أبناء نهر الأردن
الشعوب التي لم تكن تعرف الحدود
الأردن: مملكة الزمن
على ضفتي الشريعة عبر الناس والجيوش والحجاج والتجار، قبل أن ترسم السياسة خطًا في الماء.
كان الرجل الذي وقف عند النهر قبل آلاف السنين يحتاج إلى شيء واحد فقط كي يعبره: أن يجد موضعًا ينخفض فيه الماء.
لم يكن يحمل جواز سفر.
لم يكن يسأل عن اسم الدولة الموجودة على الضفة الأخرى.
ولم يكن النهر يعرف أنه يفصل بين شرق وغرب.
كان يعرف شيئًا أبسط بكثير: أن الماء يأتي من الشمال، يلتف بين الأشجار والطين، ثم يمضي جنوبًا نحو البحر الميت.
وحوله كان البشر يفعلون ما فعله البشر دائمًا: يشربون، يزرعون، يتاجرون، يتقاتلون، يتزوجون، يهاجرون، يبنون مدنهم، يهدمونها، ثم يتركون فوق ترابها طبقة جديدة لمن يأتي بعدهم.
لهذا فإن الحديث عن «أبناء نهر الأردن» لا يعني البحث عن شعب واحد خرج من الماء، ولا عن سلالة يمكن رسمها على شجرة نسب.
إنه اسم مجازي لكل أولئك الذين جعل النهر جزءًا من حياتهم.
من عاشوا عنده.
ومن عبروه.
ومن قاتلوا من أجله.
ومن حجّوا إليه.
ومن اضطروا، في زمن لاحق، إلى الوقوف أمام جسر وانتظار الإذن كي يصلوا إلى الضفة الأخرى.
وهنا تبدأ حكايتنا.
كيف تحوّل نهر عبرته الشعوب آلاف السنين إلى خط يفصل بينها؟
يجب أولًا أن نزيل سوء فهم قد يصنعه عنوان جميل.
الشعوب القديمة عرفت التخوم ومناطق النفوذ والسيطرة، لكنها لم تعرف الحدود الحديثة التي جعلت النهر خطًا سياسيًا فاصلًا. النهر كان موردًا ومعبرًا، لا جدارًا.
كانت هناك ممالك.
وكانت هناك حروب.
وكان الملوك يعرفون أين تبدأ سلطتهم وأين تصبح سلطة الملك الآخر أقوى.
لكن الخط المستقيم المرسوم على خريطة، المرتبط بجواز سفر ونقطة حدود وجمارك وسيادة دولة قومية، هو ابن زمن أحدث بكثير.
لذلك فإن القول إن شعوب النهر «لم تكن تعرف الحدود» لا يعني أنها عاشت في عالم بلا سياسة، بل يعني أن علاقتها بالنهر سبقت النظام السياسي الذي حوّله إلى حد دولي.
وهذا الفرق هو مفتاح المقال كله.
قبل أن يكون هناك أردني وفلسطيني
إذا أزلنا أسماء الدول الحديثة من الخريطة ونظرنا إلى الوادي وحده، فسوف تظهر أمامنا حقيقة أقدم بكثير:
الناس كانوا هنا قبل الأسماء.
منطقة وادي الأردن من أقدم مناطق الاستيطان البشري في المشرق. وتشير الشواهد الأثرية إلى وجود مجتمعات مستقرة في أريحا منذ الألف التاسع قبل الميلاد، كما تكشف مواقع شرقي النهر وجنوبه عن قرى زراعية واستيطان كثيف في عصور ما قبل التاريخ. وتظهر طبقات مواقع مثل طبقة فحل كيف استمر حضور الإنسان في المنطقة من عصور ما قبل التاريخ مرورًا بالعصر البرونزي والحديدي والهلنستي والروماني والبيزنطي والإسلامي.
هذه المعلومة تغيّر طريقة النظر إلى النهر.
فهو لم يكن طريقًا مرّت به الحضارات بعد أن ظهرت.
النهر نفسه كان أحد الأسباب التي جعلت البشر يختارون هذا الوادي ليعيشوا فيه.
الماء.
الأرض القابلة للزراعة.
