الثورة الفرنسية — حين سقط الملك ولم تنتهِ الثورة
في 14 يوليو 1789 اقتحم سكان باريس سجن الباستيل.
لم يكن السجن ممتلئًا بآلاف المعتقلين السياسيين.
كان فيه سبعة سجناء فقط.
لكن عدد السجناء لم يكن هو المهم.
الباستيل كان رمزًا.
حصنًا ملكيًا.
ومكانًا ارتبط في الذاكرة بالاعتقال بأمر السلطة.
وعندما سقط، بدا كأن شيئًا أكبر من جدرانه قد بدأ يتصدع.
بعد ثلاث سنوات فقط لن يكون السؤال:
كيف يُجبر الملك على الإصلاح؟
بل:
هل تحتاج فرنسا إلى ملك أصلًا؟
وبعد أربع سنوات سيكون لويس السادس عشر قد أُعدم بالمقصلة.
ثم ستأتي الجمهورية.
والحرب.
والإرهاب.
والثورات المضادة.
والمقاصل.
والدساتير.
ثم رجل عسكري اسمه نابليون بونابرت.
لهذا فإن الثورة الفرنسية ليست قصة شعب أسقط ملكًا وانتهى الأمر.
سقوط الملك كان مجرد فصل.
المشكلة الحقيقية بدأت عندما حاول الملايين أن يجيبوا عن سؤال لم تكن له إجابة جاهزة:
إذا لم تعد السيادة للملك، فلمن تصبح؟
دولة عظيمة بخزانة منهكة
قبل الثورة كانت فرنسا واحدة من أقوى دول أوروبا.
عدد سكان كبير.
أرض زراعية واسعة.
جيش ضخم.
ثقافة مؤثرة.
وبلاط ملكي يعرفه العالم.
لكن القوة لا تعني أن المالية العامة سليمة.
خاضت فرنسا حروبًا مكلفة طوال القرن الثامن عشر، من بينها حرب السنوات السبع، ثم دعمت المستعمرات الأمريكية في حرب استقلالها ضد بريطانيا.
ساعدت فرنسا خصم بريطانيا على تأسيس جمهورية جديدة.
لكن الثمن كان ديونًا ضخمة.
المشكلة لم تكن الديون وحدها.
كان النظام الضريبي نفسه غير متوازن ومعقدًا.
بعض الفئات والمؤسسات تمتعت بامتيازات وإعفاءات مختلفة.
والدولة احتاجت إلى إصلاحات مالية لا تستطيع تنفيذها بسهولة من دون صدام مع أصحاب المصالح والامتيازات.
الخزانة تحتاج إلى المال.
لكن السياسة تمنع جمعه بالطريقة المطلوبة.
هنا يبدأ الخطر.
الدولة يمكن أن تكون قوية عسكريًا وعاجزة ماليًا في الوقت نفسه.
ثلاثة أوامر ومجتمع أكثر تعقيدًا
كان المجتمع الفرنسي في النظام القديم يوصف قانونيًا من خلال ثلاثة أوامر:
رجال الدين.
والنبلاء.
والطبقة الثالثة.
لكن «الطبقة الثالثة» لم تكن طبقة اجتماعية واحدة بالمعنى الحديث.
كانت تضم برجوازيين أثرياء.
ومحامين.
وتجارًا.
وحرفيين.
وفلاحين.
وفقراء المدن.
أي أنها تضم أغلبية المجتمع تقريبًا، رغم اختلاف مصالح أفرادها جذريًا.
المشكلة لم تكن أن كل رجل من النبلاء غني وكل فرد من الطبقة الثالثة فقير.
الواقع أكثر تعقيدًا.
المشكلة كانت في الامتياز القانوني والسياسي.
ولدت فرنسا في عالم يفترض أن الناس لا يدخلون المجتمع السياسي بالموقع نفسه.
ثم جاء القرن الثامن عشر بأفكار جديدة تسأل:
لماذا؟
التنوير لم يصنع الثورة وحده
فولتير.
وروسو.
ومونتسكيو.
وديدرو.
وغيرهم من كتاب عصر التنوير انتقدوا أشكالًا من السلطة والامتياز والتعصب، وناقشوا القانون والحرية والسيادة.
لكن القول إن الفلاسفة كتبوا كتبًا ثم قامت الثورة اختزال شديد.
كثير من الناس الذين خرجوا إلى الشوارع لم يقرأوا روسو.
وكانت للثورة أسباب مالية واجتماعية وسياسية ومباشرة.
لكن الأفكار مهمة لأنها تعطي الغضب لغة.
يمكن للإنسان أن يشعر أن النظام ظالم.
ثم تأتي فكرة تقول له:
الامتياز ليس قانونًا طبيعيًا.
والسيادة يمكن أن تكون للأمة.
والحقوق ليست هدية يمنحها الملك.
عندها يتحول الاستياء إلى سؤال سياسي.
الخبز
في السنوات التي سبقت الثورة تعرضت فرنسا لأزمات في المحاصيل وارتفاع في أسعار الحبوب والخبز.
وكان الخبز جزءًا أساسيًا من غذاء الطبقات الشعبية.
عندما يرتفع سعره، لا يعني الأمر أن الأسرة ستستبدله بمنتج فاخر أقل.
يعني أن نسبة أكبر من دخلها ستذهب إلى الطعام.
لهذا لا يمكن فهم باريس سنة 1789 من خلال الكتب السياسية وحدها.
هناك أيضًا طوابير الخبز.
والأسعار.
والبطالة.
والخوف من الجوع.
