هل يمكن للفلسطيني أن ينسى فلسطين؟

هل يمكن للفلسطيني أن ينسى فلسطين؟
حين يصبح الوطن أبعد من أن يُرى… وأقرب من أن يُنسى

يبدو السؤال، للوهلة الأولى، محاطاً بإجابة جاهزة.
لكن التاريخ لا يحب الإجابات الجاهزة.
إنه يترك الزمن يفعل ما يفعله دائماً؛ يباعد بين الأشياء، ويغيّر الوجوه، ويبدّل المدن، ويأتي بجيل لم يرَ ما رآه الجيل الذي سبقه.
فهل يمكن للإنسان أن ينسى مكاناً لم يعد يعيش فيه؟
وماذا يحدث حين يتدخل الزمن بين الإنسان والبيت؟
الجيل الأول خرج وهو يعرف شكل الباب.
يعرف الطريق إليه، ورائحة التراب حوله، وصوت المفتاح حين يدور في القفل.
خرج من مكان عاش فيه، لا من صورة سمع عنها.
ثم جاء الجيل الثاني.
وُلد بعيداً.
لم يلمس الجدار، ولم يفتح الباب، ولم يعرف الطريق المؤدي إلى البيت إلا من كلام أبيه، أو صورة قديمة، أو حكاية تتكرر في المساء.
ثم جاء الثالث.
وربما الرابع.
وُلدوا في مدن أخرى، وتعلموا في مدارس أخرى، ونظروا إلى خريطة فلسطين كما ينظر الطفل إلى مكان لم يزره من قبل.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل تُورَّث الذاكرة كما تُورَّث الأرض؟
فالذي عاش في حيفا لا يتذكرها كالذي وُلد في عمّان.
والذي وُلد في عمّان لا يتخيلها كالذي سمع عنها من جدته في سانتياغو أو شيكاغو.
كل جيل يبتعد خطوة عن المكان.
لكن ربما لا يبتعد بالقدر نفسه عن الحكاية.
في البداية كان البيت مكاناً.
ثم صار صورة.
ثم صار حكاية.
ثم صار اسماً.
ثم، بعد سنوات طويلة، صار سؤالاً.
وربما هنا تكمن المفارقة.
فالزمن يستطيع أن يمحو تفاصيل كثيرة.
قد ينسى الإنسان لون الباب.
قد تضيع ملامح الطريق.
قد تتغير أسماء الشوارع.
وقد لا يبقى أحد ممن عاش في البيت قادراً على وصف نافذته الأخيرة.
لكن شيئاً آخر قد يبقى.
ليس البيت كما كان.
بل أثره.
ذلك الشيء الغريب الذي يجعل إنساناً وُلد بعيداً يشعر أن مكاناً لم يره قط ينتمي، بطريقة ما، إلى قصته.
وهنا يصبح النسيان أكثر تعقيداً.
فربما لا تنتقل الذاكرة من جيل إلى آخر بالصورة نفسها.
لا تنتقل كاملة.
ولا تبقى ثابتة.
إنها تتغير.
البيت الذي كان جداراً عند الجد، يصبح صورة عند الابن، وحكاية عند الحفيد، وربما اسماً عند حفيد الحفيد.
لكن الاسم وحده قد يكفي أحياناً لفتح باب لا نراه.
ولهذا ربما لم تعد المسألة:
هل يتذكر الفلسطيني بيته كما كان؟
فهو، في بعض الأحيان، لا يستطيع.
المسألة الأبعد هي:
هل يستطيع أن ينسى أنه كان هناك بيت؟
قد تضيع الصورة.
وقد يبهت الصوت.
وقد يتغير المكان حتى لا يشبه ما في الذاكرة.
لكن الحكاية تظل قادرة على الانتقال.
من فم إلى فم.
ومن صورة إلى صورة.
ومن مفتاح إلى يد.
ومن يد إلى أخرى.
حتى يأتي جيل لا يعرف أين كان الباب، ولا كيف كانت النافذة، ولا كم كانت المسافة بين البيت وشجرة الزيتون.
ومع ذلك…
يعرف أن هناك بيتاً كان ذات يوم.
وهنا، ربما، يصبح الوطن شيئاً آخر.
ليس المكان الذي تستطيع أن تشير إليه بإصبعك على الخريطة.
ولا الجدار الذي تستطيع أن تلمسه بيدك.
بل الشيء الذي يبقى حين لا يعود بإمكانك أن تفعل أياً من ذلك.
ولهذا قد يكون السؤال الأصعب ليس:
هل يمكن للفلسطيني أن ينسى فلسطين؟
بل:
ماذا يبقى من فلسطين حين يبدأ آخر من عاش فيها بالنسيان؟
ربما يبقى البيت.
لكن ليس بالطريقة التي كان عليها.
يبقى في حكاية.
وفي اسم.
وفي صورة باهتة.
وفي مفتاح لا يفتح باباً.
وفي طفل يسمع للمرة الأولى اسم قرية لم يرها قط، ثم يسأل:
أين كانت؟
وربما يكون ذلك السؤال نفسه…
هو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top