سليمان القانوني

سليمان القانوني — السلطان الذي أراد أن يجعل القوة نظامًا

عندما وصل سليمان الأول إلى العرش سنة 1520، لم يستلم دولة ضعيفة تحتاج إلى إنقاذ.

استلم إمبراطورية منتصرة.

كان والده سليم الأول قد هزم الصفويين في جالديران، ثم أسقط دولة المماليك وضم الشام ومصر والحجاز إلى الحكم العثماني.

أصبحت إسطنبول مركز دولة تمتد على ثلاث قارات.

وكان أمام السلطان الجديد سؤال يختلف عن سؤال المؤسس أو الفاتح:

ماذا تفعل بالقوة بعدما تحصل عليها؟

يمكن أن تفتح مدينة.

ويمكن أن تهزم جيشًا.

لكن الإمبراطورية لا تعيش أربعين أو مئة سنة على صوت المدافع وحده.

تحتاج إلى قانون.

وقضاء.

وضرائب.

وطرق.

وإدارة.

وجيش يعرف من يدفع له.

ومدن تعرف ما المطلوب منها.

لهذا عرفه الأوروبيون باسم:

سليمان العظيم.

أما في الذاكرة العثمانية فأصبح:

سليمان القانوني.

والفرق بين اللقبين يكشف وجهين للرجل نفسه.

من الخارج رأوا حجم القوة.

ومن الداخل بقيت ذكرى النظام الذي حاول أن يضعه داخلها.

أمير من طرابزون

وُلد سليمان سنة 1494 تقريبًا في طرابزون على البحر الأسود.

كان والده سليم، الذي سيصبح لاحقًا السلطان سليم الأول.

نشأ الأمير داخل النظام العثماني الذي كان يرسل أبناء السلاطين إلى الولايات ليتعلموا الإدارة قبل أن يطالبوا بالعرش.

تولى سليمان مسؤوليات في مناطق مختلفة، من بينها مانيسا.

لم يكن الأمير يتعلم الحكم من الكتب فقط.

كان يدير ولاية.

يتعامل مع الموظفين.

والضرائب.

والقضاء.

والقوات.

وهذه المدرسة السياسية كانت مهمة لأن الوصول إلى العرش العثماني لم يكن يعني نهاية الخطر.

في التاريخ العثماني كان موت السلطان يستطيع أن يحول أبناءه إلى خصوم خلال أيام.

لكن سليمان كان محظوظًا في هذه النقطة.

عندما مات سليم الأول سنة 1520، لم يكن أمامه أخ حي ينافسه على العرش.

دخل إسطنبول سلطانًا من دون حرب خلافة كبرى.

سلطان شاب ودولة تنتظر الاختبار

كان سليمان في السادسة والعشرين تقريبًا.

والدولة كبيرة.

لكن كل سلطان جديد كان يحتاج إلى إثبات نفسه.

فالعدو الخارجي يراقب انتقال السلطة.

والنخب داخل الدولة تراقب السلطان الجديد.

والجيش يريد أن يعرف إن كان الرجل قادرًا على قيادة الإمبراطورية التي ورثها.

لم ينتظر سليمان طويلًا.

كان الهدف الأول في الغرب:

بلغراد.

بلغراد 1521

حاول العثمانيون قبل سليمان الاستيلاء على بلغراد وفشلوا.

كانت المدينة بوابة استراتيجية نحو وسط أوروبا.

في سنة 1521 حاصرها سليمان.

سقطت المدينة.

فتح الطريق نحو المجر بصورة أوسع.

لم يكن الفتح مجرد إضافة جديدة إلى الخريطة.

كان إزالة حاجز ظل لعقود جزءًا أساسيًا من الدفاع المجري ضد التقدم العثماني.

وبعد عام واحد انتقل السلطان إلى هدف مختلف تمامًا.

جزيرة في البحر المتوسط.

رودس.

فرسان رودس

كانت رودس تحت سيطرة فرسان القديس يوحنا.

ومن موقعهم كانوا يمثلون قوة بحرية وعسكرية مزعجة للعثمانيين في شرق المتوسط.

حاصر سليمان الجزيرة سنة 1522.

كانت التحصينات قوية.

والمقاومة شديدة.

ودفع العثمانيون ثمنًا كبيرًا خلال الحصار.

لكن رودس استسلمت في النهاية.

سمح للفرسان بالمغادرة، وانتقلوا لاحقًا إلى مالطة.

أصبحت الجزيرة عثمانية.