قد يتحدث نائب عن السيادة الوطنية.
لكن المواطن في الشارع يستطيع أن يسأل سؤالًا أبسط:
لماذا لا أستطيع شراء الخبز؟
الثورتان ستلتقيان.
الملك الذي احتاج إلى من لم يجتمعوا منذ 1614
فشلت محاولات متعددة لإصلاح المالية.
وفي النهاية اضطر لويس السادس عشر إلى استدعاء مجلس الطبقات العامة.
كانت هذه الهيئة تمثل الأوامر الثلاثة للمملكة.
واللافت أنها لم تجتمع منذ سنة 1614.
انعقدت في فرساي في 5 مايو 1789.
كان الهدف الأصلي معالجة الأزمة المالية.
لكن بمجرد جمع ممثلي المجتمع في مكان واحد، ظهر سؤال أخطر من الدين العام:
كيف يجب اتخاذ القرار؟
هل يصوت كل أمر بوصفه كتلة واحدة؟
إذا حدث ذلك يستطيع رجال الدين والنبلاء التفوق على الطبقة الثالثة بصوتين مقابل صوت.
أم يكون التصويت فرديًا بحسب عدد النواب؟
الخلاف الإجرائي تحول إلى أزمة في معنى التمثيل نفسه.
ما الأمة؟
في بداية 1789 نشر إيمانويل جوزيف سييس كتيبًا شهيرًا بعنوان:
«ما الطبقة الثالثة؟»
كانت إجابته السياسية قوية:
إنها تقريبًا الأمة.
إذا كان معظم من يعمل وينتج ويدفع الضرائب موجودًا داخل الطبقة الثالثة، فكيف يمكن معاملتها كجزء واحد بجوار مجموعتين صغيرتين تتمتعان بالامتياز؟
في 17 يونيو أعلن نواب الطبقة الثالثة، وانضم إليهم آخرون، أنهم «الجمعية الوطنية».
كانت الخطوة ثورية حتى قبل أن تسقط حجارة الباستيل.
لم يعودوا يقولون:
نحن نمثل أمرًا من أوامر المملكة.
قالوا عمليًا:
نحن نمثل الأمة.
قسم ملعب التنس
بعد أيام وجد النواب قاعة اجتماعهم مغلقة.
انتقلوا إلى قاعة تستخدم للعبة تشبه التنس.
وفي 20 يونيو أدوا قسمًا مشهورًا بألا يتفرقوا قبل أن يمنحوا فرنسا دستورًا.
لا يوجد شيء عسكري في المشهد.
لا بنادق.
ولا حصار.
مجموعة رجال تقف داخل قاعة وتتعهد بالاستمرار.
لكن هذا القسم كان تحديًا مباشرًا لمنطق الملكية المطلقة.
فالسلطة التي كانت تقول إن شرعيتها تأتي من الملك تواجه هيئة تقول إن الأمة تستطيع أن تضع لنفسها دستورًا.
الثورة بدأت تتحول من احتجاج على الضرائب إلى إعادة تعريف مصدر السلطة.
باريس تخاف
انتشرت الأخبار.
وتزايد التوتر.
حشدت القوات حول باريس وفرساي.
وأُقيل وزير المالية جاك نيكر، الذي كان يحظى بشعبية لدى قطاعات من الناس.
شعر كثيرون أن الملك ربما يستعد لضرب الجمعية بالقوة.
بدأ سكان باريس يبحثون عن السلاح.
في 14 يوليو وصلوا إلى الباستيل، بحثًا عن البارود والسلاح أيضًا، ومواجهة مع رمز السلطة الملكية.
بعد ساعات من القتال سقط الحصن.
وقُتل حاكمه برنار رينيه دو لوناي بعد أسره.
لم يكن سقوط الباستيل لحظة سلمية مثالية.
كان عنيفًا.
لكن الخبر الذي وصل إلى أنحاء فرنسا كان أكبر من التفاصيل:
الملك لم يعد قادرًا على أن يفترض أن باريس ستطيعه.
هل بدأت الثورة يوم 14 يوليو؟
لا يوجد يوم واحد يستطيع احتواء بداية الثورة الفرنسية.
يمكن اختيار الأزمة المالية.
أو افتتاح الطبقات العامة.
أو إعلان الجمعية الوطنية.
أو قسم ملعب التنس.
أو سقوط الباستيل.
كل تاريخ يختار لحظة مختلفة بحسب السؤال.
لكن 14 يوليو أصبح الرمز الأكثر شهرة لأن الثورة خرجت فيه بوضوح من قاعة النواب إلى الشارع المسلح.
من تلك اللحظة لم يعد النواب وحدهم يصنعون السياسة.
الجمهور أصبح لاعبًا.
الخوف الكبير
خلال صيف 1789 انتشرت في الأرياف موجة من الشائعات والاضطرابات عرفت لاحقًا بـ«الخوف الكبير».
خاف الفلاحون من هجمات أو مؤامرات أرستقراطية.
وفي مناطق متعددة هاجموا قصورًا أو أتلفوا سجلات تحتوي على حقوق والتزامات إقطاعية.
النار التي بدأت في باريس لم تبقَ في باريس.
وهنا واجه النواب مشكلة.
إذا لم يعالجوا النظام الريفي القديم بسرعة، فقد يتوسع الانهيار من أسفل.
في ليلة 4 أغسطس بدأت الجمعية إلغاء مجموعة واسعة من الامتيازات والحقوق الإقطاعية.
لم تختفِ جميع الأعباء فورًا وببساطة في ليلة واحدة.
