دون كيخوته: هل الوهم هزيمة أم وسيلة أخيرة للنجاة؟

دون كيخوته — هل الوهم هزيمة أم وسيلة أخيرة للنجاة؟
لم يمت دون كيخوته تحت أجنحة طاحونة، ولا في مبارزة مع فارس، ولا على طريقٍ من طرق لامانتشا التي ملأها بالعمالقة والسحرة والقصور.
مات في سريره، بعد أن رأى الطواحين طواحين.
في الفصل الأخير من الجزء الثاني، يستيقظ الرجل الذي عرفه العالم باسم دون كيخوته من حُمّى أنهكته، ويعلن أن زمن الفروسية انتهى داخله. لم يعد يرى نفسه الفارس الجوّال الذي خرج لنصرة المظلومين وإحياء مجدٍ قرأ عنه في الكتب؛ عاد ألونسو كيخانو، الرجل الهادئ الذي كانه قبل أن يعيد تسمية نفسه والعالم.
يفرح المحيطون به أول الأمر لأنه استعاد عقله. لكن فرحتهم لا تكتمل. فالكاهن يخرج من غرفته ليخبرهم أن ألونسو كيخانو صار عاقلًا حقًا، وأنه يموت حقًا. عندها يبكي الجميع، ويبكي سانشو أكثرهم. الرجل الذي قضى زمنًا طويلًا يحاول إقناع سيده بأن الطواحين ليست عمالقة، يتوسل إليه الآن ألا يتخلى عن الحكاية. يقترح أن ينهضا من السرير، ويرتديا ثياب الرعاة، ويخرجا بحثًا عن دولثينيا من جديد.
كأن سانشو أدرك متأخرًا أن استعادة صديقه للواقع لم تكن عودةً كاملة إلى الحياة، بل خروجًا منها.
وهنا تتركنا الرواية أمام سؤال أشد إزعاجًا من السؤال الشهير عن الجنون والعقل:
هل كان الوهم هو ما هزم دون كيخوته… أم كان الشيء الذي أبقاه حيًا؟
الرجل الذي أعاد تسمية العالم
حين نشر ميغيل دي ثيربانتس الجزء الأول من الرواية سنة 1605، بدا مشروعه في ظاهره سخريةً من كتب الفروسية التي استهلكت خيال القراء. ثم صدر الجزء الثاني سنة 1615، بعدما كان بطله قد غادر حدود الكتاب وأصبح معروفًا داخل إسبانيا وخارجها. وبين الجزأين اتسعت الحكاية؛ لم تعد مجرد طرفة عن رجل صدّق الكتب أكثر مما ينبغي، بل أصبحت امتحانًا للعلاقة بين الإنسان والواقع الذي يُطلب منه أن يقبله كما هو.
في البداية، لا يملك ألونسو كيخانو ما يوحي بالبطولة. إنه نبيل ريفي محدود الحال، يعيش حياةً ضيقة الإيقاع، ويقرأ حكايات الفرسان حتى تستولي لغتها على طريقته في رؤية الأشياء. لا يكتفي بالإعجاب بهم، بل يقرر أن يصبح واحدًا منهم.
لكن التحول لا يبدأ بالسيف؛ يبدأ بالأسماء.
يمنح نفسه اسمًا جديدًا، ويسمي حصانه الهزيل روسينانتي، ويختار لامرأة ريفية لا تعرف شيئًا عن الدور الذي منحها إياه اسم دولثينيا. ثم يخرج إلى العالم حاملًا هوية ألّفها بنفسه.
هذه الوقائع موجودة في النص. أما معناها النفسي فيبقى مجالًا للقراءة، لا للحسم. لا يقول ثيربانتس إن بطله كان يعالج فراغًا داخليًا، ولا يقدّم لنا تشخيصًا يمكن نقله إلى لغة الطب الحديث. لكن يمكننا أن نرى أن ألونسو كيخانو لم يكتفِ بالهرب من حياته؛ لقد حاول أن يعيد كتابتها.
لم تكن مشكلته أن العالم يخلو من المعنى، بل أنه لم يجد لنفسه مكانًا كريمًا في المعنى الموجود. ولذلك ابتكر دورًا يستطيع داخله أن يكون شجاعًا، مطلوبًا، قادرًا على إنقاذ أحد.
إنه لا يغيّر اسمه ليختبئ، بل ليصبح مرئيًا.
الطواحين لم تكن المشكلة كلها
اختزلت الذاكرة دون كيخوته في رجل هاجم طواحين الهواء لأنه رآها عمالقة. والمشهد يستحق شهرته: سانشو يشير إلى الأجنحة التي يديرها الهواء، بينما يصر سيده على أنه أمام مخلوقات هائلة تستوجب القتال. ثم يندفع، فيطرحه جناح طاحونة أرضًا.
