ابن بطوطة — العالم كان متصلًا قبل العولمة
خرج حاجًا إلى مكة، فاكتشف شبكة من المدن والموانئ والطرق تمتد من المغرب إلى الهند والصين
في سنة 1325 خرج شاب في الحادية والعشرين من عمره من طنجة.
لم يكن على رأس بعثة ملكية.
ولم يحمل أمرًا باكتشاف أرض جديدة.
ولم تكن وراءه دولة تمول رحلة بحث عن الذهب أو التوابل.
كان يريد الذهاب إلى مكة.
اسمه محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، الذي سيعرفه التاريخ باسم ابن بطوطة.
غادر المغرب في رحلة حج كان يمكن أن تنتهي بعد أشهر.
لكنها لم تنتهِ.
فالطريق الذي حمله إلى مكة فتح أمامه طرقًا أخرى، ثم مدنًا أخرى، ثم بحارًا لم يكن قد رأها.
وبدل أن يعود إلى طنجة، أمضى سنوات طويلة متنقلًا بين شمال إفريقيا والشرق الأوسط وشرق إفريقيا وآسيا الوسطى والهند وجنوب شرق آسيا، ووصل في روايته إلى الصين، ثم عاد لاحقًا ليسافر إلى الأندلس وغرب إفريقيا.
ماركو بولو أظهر لأوروبا أن وراء الشرق عالمًا واسعًا.
أما ابن بطوطة فقد كشف شيئًا مختلفًا:
أن ذلك العالم كان متصلًا بالفعل.
—
لم يبدأ كمستكشف
من الخطأ أن ننظر إلى ابن بطوطة كما ننظر لاحقًا إلى كولومبوس أو فاسكو دا غاما.
لم يكن مشروعه في البداية استكشاف طريق تجاري جديد.
كان حاجًا.
الحج إلى مكة كان قد صنع عبر القرون شبكة هائلة من الطرق التي تتحرك فيها القوافل من المغرب ومصر والشام والعراق واليمن ومناطق أبعد.
وعلى هذه الطرق لم يتحرك الحجاج فقط.
كان التجار يسافرون معهم.
والعلماء.
والفقهاء.
والرسل.
والأخبار.
والكتب.
والأموال.
كانت مكة مقصدًا دينيًا، لكنها كانت أيضًا نقطة التقاء بشر قدموا من أجزاء شاسعة من العالم المعروف.
وهنا اكتشف ابن بطوطة شيئًا سيغير حياته:
الوصول إلى مدينة لا يعني أن الطريق انتهى.
قد يعني أنك وجدت طريقًا جديدًا.
—
من طنجة إلى القاهرة
تحرك ابن بطوطة شرقًا عبر شمال إفريقيا، مارًا بمدن ومحطات للقوافل حتى وصل إلى مصر.
وكانت القاهرة في القرن الرابع عشر واحدة من أعظم مدن المنطقة.
من هناك كان يمكن للمسافر أن يرى شبكة الطرق تتفرع أمامه.
شمالًا نحو الشام.
جنوبًا باتجاه البحر الأحمر.
شرقًا نحو الحجاز.
ومن الموانئ تنفتح طرق أخرى على البحر.
لم تكن هناك «شبكة عالمية» بالمفهوم الحديث، لكن الإنسان يستطيع، إذا امتلك الوقت والمال والعلاقات والقدرة على تحمل الخطر، الانتقال بين مناطق تفصلها آلاف الكيلومترات.
وهذا ما فعله ابن بطوطة.
—
جواز سفر لم يكن ورقة
كان ابن بطوطة يمتلك ميزة مهمة.
كان مسلمًا متعلمًا في الفقه المالكي.
وفي مساحة واسعة تمتد من شمال إفريقيا إلى أجزاء من آسيا، كان يستطيع الوصول إلى مجتمعات تشترك معه في الدين وبعض المؤسسات والعادات.
لم تكن تلك البلاد دولة واحدة، ولم تكن لغاتها أو ثقافاتها متطابقة.
لكن المساجد والمدارس والقضاة والعلماء وشبكات الضيافة والأوقاف كانت تمنح مسافرًا مثله نقاط اتصال متكررة.
كان يستطيع الوصول إلى مدينة بعيدة والعثور على عالم يعرف فيه معنى القاضي، والمسجد، والمدرسة، والحج.
وفي زمن لم يكن فيه جواز سفر حديث أو شبكة فنادق عالمية، كان الانتماء إلى هذه البنية الثقافية والدينية نوعًا من البنية التحتية للسفر.