بعض الحقوق احتاج إلى إجراءات وتعويضات وتطورات لاحقة.
لكن المبدأ تغير.
المجتمع القائم قانونيًا على الامتياز الوراثي تلقى ضربة ضخمة.
ثم جاءت الكلمات
في أغسطس 1789 ناقشت الجمعية وثيقة ستعيش أطول من معظم السياسيين الذين كتبوها:
إعلان حقوق الإنسان والمواطن.
في 26 أغسطس اكتملت صياغة مواده الأساسية.
أعلن أن البشر يولدون ويظلون أحرارًا ومتساوين في الحقوق.
وأن السيادة مصدرها الأمة.
وأن الحرية والملكية والأمن ومقاومة الاضطهاد من الحقوق الطبيعية.
وأكد حرية الرأي والتعبير ضمن القانون.
هذه أفكار هائلة.
لكن الوثيقة نفسها فتحت سؤالًا لم تستطع الثورة حله بسهولة:
من المقصود بكلمة «المواطن»؟
الحقوق أوسع من أصحابها
قال الإعلان إن البشر متساوون في الحقوق.
لكن النظام السياسي الذي نشأ لم يمنح الجميع الحق نفسه في المشاركة.
جرى التمييز بين المواطنين بحسب شروط مرتبطة بالجنس والملكية والضرائب في مراحل مختلفة.
النساء لم يحصلن على الحقوق السياسية نفسها.
كما بقيت قضية العبودية والمستعمرات تناقضًا ضخمًا داخل خطاب الحرية.
كانت الثورة تكتب لغة عالمية.
لكن ممارستها بقيت أضيق من لغتها.
وهذه المفارقة ستولد صراعات جديدة.
فالعبارة التي تقول إن البشر متساوون تستطيع أن يستخدمها من استُبعدوا من المساواة نفسها.
نساء فرساي
في أكتوبر 1789 ارتفعت أسعار الخبز واستمر الغضب في باريس.
خرجت أعداد كبيرة من النساء في مسيرة إلى فرساي.
لم تكن النساء متفرجات على الثورة.
كثيرات شاركن في الاحتجاجات والأسواق والنوادي السياسية والحركات الشعبية.
وصلت المسيرة إلى القصر.
وتصاعد التوتر والعنف.
وفي النهاية انتقل الملك والعائلة الملكية إلى باريس.
كان لهذا التحول معنى عميق.
في فرساي كان الملك يعيش في عالم البلاط.
في باريس أصبح أقرب إلى الثورة وتحت ضغطها المباشر.
لم يعد مركز الجاذبية في القصر.
أصبح في العاصمة.
ماذا نفعل بالكنيسة؟
كانت الكنيسة الكاثوليكية واحدة من أكبر المؤسسات المالكة للأراضي في فرنسا.
وفي نوفمبر 1789 وضعت الجمعية ممتلكات الكنيسة تحت تصرف الأمة.
كانت الدولة تحتاج إلى المال.
ثم جاءت خطوة أكثر حساسية:
الدستور المدني لرجال الدين سنة 1790.
أعاد تنظيم الكنيسة في فرنسا وجعل رجال الدين في علاقة جديدة مع الدولة، وطُلب منهم أداء قسم للنظام الجديد.
انقسم رجال الدين.
بعضهم أدى القسم.
والبعض رفض.
وتحول سؤال سياسي إلى أزمة ضمير دينية.
بالنسبة إلى كثير من المؤمنين في الريف، لم تعد الثورة مجرد إصلاح للضرائب والامتيازات.
أصبحت تتدخل في الكنيسة التي يعرفونها.
وهذا سيجعل المقاومة ضد الثورة أكثر تعقيدًا.
الثورة ليست باريس وحدها
عندما تُروى الثورة الفرنسية، تتحول فرنسا أحيانًا إلى باريس فقط.
الباستيل.
والجمعية.
واليعاقبة.
والمقصلة.
لكن أغلبية الفرنسيين لم يعيشوا في باريس.
الفلاح في الغرب الفرنسي له عالم مختلف عن المحامي الباريسي.
والتاجر في بوردو مختلف عن الحرفي في ليون.
والجندي عند الحدود يعيش ثورة مختلفة عن الجميع.
ولهذا لم تكن هناك «ثورة واحدة» يشعر بها الفرنسيون بالطريقة نفسها.
هناك ثورة في القانون.
وثورة في الريف.
وثورة في الدين.
وثورة في المدن.
ثم ستأتي الثورة التي تحمل البندقية خارج فرنسا.
ملك دستوري؟
في المرحلة الأولى لم يكن معظم الثوار يطالبون بإعدام الملك.
كانت الفكرة الأساسية لدى كثيرين إنشاء ملكية دستورية.
الملك يبقى.
لكن سلطته تصبح محدودة بالقانون والدستور ومؤسسات تمثل الأمة.
كان هذا حلًا يبدو ممكنًا.
حتى حاول لويس السادس عشر الرحيل.
فارين
في ليلة 20 إلى 21 يونيو 1791 حاول الملك والعائلة الملكية مغادرة باريس.
كان الهدف الوصول إلى منطقة يستطيع منها استعادة قدر أكبر من حرية الحركة وربما إعادة ترتيب ميزان القوى.
لكن الرحلة فشلت.
عُرف الملك في مدينة فارين وأُعيد إلى باريس.
الأثر السياسي كان هائلًا.
قبل فارين يستطيع المدافع عن الملكية الدستورية أن يقول:
الملك جزء من الثورة الجديدة ويمكن التعايش معه.
