ناجي العلي — الطفل الذي لم يكبر
كان يمكن لرسام الكاريكاتير أن يرسم رجلًا غاضبًا.
أو سياسيًا.
أو بندقية.
أو خريطة.
لكن ناجي العلي اختار شيئًا أكثر بساطة وأشد قسوة:
طفلًا.
طفلًا نحيلًا، صغيرًا، يقف دائمًا وظهره إلى العالم.
لا يتكلم.
لا يبتسم.
ولا يكبر.
سمّاه حنظلة.
ومنذ ظهوره، لم يعد حنظلة مجرد شخصية في رسم كاريكاتيري. أصبح شاهدًا صامتًا على وطن غائب، وطفولة توقفت عند لحظة الاقتلاع، وذاكرة رفض صاحبها أن تسمح لها بأن تتحول إلى قصة من الماضي.
كان ناجي العلي يرسم فلسطين، لكنه لم يرسمها كما تظهر في الخرائط.
كان يرسمها كما بقيت في الإنسان.
1. الشجرة التي سبقت القلم
وُلد ناجي العلي في قرية الشجرة قرب الناصرة عام 1937.
كانت فلسطين التي عرفها في طفولته مختلفة عن فلسطين التي عرفها العالم لاحقًا.
قرية.
بيوت.
أرض.
أشجار.
وحياة يومية لم تكن تعرف أنها ستصبح بعد سنوات قليلة جزءًا من ذاكرة وطنية ممزقة.
ثم جاءت النكبة عام 1948.
غادر ناجي العلي قريته مع عائلته، واتجه إلى لبنان، ليستقر في مخيم عين الحلوة.
كان في العاشرة تقريبًا.
وهنا حدث شيء لن يغادره بقية حياته:
تحولت الطفولة إلى منفى.
لم يكن المخيم بالنسبة إلى الطفل مجرد مكان جديد.
كان أول درس في معنى أن تفقد المكان الذي كنت تظنه جزءًا طبيعيًا من العالم.
وفي المخيم بدأ يرسم.
لم يكن يمتلك عالمًا واسعًا.
لكنه امتلك جدارًا وقلمًا.
وكان ذلك كافيًا لبداية الحكاية.
2. حين رأى غسان كنفاني الرسوم
في مخيم عين الحلوة، لفتت رسوم ناجي العلي انتباه الأديب والصحفي الفلسطيني غسان كنفاني.
كان كنفاني يرى في تلك الرسوم شيئًا يتجاوز الموهبة.
كان يرى صوتًا.
وساعد في نشر بعض أعماله، فبدأ ناجي العلي يشق طريقه نحو الصحافة والكاريكاتير.
لكن الكاريكاتير بالنسبة إليه لم يكن مجرد تعليق على حدث سياسي.
كان طريقة للنظر.
طريقة تقول إن خلف الخبر إنسانًا.
وخلف القرار ضحية.
وخلف الخطاب الرسمي شيئًا قد لا يظهر في الصحيفة.
كان الرسم عند ناجي العلي مساحة يستطيع فيها الفقير أن يتكلم، واللاجئ أن يظهر، والطفل أن يواجه الكبار دون أن يحتاج إلى منصة.
3. الكويت: حين خرج القلم من المخيم
انتقل ناجي العلي لاحقًا إلى الكويت، وعمل في الصحافة، وبدأ اسمه يتوسع في العالم العربي.
لكن المكان تغير.
والأسلوب لم يتغير.
ظل الفقر حاضرًا.
وظل اللاجئ حاضرًا.
وظلت فلسطين في مركز الصورة.
كان يستطيع أن يرسم شخصيات كثيرة، لكنه كان يميل إلى الشخصيات البسيطة التي تختصر طبقة كاملة من المجتمع.
رجل فقير.
امرأة تحمل طفلًا.
لاجئ.
عامل.
جندي.
مسؤول.
وغالبًا ما كان يضع الجميع داخل مشهد صغير، ثم يترك الرسم يقول ما لا تستطيع المقالة الطويلة قوله.
وهنا بدأ الكاريكاتير عنده يتحول إلى شيء أشبه بـ المحاكمة اليومية.
ليس لمحاكمة طرف واحد فقط، بل لمحاكمة العجز والتنازل والفساد والسلطة حين تنسى الإنسان.
4. ثم ظهر حنظلة
في عام 1969 ظهر حنظلة.
كان طفلًا في العاشرة.
العمر نفسه تقريبًا الذي كان عليه ناجي العلي عندما خرج من فلسطين.
لكن حنظلة لم يكن صورة فوتوغرافية لطفولة ناجي.
كان فكرة.
قال ناجي العلي إن حنظلة سيظل في العاشرة حتى يعود إلى فلسطين.
ولهذا لم يكبر.
كبر العالم من حوله.
تغيرت الأنظمة.
اندلعت الحروب.
تغيرت الصحف.
تبدلت التحالفات.
لكن حنظلة بقي في مكانه.
طفلًا.
يدير ظهره.
كأنه يقول إن هناك شيئًا لم ينته بعد.
5. لماذا أدار حنظلة ظهره؟
هذه ربما أكثر حركات الكاريكاتير بساطة، وأكثرها قابلية للتأويل.
كان يمكن لحنظلة أن ينظر إلينا.
