كيف نتصرف عندما لا نعرف؟

كيف نتصرف عندما لا نعرف؟

الخوارزمي… حين حاول الإنسان أن يروّض المجهول

كان هناك وقتٌ لم يكن فيه الإنسان يعرف.

لا يعرف لماذا تتحرك النجوم بهذه الطريقة، ولا كيف يمكن أن يقيس ما لا يستطيع رؤيته، ولا كيف يحل مسألة تبدو أكبر من قدرته على التفكير.

وكان أمامه خياران.

أن يخاف من المجهول…

أو أن يسأله.

في المسافة الصغيرة بين الخوف والسؤال، بدأت واحدة من أعظم مغامرات الإنسان.


نحن لا نعيش جيدًا مع الأشياء التي لا نفهمها.

حين يواجه الإنسان ظاهرة لا يستطيع تفسيرها، يبحث عن قصة.
وحين يعجز عن معرفة السبب، يخترع سببًا.
وحين لا يجد إجابة، قد يصنع إجابة تكفي لكي ينام.

ربما لهذا كانت الأساطير من أقدم منتجات العقل البشري.

لم تكن دائمًا محاولة للكذب.

أحيانًا كانت محاولة للبقاء.

فالإنسان الذي لا يعرف لماذا يحدث البرق، يحتاج إلى تفسير.
والذي لا يعرف ماذا يوجد بعد الموت، يحتاج إلى قصة.
والذي لا يفهم حركة السماء، يحتاج إلى نظام يضع الأشياء في أماكنها.

المجهول ثقيل.

والعقل يبحث بطبيعته عن شيء يخفف وزنه.

لكن المشكلة تبدأ عندما نخلط بين التفسير الذي يطمئننا والحقيقة.

وهنا بدأت خطوة أخرى في تاريخ الإنسان.

خطوة أكثر خطورة.

أن يقول:

لا أعرف.


ربما تبدو الجملة بسيطة.

لكنها في الحقيقة من أصعب الجمل التي يستطيع العقل البشري قولها.

لأن الاعتراف بالجهل يعني أن نتخلى مؤقتًا عن الشعور بالسيطرة.

«لا أعرف» تعني أن العالم أكبر من معرفتي.

وأن ما أراه ليس بالضرورة كل ما يوجد.

وأن ما أعتقده اليوم قد يكون بحاجة إلى أن أتخلى عنه غدًا.

ولهذا لم يكن التقدم الإنساني مجرد تراكم للإجابات.

كان، في كثير من الأحيان، تحسنًا في طريقة التعامل مع الأسئلة التي لا نملك لها إجابة.


في بغداد، قبل أكثر من ألف عام، كان محمد بن موسى الخوارزمي يعمل في عالم لم تكن فيه الرياضيات بالصورة التي نعرفها اليوم.

لكن أهمية الخوارزمي لا تكمن فقط في النتائج التي وصل إليها.

هناك شيء أعمق في قصته.

لقد ساعد الإنسان على تحويل المسألة من شيء غامض إلى شيء يمكن التعامل معه خطوةً خطوة.

المجهول لم يعد وحشًا بلا ملامح.

أصبح له مكان في المعادلة.

وهذه فكرة تبدو رياضية، لكنها في جوهرها إنسانية جدًا:

حين لا نستطيع معرفة الشيء دفعة واحدة، نحاول أن نقسمه إلى أجزاء يمكن لعقولنا أن تتعامل معها.

ربما لهذا لم يكن الجبر مجرد لغة للأرقام.

كان، بطريقة ما، تدريبًا على مواجهة المجهول.

نضع شيئًا لا نعرفه في مكان محدد.

نسميه.

نحاصره بالمعطيات.

ثم نحاول الوصول إليه.

المجهول لم يختفِ.

لكن الإنسان لم يعد مضطرًا إلى الهروب منه.


وهنا تكمن المفارقة.

نحن نتصور أحيانًا أن العلم بدأ عندما عرف الإنسان الإجابات.