ولهذا استطاع رجل من طنجة أن يصل إلى الهند ويعمل هناك قاضيًا.
—
المحيط الهندي قبل وصول البرتغاليين
هنا تصبح رحلة ابن بطوطة شديدة الأهمية لسلسلتنا.
عندما وصل الأوروبيون إلى المحيط الهندي بحرًا في نهاية القرن الخامس عشر، لم يجدوا بحرًا فارغًا ينتظرهم.
وجدوا عالمًا تجاريًا قديمًا.
كانت الموانئ على سواحل شرق إفريقيا وشبه الجزيرة العربية والهند وجنوب شرق آسيا والصين مرتبطة بحركة السفن والتجار منذ قرون. وتوضح اليونسكو أن الطرق البحرية كانت جزءًا أساسيًا من شبكات طرق الحرير، وأن التجارة البحرية بين شبه الجزيرة العربية والصين تعود إلى قرون قبل عصر الاستكشافات الأوروبية.
وابن بطوطة شاهد هذا العالم وهو يعمل.
—
كيلوا: مدينة إفريقية تنظر إلى المحيط
في ثلاثينيات القرن الرابع عشر وصل ابن بطوطة إلى كيلوا على الساحل الشرقي لإفريقيا.
واليوم قد يبدو موقعها بعيدًا عن المراكز التقليدية التي نضعها على خريطة التاريخ.
لكن كيلوا لم تكن هامشًا.
كانت جزءًا من شبكة المحيط الهندي.
ازدهرت من خلال التجارة التي ربطت شرق إفريقيا بالجزيرة العربية والهند والصين، وكانت سلع مثل الذهب والعاج تتحرك منها مقابل سلع ومنتجات قادمة من مناطق بعيدة. وقد وصفها ابن بطوطة بإعجاب عندما زارها عام 1331 أو 1332.
وهذا المشهد وحده يغيّر الطريقة التي نرى بها العالم قبل عصر الاستكشافات.
قبل أن تظهر السفن البرتغالية في المحيط الهندي بأكثر من قرن، كانت الموانئ الإفريقية جزءًا من تجارة دولية واسعة.
—
عالم تحركه الرياح
في البحر لم يكن الطريق يُرسم على الأرض.
كان يُرسم في السماء.
تجار المحيط الهندي تعلموا منذ زمن طويل الاستفادة من أنظمة الرياح الموسمية.
تأتي الرياح في موسم باتجاه، ثم تتغير في موسم آخر.
وبالنسبة للتاجر، قد يعني ذلك أن السفينة تصل إلى ميناء لكنها لا تستطيع العودة فورًا.
عليها أن تنتظر.
وهكذا أصبحت الموانئ أماكن يعيش فيها التجار شهورًا أحيانًا.
يشترون.
ويبيعون.
ويتزوج بعضهم.
ويتبادلون اللغات والعادات والمعلومات.
ومن هنا لم تعد التجارة مجرد نقل بضائع.
كانت تصنع مجتمعات كاملة على الشواطئ.
—
الهند: حين تحول المسافر إلى قاضٍ
وصل ابن بطوطة إلى الهند في عهد السلطان محمد بن تغلق، حاكم سلطنة دلهي.
ولم يبقَ مجرد رحالة يمر بالمدينة.
عيّنه السلطان قاضيًا.
إنها واحدة من أكثر لحظات الرحلة دلالة.
رجل ولد على الساحل المغربي يستطيع أن يعبر آلاف الكيلومترات، ثم يجد أن تعليمه القانوني يمنحه قيمة مهنية في بلاط يقع في الهند.
هذه ليست عولمة بالمفهوم الحديث.
لكنها تكشف عالمًا امتلك شبكاته الخاصة لنقل المعرفة والوظائف والناس.
لم تكن البضائع وحدها تتحرك.
الكفاءات البشرية كانت تتحرك أيضًا.
—
الطريق ليس دائمًا آمنًا
لكن من السهل أن تجعل المسافات الطويلة الرحلة تبدو رومانسية.
لم تكن كذلك دائمًا.
واجه ابن بطوطة أخطار البحر والمرض والسرقة والصراعات السياسية وتغير الحكام.
السفينة قد تتحطم.
والقافلة قد تتعرض للهجوم.
والحاكم الذي يمنحك المال اليوم قد يغضب منك غدًا.
وقد تجد نفسك في مدينة لا تعرف متى تستطيع مغادرتها.