بعد محاولته الهرب بدأ السؤال:
إذا كان رأس الدولة نفسه لا يثق بالنظام، لماذا يثق النظام به؟
الثقة السياسية عندما تنكسر يصعب ترميمها بالدستور.
دستور 1791
في سبتمبر 1791 حصلت فرنسا على دستور مكتوب أقام ملكية دستورية.
ألغيت بنى كثيرة من النظام القديم.
وأعيد تنظيم الدولة والإدارة والقضاء.
لكن الدستور ولد في لحظة كانت الثقة التي يحتاج إليها قد ضعفت.
الملك موجود.
والجمعية موجودة.
لكن الثورة أصبحت أكثر راديكالية.
والجمهور السياسي أكثر تعبئة.
وفي الخارج، كانت ممالك أوروبا تراقب بقلق ما يحدث لملك من أسرة بوربون.
ثم جاءت الحرب.
الحرب التي تغير الثورة
في أبريل 1792 أعلنت فرنسا الحرب على النمسا.
ستتوسع الحرب سريعًا لتشمل قوى أوروبية أخرى.
توقع بعض الثوار أن الحرب قد تنشر مبادئ الثورة أو تكشف أعداءها.
ورأى آخرون فيها خطرًا كارثيًا.
في البداية لم تسر الأمور جيدًا.
الهزائم العسكرية غذت الخوف من الخيانة.
هل الجنرالات مخلصون؟
هل الملك يتعاون سرًا مع أعداء فرنسا؟
هل الأرستقراطيون المنفيون سيعودون مع جيوش أجنبية؟
عندما تدخل الثورة الحرب، يصبح الخصم الداخلي أسهل في الاتهام بأنه عميل للخصم الخارجي.
وهذا مزيج شديد الخطورة.
10 أغسطس
في صيف 1792 تصاعدت الأزمة.
وفي 10 أغسطس هاجمت قوات شعبية ومسلحون قصر التويلري.
سقطت الملكية عمليًا.
اعتُقلت العائلة الملكية.
وانتهت محاولة الجمع بين الثورة والملك.
لم يسقط لويس السادس عشر في 1789.
استغرق الأمر ثلاث سنوات.
هذه نقطة مهمة لأن الذاكرة تختصر الثورة أحيانًا إلى لحظة واحدة.
في 1789 أراد كثيرون إصلاح الملكية.
في 1792 أصبح وجود الملك نفسه جزءًا من المشكلة.
الثورات تتحول أثناء سيرها.
مذابح سبتمبر
في أوائل سبتمبر 1792، مع اقتراب الجيوش المعادية والخوف من مؤامرات داخلية، اقتحمت حشود سجون باريس وقتلت أعدادًا كبيرة من السجناء.
عرفت الأحداث بمذابح سبتمبر.
كان بين الضحايا رجال دين وسجناء سياسيون وأشخاص متهمون بجرائم عادية وغيرهم.
كشفت المذابح عن شيء خطير.
الخوف من الثورة المضادة أصبح قادرًا على تحويل الشبهة إلى حكم.
والشارع أصبح قادرًا على تنفيذ العقوبة خارج المؤسسات القضائية.
الحرية التي أعلنت الحقوق يمكن أن تعيش في المجتمع نفسه الذي يمارس فيه العنف الجماعي.
الثورات لا تتحرك دائمًا في خط أخلاقي صاعد.
الجمهورية
في 21 سبتمبر 1792 ألغى المؤتمر الوطني الملكية.
وفي اليوم التالي بدأ تأريخ الجمهورية الفرنسية الجديدة.
كان التحول هائلًا.
ملك فرنسا لم يعد رأس دولة ضعيفًا.
لم يعد ملكًا أصلًا.
لكن بقي سؤال لا يمكن تأجيله:
ماذا نفعل بلويس كابيه، كما بدأ الثوار يسمونه أحيانًا؟
إذا كان مواطنًا، فهل يحاكم؟
وإذا حُكم عليه بالخيانة، فهل يُعدم؟
محاكمة الملك
عُثر على وثائق زادت الشبهات بشأن اتصالات الملك وموقفه من الثورة.
حاكمه المؤتمر الوطني.
لم تكن القضية مجرد محاكمة رجل.
كانت محاكمة مؤسسة.
الذين أرادوا إعدامه رأوا أن بقاءه يهدد الجمهورية.
والذين عارضوا أو ترددوا خشوا العواقب القانونية والسياسية والدولية.
أُدين لويس السادس عشر.
وفي 21 يناير 1793 أُعدم بالمقصلة في باريس.
انتهت حياة الملك.
لكن الثورة لم تهدأ.
بالعكس.
دخلت مرحلتها الأكثر خطورة.
المقصلة
لم تخترع الثورة قطع الرؤوس.
ولم تُصمم المقصلة أساسًا لتعذيب الناس.
ظهرت الفكرة ضمن محاولة توحيد طريقة الإعدام وجعلها سريعة نسبيًا بصرف النظر عن الطبقة الاجتماعية.
في النظام القديم كان نوع العقوبة يستطيع أن يختلف بحسب المكانة.
أما الثورة التي تتحدث عن المساواة أمام القانون، فأصبح لديها حتى في الموت جهاز واحد.
المفارقة قاسية.
آلة ارتبطت بفكرة توحيد العقوبة أصبحت الرمز الأشهر لعنف الثورة.
أوروبا ضد الجمهورية
أدى إعدام لويس السادس عشر إلى زيادة المواجهة مع القوى الأوروبية.
توسعت الحرب.