وخلال عامين فقط كان سليمان قد أزال عقبتين كبيرتين:

واحدة على طريق البلقان.

والأخرى في شرق البحر المتوسط.

لكن المواجهة الأكبر كانت تنتظره في المجر.

موهاكس

في أغسطس سنة 1526 واجه الجيش العثماني جيش مملكة المجر في سهل موهاكس.

كانت المعركة قصيرة نسبيًا وحاسمة.

انهزم الجيش المجري.

ومات الملك لايوش الثاني أثناء انسحابه، ويُرجح أنه غرق بعد سقوطه عن حصانه.

لم تكن النتيجة مجرد انتصار ميداني.

موت الملك من دون وريث مباشر فتح أزمة خلافة.

وهنا أصبحت المجر أرض صراع بين العثمانيين وآل هابسبورغ.

دخل سليمان بودا.

لكن المجر لم تتحول فورًا كلها إلى ولاية عثمانية مستقرة.

بدأ فصل طويل من الحرب السياسية والعسكرية حول من يملك وسط أوروبا.

فرديناند

طالب الأرشيدوق فرديناند من آل هابسبورغ بالعرش المجري.

وفي المقابل دعم سليمان يانوش زابوليا ملكًا على المجر.

لم تعد الحرب مسألة حدود فقط.

أصبحت صراعًا على شكل النظام السياسي في المنطقة.

من يضع الملك؟

من يعترف به؟

ومن يحميه؟

كان آل هابسبورغ يبنون قوة أوروبية ضخمة مرتبطة بإسبانيا والإمبراطورية الرومانية المقدسة.

والعثمانيون يبنون إمبراطورية تمتد من العراق إلى البلقان.

المجر وقعت بين العملاقين.

فيينا 1529

تقدم سليمان حتى فيينا سنة 1529.

وصل الجيش العثماني إلى واحدة من أهم مدن آل هابسبورغ.

لكن الحصار لم ينجح.

جاءت الحملة بعد مسير طويل وظروف جوية صعبة.

وتأثرت المدفعية والإمدادات.

ودافعت المدينة بقوة.

انسحب العثمانيون.

أصبحت فيينا لاحقًا رمزًا كبيرًا في الذاكرة الأوروبية للصراع مع الدولة العثمانية.

لكن من الخطأ أن نقرأ الحصار كأنه محاولة جاهزة لاحتلال أوروبا كلها.

كان جزءًا من صراع أوسع على المجر وتوازن القوى مع آل هابسبورغ.

لم تسقط فيينا.

لكن الدولة العثمانية لم تتراجع بعدها إلى الأناضول.

بقيت قوة أساسية في قلب السياسة الأوروبية لعقود.

المجر التي انقسمت

بعد سنوات من الصراع أصبحت المجر عمليًا موزعة بين مناطق مختلفة.

أجزاء خضعت مباشرة للحكم العثماني.

وأجزاء تحت حكم هابسبورغي.

وإمارة ترانسلفانيا المرتبطة بالنظام العثماني بدرجات متفاوتة.

هذا الوضع سيستمر طويلًا.

وهنا نرى الفرق بين انتصار موهاكس وإدارة ما بعده.

يمكن تدمير جيش في يوم.

أما إعادة تشكيل بلد كامل فقد تحتاج أجيالًا.

ليس الغرب وحده

بينما كان سليمان يقاتل آل هابسبورغ، كان شرق الإمبراطورية يحتوي خصمًا خطيرًا آخر:

الدولة الصفوية في إيران.

الصراع العثماني الصفوي لم يكن مذهبيًا فقط، رغم أهمية التنافس السني الشيعي.

كان كذلك صراعًا على الأناضول والعراق والقوقاز والطرق التجارية والنفوذ السياسي.

ورث سليمان هذا النزاع عن والده.

وفي ثلاثينيات القرن السادس عشر تحرك شرقًا.

بغداد

في حملة 1534 دخل العثمانيون بغداد بعد انسحاب القوات الصفوية منها.

أصبحت المدينة جزءًا من المجال العثماني.

كان العراق مهمًا لعدة أسباب.

موقعه.

ومدن العتبات الدينية.

ونهراه.

وطرق التجارة.

ومكانته التاريخية.

لكن السيطرة على العراق لم تكن تعني نهاية النزاع مع الصفويين.

تغيرت الحدود مرارًا.

واستمرت الحملات.

وفي نهاية المطاف أدت تسوية أماسيا سنة 1555 إلى فترة من الاستقرار النسبي بين الطرفين.