الأودية النازلة من المرتفعات.
المراعي.
الينابيع.
والممر الطبيعي الطويل بين الشمال والجنوب.
قبل أن تصبح الأرض قضية سياسية، كانت أولًا جوابًا عن سؤال أكثر بدائية:
أين نستطيع أن نعيش؟
القرى سبقت الممالك
كان أول أبناء النهر الذين نعرفهم من الآثار أقل اهتمامًا بتسجيل أسمائهم من اهتمامهم بالبقاء.
لم يتركوا لنا بيانات سياسية.
تركوا حجارة.
وأدوات صوان.
وبيوتًا.
وقبورًا.
وفخارًا.
وبقايا حبوب.
وكل طبقة ترابية تقول شيئًا بسيطًا:
كان إنسان هنا.
ثم بدأت القرى تكبر.
وتحول بعضها إلى مدن.
وأصبحت المدن جزءًا من عالم بلاد الشام في العصر البرونزي، تتصل بمراكز أخرى بالتجارة والزراعة والصناعة.
في طبقة فحل مثلًا، تكشف الآثار عن مدينة محصنة في العصر البرونزي، وعن بضائع وصلتها من مصر وسوريا وقبرص، وهي شهادة صغيرة لكنها مهمة: سكان الوادي لم يكونوا محاصرين داخله؛ كانوا جزءًا من شبكة أوسع من الحركة والتبادل عبر شرق المتوسط.
ومن هنا يبدأ معنى آخر للنهر.
الماء الذي يبدو على الخريطة خطًا يمكن أن يفصل أرضين، كان بالنسبة للتاجر القديم طريقًا يجب اجتيازه كي تكتمل الرحلة.
حين ظهرت أسماء الشعوب
ومع الانتقال إلى العصور التاريخية، تبدأ الأسماء التي نعرفها بالظهور أكثر وضوحًا.
على جانبي الوادي وفي المرتفعات المحيطة به عاش الكنعانيون ومجتمعات بلاد الشام الجنوبية، ثم ظهرت كيانات وممالك العصر الحديدي: إسرائيل شمالًا وغربًا، ويهوذا إلى الجنوب الغربي، وعمون في المرتفعات الشرقية، ومؤاب جنوبها، وأدوم أبعد إلى الجنوب.
لكن الخريطة القديمة لم تكن لوحة ألوان ساكنة.
تبدلت موازين القوى.
تغيرت العواصم.
تقدمت الجيوش وتراجعت.
اختفت ممالك وظهرت أخرى.
وتداخل سكان المناطق الحدودية بدرجة تجعل محاولة رسم هوية بشرية نقية لكل ضفة ممارسة حديثة أكثر منها وصفًا لعالم قديم.
كان النهر في بعض الأزمنة تخمًا سياسيًا.
وفي أزمنة أخرى كان داخل مجال سياسي واحد.
وفي أزمنة ثالثة كانت السيطرة على المعابر أهم من السيطرة على الماء نفسه.
لذلك فإن أفضل طريقة لفهم أبناء النهر ليست أن نسأل:
من كان يملك الضفة؟
بل:
من كان يعبرها؟
المعبر أهم من الخط
من يراقب تاريخ نهر الأردن طويلًا يكتشف أن الكلمة الأكثر تكرارًا ليست «الحدود».
إنها العبور.
العابر قد يكون راعيًا.
أو تاجرًا.
أو جيشًا.
أو لاجئًا.
أو حاجًا.
أو رسولًا بين مدينتين.
وهنا يصبح معنى الاسم العربي القديم للنهر — الشريعة — جميلًا على نحو خاص؛ فقد استُخدم الاسم للنهر بوصفه موردًا للماء، وظلت هذه التسمية حاضرة في الجغرافيا العربية قرونًا.
فالذي يقصد «الشريعة» لا يذهب إلى جدار.
يذهب إلى الماء.
النهر الذي دخل الكتب المقدسة
لكن نهر الأردن لم يبق نهرًا للزراعة والتجارة والحرب فقط.
دخل الذاكرة الدينية.