في الداخل اندلعت أزمات خطيرة.
تمردت منطقة الفانديه في الغرب ضد الحكومة الثورية في سياق اختلطت فيه المعارضة للتجنيد والدين والملكية والمظالم المحلية.
كما اندلعت ثورات وحركات معارضة في مدن وأقاليم أخرى.
وفي باريس تصارع الجيرونديون والجبليون واليعاقبة وقوى شعبية متعددة.
الجمهورية كانت تقاتل في الخارج.
وتحارب في الداخل.
وتختلف مع نفسها في العاصمة.
هذا هو المناخ الذي سيولد الإرهاب.
لجنة السلامة العامة
أُنشئت لجنة السلامة العامة في أبريل 1793 ضمن مؤسسات المؤتمر الوطني لمواجهة الأزمات المتفاقمة.
ومع الوقت أصبحت مركزًا قويًا للحكومة الثورية.
ارتبط اسم ماكسيميليان روبسبيير بها بشدة، خصوصًا بعد انضمامه إليها في يوليو 1793.
لكن من الخطأ اختزال النظام كله في رجل واحد.
عملت اللجنة جماعيًا، وكان فيها رجال مثل لازار كارنو وسان جوست وكوتون وبارير وآخرين.
والحكومة الثورية كانت شبكة من مؤسسات وقوانين وممثلين في الأقاليم ولجان محلية.
روبسبيير كان مهمًا جدًا.
لكنه لم يكن «ديكتاتور فرنسا» بالمعنى البسيط الذي توحي به بعض الروايات الشعبية.
الإرهاب
في 1793 و1794 أصبحت الإجراءات الاستثنائية أكثر اتساعًا.
قانون المشتبه بهم.
ومحاكم ثورية.
واعتقالات.
وإعدامات.
وقمع للتمردات.
ووضع الاقتصاد والحرب تحت ضغوط تنظيمية استثنائية.
عُرفت المرحلة لاحقًا باسم عهد الإرهاب.
أُعدم آلاف الأشخاص رسميًا، وتوفي آخرون في السجون أو خلال القمع والحرب الأهلية.
لكن حتى كلمة «الإرهاب» تحتاج إلى فهم سياقها.
كانت الحكومة تقول إنها تواجه دولة مهددة بالغزو والحرب الداخلية.
أما ضحاياها وخصومها فرأوا نظامًا يستخدم الشبهة والعنف لإسكات المعارضة.
الحالتان موجودتان في المصادر.
وجود الأزمة لا يمحو العنف.
ووجود العنف لا يعني أن الأزمة كانت خيالية.
الملكة
أُعدمت ماري أنطوانيت في أكتوبر 1793.
كانت قد أصبحت قبل الثورة بسنوات هدفًا للكثير من الشائعات والعداء الشعبي.
اتهمت بالإسراف والتآمر والتأثير على الملك.
وبعض القصص التي التصقت بها، ومنها العبارة الشهيرة عن أكل الكعك عندما لا يجد الناس الخبز، لا يوجد دليل موثوق على أنها قالتها.
لكن السمعة السياسية لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون كل تفاصيلها صحيحة.
حين تصبح شخصية رمزًا لنظام مكروه، يبدأ الناس في استخدام كل قصة لتأكيد الصورة التي صنعوها عنها مسبقًا.
أُعدمت المرأة.
وبقيت الأسطورة.
النساء والثورة
شاركت النساء في الثورة منذ بدايتها.
في مسيرات الخبز.
والنوادي.
والكتابات السياسية.
والاحتجاجات.
لكن النظام الجديد لم يمنحهن حقوقًا سياسية مساوية للرجال.
كتبت أوليمب دو غوج سنة 1791 «إعلان حقوق المرأة والمواطنة»، متحدية التناقض بين لغة الحقوق العامة واستبعاد النساء من المواطنة السياسية.
وفي 1793 أُعدمت دو غوج بعد صراعها السياسي مع الاتجاهات المسيطرة في الثورة.
كما أغلقت الحكومة النوادي السياسية النسائية.
الثورة التي وسعت مفهوم الحقوق اصطدمت بحدودها الخاصة.
لكن بمجرد أن تُقال كلمة «المساواة»، يصبح من الصعب تحديد من يحق له المطالبة بها.
المستعمرات
كانت فرنسا قوة استعمارية.
وفي مستعمراتها عاش مئات الآلاف تحت نظام العبودية.
كيف يمكن لإعلان يقول إن البشر يولدون أحرارًا ومتساوين أن يعيش إلى جانب العبودية؟
في مستعمرة سان دومينغ، في منطقة هايتي الحالية، انفجرت سنة 1791 ثورة ضخمة قادها المستعبدون ومجموعات أخرى وسط صراعات اجتماعية واستعمارية معقدة.
وصلت آثار الثورة الفرنسية إلى الكاريبي، لكن سكان المستعمرة لم ينتظروا باريس كي تشرح لهم معنى الحرية.
قاتلوا من أجلها.
إلغاء العبودية
في فبراير 1794 ألغى المؤتمر الوطني العبودية في المستعمرات الفرنسية.
كان القرار تاريخيًا.
لكن التطبيق والظروف اختلفت بين المستعمرات.
كما أن قصة العبودية الفرنسية لم تنتهِ هنا.
نابليون سيعيدها في المستعمرات سنة 1802.
أما ثورة سان دومينغ فستستمر حتى قيام هايتي المستقلة سنة 1804.
مرة أخرى نرى أن الثورة الفرنسية لم تكن فرنسية فقط.