مرة أخرى:

الإمبراطورية لا تستطيع القتال على كل الحدود إلى الأبد.

حتى أقوى سلطان يحتاج أحيانًا إلى خط يقبل به الطرفان مؤقتًا.

البحر المتوسط

في عصر سليمان لم تكن الحرب العثمانية برية فقط.

ظهر البحر المتوسط بوصفه جبهة مركزية.

ومن أهم الشخصيات في هذه القصة خير الدين بربروس.

كان قائدًا بحريًا بارزًا في غرب المتوسط، ثم دخل بصورة أوثق في النظام العثماني وأصبح قائد الأسطول.

في عهده توسع النفوذ العثماني البحري في مناطق واسعة.

وأصبحت الجزائر مرتبطة بالدولة العثمانية.

ودخل الأسطول في صراع مع إسبانيا والبندقية وقوى بحرية أخرى.

بروزة

سنة 1538 وقعت معركة بروزة البحرية.

قاد بربروس الأسطول العثماني في مواجهة تحالف مسيحي بقيادة أندريا دوريا.

انتهت المعركة بانتصار عثماني مهم.

عززت النتيجة موقع العثمانيين في شرق ووسط المتوسط.

لكن وصف البحر المتوسط كله بأنه أصبح «بحيرة عثمانية» مبالغة.

كانت هناك قوى بحرية كبيرة أخرى.

إسبانيا.

والبندقية.

وفرسان القديس يوحنا.

وغيرهم.

كانت السيطرة بحرية متنازعًا عليها، لا ملكية مطلقة.

ومع ذلك، في زمن سليمان أصبح الأسطول العثماني عنصرًا لا يستطيع أي مشروع سياسي في المتوسط تجاهله.

فرنسا والسلطان

من أغرب التحولات في السياسة الأوروبية في القرن السادس عشر العلاقة بين الدولة العثمانية وفرنسا.

كان الملك الفرنسي فرنسوا الأول في صراع طويل مع الإمبراطور شارل الخامس من آل هابسبورغ.

وجدت فرنسا في الضغط العثماني على هابسبورغ مصلحة مشتركة.

وتطورت علاقات دبلوماسية وتجارية وعسكرية بين الطرفين.

بالنسبة إلى أوروبا المسيحية التقليدية، كان تحالف ملك مسيحي مع سلطان مسلم ضد إمبراطور مسيحي يبدو صادمًا.

لكن الدولة الحديثة كانت تتعلم درسًا قديمًا:

المصلحة تستطيع تجاوز خطوط العقيدة.

سليمان لم يحتج إلى أن يصبح فرنسيًا.

وفرنسوا لم يحتج إلى أن يصبح عثمانيًا.

كان يكفي أن يكون لهما خصم مشترك.

القانوني

كل هذه المعارك تشرح لماذا وصفه الأوروبيون بـ«العظيم».

لكنها لا تشرح لماذا سماه العثمانيون «القانوني».

كلمة «قانون» في الدولة العثمانية لم تكن تعني إلغاء الشريعة ووضع قانون مدني حديث مكانها.

كان النظام القانوني أكثر تعقيدًا.

هناك الفقه الإسلامي، وخصوصًا المذهب الحنفي الذي احتل موقعًا مركزيًا في القضاء العثماني.

وهناك الأوامر والتنظيمات السلطانية المتعلقة بالضرائب والإدارة والعقوبات والأرض وشؤون الدولة.

هذه اللوائح هي مجال «القانون» السلطاني.

كان المطلوب تنظيم العلاقة بين الاثنين.

لم يخترع القانون من الصفر

سبق محمد الفاتح وسلاطين آخرون سليمان في إصدار القوانين السلطانية.

لذلك فلقب «القانوني» لا يعني أنه أول سلطان عثماني عرف التشريع.

ما ميز عهده كان توسيع وتنظيم وتقنين جانب كبير من الممارسات القانونية والإدارية.

وفي هذا المشروع برز إلى جانبه واحد من أهم علماء الدولة العثمانية:

أبو السعود أفندي.

أبو السعود

أصبح أبو السعود من كبار فقهاء الدولة، ثم شيخ الإسلام.

كان من أهم رجال القانون في القرن السادس عشر العثماني.

ساعدت فتاواه وعمله الفقهي على تقريب القانون السلطاني من الإطار الفقهي الحنفي وتقديم صيغ تجعل الإدارة الإمبراطورية تعمل ضمن شرعية إسلامية أوسع.

