اليوم الأخير في بومبي
المدينة التي حفظها ما دمّرها
على جدار غير مكتمل في أحد بيوت بومبي، بقي أثر صغير لا يشبه الكوارث.
كتابة بالفحم.
شخص ما دوّن شيئًا عابرًا في السابع عشر من أكتوبر عام 79 للميلاد.
لم يكن يعرف أنه يترك خلفه دليلًا سيقرأه علماء بعد نحو ألفي عام.
ولم يكن يعرف أن هذه الكلمات العابرة ستدخل لاحقًا في نقاش تاريخ اليوم الذي ثار فيه جبل فيزوف.
فنحن نعرف السنة: 79 للميلاد.
أما اليوم والشهر الدقيقان، فليسا محسومين بالدرجة التي توحي بها بعض الكتب القديمة. ظل الرابع والعشرون من أغسطس التاريخ التقليدي الأشهر، بينما دفعت اكتشافات أثرية حديثة العلماء إلى إعادة مناقشة احتمال وقوع الكارثة في الخريف.
لكن شيئًا واحدًا لا يحتاج إلى خلاف:
في ذلك العام، توقفت حياة مدينة رومانية كاملة تقريبًا، وبدأت حياتها الثانية تحت الأرض.
مدينة لم تكن تنتظر أن تصبح أثرًا
بومبي لم تكن أطلالًا قبل فيزوف.
كانت مدينة.
شوارع وحوانيت وبيوت وحمامات عامة ومعابد وورش ومطاعم صغيرة.
أشخاص يشترون ويبيعون.
أعمال ترميم تجري في بعض المنازل.
جدران تُطلى.
أطعمة تُخزن.
وعلاقات بشرية لا نعرف منها اليوم إلا ما تركته على الجدران والأرضيات والأواني.
هذه التفاصيل هي التي تجعل قصة بومبي مختلفة عن قصة مدينة دمرتها كارثة وانتهى الأمر.
فنحن لا ننظر إليها من بعيد.
ندخل البيوت.
نرى المطابخ.
نقرأ الكتابات على الجدران.
ونجد أشياء تبدو كما لو أن أصحابها سيعودون إليها بعد قليل.
لكنهم لم يعودوا.
السماء التي بدأت تسقط
بدأ الثوران بقذف كميات هائلة من المواد البركانية إلى السماء.
ثم أخذ الخفاف والرماد يتساقطان على المدينة.
وهنا يجب تصحيح إحدى الصور الشائعة عن بومبي.
لم يجتاح المدينة نهر من الحمم البركانية كما تُصوّر الكارثة أحيانًا.
كان الخطر الأول مختلفًا.
تراكمت كميات كبيرة من الخفاف فوق الأسطح وفي الشوارع.
ازداد الوزن.
وبدأت بعض الأسقف والجدران في الانهيار.
كان على السكان اتخاذ قرار لا يمكننا معرفة كيف اتخذه كل واحد منهم:
هل يهرب؟
أم يبقى داخل البيت؟
في الخارج تتساقط المواد البركانية.
وفي الداخل قد يصبح السقف نفسه قاتلًا.
وتدل الأدلة الأثرية على أن بعض الضحايا ماتوا خلال هذه المرحلة تحت الانهيارات.
أما آخرون فحاولوا الفرار.
وبعضهم انتظر.
لم تكن الكارثة لحظة واحدة
هذه نقطة أخرى مهمة.
الصورة الشعبية لبومبي هي أن المدينة «تجمدت في ثانية».
لكن الأدلة تخبرنا بقصة أطول.
الثوران مر بمراحل.
تساقط الخفاف والرماد استمر ساعات، ثم جاءت مرحلة أكثر فتكًا.
وصلت إلى بومبي تيارات فتاتية بركانية كثيفة وسريعة وشديدة الحرارة، تحمل الغاز والرماد والمواد البركانية.
بالنسبة إلى كثير ممن ظلوا في المدينة حتى تلك المرحلة، تقلصت فرص النجاة إلى حدودها الدنيا.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الحرارة الشديدة لهذه التيارات لعبت دورًا أساسيًا في قتل عدد من الضحايا.
وهكذا لم تمت بومبي بالطريقة نفسها في كل أحيائها، ولم يمت سكانها جميعًا بالطريقة نفسها.
بعضهم سقط تحت الأنقاض.
بعضهم حاول الهرب.
وبعضهم بقي حتى وصلت المرحلة الأخيرة من الكارثة.
والمدينة التي نراها اليوم هي حصيلة هذه الساعات، لا صورة ملتقطة في ثانية واحدة.
ثم اختفت المدينة
عندما هدأ فيزوف، كانت بومبي مدفونة تحت طبقات من المواد البركانية.
لكن المفارقة بدأت هنا.
فالشيء الذي دمّر المدينة ساعد أيضًا على حفظها.
الرماد والخفاف والمواد التي غطت الشوارع والبيوت حجبت أجزاء واسعة منها عن العالم الخارجي.
ومرت القرون.
سقطت الإمبراطوريات.
تغيرت اللغات.
بُنيت مدن واختفت أخرى.
وبقيت بومبي في مكانها.
تحت الأرض.
حتى بدأت الحفريات الحديثة تكشفها تدريجيًا.
وظهر شيء نادر في علم الآثار:
ليس قصر ملك فقط.
وليس قبرًا عظيمًا.
بل أجزاء واسعة من مدينة عادية كان يعيش فيها أناس عاديون.
وهذا ربما هو سر قوة بومبي الحقيقية.