الكلمات التي كُتبت في باريس وصلت إلى أماكن لم يكن نواب الجمعية قادرين على التحكم في نتائجها فيها.
الثورة تأكل أبناءها؟
العبارة شهيرة، لكنها لا تشرح كل شيء.
مع اشتداد الصراع، بدأت الفصائل الثورية نفسها تقصي بعضها بعضًا.
سقط الجيرونديون.
ثم أُعدم جورج دانتون وعدد من أنصاره في أبريل 1794.
وكان دانتون واحدًا من أبرز رجال الثورة.
قبل ذلك أُعدم جاك رينيه إيبير وأتباعه من الاتجاه الأكثر راديكالية.
أصبحت مساحة الاختلاف داخل الثورة نفسها أضيق.
حين يعتبر كل طرف أن بقاء الجمهورية يعتمد على إقصاء الآخر، يصبح الخصم السياسي بسهولة «عدوًا للشعب».
وهنا يصبح الخلاف مسألة حياة أو موت.
روبسبيير
من السهل صنع شخصية واحدة تحمل كل دم المرحلة.
روبسبيير مناسب لهذا الدور.
محامٍ.
وخطيب.
وصاحب خطاب مستمر عن الفضيلة والجمهورية.
وعضو مؤثر في لجنة السلامة العامة.
دافع عن إجراءات قاسية باسم الدفاع عن الثورة.
لكن النظام لم يكن من صنعه وحده.
كما أن إسقاطه لن يعيد فرنسا فورًا إلى الهدوء.
لفهم الإرهاب يجب أن نرى الحرب والمؤسسات والصراعات الاجتماعية والقوانين والنواب والجمهور، لا وجه رجل واحد فقط.
لكن في صيف 1794 أصبح كثير من النواب يخشون أنهم قد يكونون الضحايا التاليين.
وهذا الخوف سيغير كل شيء.
ترميدور
في 27 يوليو 1794، الموافق 9 ترميدور في التقويم الثوري، انقلب خصوم روبسبيير عليه داخل المؤتمر.
اعتُقل.
وبعد صراع مرتبك بين البلدية والمؤتمر، فشل أنصاره في إنقاذه.
في اليوم التالي أُعدم روبسبيير وسان جوست وكوتون وعدد من رفاقهم.
لم يختف العنف السياسي فورًا.
لكن سقوط روبسبيير أصبح رمزًا لنهاية المرحلة الأكثر كثافة من الإرهاب الحكومي.
الثورة دخلت تحولًا جديدًا.
مرة أخرى أسقطت رجالًا ساعدوا في صنع مرحلتها السابقة.
ماذا بعد الإرهاب؟
بدأ ما يعرف برد الفعل الترميدوري.
أُغلقت مؤسسات أو أُعيد تنظيمها.
وتراجعت قوة اليعاقبة.
وأصبح الاتجاه السياسي أكثر محافظة في بعض الجوانب.
لكن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية لم تختفِ.
الأسعار.
والحرب.
والانقسامات.
والملكيون الذين يريدون العودة.
والراديكاليون الذين يرون أن الثورة تتراجع.
كانت فرنسا قد تخلصت من الملك.
ثم من أبرز قادة الإرهاب.
لكنها ما زالت لا تعرف النظام المستقر الذي سيأتي بعدهما.
حكومة المديرين
في سنة 1795 أُقر دستور جديد وأنشئ نظام حكومة المديرين.
أقيمت سلطة تنفيذية من خمسة مديرين، إلى جانب مجلسين تشريعيين.
كان التصميم محاولة لمنع عودة تركيز السلطة في يد شخص واحد أو جمعية واحدة.
لكن النظام واجه منذ البداية مشكلات.
أزمات مالية.
وفسادًا.
وصراعًا سياسيًا.
وتدخل الجيش في السياسة.
وانقلابات داخل النظام نفسه للحفاظ على التوازن أو استبعاد خصوم.
الجمهورية التي خرجت من الإرهاب أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الجنرالات.
ومن بينهم شاب كورسيكي سريع الصعود.
نابليون
برز نابليون بونابرت عسكريًا خلال حروب الثورة.
قاد حملة ناجحة في إيطاليا.
ثم ذهب إلى مصر سنة 1798.
كانت سمعته العسكرية أكبر من مكانته السياسية الرسمية.
لكن النظام في باريس أصبح ضعيفًا بما يكفي لكي تصبح الشهرة العسكرية رأس مال سياسيًا.
في نوفمبر 1799 عاد نابليون وشارك في انقلاب 18 برومير.
انهارت حكومة المديرين.
وأُنشئ نظام القنصلية.
أصبح نابليون القنصل الأول.
يستخدم كثير من المؤرخين هذا الحدث بوصفه نهاية المرحلة الثورية التي بدأت سنة 1789.
لكن حتى هذا لا يعني أن الثورة اختفت.
هل قتل نابليون الثورة أم أكملها؟
السؤال لا يملك جوابًا بسيطًا.
أنهى نابليون النظام الجمهوري التعددي الذي كان موجودًا في حكومة المديرين، ثم أصبح إمبراطورًا سنة 1804.
من هذه الزاوية يبدو أنه أنهى الثورة السياسية.
لكن نظامه حافظ على كثير من التحولات التي صنعتها الثورة.
إلغاء الامتيازات الإقطاعية.
ومبدأ المساواة المدنية للرجال أمام القانون بدرجات مهمة.
والإدارة المركزية الجديدة.
وإعادة تنظيم العلاقة مع الملكية والأرض.