لكن ربما بدأ عندما أصبح الإنسان قادرًا على تحمل السؤال دون أن يخترع له جوابًا سريعًا.

أن تقول:

لا أعرف لماذا يحدث هذا.

ثم تبدأ البحث.

لا أن تقول:

لا أعرف… إذن لا بد أن يكون السبب كذا.

الفرق بين الجملتين هو الفرق بين العقل الذي يبحث، والعقل الذي يطمئن.


ولذلك لم يكن أكبر أعداء المعرفة دائمًا هو الجهل.

أحيانًا كان اليقين.

فالجاهل يعرف أنه لا يعرف.

أما الإنسان الذي يملك تفسيرًا خاطئًا، فقد لا يرى سببًا للبحث أصلًا.

وهنا يصبح السؤال أخطر من الإجابة.

لأن السؤال يبقي الباب مفتوحًا.

أما الإجابة الخاطئة فقد تغلقه.

ولهذا ربما كان أعظم ما يستطيع الإنسان فعله أمام المجهول ليس أن يجيب بسرعة.

بل أن يحافظ على قدرته على قول:

ربما أكون مخطئًا.


لكن هل يستطيع الإنسان أن يعيش هكذا دائمًا؟

هل يستطيع أن يستيقظ كل صباح وسط أسئلة بلا أجوبة؟

ربما لا.

فنحن نحتاج إلى معنى، وإلى نظام، وإلى تفسير.

نحتاج أن نشعر أن الأشياء قابلة للفهم.

ولهذا بنينا الفلسفات، والديانات، والأساطير، والعلوم، والقوانين، والخرائط، والأرقام.

كلها محاولات مختلفة لجعل العالم أقل فوضى.

لكنها ليست كلها من النوع نفسه.

بعضها يحاول أن يكتشف.

وبعضها يحاول أن يفسر.

وبعضها يحاول أن يمنح المعنى.

وهنا يبدأ الفرق بين العقل الذي يريد معرفة الحقيقة، والإنسان الذي يريد أن يستطيع العيش معها.


الخوارزمي لم يهزم المجهول.

ولا ابن الهيثم.

ولا سقراط.

ولا غاليليو.

ولا نيوتن.

كل واحد منهم وسّع حدود ما نعرفه، لكنه في الوقت نفسه كشف مساحة جديدة لا نعرفها.

كل إجابة حقيقية كانت تفتح سؤالًا آخر.

وكأن المعرفة لا تقلل المجهول بقدر ما تعيد رسم حدوده.

كلما اتسعت الدائرة التي نعرفها، اتسعت معها دائرة ما نكتشف أننا لا نعرفه.

وهنا يصبح الإنسان الغريب الوحيد القادر على النظر إلى هذا الاتساع… ثم الاستمرار في البحث.


ربما لهذا لا يكون السؤال الحقيقي:

ماذا نفعل عندما لا نعرف؟

بل:

أي إنسان نصبح عندما لا نعرف؟

هناك من يخاف، فيتمسك بأي إجابة.

وهناك من ينكر، فيقول إن الشيء غير الموجود في معرفته غير موجود أصلًا.

وهناك من يتواضع.

يترك للمجهول مكانًا.

ويبدأ البحث.

ليس لأنه واثق من أنه سيجد الإجابة.

بل لأنه لا يستطيع أن يتوقف عن السؤال.


وهنا ربما تكمن إحدى أكثر المفارقات الإنسانية هدوءًا:

لقد بدأنا بمحاولة فهم العالم، وانتهينا باكتشاف حدود عقولنا.

لكن تلك الحدود لم تكن نهاية الرحلة.

كانت بدايتها.

ففي اللحظة التي يستطيع فيها الإنسان أن يقول:

«لا أعرف»

دون أن يخجل منها، ودون أن يختبئ خلف إجابة مصطنعة…

يحدث شيء صغير جدًا.

شيء لا يراه أحد.

لكن ربما يكون من أعظم الأشياء التي يستطيع العقل أن يفعلها:

يفتح الباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top