NAZA: حين يدخل المدني في حساب الضربة

NAZA: حين يدخل المدني في حساب الضربة

الفيلم الذي لا يسأل فقط مَن قُتل في غزة، بل ماذا كان معروفًا قبل أن تسقط القنبلة

في مهرجان البندقية السينمائي، وقف الجمهور طويلًا بعد انتهاء فيلم NAZA.

لكن المشهد الأكثر أهمية لم يكن في القاعة.

كان على أسطح مبانٍ في تل أبيب، ليلًا، حيث جلس رجال ونساء بوجوه وأصوات جرى تغييرها رقميًا، يروون كيف تعمل — وفق شهاداتهم — منظومة عسكرية لا تبدأ بالضرورة بالقنبلة، بل بالبيانات.

بيانات عن الأشخاص.

عن الهواتف.

عن المنازل.

عن العلاقات.

عن احتمال وجود شخص مطلوب في مكان معين.

ثم، في مرحلة ما من السلسلة، يظهر رقم آخر:

كم مدنيًا قد يموت إذا نُفذت الضربة؟

هنا يبدأ فيلم NAZA الحقيقي.

ليس عندما تنفجر القنبلة.

بل قبل ذلك.


الكلمة التي تحمل الفيلم كله

أخرج الفيلم الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، وهما من المخرجين الأربعة لفيلم No Other Land. عُرض NAZA للمرة الأولى في مهرجان البندقية في 10 سبتمبر/أيلول 2026، ثم حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة. مدته 80 دقيقة، ويعتمد بصورة أساسية على شهادات 24 شخصًا خدموا في أجهزة الاستخبارات أو الجيش الإسرائيلي.

لكن عنوان الفيلم أهم من جائزته.

بحسب صانعيه والتقارير المنشورة عنه، تشير NAZA إلى مصطلح يُستخدم داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية للدلالة على عدد المدنيين المتوقع سقوطهم في هجوم معين؛ أي إن الرقم لا يُحسب بعد الضربة فقط بوصفه حصيلة، وإنما قد يظهر قبلها بوصفه تقديرًا.

وهذا الفارق الصغير في الزمن يغيّر السؤال كله.

عندما يموت مدني لم يكن أحد يعرف أنه موجود في المكان، فنحن أمام خطأ أو قصور استخباراتي محتمل.

أما عندما يكون وجود المدنيين متوقعًا مسبقًا، فإن المسألة تنتقل إلى مستوى مختلف:

مَن قرر أن الهدف العسكري يستحق المخاطرة بحياتهم؟ وبأي معلومات؟ ووفق أي معيار؟

هنا لم نعد نتحدث عن دقة الصاروخ وحدها.

نحن نتحدث عن هندسة القرار.


24 صوتًا من داخل الآلة

لا يقدم NAZA تحقيقًا قائمًا على وثائق عسكرية منشورة يستطيع المشاهد فحصها واحدة واحدة.

مصادره الأساسية مجهولة الهوية.

وهذه نقطة يجب ألا يخفيها أي مقال جاد عن الفيلم.

الشهود يقولون إنهم شاركوا أو اطلعوا على عمليات استخبارات واستهداف، وإن استخدام أدوات حسابية وأنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي سمح بمعالجة كميات هائلة من المعلومات وتسريع إنتاج الأهداف.

وتتضمن الشهادات ادعاءات شديدة الخطورة بشأن مستويات الخسائر المدنية التي كان يمكن توقعها أو قبولها في بعض العمليات. وفي إحدى الشهادات التي نقلتها التقارير عن الفيلم، يزعم مصدر أن ضربة ضد عنصر من حماس كان يمكن أن تُعتمد رغم توقع عدد بالغ الارتفاع من الضحايا المدنيين. هذه شهادة مجهولة المصدر ولم تُثبت قضائيًا بصورة مستقلة، ولذلك يجب التعامل معها باعتبارها ادعاءً يستوجب التحقيق، لا حقيقة قضائية محسومة.

الجيش الإسرائيلي يرفض الصورة التي يقدمها الفيلم.

ويقول إن الروايات القائمة على مصادر مجهولة غير قابلة للتحقق، ويؤكد أن عملياته تخضع لقواعد القانون الدولي وأن الجيش يتخذ تدابير للحد من إصابة المدنيين. كما رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير مضمون الفيلم واتهما صانعيه بتقديم صورة مشوهة لعمل الجيش.

وبين الشهادة والنفي توجد مساحة ينبغي ألا يملأها الانفعال.

