الحسن بن الهيثم
العقل الذي أبصر في العتمة
في القاهرة، في مطلع القرن الحادي عشر، كان رجلٌ يجلس خلف جدرانٍ أُريد لها أن تكون عزلة.
تتواتر الروايات حول ما جرى: عالمٌ تعهّد بضبط جريان النيل، ثم اكتشف أن ما تخيله ممكنًا يتجاوز ما تسمح به أدوات عصره، فخشي غضب الحاكم بأمر الله، وقيل إنه ادّعى الجنون ليتفادى بطشه، ففُرضت عليه الإقامة في منزله.
لكن التاريخ أحيانًا يضع الإنسان في المكان الذي لم يختره، ثم يكتشف الإنسان أن المكان نفسه كان يخفي له طريقًا لم يكن ليراه في الحرية.
كانت الغرفة هادئة.
والخارج يمضي كالمعتاد.
أما ابن الهيثم، فلم يكن يملك إلا عينيه، وعقله، ووقتًا طويلًا لا يعرف متى ينتهي.
فنظر إلى الشيء الذي لا يستطيع الإنسان أن يمسكه بيده: الضوء.
كان الناس يرون العالم منذ آلاف السنين، لكن رؤية العالم لم تكن تعني بالضرورة فهم كيف تحدث الرؤية.
كانت تصورات قديمة ترى أن العين تبعث شيئًا نحو الأشياء، أو أن الإبصار يحدث بطريقة لم تكن قد خضعت بعد لاختبارٍ تجريبي صارم.
وهنا بدأ السؤال…
ليس: ماذا نرى؟
بل: كيف نرى؟
قد يبدو السؤال بسيطًا الآن، لكنه في زمن ابن الهيثم كان كافيًا لفتح بابٍ كامل في جدار المعرفة.
درس الضوء، والانعكاس، والانكسار، والرؤية، واستخدم الملاحظة والتجربة والرياضيات لا لكي يصدق ما قيل قبله، ولا لكي يرفضه لمجرد أنه قديم، وإنما لكي يختبره.
فالتراث، في نظر العقل الحي، ليس سجنًا يجب هدمه، ولا معبدًا يجب السجود له؛ إنه نقطة بداية.
وفي تجاربه على الضوء، درس مبدأ الغرفة المظلمة؛ ذلك المبدأ الذي يسمح للضوء الداخل من فتحة صغيرة أن يرسم صورة مقلوبة للعالم على السطح المقابل.
كانت الصورة تقول شيئًا بالغ الأهمية:
العين لا تخترع العالم… والضوء لا يأتي من العين ليبحث عن الأشياء… بل يأتي من العالم إلى العين.
شيءٌ يبدو بديهيًا لنا اليوم، كان يحتاج آنذاك إلى عقلٍ مستعد لأن يشك في أكثر الأشياء ألفة.
وهنا تكمن قيمة ابن الهيثم: لم يكن إنجازه أنه عرف الضوء فحسب، بل كان إنجازه أنه غيّر الطريقة التي نسأل بها عن الضوء.
فالمعرفة لا تبدأ دائمًا من الإجابة، بل تبدأ أحيانًا من اللحظة التي نكتشف فيها أن السؤال الذي ورثناه كان خاطئًا.
ولهذا لم يكن الشك عند ابن الهيثم دعوة إلى إنكار الحقيقة، بل كان وسيلة لحمايتها.
أن تقول: “لا أعرف بعد”، أصعب أحيانًا من أن تقول: “أنا أعرف”.
فالجهل الصريح يترك الباب مفتوحًا، أما اليقين الزائف فيغلقه.
ومن هنا جاءت أهمية منهجه: ملاحظة، ثم سؤال، ثم تجربة، ثم برهان.
لا لأن العين تكذب دائمًا، بل لأن الإنسان قد يخطئ في تفسير ما تراه العين.
وهذه مسافة صغيرة بين الرؤية والفهم، لكنها المسافة التي يمكن أن تضيع فيها أممٌ كاملة.
خرج ابن الهيثم من عزلته بعد سنوات، تاركًا وراءه واحدًا من أهم الأعمال في تاريخ دراسة الضوء والإبصار: كتاب المناظر.
لكن ما بقي منه لم يكن مجرد صفحات عن الأشعة والعدسات والمرايا… كان شيئًا أكبر: كان درسًا في كيفية التعامل مع الحقيقة.
فقد سبق ابن الهيثم كثيرين في إدراك حقيقة بسيطة وعميقة:
ليس كل ما يبدو واضحًا صحيحًا، وليس كل ما ورثناه يستحق أن يبقى يقينًا.
ولهذا تبدو صورته اليوم أكثر من صورة عالمٍ ينظر في الضوء؛ إنها صورة عقلٍ يتعلم كيف ينظر إلى نفسه.
- العين ترى.
- العقل يشك.
- والتجربة تختبر.
ثم تأتي الحقيقة، لا لأنها قيلت قديمًا، ولا لأن صاحبها كان عظيمًا، بل لأنها استطاعت أن تصمد أمام السؤال.
وهنا تبدأ المرآة.
لأن قصة ابن الهيثم لا تنتهي عند الضوء، بل تبدأ منه:
كم من صورةٍ نراها اليوم ونظنها حقيقة، فقط لأن الضوء الذي نقلها إلينا كان مألوفًا؟
كم فكرةٍ دخلت عقولنا ونحن أطفال، ثم كبرت معنا حتى نسينا أن نسألها من أين جاءت؟
وكم يقينٍ نحميه لا لأنه صحيح، بل لأنه وصل إلينا قبل أن نمتلك شجاعة السؤال؟
ربما لهذا كانت عتمة ابن الهيثم أقل ظلمة مما تبدو.
فالغرفة التي أُغلقت عليه لم تمنعه من رؤية العالم؛ لقد أعطته وقتًا ليتساءل عن الطريقة التي يرى بها العالم.
أما العتمة الحقيقية، فلم تكن حوله…
كانت في كل فكرةٍ دخلت العقل مرةً، ثم مُنحت حق البقاء… لمجرد أنها دخلته قبلنا.