في الرواية الكتابية أصبح العبور رمزًا للانتقال إلى أرض أخرى، وارتبط النهر بقصص الأنبياء والعبور والتطهير.
ثم جاءت المسيحية وأضافت إلى ذاكرته واحدة من أكثر لحظاته تأثيرًا في التاريخ الديني العالمي.
على الضفة الشرقية للنهر، شمال البحر الميت، يقع المغطس — بيت عنيا عبر الأردن، الذي أدرجته اليونسكو على قائمة التراث العالمي سنة 2015، وتعتبره غالبية الكنائس المسيحية موضع معمودية السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان. وتكشف بقايا الكنائس والبرك والأديرة والكهوف عن أجيال من الرهبان والحجاج الذين قصدوا المكان عبر قرون طويلة.
وهنا حدث تحول شديد الأهمية.
لم يعد الإنسان يعبر النهر فقط كي يصل إلى مكان.
أصبح يأتي من أماكن بعيدة كي يصل إلى النهر نفسه.
تحوّل الماء إلى ذاكرة.
وأصبح المكان مقصدًا للعالم.
مدن لم تسأل النهر عن جنسيته
في القرون الهلنستية والرومانية والبيزنطية، ازدهرت حول الوادي شبكة من المدن والطرق.
كانت طبقة فحل — بيلا — واحدة من مدن الديكابوليس، وعلى المرتفعات الشمالية كانت جدارا، وفي المحيط الأوسع مدن جرش وفيلادلفيا وغيرها.
لم يكن النهر في ذلك العالم الحد الفاصل بين «شرق» و«غرب» بالمعنى الوطني الحديث.
كانت المدن مرتبطة بشبكات تجارة وطرق وإدارة وإمبراطورية تتجاوز الوادي.
طبقة فحل نفسها تختصر آلاف السنين بصورة نادرة: مدينة من العصر البرونزي، ثم هلنستية، ورومانية وبيزنطية، ثم مدينة استمرت في العصر الإسلامي.
يمكن تغيير الحاكم.
يمكن تغيير لغة الإدارة.
يمكن بناء معبد ثم كنيسة ثم مسجد.
لكن الفلاح يحتاج إلى الماء نفسه.
والتاجر يبحث عن الطريق نفسه.
والمسافر يبحث عن المعبر نفسه.
الإمبراطوريات كانت تتغير أسرع من الجغرافيا.
جاء العرب… وبقي الوادي
ومع الفتح العربي الإسلامي تغيرت السلطة مرة أخرى، لكن وادي الأردن لم يفقد وظيفته.
بقي جزءًا من بلاد الشام، متصلًا بدمشق وفلسطين والمرتفعات الشرقية.
مرّت فيه الطرق والقوافل والجيوش.
وعاشت فيه القرى الزراعية.
وظلت المدن القديمة تتغير بدل أن تختفي دفعة واحدة.
لم يكن الناس الذين عاشوا في تلك القرون يستيقظون كل صباح وهم يشعرون أنهم يعيشون فوق «خط حضارات».
كانوا يعيشون حياتهم العادية.
يزرعون.
يسقون.
ينقلون المحاصيل.
يتزوجون من قرية أخرى.
ويرحلون عندما يصبح الأمن أسوأ أو الماء أقل أو الضرائب أثقل.
التاريخ الذي نضع له أسماء كبيرة كان بالنسبة إليهم حياة يومية.
وهذا هو الإنسان الذي نبحث عنه في «الأردن: مملكة الزمن».
ليس الملك وحده.
بل الرجل الذي ظل يزرع بعد أن تغير اسم الملك.
العثماني الذي لم يحتج جوازًا لعبور النهر
في العصر العثماني ظلت ضفتا الأردن داخل فضاء سياسي إمبراطوري واحد، وإن خضعت المناطق في أوقات مختلفة لترتيبات إدارية متفاوتة.
كانت هناك ولايات وألوية وأقضية.
وكانت هناك ضرائب ونقاط سلطة.
لكن النهر لم يكن حدودًا دولية بين دولتين قوميتين مستقلتين.
كانت الحركة بين شرق الأردن وفلسطين جزءًا من حركة أوسع داخل بلاد الشام.