بل التحقيق.


لكن NAZA لم يبدأ في 2026

هذه ربما أهم نقطة لفهم الفيلم.

NAZA لا يظهر من فراغ.

فالأسئلة التي يطرحها بدأت تظهر علنًا منذ الأسابيع الأولى للحرب التي أعقبت هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

في ديسمبر/كانون الأول 2023، ظهرت تقارير مفصلة عن نظام إسرائيلي يحمل اسم Habsora — «الإنجيل» أو The Gospel، يستخدم أدوات معالجة متقدمة للمعلومات للمساعدة في إنتاج أهداف محتملة بوتيرة تفوق الأساليب الاستخباراتية التقليدية بكثير.

وكان الجيش الإسرائيلي نفسه قد أعلن في ذلك الوقت أن منظومة تعتمد على الذكاء الاصطناعي تساعد في «إنتاج أهداف بوتيرة سريعة»، مع بقاء التحقق البشري جزءًا من العملية.

ثم ظهر اسم آخر:

Lavender — لافندر.

في أبريل/نيسان 2024 نشر يوفال أبراهام تحقيقًا في +972 Magazine وLocal Call استند إلى ستة مصادر استخباراتية إسرائيلية، وزعم أن النظام ساعد في تصنيف أعداد كبيرة من الفلسطينيين باعتبارهم مشتبهًا في انتمائهم إلى حماس أو الجهاد الإسلامي.

ذهب التحقيق أبعد من مجرد القول إن الذكاء الاصطناعي استُخدم.

قال إن بعض المراجعات البشرية للنتائج أصبحت، وفق المصادر، قصيرة للغاية، وإن ضغط السرعة وإنتاج أعداد كبيرة من الأهداف أدى في بعض الحالات إلى اعتماد توصيات آلية بقدر محدود من الفحص الفردي.

الجيش الإسرائيلي نفى حينها أن يكون Lavender «قائمة اغتيال» آلية، وقال إن أنظمة المعلومات ليست سوى أدوات تساعد المحللين، وإن تحديد الأهداف يظل مسؤولية بشرية تخضع للقانون وقواعد الجيش. ونقلت رويترز هذا الرد في أبريل 2024، مشيرة أيضًا إلى أن الولايات المتحدة قالت آنذاك إنها تبحث التقارير ولم تكن قد تحققت منها بصورة مستقلة.

إذن NAZA لا يقدم قصة ظهرت فجأة في مهرجان سينمائي.

إنه يحاول جمع أجزاء قصة بدأت تتراكم منذ سنوات:

The Gospel.
Lavender.
قواعد البيانات.
الاستخبارات الرقمية.
تقدير الضرر الجانبي.
ثم الإنسان الذي يضغط زر الموافقة.


المشكلة ليست أن الآلة تقتل وحدها

من السهل جدًا اختصار القضية بجملة مثيرة:

«الذكاء الاصطناعي يقرر من يموت».

لكنها قد تكون الجملة الأقل دقة.

لا يوجد في المعلومات المتاحة ما يثبت ببساطة أن جهازًا مستقلاً يختار شخصًا ثم يطلق عليه قنبلة دون تدخل بشري.

المسألة أخطر بطريقة مختلفة.

الذكاء الاصطناعي يمكن أن يغيّر حجم وسرعة وطبيعة سلسلة القرار نفسها.

تخيل منظومة استخباراتية تقليدية.

يراقب محللون شخصًا.

يجمعون معلومات عنه.

يتحققون من هويته.

يحددون مكانه.

يدرسون المبنى.

يقدّرون وجود المدنيين.

ثم تُرفع التوصية عبر سلسلة من المراجعات.

هناك حدود مادية لعدد الملفات التي يستطيع البشر التعامل معها.

لكن ماذا يحدث عندما تستطيع الخوارزمية تحليل ملايين الإشارات بسرعة؟

فجأة، لا يعود السؤال:

كم هدفًا نستطيع العثور عليه؟

بل:

كم هدفًا نستطيع معالجة بياناته في الساعة؟

وهذه نقلة عميقة جدًا.

لأنها تنقل عنق الزجاجة من إنتاج الهدف إلى اعتماد الهدف.

وحين تصل المئات أو الآلاف من التوصيات إلى الإنسان، يظهر خطر جديد:

ألا يصبح الإنسان الذي يفترض أنه يراقب الآلة مجرد محطة سريعة لتأكيد ما أنتجته؟


«الإنسان داخل الحلقة» قد لا يكون كافيًا

هذه المسألة لا تخص إسرائيل وحدها.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر تحذر منذ سنوات من ظاهرة تسمى Automation Bias — تحيز الأتمتة.