لكن وصفه بأنه مجرد موظف يوقع على كل ما يريده السلطان يختزل مؤسسة العلماء.

كما أن القول إن سليمان وحده «كتب القانون العثماني» يختزل عملية مؤسسية كبيرة.

كان القانون نتاج تفاعل بين السلطان والبيروقراطية والقضاة والعلماء والتقاليد السابقة.

لكن عهد سليمان أعطى هذه العملية شكلًا مؤثرًا بقي أثره بعد موته.

الأرض والضريبة

جزء كبير من القانون لا يشبه القصص التي تُكتب عنها الملاحم.

من يزرع الأرض؟

كم يدفع؟

من يملك حق جمع الضريبة؟

ماذا يحدث عند وفاة صاحب الحيازة؟

كيف يُسجل السكان؟

كيف توزع موارد الدولة على الفرسان والموظفين؟

هذه الأسئلة هي التي تقرر إن كانت الإمبراطورية تستطيع تمويل الجيش وإدارة المدن.

ارتبط النظام العثماني في مناطق كثيرة بنظام التيمار، حيث تُخصص إيرادات أراضٍ معينة لأصحاب خدمة عسكرية وإدارية وفق قواعد محددة.

لم يكن النظام موحدًا في كل المقاطعات.

فالإمبراطورية ورثت أنظمة مختلفة في مصر والشام والبلقان والعراق وغيرها.

قوة الدولة لم تأتِ من إجبار كل منطقة على أن تصبح نسخة واحدة.

بل من قدرتها على دمج اختلافات واسعة داخل جهاز سياسي واحد.

العدالة بوصفها سياسة

كان مفهوم العدالة جزءًا أساسيًا من صورة السلطان العثماني.

السلطان العادل يحمي الرعية من ظلم المسؤولين.

والمسؤولون يجمعون الضرائب من دون تجاوز.

والفلاح يستطيع أن ينتج.

والخزانة تحصل على المال.

والجيش يتقاضى موارده.

تبدو السلسلة أخلاقية واقتصادية في الوقت نفسه.

إذا ظلم المسؤول الفلاح حتى يترك الأرض، تخسر الدولة الإيراد.

وإذا انهار الإيراد، يضعف الجيش.

وهكذا تصبح العدالة، في الفكر الإمبراطوري، ليست قيمة دينية فقط.

بل تقنية لبقاء الدولة.

القصر

لكن الإمبراطورية لا تُدار بالقوانين وحدها.

داخل قصر طوب قابي كان هناك عالم آخر من النفوذ والمنافسة.

وزراء.

وخصيان.

وأفراد الأسرة.

والسلطانة الأم.

وزوجات ومحظيات.

وأمراء ينتظر كل واحد منهم أن يعرف ما إذا كان سيصبح سلطانًا أو ضحية لصراع العرش.

وفي عهد سليمان ستظهر امرأة ستغير شكل السياسة داخل الأسرة العثمانية.

هُرَّم سلطان.

هُرَّم

جاءت هُرَّم سلطان إلى القصر جارية، ويُرجح أنها كانت من أصول روثينية من مناطق شرق أوروبا.

عرفها الأوروبيون باسم روكسلانا.

أصبحت من أقرب النساء إلى سليمان.

ثم وقع أمر غير مألوف في تقاليد الأسرة العثمانية في ذلك العصر:

تزوجها السلطان رسميًا.

ارتفع نفوذها السياسي والمالي.

راسلت حكامًا وشخصيات خارجية.

وأنشأت أوقافًا ومشروعات خيرية.

لكن تحويلها إلى «امرأة شريرة سيطرت على السلطان» يعكس كثيرًا من الروايات المعادية والخيال اللاحق أكثر مما يعكس صورة تاريخية بسيطة.

كانت فاعلًا سياسيًا داخل قصر يسمح أصلًا لأفراد الأسرة بممارسة النفوذ.

إبراهيم باشا

شخص آخر صعد بصورة استثنائية كان إبراهيم باشا.

نشأ داخل النظام العثماني وأصبح قريبًا جدًا من سليمان.

وصل إلى منصب الصدر الأعظم.

وحصل على سلطات ونفوذ هائلين.

قاد الجيوش.

وأدار الدبلوماسية.

وكان من أقوى رجال الإمبراطورية.

ثم في سنة 1536 انتهى كل شيء.

أُعدم بأمر السلطان.