عالم التجارة كان متصلًا، لكنه لم يكن عالمًا آمنًا.
الاتصال لا يلغي المسافة.
فقط يجعل عبورها ممكنًا.
—
من الهند إلى الجزر
واصل ابن بطوطة رحلاته إلى جزر المالديف وسريلانكا ومناطق في جنوب شرق آسيا.
وفي المالديف عمل أيضًا في القضاء، تاركًا وصفًا للمجتمع والحياة والعادات كما رآها.
ومن هناك استمر شرقًا.
ثم تأتي أكثر مراحل رحلته التي أثارت نقاشًا:
الصين.
—
هل وصل ابن بطوطة فعلًا إلى الصين؟
تنسب «الرحلة» إلى ابن بطوطة زيارة الصين، وتورد أوصافًا لمدنها وصناعاتها وتنظيمها.
وتعامل كثير من المؤرخين مع الرحلة الصينية بوصفها جزءًا من أسفاره، بينما ناقش باحثون مدى اعتماده في بعض التفاصيل على معلومات سمعها من مسافرين آخرين.
وهذا لا يختلف كثيرًا عن المشكلة التي واجهناها مع ماركو بولو.
أدب الرحلات في العصور الوسطى ليس تسجيلًا بالكاميرا.
المسافر يرى.
ويسمع.
ويتذكر.
ثم تُكتب الرواية بعد ذلك.
لذلك لا نحتاج إلى تحويل ابن بطوطة إلى شاهد معصوم حتى ندرك قيمة كتابه.
قيمة «الرحلة» أنها تمنحنا واحدة من أغنى النوافذ على العالم الذي تحرك فيه إنسان من القرن الرابع عشر.
وتذكر مصادر اليونسكو رحلاته إلى أماكن امتدت من القسطنطينية وكيلوا وكاليكوت إلى الصين، ثم إلى غرب إفريقيا.
—
لماذا كان العالم مفتوحًا أمامه؟
لأن الطرق سبقته.
هذه هي الفكرة المحورية.
نحن نتذكر الرحالة، لكن الرحالة لا يستطيع السفر بلا عالم يسمح بالسفر.
كل خطوة لابن بطوطة اعتمدت على شيء موجود قبله:
قافلة.
ميناء.
طريق.
سفينة.
خان.
مسجد.
سوق.
مترجم.
تاجر.
حاكم.
أو شخص يعرف الطريق إلى المدينة التالية.
وكما كانت الخانات ومحطات القوافل تساعد التجار على الطرق البرية، كانت الموانئ تؤدي الوظيفة نفسها تقريبًا على الطرق البحرية: الطعام والماء والتجارة والمعلومات والاستعداد للمرحلة التالية.
الرحالة الشهير كان يتحرك فوق بنية صنعها آلاف الأشخاص الذين لا نعرف أسماءهم.
—
ماركو بولو وابن بطوطة: صورتان لعالم واحد
هنا يلتقي المقالان الأولان من سلسلتنا.
ماركو بولو خرج من البندقية نحو آسيا في القرن الثالث عشر.
وابن بطوطة خرج من طنجة في القرن الرابع عشر.
اختلف الرجلان في الدين واللغة والبيئة والدافع والطريق.
لكن كليهما كشف شيئًا واحدًا:
أوراسيا وإفريقيا لم تكونا عوالم منفصلة تمامًا.
كانت التجارة قد ربطت مدنًا تفصل بينها الصحارى والجبال والبحار.
وتؤكد دراسة طرق الحرير أنها لم تكن طريقًا منفردًا، بل شبكة طويلة من المسارات البرية والبحرية حملت البضائع والأديان والمعرفة والثقافات بين مجتمعات واسعة.
لكن هناك فرقًا مهمًا.
ماركو بولو جعل قارئًا أوروبيًا يرى ثراء الشرق.
ابن بطوطة يجعلنا نرى كيف كان ذلك العالم يعمل من الداخل.
—
عاد إلى المغرب… ثم خرج مرة أخرى
بعد سنوات طويلة من السفر، عاد ابن بطوطة إلى المغرب.
كان يمكن أن تكون القصة قد انتهت هنا.
لكن الرجل الذي خرج ذات يوم للحج لم يعد قادرًا على البقاء طويلًا في مكان واحد.
ذهب إلى الأندلس.
ثم اتجه جنوبًا عبر الصحراء الكبرى نحو إمبراطورية مالي.