ثم جاء القانون المدني النابليوني ليحمل بعض هذه التحولات داخل فرنسا وخارجها.
الرجل الذي أنهى الجمهورية الثورية حمل بعض إرث الثورة معه إلى الإمبراطورية.
التاريخ يحب هذه المفارقات.
هل نجحت الثورة؟
السؤال نفسه يحتاج إلى تفكيك.
إذا كان هدف الثورة منذ اليوم الأول إقامة جمهورية مستقرة، فهذه ليست الحقيقة.
في 1789 كان كثيرون يريدون إصلاح الملكية.
إذا كان الهدف إنهاء كل عدم مساواة، فلم يحدث ذلك.
النساء بقين بلا مساواة سياسية.
والعبودية عادت لاحقًا في المستعمرات الفرنسية قبل أن تُلغى نهائيًا في القرن التاسع عشر.
والثروة لم تتوزع بالتساوي.
والحرب استمرت.
لكن إذا كان السؤال:
هل غيرت الثورة البنية السياسية والاجتماعية لفرنسا وأوروبا؟
فالجواب تاريخيًا واضح.
العالم بعد 1789 لم يعد قادرًا بسهولة على التعامل مع الامتياز الوراثي والسيادة الشعبية والمواطنة والحقوق كما كان يتعامل معها قبلها.
حتى الذين أرادوا إعادة النظام القديم اضطروا إلى التعامل مع اللغة الجديدة.
الملك يعود لاحقًا
وهذه مفارقة أخرى.
بعد سقوط نابليون عادت أسرة بوربون إلى العرش سنة 1814، ثم مرة أخرى بعد مئة يوم نابليون في 1815.
إذن الملكية التي أسقطتها الثورة عادت.
لكنها لم تعد إلى العالم نفسه.
لا يمكن إعادة سنة 1788 ببساطة.
تغير المجتمع.
وتغيرت الملكية.
وتغير القانون.
وتغيرت فكرة الأمة.
حتى النظام الذي يريد استعادة الماضي يكتشف أن الماضي نفسه لم يعد موجودًا.
يمكن إعادة ملك.
أصعب بكثير إعادة الزمن الذي جعل الملكية القديمة ممكنة.
الثورة والتقويم
بلغت رغبة الثوار في صنع عالم جديد حد تغيير طريقة حساب الزمن نفسه.
في 1793 اعتمد التقويم الجمهوري، وجعلت بداية الجمهورية نقطة لبداية عصر جديد.
تغيرت أسماء الشهور.
وأصبح الأسبوع عشرة أيام في النظام الجديد.
كان المشروع أكثر من تعديل إداري.
الثورة تريد أن تقول:
نحن لا نغير الحكومة فقط.
نبدأ زمنًا جديدًا.
لكن الناس لا يتركون عادات قرون بسهولة.
ألغى نابليون التقويم في نهاية المطاف.
الوقت نفسه قاوم الثورة.
الثورة والدين
دخلت الثورة كذلك في موجات من نزع المسيحية أو تقليص حضور الكنيسة، خصوصًا في المرحلة الراديكالية.
أُغلقت كنائس في مناطق.
وتعرض رجال دين للاضطهاد.
وظهرت محاولات لإنشاء طقوس مدنية جديدة، مثل عبادة العقل ثم عبادة الكائن الأسمى.
لكن هذه الإجراءات لم تكن سياسة واحدة مستقرة لكل الثوار منذ 1789.
وكان بينها وبين روبسبيير نفسه خلافات.
بعد سنوات، سيعقد نابليون اتفاقًا مع البابوية سنة 1801 يعيد تنظيم علاقة الدولة بالكنيسة.
حتى الثورة التي حاولت إعادة تشكيل المقدس اكتشفت أن الدين لا يختفي بمرسوم.
الفلاح الذي بقي
بين كل الخطب والدساتير، ربما كان واحد من أعمق التحولات يقع في الريف.
انهارت كثير من الالتزامات والحقوق الإقطاعية.
وتغيرت ملكية الأراضي مع بيع ممتلكات الكنيسة وغيرها.
لم يصبح كل فلاح غنيًا.
ولم تختفِ الفوارق الاقتصادية.
لكن النظام الاجتماعي والقانوني القديم تعرض لتحول لا يمكن تجاهله.
وهذا ربما يفسر لماذا بقي جزء من إرث الثورة حتى عندما تغيرت الحكومات.
الحكومة تستطيع أن تعود إلى الملكية.
لكن استعادة كل امتياز وكل حق إقطاعي أصبحت عملية أصعب بكثير.
الثورة التي صنعت السياسة الجماهيرية
قبل 1789 كانت السياسة الرسمية في فرنسا شأنًا محدودًا نسبيًا بالنخب والمؤسسات الملكية.
خلال الثورة ظهرت تجربة مختلفة.
صحف.
ونشرات.
ونوادٍ سياسية.
وخطابات جماهيرية.
وانتخابات بدرجات مختلفة.
ومظاهرات.
وعرائض.
وحشود تستطيع إسقاط وزارة أو الضغط على جمعية.
لم تصبح فرنسا ديمقراطية حديثة كاملة.
لكن الجمهور دخل المسرح السياسي بطريقة لم يعد من السهل إخراجه منها.
بعد أن يتعلم الناس أنهم يستطيعون تغيير الحكومة، يصبح إقناعهم بأن السياسة لا تخصهم أصعب.
اللغة التي بقيت
اليمين واليسار.
المواطن.
الأمة.
الجمهورية.
الإرهاب السياسي.