أسباب سقوطه معقدة، وتختلط فيها مكانته المتزايدة وسياسات البلاط والسلطة والثقة التي تحولت إلى خوف.

مرة أخرى يظهر قانون القصر غير المكتوب:

القرب من السلطان يستطيع أن يرفع الإنسان فوق الجميع.

ولهذا السبب نفسه يصبح خطرًا.

الأمير مصطفى

كانت الخلافة العثمانية تحمل مشكلة قاسية.

لا يوجد نظام بسيط يجعل الابن الأكبر سلطانًا تلقائيًا.

أبناء السلطان يستطيعون أن يصبحوا منافسين.

وكان للأمير مصطفى، ابن سليمان من ماه دوران، شعبية ومكانة عسكرية قوية.

خلال حملة سنة 1553 استدعاه والده إلى المعسكر.

دخل الأمير خيمة السلطان.

وقُتل بأمره.

كان الحدث من أكثر القرارات إثارة للجدل في حياة سليمان.

اتهم مصطفى بالتآمر أو الاستعداد للتمرد.

لكن مقدار الخطر الحقيقي الذي كان يمثله يبقى موضوع نقاش.

ما لا يحتاج إلى نقاش هو النتيجة:

قتل السلطان واحدًا من أبرز أبنائه لأن احتمال التمرد في الدولة العثمانية لم يكن مسألة عائلية.

كان يستطيع أن يشعل حربًا أهلية.

هل كانت هُرَّم وراء مقتل مصطفى؟

هذه واحدة من أشهر الروايات.

تقول إن هُرَّم وصهرها رستم باشا تآمرا للتخلص من مصطفى كي يصل أحد أبناء هُرَّم إلى العرش.

من المعقول أن صراع الخلافة ودعم الأمراء داخل القصر لعبا دورًا.

وكان لهُرَّم مصلحة واضحة في مستقبل أبنائها.

لكن تحويلها وحدها إلى مهندسة قتل مصطفى يعفينا من المسؤولية الأساسية.

الأمر صدر من السلطان.

وسليمان كان حاكمًا ذا خبرة تجاوز الثلاثين عامًا على العرش.

لم يكن دمية في يد امرأة أو وزير.

يمكن دراسة نفوذ المحيطين به.

لكن القرار يبقى قراره.

الابنان الآخران

بعد وفاة مصطفى لم تختفِ مشكلة الخلافة.

برز ابنا هُرَّم:

سليم.

وبايزيد.

دخل الاثنان في منافسة متصاعدة.

انتهى الصراع بتمرد بايزيد وفراره إلى الدولة الصفوية.

فاوض سليمان الشاه الصفوي طهماسب بشأنه.

وفي النهاية سُلّم بايزيد وأبناؤه للعثمانيين وقُتلوا سنة 1561.

بقي سليم المرشح الأقوى للعرش.

الإمبراطور الذي وضع القوانين لدولة هائلة لم يجد قانونًا رحيمًا يحل مشكلة أسرته.

المهندس الذي أعطى العصر شكله

إذا كان أبو السعود يمثل الوجه القانوني لعصر سليمان، فإن معمار سنان يمثل وجهه الحجري.

أصبح سنان كبير معماريي الدولة.

وصمم مئات المنشآت خلال حياته الطويلة.

مساجد.

ومدارس.

وجسورًا.

وحمامات.

وقنوات.

ومجمعات خيرية.

في عهد سليمان ظهرت واحدة من أعظم منشآته:

جامع السليمانية في إسطنبول.

السليمانية

بُني مجمع السليمانية في خمسينيات القرن السادس عشر.

لا يضم مسجدًا فقط.

هناك مدارس.

ومرافق خيرية.

ومطبخ لإطعام المحتاجين.

ومنشآت أخرى.

يقف المجمع فوق تلة من تلال إسطنبول ويشارك في رسم أفق المدينة.

لم يكن البناء مجرد تعبير عن التقوى.

كان كذلك تعبيرًا عن الدولة.

السلطان يحكم.

ويرعى الدين.

ويمول التعليم.

ويطعم.

ويبني.

العمارة هنا سياسة من الحجر.

كما كانت برسبوليس عند داريوس.

وكما كانت القسطنطينية نفسها عند محمد الفاتح.

كل إمبراطورية تريد أن تجعل قوتها مرئية.

القدس

شهد عهد سليمان أعمالًا مهمة في القدس.

ومن أشهرها إعادة بناء أسوار المدينة التي ما زالت أجزاء كبيرة منها قائمة حتى اليوم.