يسهل أن نضحك هنا؛ الواقع واضح، والفارس مخطئ.
لكن الرواية لا تسمح لنا بالبقاء طويلًا في راحة المتفرج العاقل. فدون كيخوته لا يخطئ في الأشياء وحدها؛ إنه يصيب أحيانًا في الحاجة الأخلاقية التي يرفض الآخرون رؤيتها. يرى أشخاصًا مقيدين فيسأل عن حق السلطة في سلب حريتهم. يعامل نساء مهمشات بلغة الاحترام التي تحفظ لهن كرامتهن. ويؤمن، وسط عالم تحكمه المنفعة والمكانة، بأن الأقوى مدين للضعيف بالحماية.
غير أن نبل الدافع لا يجعل أفعاله سليمة. حين يحرر سجناء يساقون إلى الأشغال الشاقة، يتجاهل اختلاف جرائمهم ويطالبهم بعد ذلك بخدمة حكايته؛ فينقلبون عليه. وفي مغامرات أخرى يعرّض نفسه وسانشو والغرباء للأذى لأنه يفرض على الواقع صورة لا يراها سواه.
لهذا لا يمكن تحويله إلى قديس للخيال. الوهم عنده ليس بريئًا دائمًا، والنية الطيبة لا تلغي النتائج. لقد قاوم ظلمًا حقيقيًا أحيانًا، لكنه اخترع أخطارًا في أحيان أخرى، ثم طالب الناس بأن يدفعوا ثمن المعركة التي تخيلها.
المفارقة أن الرواية لا تختار لنا أحد الطرفين: واقعٌ بلا خيال، أو خيالٌ بلا مسؤولية. إنها تكشف نقصان الاثنين.
فالإنسان الذي لا يرى إلا الطاحونة ينجو من الاصطدام بها، لكنه قد يمر إلى جوار المظلوم من دون أن يرى شيئًا يستحق التوقف. والإنسان الذي يرى عملاقًا في كل طاحونة قد يملك شجاعة المواجهة، لكنه يفقد القدرة على معرفة من يحتاج فعلًا إلى إنقاذه.
حين صار العقلاء أكثر قسوة من المجنون
في الجزء الأول، ينشأ كثير من الضحك من الفجوة بين ما يراه دون كيخوته وما يراه الآخرون. أما في الجزء الثاني، فتتغير اللعبة: لقد أصبحت مغامراته كتابًا معروفًا داخل عالم الرواية نفسه، وصار بعض الذين يلتقونه يعرفون نقاط ضعفه مسبقًا.
هنا لا يعود الوهم صادرًا عنه وحده. الدوق والدوقة، وهما أكثر وعيًا بالواقع منه، يبنيان له سلسلةً من الخدع المتقنة لمجرد التسلية. يملكان المال والخدم والقدرة على صناعة مشهد يبدو حقيقيًا، ثم يستخدمان كل ذلك لإبقاء رجل داخل وهم يعرفان أنه يؤذيه.
دون كيخوته مخدوع، لكنهم مخادعون. هو يخلط بين الواقع والخيال، أما هم فيعرفون الفرق ويستغلونه.
وفي هذه النقلة يصبح السؤال الأخلاقي أكثر تعقيدًا: من الأشد ابتعادًا عن الإنسانية—رجل يرى العالم على غير حقيقته، أم أناس يرونه كما هو ثم يحولون ضعف إنسان إلى عرض؟
لا تجعلهم الرواية أشرارًا مسطحين، ولا تجعل دون كيخوته بريئًا من كل ضرر. لكنها تنزع عن «العقل» امتيازه الأخلاقي التلقائي. فوضوح الرؤية لا يضمن الرحمة، كما أن اضطرابها لا يمحو كل نبل.
أحيانًا يعرف العاقل أين يقف تمامًا، لكنه لا يعرف لماذا ينبغي أن يتحرك.
سانشو الذي تعلّم أن يحلم
يدخل سانشو بانثا الحكاية وفي ذهنه مكافأة واضحة: جزيرة وعده سيده أن يحكمها. يعرف أن الحصان هزيل، وأن النُّزل ليس قصرًا، وأن الجوع لا يُهزم بالخطب. يبدو صوت الأرض في مواجهة رجل يسير داخل الكتب.
لكن العلاقة بينهما لا تبقى مواجهة بسيطة بين الواقعي والحالم. مع الوقت، يتسرب شيء من كل واحد إلى الآخر. يتعلم دون كيخوته من سانشو حدود الجسد والجوع والطريق، بينما يتعلم سانشو أن العالم لا يُقاس بما هو موجود فقط، بل بما يمكن أن يصبح عليه.