وهناك دخل عالمًا تجاريًا آخر.
عالم الذهب.
—
الصحراء لم تكن فراغًا
على الخرائط قد تبدو الصحراء الكبرى مساحة هائلة فارغة تفصل شمال إفريقيا عن غربها.
لكن التجارة حولتها إلى طريق.
كانت القوافل تحمل الملح والذهب وسلعًا أخرى بين مناطق الساحل وشمال إفريقيا.
وكانت مدن غرب إفريقيا جزءًا من شبكات اقتصادية تمتد خارج حدودها بكثير.
وهكذا تكمل رحلة ابن بطوطة دائرة مهمة في قصتنا.
من طرق شمال إفريقيا إلى مكة.
ومن المحيط الهندي إلى الصين.
ثم من المغرب عبر الصحراء نحو مالي.
العالم لم يكن شبكة واحدة متجانسة.
كان شبكات عديدة تتقاطع.
—
الرجل والكتاب
بعد عودته النهائية إلى المغرب، أمر السلطان المريني أبو عنان فارس بتسجيل أخبار أسفاره.
وتولى الأديب ابن جزي الكلبي صياغة الرواية اعتمادًا على ما أملاه ابن بطوطة وما توفر له من مادة.
ومن هنا وصلتنا «الرحلة».
وهذا يعني مرة أخرى أننا لا نقرأ دفترًا كتبه المسافر كل مساء أثناء الطريق.
نقرأ نصًا تشكل بعد الرحلات.
فيه الذاكرة والمشاهدة والخبر والأدب.
ولذلك يجب أن نستخدمه بحذر.
لكن من دون هذا الكتاب، كان جزء كبير من تفاصيل العالم الذي مر به سيصبح أكثر صمتًا بالنسبة إلينا.
—
المفارقة
ماركو بولو وابن بطوطة مشهوران اليوم بوصفهما رحالتين عظيمين.
لكن ربما تخفي شهرتهما الحقيقة الأكبر.
العجيب لم يكن أن رجلين استطاعا قطع هذه المسافات.
العجيب أن العالم كان يمتلك أصلًا شبكة من الطرق والموانئ والمدن جعلت ذلك ممكنًا.
كان هناك نظام للتجارة العالمية قبل أن توجد عبارة «التجارة العالمية».
كانت الأخبار تعبر القارات قبل الصحيفة.
وكانت البضائع تصل إلى أسواق تبعد آلاف الكيلومترات عن مكان إنتاجها قبل السفينة البخارية والقطار والطائرة.
العالم لم يكن ينتظر أوروبا حتى تربطه.
كان مرتبطًا بالفعل.
—
المعنى المتأخر
وهنا نقترب من نقطة التحول الكبرى في سلسلتنا.
في القرن الرابع عشر استطاع ابن بطوطة أن يتحرك داخل عالم تجاري يمتد من المغرب إلى المحيط الهندي وما وراءه.
لكن بعد نحو قرن ستبدأ قوة جديدة في الاقتراب من هذه الشبكة.
لن تأتي على ظهر جمل.
ولن تدخلها باعتبارها مجرد مجموعة أخرى من التجار.
ستأتي بالسفن والمدافع.
البرتغال.
وسيبدأ السؤال الذي كان تجاريًا يتحول إلى مشروع استراتيجي:
لماذا نشتري بضائع الشرق عبر الطرق القائمة إذا استطعنا الوصول إلى مصدرها بأنفسنا؟
هناك ستبدأ المرحلة التالية.
ليس اكتشاف عالم مجهول.
بل محاولة السيطرة على الطرق التي كانت موجودة أصلًا.
وهكذا يقودنا ابن بطوطة مباشرة إلى المقال التالي:
لماذا خرج الأوروبيون إلى البحر؟
هناك سنجمع الخيوط التي شاهدناها حتى الآن: التوابل والذهب، طرق القوافل، موانئ المحيط الهندي، الوسطاء، المنافسة بين الدول، الدين، وتطور السفينة والملاحة.
وسنرى كيف تحول البحث عن سلعة في سوق بعيد إلى سباق سيعيد رسم خريطة العالم.
مصادر ومراجع
UNESCO — Silk Roads Programme.
UNESCO World Heritage Centre — Silk Roads.
UNESCO World Heritage Centre — Kilwa Kisiwani and Songo Mnara.
موسوعة Encyclopaedia Britannica — Ibn Battuta.
«تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» المعروفة بـ«رحلة ابن بطوطة».