أي ميل الإنسان إلى الثقة بتوصية الآلة لمجرد أنها ناتجة عن نظام تقني معقد يبدو أكثر قدرة على معالجة البيانات منه.

وقد حذرت اللجنة في 2026 من أن أنظمة دعم القرار العسكري المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد تزيد سرعة وحجم العمليات، وأن الضغط الزمني قد يدفع المستخدم إلى التصديق شبه التلقائي على نتائج النظام بدل ممارسة حكم مستقل عليها.

وهنا تظهر مفارقة غريبة.

لقد افترضنا طويلًا أن وجود الإنسان في دائرة القرار يمثل الضمان الأخلاقي النهائي:

Human in the loop.

لكن السؤال الذي يطرحه عصر الذكاء الاصطناعي مختلف:

ماذا لو بقي الإنسان داخل الحلقة جسديًا، لكنه لم يعد يمتلك الوقت أو المعلومات أو الاستقلال الحقيقي لمراجعة ما تقترحه الآلة؟

يمكن أن يكون هناك ضابط أمام الشاشة.

يمكن أن تكون هناك موافقة بشرية.

يمكن أن يكون هناك توقيع.

ومع ذلك قد تكون الخوارزمية قد حددت مسبقًا شكل القرار الذي سيصدر.

عندها يصبح السؤال ليس:

هل يوجد إنسان في الحلقة؟

بل:

كم بقي من الإنسان داخل الحلقة؟


المدني ليس رقمًا قانونيًا

هنا ينبغي التوقف عند نقطة غالبًا ما تُساء قراءتها.

القانون الدولي الإنساني لا يقول إن سقوط المدنيين في الحرب ممنوع في كل الظروف.

لكنه يضع قيودًا أساسية على الهجوم، أبرزها مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات.

يجب التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين والأعيان المدنية.

ويُحظر الهجوم عندما يكون الضرر العرضي المتوقع للمدنيين مفرطًا مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.

كما يجب اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب الضرر المدني أو تقليله.

لكن «التناسب» لا يعني وجود جدول يقول:

مقاتل مهم = يسمح بعشرة مدنيين.

قائد أكبر = يسمح بمئة.

القانون لا يقدم معادلة حسابية ثابتة من هذا النوع.

التقييم يجب أن يكون مرتبطًا بظروف الهجوم المحدد والمعلومات المتاحة في حينه والميزة العسكرية المتوقعة والضرر المتوقع والبدائل الممكنة.

ولهذا تشدد اللجنة الدولية للصليب الأحمر على أن أداة حساب الضرر قد تساعد القائد، لكنها لا تستطيع إصدار الحكم القانوني نيابة عنه.

وهنا يصبح اسم NAZA، إن كانت شهادات الفيلم دقيقة، أكثر من مجرد اختصار عسكري.

إنه يصبح رمزًا لمشكلة أكبر:

ما الذي يحدث عندما تتحول عملية قانونية وأخلاقية معقدة إلى رقم ظاهر على شاشة؟


الرقم مفيد… وخطير

الجيوش تحتاج إلى الأرقام.

هذه حقيقة لا يمكن تجاهلها.

يجب تقدير نصف قطر الانفجار.

قوة السلاح.

نوع المبنى.

عدد السكان المحتمل وجودهم.

الوقت.

حركة المدنيين.

ومقدار الضرر المتوقع.

بل إن تحسين هذه الحسابات يمكن، من حيث المبدأ، أن ينقذ أرواحًا.

وتقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر نفسها إن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تساعد على تجميع معلومات أكبر عن وجود المدنيين أو اختيار وسائل هجوم تقلل الضرر عندما تُستخدم بصورة مسؤولة.

إذن المشكلة ليست الحساب.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الحساب من أداة للتحذير من الضرر إلى آلية لتطبيع الضرر.

هناك فرق هائل بين شاشة تقول للقائد:

«يوجد عشرون مدنيًا هنا، ابحث عن طريقة أخرى.»

وبين عقل تنظيمي يعتاد رؤية الجملة نفسها بهذه الطريقة:

«يوجد عشرون مدنيًا هنا، هل يقع الرقم داخل الحد المقبول؟»

الأرقام نفسها.

لكن الفلسفة مختلفة تمامًا.


المصنع

ربما تكون الكلمة الأكثر دلالة في التقارير التي سبقت NAZA هي:

Factory — مصنع.