وعندما يُمنح سانشو حكم «الجزيرة» ضمن إحدى ألعاب الدوق والدوقة، يفاجئ من حوله بأحكام عملية وذكية. الرجل الذي بدا تابعًا ساذجًا يثبت أن الخيال لم يبعده تمامًا عن الواقع؛ ربما أعطاه، للمرة الأولى، فرصةً ليتصور نفسه قادرًا على الحكم.
لكن التحول الأوضح يأتي في الغرفة الأخيرة.
ألونسو كيخانو يريد أن يموت عاقلًا، وسانشو يريد أن ينقذه بقصة جديدة. ينقلب الدوران: الواقعي القديم يقترح الوهم، والحالم القديم يرفضه. لا يفعل سانشو ذلك لأنه نسي الطواحين، بل لأنه عرف ما كان خلفها. عرف أن الرحلة لم تمنحه جزيرة، لكنها منحته صداقةً ونسخةً أوسع من نفسه.
لهذا يبدو توسله موجعًا. هو لا يطلب من سيده أن يعود إلى الخطأ، بل أن يعود إلى الرغبة.
الرجل الذي انتصر عليه الواقع
يعود دون كيخوته إلى قريته بعد أن يهزمه فارس القمر الأبيض ويفرض عليه ترك السلاح مدةً من الزمن. الهزيمة واقعة في الرواية؛ أما ما تفعله داخله فلا يشرحه ثيربانتس بلغة واحدة قاطعة. يعود متعبًا، يمرض، ثم يعلن أن كتب الفروسية كانت ضلالًا وأنه لم يعد دون كيخوته.
يمكن قراءة ذلك بوصفه لحظة خلاص: رجل استعاد اسمه، وصالح الحقيقة، ورفض الأوهام التي أوقعته في الأذى. ويمكن قراءته أيضًا بوصفه انطفاءً: لم يستعد ألونسو كيخانو حياته القديمة بقدر ما فقد الحياة الأخرى التي صنعت له غاية.
الرواية لا تجبرنا على الاختيار الكامل بين القراءتين. وهذا سر قسوة نهايتها.
لو مات وهو يهاجم طاحونة، لكان بطلًا هزليًا أكمل وهمه حتى النهاية. ولو عاش طويلًا بعد شفائه، لكان العقل قد منحه حياةً ثانية. لكنه يستعيد الواقع في اللحظة التي يستعد فيها لمغادرته، فتظل العلاقة بين صحوه وموته معلقة.
ولا يحق لنا أن نحوّل التعاقب إلى سبب مؤكد؛ النص لا يقول إن العقل قتله. لكنه يجعل القارئ يشعر بأن شيئًا أساسيًا انطفأ عندما لم يعد الرجل قادرًا على تصديق الدور الذي كان ينهض من أجله كل صباح.
هنا يتجاوز دون كيخوته عصر كتب الفروسية. فكل إنسان يحمل، بدرجة ما، قصةً لا تتطابق تمامًا مع الواقع: صورةً عن نفسه، أو وعدًا للمستقبل، أو معنى يمنحه للخسارة كي يستطيع احتمالها. بعض هذه القصص يخدعنا، وبعضها ينقذنا، وغالبًا تفعل القصة الواحدة الأمرين معًا.
الخطر ليس في أن نحلم وحده، ولا في أن نصحو وحده. الخطر أن يتحول الحلم إلى إنكار يؤذي الآخرين، أو أن يتحول الواقع إلى حكم نهائي يمنعنا من تخيل عدالة لم توجد بعد.
في الغرفة الأخيرة، لم تعد الطواحين عمالقة. لم يعد هناك سحر، ولا أميرة تنتظر الخلاص، ولا جزيرة سيحكمها سانشو. صار كل شيء في مكانه الصحيح.
وحده الرجل الذي منح الأشياء معنى لم يعد يجد سببًا للنهوض.
ربما لم يمت دون كيخوته لأن الوهم هُزم، ولا لأن العقل انتصر. ربما مات حين عاد العالم إلى حجمه العادي.
وخارج البيت، في مكانٍ ما من لامانتشا، واصلت الطواحين الدوران.
طواحين فقط.

تنبيه منهجي

هذه قراءة أدبية في الشخصية وبنية الرواية، وليست تشخيصًا نفسيًا لألونسو كيخانو ولا ادعاءً بأن ثيربانتس قصد تفسيرًا واحدًا مغلقًا. الوقائع السردية من النص؛ أما الربط بين الوهم والمعنى والرغبة في الحياة فهو تأويل معلن.

المصادر والمراجع

  • ميغيل دي ثيربانتس — «دون كيخوته»، الجزء الأول 1605، والجزء الثاني 1615.
  • المكتبة الوطنية الإسبانية — سجل الطبعات الأولى المحفوظة من الرواية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top