لكنه لا يفعل.
يقف أمام العالم وظهره للقارئ.
وهذا الظهر أصبح بمرور الوقت أكثر بلاغة من أي خطاب.
قد يكون رفضًا.
وقد يكون احتجاجًا.
وقد يكون خجلًا من عالم لا يتغير.
وقد يكون انتظارًا.
لكنه في النهاية يعيد السؤال إلى المتلقي:
ماذا حدث حتى أصبح الطفل هو الذي يدير ظهره لنا؟
لم يحتج حنظلة إلى فم.
ظهره كان كافيًا.
6. ناجي العلي لم يكن يبحث عن رضا الجميع
كان الكاريكاتير السياسي في زمن ناجي العلي يعيش داخل منطقة خطرة.
الكلمة يمكن أن تثير الغضب.
والرسم قد يكون أخطر من الكلمة.
لأن الرسم يصل بسرعة.
ولا يحتاج إلى شرح طويل.
وكان ناجي العلي حادًا في نقده.
لم يكن ينتقد الاحتلال الإسرائيلي وحده، بل وجّه نقدًا أيضًا إلى الأنظمة العربية، والقيادات الفلسطينية، والفصائل، والفساد، وكل ما رآه خيانة للفلسطيني البسيط.
وهذا جعل موقعه غير مريح.
لم يكن يريد أن يكون رسام سلطة.
ولم يكن يريد أن يصبح بوقًا لفصيل.
كان يريد أن يحتفظ بالمسافة التي تسمح له بأن يقول:
أنا مع الإنسان أولًا.
وهذه المسافة جعلته محبوبًا عند كثيرين، ومثيرًا للغضب عند آخرين.
7. من فلسطين إلى لندن
انتقل ناجي العلي إلى لندن للعمل في صحيفة القبس الدولي.
وهناك واصل الرسم.
لكن المنفى لم يتغير.
كان قد غادر المخيم، ثم غادر الكويت، ثم وصل إلى لندن.
ومع ذلك ظل الطفل الذي خرج من فلسطين حاضرًا في كل مكان.
ربما لأن المنفى عند ناجي العلي لم يكن جغرافيا فقط.
كان حالة داخلية.
يمكن للإنسان أن يغير المدن.
لكن بعض المدن لا تغادر الإنسان.
وكانت فلسطين بالنسبة إليه واحدة من تلك المدن التي لا يستطيع مغادرتها.
8. الرصاصة
في 22 يوليو 1987، تعرض ناجي العلي لإطلاق نار في لندن.
أصيب إصابة خطيرة، وتوفي في 29 أغسطس 1987.
كان عمره خمسين عامًا.
رحل قبل أن يرى نهاية الصراع الذي رسمه طوال حياته.
ورحل قبل أن يعرف كيف ستكبر شخصية حنظلة بعده.
كما أن الجهة التي تقف بصورة نهائية وراء اغتياله لم تُحسم تاريخيًا بشكل قاطع.
لكن شيئًا واحدًا كان قد حدث بالفعل:
الرجل مات، أما الطفل فلم يمت.
9. حنظلة بعد ناجي
بعد رحيل ناجي العلي، بقي حنظلة.
وهنا تحولت الشخصية من توقيع شخصي لفنان إلى رمز أوسع بكثير.
أصبح الطفل الذي لا يكبر حاضرًا في الملصقات والجداريات والقمصان والكتب والمظاهرات والذاكرة الشعبية.
لكن قوة حنظلة لا تكمن في شهرته.
بل في بساطته.
طفل صغير.
ملابس بسيطة.
ظهر إلى العالم.
ولا شيء تقريبًا سوى ذلك.
ومع ذلك يستطيع الناس أن يضعوا داخله كل ما يريدون قوله عن فلسطين:
الاقتلاع.
المنفى.
الانتظار.
الرفض.
والعودة.
خلف السطور
ربما لم يكن ناجي العلي يرسم فلسطين كما كانت.
كان يرسم فلسطين كما بقيت في ذاكرة طفل خرج منها وهو في العاشرة.
ولهذا لم يكبر حنظلة.
لأن ناجي العلي لم يسمح للنكبة أن تتحول في داخله إلى فصل قديم من كتاب التاريخ.
أبقى الطفل هناك.
في اللحظة نفسها.
ينظر إلى عالم يتغير، بينما هو ينتظر الشيء الذي لم يتغير:
العودة.
ولهذا ربما كانت أقوى لوحة رسمها ناجي العلي هي تلك التي لم يحتج فيها إلى رسم فلسطين أصلًا.
رسم طفلًا.
وأدار الطفل ظهره.
ثم تركنا أمامه.
كان يمكن للطفل أن يسأل:
أين وطني؟
لكن ناجي العلي لم يجعله يسأل.
كان السؤال قد أصبح أكبر من الكلام.
طفل لا يكبر، لأن الوطن الذي خرج منه لم يعد بعد.
وربما لهذا بقي حنظلة حيًا بعد صاحبه.
فالرسام مات.
والصحيفة تغيرت.
والأجيال تبدلت.
لكن الطفل ما زال واقفًا هناك.
ظهره إلينا.
كأنه يقول:
لن أكبر قبل أن أعرف إلى أين أعود.


