لا يوجد طريق طبيعي إلى هذه المدينة. سلالمها تبدأ من جزيرة معلقة وتنتهي عند باب يفتح على السحاب. مئذنة تلتف كأن الريح بنتها، وقباب تنبت بينها الزهور، وغزال يحمل جناحين شفافين، وطائر لا نعرف إن كان قد خرج من أسطورة قديمة أم من حلم لم يكتمل بعد.
ومع ذلك لا تبدو الصورة غريبة تمامًا. نحن لم نر هذا المكان من قبل، لكن أجزاءه مألوفة: قوس شرقي، شرفة حجرية، صبّار، حلزون، شجرة، طائر، جبل. الخيال لا يصنع عالمه من العدم؛ يأخذ شظايا الواقع ثم يعيد ترتيبها بطريقة لا يسمح بها الواقع نفسه.
هنا تكمن قوة الفن التخييلي. فهو لا يطلب منا أن نصدّق وجود الجزيرة المعلقة، بل أن نلاحظ السرعة التي بدأ بها عقلنا اختراع قوانين لها. نتساءل من يسكن الأبراج، وكيف تصل المياه إلى الحدائق، وإلى أين يقود السلم الأخير. ما إن نرى عالمًا غير موجود حتى نبدأ، من تلقاء أنفسنا، في منحه تاريخًا.
ليس كل حلم سريالية
من المغري أن نصف كل صورة مستحيلة بأنها «سريالية»، لكن السريالية حركة تاريخية وفكرية محددة ظهرت في عشرينيات القرن العشرين، وارتبطت بتحرير الخيال واللاوعي وكسر رقابة العقل. أما الفن التخييلي فأوسع وأقدم؛ يمتد من الكائنات المركبة في الأساطير إلى المدن المستحيلة في الرسم الرومانسي، ثم إلى أدب الفانتازيا وفنون السينما والألعاب والتصميم الرقمي.
في عام 1833، مثلًا، رسم توماس كول «كأس العملاق»، وهو منظر لعالم صغير قائم فوق كأس هائلة وسط الطبيعة. وما زال متحف المتروبوليتان يصف العمل بأنه يقاوم التفسير الكامل. ليس بينه وبين صورتنا تطابق، لكن القرابة واضحة: العالم المصغر المنفصل عن الأرض، والآثار التي تبدو أقدم من الحكاية التي نعرفها، والطبيعة التي تستعيد العمارة ببطء.
الفارق أن الأدوات اليوم تسمح بتكديس احتمالات بصرية هائلة في صورة واحدة. وقد تُبنى الصورة بفرشاة رقمية، أو تركيب فوتوغرافي، أو بمساعدة نموذج توليدي، أو بمزيج من ذلك كله. لكن الأداة وحدها لا تصنع أثرًا. السؤال الحاسم يظل: هل رتبت العناصر بطريقة تفتح حكاية، أم جمعتها لأنها جميلة فقط؟
السلم أهم من القصر
أكثر عناصر الصورة صدقًا ربما يكون السلم. فالقصر المكتمل يعلن وصولًا، أما السلم فيعني أن هناك مسافة لم تُقطع بعد. يتكرر صعوده وهبوطه حتى يبدو المكان كله وعدًا لا وجهة.
نحن أيضًا نبني داخل رؤوسنا أماكن من هذا النوع. بيتًا كان ينبغي أن نسكنه، مدينة لم نزرها، حياة اتخذت قرارًا مختلفًا عند منعطف صغير. ليست هذه العوالم كذبًا؛ إنها مختبرات سرية نجرب فيها ما لم يسمح به الواقع.
لكن الخيال قد يتحول إلى مخبأ إذا أغلق الباب وراءه. قيمته لا تكمن في أن يجعل العالم الحقيقي أقل احتمالًا، بل في أن يعيدنا إليه بحاسة مدرّبة على رؤية الممكن. قبل أن تُبنى المدن كانت خطوطًا في رأس أحدهم. وقبل أن يطير الإنسان كانت الأجنحة البشرية صورة مستحيلة تتكرر في الأساطير.
لماذا نحب المستحيل الجميل؟
لأن الواقع يفرض علينا قوانينه من دون استئذان: الجاذبية، والوقت، والفقد، وحدود الجسد. وفي الصورة الخيالية نحصل لوهلة على حق تعديل هذه القوانين. نرفع الأرض إلى السماء، ونمنح الغزال جناحين، ونطلب من الحجر أن يزهر.
لا يلغي ذلك آلام العالم. لكنه يذكّرنا بأن الإنسان ليس الكائن الذي يتكيف مع الموجود فقط؛ إنه الكائن الذي يستطيع تصور ما ليس موجودًا بعد. كل اختراع عظيم مرّ، في لحظة ما، بمنطقة بدت فيها فكرته أقرب إلى الحلم منها إلى الخطة.
الخلاصة: العالم الخيالي ليس مكانًا نهرب إليه بالضرورة؛ قد يكون النافذة التي نتدرب عبرها على ألّا نقبل بأن الموجود هو الشكل الوحيد الممكن للحياة