الأجساد التي ليست أجسادًا
من أشهر صور بومبي أشكال بشرية تبدو كما لو أن أصحابها تحولوا إلى حجر لحظة موتهم.
لكن هذا ليس ما حدث.
لم تتحول أجساد سكان بومبي إلى تماثيل.
بعد دفن الضحايا، تحللت الأنسجة مع مرور الزمن، وبقيت داخل طبقات الرماد المتصلبة فراغات تحمل شكل الأجساد التي كانت موجودة هناك.
وفي القرن التاسع عشر أدرك عالم الآثار الإيطالي جوزيبي فيوريلي أنه يستطيع استخدام هذه الفراغات بطريقة مختلفة.
ابتداءً من عام 1863، جرى صب الجص داخل بعضها.
وعندما تصلب الجص وأزيلت المواد المحيطة به، ظهر الشكل الذي تركه الجسد.
انحناءة ظهر.
يد.
قدم.
ثنية في الملابس.
وضعية إنسان في لحظة موته.
ولهذا فإن القوالب التي نراها اليوم ليست أجسادًا متحجرة.
إنها أثر الفراغ الذي تركه الجسد.
وربما لا توجد مفارقة أكثر قسوة من ذلك:
الغياب نفسه أصبح شيئًا يمكن رؤيته.
مدينة من الأشياء الصغيرة
لكن بومبي ليست قصة الموت وحده.
لو كانت كذلك لتحولت إلى معرض لكارثة قديمة.
قيمتها الحقيقية تكمن في الحياة التي سبقت الكارثة.
في البيوت التي احتفظت بزخارفها.
في الأواني.
في الكتابات على الجدران.
في المحال.
في أماكن الطعام.
في الشوارع التي ما زالت تحمل آثار حركة البشر.
هذه الأشياء لا تحكي لنا قصة إمبراطور واحد أو معركة واحدة.
تحكي عن الناس الذين لا يظهرون عادة في كتب التاريخ.
البائع.
الحرفي.
صاحب الحانة.
العامل.
الطفل.
العبد.
صاحب البيت.
والشخص الذي أخذ قطعة فحم وكتب جملة عابرة على جدار لم يكن قد اكتمل بعد.
ما نعرفه وما نتخيله
بومبي مادة مثالية للخيال.
ولذلك يسهل جدًا أن نملأ فراغاتها بقصص لم تحدث.
أن نقول إن شخصًا كان يتجادل مع جاره قبل موته.
أو إن عائلة كانت جالسة حول المائدة.
أو أن عاشقًا كان ينتظر حبيبته.
كل ذلك ممكن.
لكن الممكن ليس تاريخًا.
ما لدينا أقوى من التخيل.
لدينا طبقات الأرض.
المنازل.
العظام.
القوالب.
الأشياء.
والرسائل القديمة التي وصفت الثوران من مسافة بعيدة.
وهذه الأدلة تسمح لنا بأن نقترب من اللحظة، لكنها لا تسمح لنا بأن نخترع أفكار الأشخاص الذين عاشوها.
وهنا يجب أن يتوقف السرد ويبدأ احترام التاريخ.
المفارقة الكبرى
أراد فيزوف، إن جاز التعبير، أن يمحو المدينة.
لكنه ساهم في حفظها.
لو استمرت الحياة في بومبي مئات السنين الأخرى، لهُدمت البيوت وبُني فوقها غيرها، وتغيرت الشوارع، واختفت آلاف الأشياء اليومية التي نراها اليوم.
لكن الكارثة قطعت هذا المسار.
فبقيت المدينة مدفونة داخل زمنها.
ولهذا لا تعطينا بومبي صورة كاملة عن الحياة الرومانية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها نموذجًا لكل مدينة رومانية.
لكنها تمنحنا شيئًا نادرًا:
مقطعًا واسعًا من حياة مدينة واحدة في القرن الأول للميلاد.
خلف السطور
حين ننظر إلى أحد قوالب ضحايا بومبي، يسهل أن نفكر في الموت.
لكن ربما توجد قراءة أخرى.
ذلك الشكل لم يصل إلينا لأن الجسد بقي.
بل لأن الجسد اختفى.
ترك فراغًا.
ثم جاء إنسان بعد قرابة ثمانية عشر قرنًا وملأ ذلك الفراغ بالجص.
فأصبح الغياب مرئيًا.
وهنا تكمن مفارقة بومبي كلها.
المدينة التي محتها الكارثة من عالم الأحياء، أعادتها الكارثة نفسها إلى التاريخ.
لم يحفظ فيزوف سكانها.
لكنه حفظ آثار خطواتهم.
بيوتهم.
كتاباتهم.
وأماكنهم.
وفي النهاية لم يصبح أهم ما بقي من بومبي قصور الأقوياء ولا خطب الحكام.
بل تفاصيل أشخاص لم يعرفوا أنهم يعيشون يومًا سيظل البشر يحاولون قراءته بعد ألفي عام.
مصادر للاستزادة
متنزه بومبي الأثري — الدراسات والتوثيق الرسمي للقوالب والضحايا وطبقات الثوران.
رسائل بلينيوس الأصغر إلى تاسيتوس حول ثوران فيزوف.
الدراسات البركانية الحديثة حول مراحل ثوران فيزوف سنة 79م وتأثير الخفاف والتيارات الفتاتية على بومبي.
أبحاث بومبي الحديثة حول تاريخ الثوران والنقش الفحمي المؤرخ في 17 أكتوبر.