العشائر تتحرك.
التجار يعبرون.
الحجاج يسافرون.
والقرابة البشرية لا تتوقف عند الماء.
ثم جاء القرن العشرون.
وهنا تغير معنى النهر.
اليوم الذي دخل فيه الخط إلى الماء
لم يكن النهر بحاجة إلى أن يتغير.
الذي تغير هو الخريطة.
بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، بدأت القوى المنتصرة تعيد ترتيب المنطقة ضمن الانتدابات والكيانات السياسية الجديدة.
وفي سنة 1922 أصبح نهر الأردن جزءًا محددًا بوضوح من الفصل الإداري بين فلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب البريطاني.
ونصت المذكرة المتعلقة بتطبيق الانتداب على شرق الأردن على خط يمتد في وسط وادي عربة والبحر الميت ثم وسط نهر الأردن حتى التقائه باليرموك.
تبدو العبارة قانونية وجافة.
لكن أثرها التاريخي هائل.
للمرة الأولى في قصة هذا المقال يصبح بالإمكان أن تنظر إلى مجرى الماء نفسه وتقول:
هنا جهة سياسية، وهناك جهة سياسية أخرى.
لم يُبنَ جدار.
لم يتوقف النهر.
لم يتغير اتجاه الماء.
لكن شيئًا غير مرئي وُضع فوقه:
الحد.
النهر الذي لم يستطع أن يبقى خارج السياسة
ثم جاءت حرب 1948، فتغيرت الخريطة مرة أخرى.
أصبحت الضفة الغربية تحت الإدارة ثم الضم الأردني، فيما بقيت قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي مفتوحين. وبين 1948 و1967 لم يؤدِّ النهر عمليًا الوظيفة نفسها التي رسمها له التقسيم الإداري السابق، لأن المملكة الأردنية كانت تدير أراضي على جانبيه، مع بقاء وضع تلك الترتيبات موضوعًا سياسيًا ودوليًا معقدًا.
ثم جاءت حرب حزيران 1967.
احتلت إسرائيل الضفة الغربية، وأصبح النهر من جديد خطًا شديد الحساسية بين الأردن والأرض الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
لكن هذه المرة لم يكن الخط مرسومًا في وثيقة فقط.
دخل إلى حياة الناس.
عائلات على جانبي النهر.
بيوت على ضفتين.
أقارب أصبح الوصول إليهم يحتاج إلى معبر ووثيقة وتصريح.
النهر الذي اعتاد البشر عبوره أصبح شيئًا يقفون أمامه.
الجسر الذي اختصر قرونًا
وهنا يظهر واحد من أكثر المشاهد دلالة في تاريخ النهر الحديث:
الجسر.
الجسر، في جوهره، اعتراف بأن الفصل لا يستطيع إلغاء الحاجة إلى الاتصال.
فحتى عندما أصبح النهر حدًا، كان لا بد من ترك أماكن للعبور.
اليوم يعبر الناس بين الأردن والضفة الغربية عبر جسر الملك حسين/اللنبي ضمن ترتيبات حدودية وأمنية معقدة.
المشهد يحمل مفارقة تاريخية كاملة.
قبل آلاف السنين كان الإنسان يبحث عن مكان ضحل في الماء.
اليوم قد يحمل حقيبة وجوازًا وتصريحًا، ويمر عبر أجهزة ونقاط تفتيش وإجراءات دولة كاملة لكي يقطع المسافة نفسها تقريبًا.
لم يصبح النهر أعرض.
أصبح العالم حوله أكثر تعقيدًا.
1994: حين صار مجرى الماء نصًا قانونيًا
في 26 أكتوبر 1994 وقّع الأردن وإسرائيل معاهدة السلام.
حددت المعاهدة الحدود الدولية بين الدولتين بالرجوع إلى تعريف الحدود في فترة الانتداب، ونص ملحقها بالنسبة لنهرَي الأردن واليرموك على أن خط الحدود يتبع وسط المجرى الرئيسي للمياه، مع أحكام تتعلق بالتغيرات الطبيعية في مجرى النهر. كما نصت المعاهدة صراحة على أن تحديد الحدود لا يخل بوضع الأراضي التي خضعت للحكم العسكري الإسرائيلي منذ 1967.