الثورة المضادة.
كل هذه الكلمات أو دلالاتها الحديثة تأثرت بعمق بتجربة الثورة الفرنسية.
حتى تقسيم «اليمين» و«اليسار» السياسي يرتبط بطريقة جلوس النواب في الجمعيات الثورية.
من كانوا أكثر ارتباطًا بالدفاع عن الملكية أو المواقف المحافظة جلسوا في اتجاه، وخصومهم الأكثر راديكالية في اتجاه آخر.
تحولت الجغرافيا داخل قاعة إلى لغة سياسية يستخدمها العالم بعد قرون.
قد تختفي القاعة.
ويبقى موقع المقعد.
إعلان الحقوق الذي نجا من أصحابه
من أكثر مفارقات الثورة أن إعلان حقوق الإنسان والمواطن بقي أكثر استقرارًا من معظم الأنظمة التي جاءت بعده.
الملكية الدستورية سقطت.
الجمهورية الأولى تغيرت.
الإرهاب انتهى.
حكومة المديرين سقطت.
ونابليون نفسه سيسقط.
لكن نص 1789 بقي مرجعًا في التاريخ السياسي والقانوني الفرنسي، وعاد إلى قلب النظام الدستوري الفرنسي الحديث.
الوثيقة التي كتبها رجال لم يمنحوا جميع البشر الحقوق نفسها أصبحت لاحقًا أداة يستخدمها آخرون لتوسيع معنى الحقوق.
النص يستطيع أن يصبح أكبر من نية صاحبه.
المفارقة
بدأت الثورة لأن الدولة لم تستطع إصلاح الضرائب من دون أزمة سياسية.
وانتهت بعد عشر سنوات تقريبًا بظهور رجل سيبني دولة مركزية أقوى ويخوض حروبًا أكبر من حروب الملك الذي أُسقط.
بدأت باسم الحرية.
ثم صنعت حكومة إرهاب.
أعلنت المساواة.
لكنها استبعدت النساء من السلطة السياسية.
ألغت العبودية.
ثم أعادها النظام الذي خرج من الثورة.
أسقطت الملك.
ثم توج نابليون نفسه إمبراطورًا.
لو توقفنا هنا، يمكن أن تبدو الثورة فشلًا ساخرًا.
لكن هذه ليست الصورة كلها.
لأن ما تغير تحت الحكومات كان أعمق من أسماء الحكام.
حين سقط الملك ولم تنتهِ الثورة
إعدام لويس السادس عشر لم يكن نهاية الثورة.
كان اكتشافًا مخيفًا:
من السهل نسبيًا معرفة من يحكم عندما يكون هناك ملك.
أصعب بكثير أن تقرر كيف يحكم شعب نفسه.
من يمثل الأمة؟
من يملك حق التصويت؟
ماذا نفعل بمن يرفض الثورة؟
هل الحرية تشمل أعداء الحرية؟
هل يجوز استخدام العنف لإنقاذ الجمهورية؟
هل الحقوق عالمية فعلًا؟
هل المرأة مواطنة كاملة؟
هل المستعبد في المستعمرة يدخل في كلمة «الإنسان»؟
كل جواب فتح سؤالًا آخر.
لهذا استمرت الثورة بعد سقوط العرش.
فالثورة الحقيقية لم تكن نقل السلطة من رجل إلى رجال آخرين.
كانت كسر فكرة قديمة تقول إن ترتيب المجتمع موجود لأنه يجب أن يكون موجودًا.
بعد 1789 أصبح كل شيء تقريبًا قابلًا للسؤال.
الملك.
النبيل.
والكنيسة.
والضريبة.
والملكية.
والتقويم.
وحتى معنى المواطن.
وهنا توجد قوة الثورة وخطرها معًا.
إذا أصبح كل شيء قابلًا للتغيير، فمن يحدد متى يجب أن يتوقف التغيير؟
لم تجد الثورة الفرنسية جوابًا واحدًا.
جربت الملكية الدستورية.
ثم الجمهورية.
ثم الحكومة الثورية.
ثم المديرين.
ثم نابليون.
وسقط نظام بعد نظام.
لكن خلف هذه السقوطات بقي شيء لم يعد ممكنًا إعادته بسهولة إلى مكانه القديم:
فكرة أن الإنسان يولد داخل طبقة سياسية محددة، وأن السلطة تأتي من أعلى، وأن الامتياز الطبيعي لا يحتاج إلى تفسير.
لهذا لم تنتهِ الثورة عندما سقط الملك.
وربما لم تنتهِ بالكامل حتى عندما انتهى نظامها السياسي.
فالأحداث التي تبدأ بالخبز والضرائب تستطيع، إذا فتحت سؤال السيادة والحقوق، أن تستمر داخل اللغة السياسية قرونًا بعد أن يصمت آخر مدفع.
المصادر والمراجع
- إعلان حقوق الإنسان والمواطن، 1789.
- الجمعية الوطنية الفرنسية — أرشيف وتاريخ الثورة الفرنسية والجمعية الوطنية التأسيسية.
- دستور فرنسا لعام 1791.
- William Doyle — The Oxford History of the French Revolution.
- Timothy Tackett — The Coming of the Terror in the French Revolution.
- Lynn Hunt — Politics, Culture, and Class in the French Revolution.
- Peter McPhee — Liberty or Death: The French Revolution.
- Simon Schama — Citizens: A Chronicle of the French Revolution.
- Georges Lefebvre — The Coming of the French Revolution.
- Jeremy D. Popkin — A New World Begins: The History of the French Revolution.