في التحقيقات السابقة، وصف بعض العاملين في منظومة إنتاج الأهداف العملية بأنها تشبه المصنع، بسبب الضغط المستمر لتوليد أهداف جديدة وبوتيرة مرتفعة. وفي 2023 نقلت تقارير أنظمة تستطيع توليد أعداد من التوصيات في يوم واحد تفوق كثيرًا ما كان المحللون يستطيعون إنتاجه يدويًا في السابق.

هذه ليست مجرد زيادة في الكفاءة.

إنها تغير طبيعة الحرب.

عندما تستطيع الدولة إنتاج الهدف بسرعة أكبر، تصبح قدرتها على ضرب أهداف أكثر خلال فترة زمنية قصيرة أعلى.

لكن القدرة التقنية لا تجيب وحدها عن السؤال الأخلاقي:

هل كل هدف يمكن العثور عليه يجب أن يُضرب؟

التكنولوجيا تجيب عن:

«أين؟»

«متى؟»

«من؟»

«ما احتمال وجوده هناك؟»

لكنها لا تستطيع أن تمنح معنى كاملاً للسؤال:

هل ينبغي فعل ذلك؟


لماذا تُقصف المنازل؟

من بين أكثر عناصر التحقيقات السابقة والفيلم إثارة للنقاش، الحديث عن استهداف مشتبه بهم عندما يكونون في منازلهم.

ومن الناحية الاستخباراتية يمكن فهم سبب ذلك.

المنزل مكان يمكن توقع وجود الشخص فيه.

الهاتف يعود.

العائلة موجودة.

الحركة تصبح قابلة للرصد.

الخوارزمية تحب الأنماط.

لكن هنا تظهر المفارقة:

المكان الذي يجعل الإنسان أسهل في العثور عليه قد يكون أيضًا المكان الذي يجعل قتله أكثر خطرًا على المدنيين.

فالمقاتل الذي يتحرك وحده قد يكون أصعب في الرصد.

أما عندما يعود إلى منزله فقد يصبح تحديد موقعه أسهل، لكنه يكون قرب زوجته وأطفاله وجيرانه.

إذا أصبحت سهولة تحديد الموقع عاملًا أساسيًا في توقيت الهجوم، فقد يؤدي ذلك — بحسب كيفية تطبيق السياسة — إلى تعارض حاد بين اليقين الاستخباراتي بشأن الهدف والخطر الإنساني المحيط به.

وهذه واحدة من أعقد المسائل التي يثيرها NAZA.


ولكن: من يروي القصة؟

هناك مشكلة منهجية لا يجوز تجاوزها.

أحد مخرجي الفيلم، يوفال أبراهام، هو نفسه الصحفي الذي نشر جانبًا أساسيًا من التحقيقات السابقة حول Lavender.

والـGuardian ليست جهة تنقل الفيلم فقط؛ هي إحدى الجهات المنتجة له. ويقول مهرجان البندقية صراحة إن عددًا من اكتشافات الفيلم نُشر في السابق من خلال تحقيقات شاركت فيها Guardian و+972 وLocal Call.

هذا لا يبطل العمل.

لكنه يعني أن الفيلم ليس تحققًا مستقلًا تمامًا من رواية صحفية سابقة.

إنه، جزئيًا، امتداد بصري وتحقيقي لها.

ثم هناك المصادر المجهولة.

إخفاء هوية العاملين في أجهزة استخبارات أمر مفهوم عندما تكون المخاطر القانونية والمهنية كبيرة.

لكن إخفاء الهوية يحرم الجمهور أيضًا من إمكانية تقييم مواقعهم داخل المؤسسة ومعرفة حجم اطلاع كل منهم على القرارات التي يصفها.

وهذه ثغرة لا يمكن للفيلم نفسه أن يلغيها.

إذن الموقف الجاد ليس:

«الفيلم أثبت كل شيء.»

ولا:

«المصادر مجهولة إذن كل شيء كذب.»

الموقف الأكثر صرامة هو:

لدينا مجموعة كبيرة من الشهادات الداخلية المتقاطعة مع تحقيقات سابقة، تقابلها إنكارات رسمية. بعض الادعاءات يمكن مقارنتها بوقائع وممارسات معلنة، وبعضها الآخر يحتاج إلى وصول مستقل إلى الوثائق وسلاسل القرار لتثبيته.

وهذا بالضبط ما يجعل الموضوع يستحق التحقيق بدل إغلاقه.


لماذا NAZA مهم حتى لو لم نشاهد الفيلم بعد؟

لأن السؤال الذي يطرحه تجاوز غزة أصلًا.

