اليد التي أخرجته من الرمل.
وفي سلسلة تبحث عمن يوجد خلف السطور، لا ينبغي أن يمر ذلك من دون أن نراه.

من البهنسا إلى أكسفورد

انتقلت كميات ضخمة من المواد التي عُثر عليها إلى بريطانيا ضمن نظام تقاسم الآثار المعمول به في سياق التنقيبات في ذلك الزمن، بينما بقيت مواد أخرى في مصر وتوزعت أجزاء على مؤسسات مختلفة.
اليوم تعود المجموعة الرئيسية إلى جمعية استكشاف مصر وتوجد في أكسفورد، ولا يزال مشروع نشر برديات أوكسيرينخوس مستمرًا. 
ولذلك فالاكتشاف لم ينتهِ في سنة 1897.
كلما أعاد باحث تركيب قصاصتين…
وكلما عرف اسم كاتب…
وكلما اتضح أن عدة أحرف تنتمي إلى قصيدة مفقودة…
يحدث اكتشاف صغير جديد.

القمامة بوصفها أرشيفًا

تبدو كلمة «قمامة» مهينة عندما توضع إلى جوار الأدب العظيم.
لكن التاريخ لا يهتم بتصنيفاتنا.
ما نعتبره ثمينًا اليوم قد يختفي غدًا.
وما اعتبره شخص قبل ألفي عام عديم القيمة قد يصبح الشيء الوحيد الذي يخبرنا كيف عاش.
في المكتبات القديمة كان هناك اختيار.
شخص ما قرر أن هذا الكتاب يستحق الحفظ.
وفي الأرشيفات الرسمية كان هناك اختيار.
الدولة قررت أن هذه الوثيقة تستحق التسجيل.
أما مكب النفايات فلم يكن ينتقي كثيرًا.
استقبل العظيم والتافه معًا.
قصيدة.
إيصالًا.
شكوى.
رسالة.
عقدًا.
قائمة.
وربما لهذا السبب أعطانا صورة أكثر إنسانية.
لأن الحياة نفسها لا تأتي مرتبة على رفوف.

خلف السطور

في المقال السابق وقفنا أمام برديات هيركولانيوم.
هناك حفظت النار الكتب.
كارثة ضخمة حوّلت المكتبة إلى فحم، ثم تركت لنا طريقًا لقراءتها بعد ألفي سنة.
في أوكسيرينخوس لا توجد تلك الدراما.
لا بركان.
لا لحظة واحدة يتوقف عندها الزمن.
وهذا ربما يجعل قصتها أكثر غرابة.
كان الناس يرمون أوراقهم يومًا بعد يوم.
لا أحد يعرف أن شيئًا مهمًا يحدث.
ثم يغطي الرمل الأوراق.
ويأتي يوم جديد.
وترمى أوراق جديدة فوق القديمة.
قرن بعد قرن.
حتى تتحول الأشياء التي لم تكن تستحق مساحة في منزل أحد إلى أرشيف لحضارة كاملة.
ربما هذا هو الفرق الحقيقي بين المكتبة ومكب القمامة.
في المكتبة نعرف ما الذي أردنا أن يبقى.
أما في القمامة فنكتشف ما الذي كنا عليه فعلًا.

السؤال الأخير

بعد ألفي عام، بقيت أمامنا مئات الآلاف من القصاصات.
وبعضها لم يُقرأ بعد.
ربما تحمل قصيدة لا نعرفها.
وربما رسالة لشخص لم يذكره أي كتاب تاريخ.
وربما مجرد حساب لشراء الحبوب.
لكن بعد أوكسيرينخوس يصبح من الصعب أن نسأل:
أيها أهم؟
فالقصيدة تخبرنا ماذا حلم الإنسان.
والإيصال يخبرنا كيف عاش.
وكلاهما تاريخ.
ولهذا فإن أعظم اكتشاف في أوكسيرينخوس لم يكن سافو، ولا مناندر، ولا نصًا مسيحيًا مبكرًا.
كان الاكتشاف الحقيقي أبسط:

أن الحضارة لا تترك ذاكرتها فقط في الأشياء التي تحرص على حفظها… بل أيضًا في الأشياء التي ترميها.

وفي القمامة…
وجدنا المدينة.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top