وهنا تصل قصة المقال إلى ذروتها.
الماء الذي لم يكن يعرف أين تنتهي مملكة وتبدأ أخرى أصبح مجراه نفسه مادة قانونية.
إذا تحرك النهر طبيعيًا، أصبحت حركة الماء ذات معنى حدودي.
إنها واحدة من أغرب التحولات التي يمكن أن تصيب مكانًا طبيعيًا:
أن يتحول الجريان إلى سيادة.
لكن هل استطاعت الحدود أن تقسم ذاكرة النهر؟
لا.
وهذه ليست جملة رومانسية.
إنها حقيقة تاريخية.
فالآثار موجودة على الضفتين.
والروايات الدينية تعبر النهر.
والطرق القديمة تعبره.
والمدن القديمة تنظر بعضها إلى بعض عبر الوادي.
والعائلات والذاكرة واللهجات والطعام والزراعة لا يمكن تقسيمها بخط على خريطة بالدقة نفسها التي يمكن بها تقسيم الأرض.
وهذا لا يعني إنكار الدول الحديثة أو الحدود أو الصراعات التي صنعتها.
بل يعني أن التاريخ أقدم منها.
عندما ننظر إلى النهر من ارتفاع كبير — كما في غلاف هذا المقال — يصعب معرفة في أي نقطة بالضبط يتغير الإنسان من «هنا» إلى «هناك».
نرى الماء.
ونرى الأرض.
ونرى آثار الاستيطان.
أما الخط السياسي فلا يظهر إلا إذا أضفناه نحن.
من هم إذن أبناء نهر الأردن؟
ليسوا شعبًا واحدًا.
وليسوا عرقًا واحدًا.
ولا دينًا واحدًا.
ولا دولة واحدة.
إنهم طبقات.
الصياد القديم.
الفلاح الأول.
ساكن المدينة الكنعانية.
الرجل الذي عاش زمن ممالك العصر الحديدي.
التاجر الذي وصلته بضاعة من مصر أو قبرص.
الجندي الروماني.
الراهب البيزنطي.
الحاج المسيحي.
الفلاح العربي.
التاجر الشامي.
البدوي الذي كان يرد الماء.
الفلسطيني.
الأردني.
واليوم، الطفل الذي ينظر من نافذة سيارة تعبر الجسر ولا يعرف أن البشر أمضوا آلاف السنين يعبرون المكان نفسه قبله.
كل واحد منهم ابن لحظة مختلفة.
لكن النهر واحد.
النهر كان هنا أولًا
ربما لهذا يبدو نهر الأردن أكبر من حجمه الجغرافي.
ليس لأنه من أطول أنهار العالم.
ولا لأنه يحمل أكبر كمية من الماء.
بل لأن مساحة صغيرة كهذه استطاعت أن تحمل فوقها قدرًا هائلًا من التاريخ البشري.
عند هذا النهر قامت قرى ومدن.
مرت ممالك وإمبراطوريات.
دخلت قصصه الكتب المقدسة.
جاءه الحجاج.
عبرته الجيوش.
انهارت حوله دول.
وولدت دول أخرى.
ثم جاء رسام الخرائط ووضع قلمه فوق الماء.
لكن هناك حقيقة واحدة لم تتغير:
النهر لم يبدأ عند الحدود.
الحدود وصلت إليه متأخرة.
كان يجري قبلها.
وكان البشر يعبرونه قبلها.
وسيظل الماء، مهما أصبحت السياسة معقدة، يفعل ما فعله دائمًا:
ينزل من الشمال.
يمر بين الضفتين.
ولا يحمل جواز سفر.
كانت الشعوب تعبر النهر قبل أن تتعلم الدول كيف ترسمه على الخريطة؛ وحين صار خطًا يفصل بينها، بقيت الذاكرة تعبره.
وهكذا تكتمل الثنائية:
«نهر الأردن» يحكي سيرة المكان.
«أبناء نهر الأردن» يحكي ما فعله المكان بالإنسان — وما فعله الإنسان بالمكان.