الحرب الحالية قد تكون واحدة من أوائل الحروب التي أصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءًا واضحًا من النقاش العالمي حول إنتاج الأهداف على نطاق واسع.

لكنها بالتأكيد لن تكون الأخيرة.

كل جيش متقدم تقريبًا يريد شيئًا واحدًا:

رؤية أسرع.

تحليل أسرع.

قرار أسرع.

هدف أسرع.

والذكاء الاصطناعي يستطيع توفير ذلك.

ما لا يستطيع توفيره هو ضمان أن القرار الأسرع سيكون القرار الأفضل.

وفي دراسة منشورة في International Review of the Red Cross عام 2025، حُذّر تحديدًا من أن تحويل تقييم الضرر والتناسب إلى عمليات كمية قد يؤدي إلى تآكل الحكم الإنساني والسياقي الضروري في قرارات الاستهداف.

وهذه ربما هي القضية الكبرى التي ستخرج من غزة إلى حروب المستقبل.

ليس «الروبوت القاتل» الذي تخيلته أفلام الخيال العلمي.

بل شيء أكثر اعتيادية بكثير:

إنسان.

شاشة.

قاعدة بيانات.

خوارزمية.

توصية.

مؤشر ثقة.

تقدير للخسائر.

وزر موافقة.


السؤال الذي يتركه الفيلم

منذ اختراع الطائرة، حاول الإنسان زيادة المسافة بينه وبين ساحة القتال.

ثم جاءت الصواريخ بعيدة المدى.

ثم الطائرات المسيّرة.

ثم الأقمار الصناعية.

ثم المراقبة الرقمية.

والآن يدخل الذكاء الاصطناعي بين الإنسان والهدف.

كل خطوة تجعل الحرب أكثر قدرة على الرؤية من بعيد.

لكنها قد تجعل الإنسان الذي يتخذ القرار أبعد أيضًا عن الإنسان الذي سيقع عليه أثره.

ولهذا فإن القضية التي يطرحها NAZA لا تختصر في السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أكثر دقة من الإنسان؟

فقد يكون أكثر دقة فعلًا في أشياء كثيرة.

السؤال الأصعب هو:

ماذا نفعل بهذه الدقة؟

إذا أخبرتك الآلة، بثقة عالية، أن الشخص الذي تبحث عنه موجود في المنزل، فهذا نجاح استخباراتي.

وإذا أخبرتك في الوقت نفسه أن أطفالًا موجودون معه، فقد منحتك معلومة ثانية.

التكنولوجيا انتهى دورها هنا.

ما يأتي بعد ذلك ليس مسألة ذكاء اصطناعي.

إنه قرار بشري.


ما وراء NAZA

ربما لهذا السبب لا ينبغي قراءة الفيلم بوصفه فيلمًا عن إسرائيل وحدها.

إسرائيل هي الحالة التي يصورها.

غزة هي المكان الذي وقعت فيه الأحداث التي يحقق فيها.

لكن المسألة التي يكشفها أوسع بكثير.

الجيوش المقبلة ستعرف عن أهدافها أكثر مما عرفه أي جيش سابق.

سترى الهواتف.

الحركة.

الوجوه.

شبكات العلاقات.

الرسائل.

الأنماط اليومية.

وستستطيع الأنظمة ربط هذه المعلومات خلال ثوانٍ.

وسنحتاج عندها إلى قاعدة تبدو بسيطة، لكنها ستصبح أكثر صعوبة كلما أصبحت الآلات أكثر قدرة:

كلما ازدادت قدرتنا على اتخاذ قرار القتل بسرعة، ازدادت حاجتنا إلى القدرة على التوقف قبل اتخاذه.

لأن أخطر ما قد يفعله الذكاء الاصطناعي في الحرب ليس أن ينتزع القرار من الإنسان.

قد يكون أخطر ما يفعله هو أن يجعل للإنسان القرار نفسه أسهل، وأسرع، وأكثر اعتيادًا.

وهنا يكمن السؤال الذي سيبقى بعد أن تنتهي أضواء البندقية، وبعد أن يتوقف الجدل حول الفيلم نفسه:

عندما نستطيع حساب عدد المدنيين الذين قد يموتون قبل سقوط القنبلة، هل يجعلنا ذلك أكثر قدرة على حمايتهم… أم أكثر قدرة على قبول موتهم؟

والإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط كيف سنقرأ ما جرى في غزة.

قد تحدد شكل الحرب في القرن الحادي والعشرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top