كما شهد الحرم الشريف أعمال ترميم وزخرفة، ومنها كسوة أجزاء من قبة الصخرة بالبلاط في العصر العثماني.

اهتمت الدولة كذلك بمنشآت مرتبطة بالمياه والخدمات والحج.

لم يكن الاهتمام بالقدس منفصلًا عن السياسة الإمبراطورية.

المدينة مقدسة.

ومن يحكمها يريد أن يظهر أنه راعٍ لها.

مكة والمدينة

ورث العثمانيون من عهد سليم الأول مسؤولية سياسية متزايدة تجاه الحجاز والحرمين.

في عهد سليمان استمرت الرعاية المالية والعمرانية للمرافق المرتبطة بمكة والمدينة وطرق الحج.

لم تكن الحجاز مصدرًا ضخمًا للضرائب مقارنة ببعض الولايات.

لكن قيمتها لم تكن مالية أساسًا.

حكم إمبراطورية إسلامية واسعة يتغير معناه عندما تصبح الأماكن المقدسة ضمن دائرة حمايتها.

هناك أراضٍ تعطي الخزانة المال.

وأراضٍ تعطي الحاكم شرعية.

شاعر باسم مستعار

وسط الحروب والقوانين والقصر كتب سليمان الشعر.

استخدم الاسم الأدبي «محبّي».

كتب بالفارسية والتركية العثمانية.

والصورة تبدو غريبة فقط إذا تصورنا السلطان قائدًا عسكريًا بلا حياة أدبية.

البلاط العثماني في القرن السادس عشر كان بيئة للشعر والخط والموسيقى والفنون وصناعة الكتب.

الحاكم الذي يعطي أمر حصار يستطيع في المساء أن يكتب بيتًا عن الحب.

التاريخ لا يوزع البشر في صناديق مرتبة.

القائد قد يكون شاعرًا.

والشاعر قد يوقع حكمًا بالموت.

هل كان عصره «العصر الذهبي»؟

يستخدم هذا التعبير كثيرًا.

وله أسباب واضحة.

الدولة بلغت قوة عسكرية وسياسية هائلة.

ازدهرت العمارة والفنون.

وتوسعت التجارة.

وتعززت مؤسسات الإدارة والقانون.

لكن عبارة «العصر الذهبي» تخفي بسهولة من دفع ثمن الذهب.

الحروب كانت مستمرة.

والضرائب ثقيلة في بعض البيئات.

والتمردات والقمع موجودة.

والمنافسة على العرش دامية.

والسكان في المدن المفتوحة لا يرون الحملة العسكرية بالطريقة التي يراها شاعر البلاط.

العصور الذهبية تكون ذهبية من زاوية معينة.

ومهمة المؤرخ أن يغير زاوية الضوء أيضًا.

مالطة

في سنة 1565 حاول العثمانيون الاستيلاء على مالطة التي أصبحت قاعدة لفرسان القديس يوحنا بعد خروجهم من رودس.

كان الحصار كبيرًا.

لكن الدفاع نجح.

فشل العثمانيون في الاستيلاء على الجزيرة.

لم يقد سليمان الحملة شخصيًا.

والهزيمة تذكير ضروري بأن الإمبراطورية في أوج قوتها لم تكن قادرة على تحقيق كل هدف.

الرواية التي تحول عهد سليمان إلى مسيرة بلا خسائر ليست تاريخًا.

القوة العظمى تظل قادرة على الفشل.

آخر حملة

كان سليمان قد تجاوز السبعين حين خرج سنة 1566 في حملة جديدة باتجاه المجر.

كان قد حكم نحو ستة وأربعين عامًا.

أجيال من الجنود والوزراء ولدت وماتت وهو السلطان.

وصل الجيش إلى حصن سيكتوار، الذي دافع عنه نيكولا شوبيتش زرنسكي ورجاله.

بدأ الحصار.

ومرة أخرى كان السلطان العجوز في خيمة الجيش.

لكنه لم يرَ النهاية.

موت داخل الحصار

توفي سليمان في سبتمبر 1566 أثناء حصار سيكتوار.

أُخفي خبر وفاته فترة قصيرة كي لا يضطرب الجيش قبل اكتمال العمليات وترتيب انتقال السلطة.

سقط الحصن بعد مقاومة عنيفة.

لكن السلطان الذي خرج لقيادة الحملة الأخيرة عاد ميتًا.

وصل ابنه سليم الثاني إلى العرش.

انتهى أطول حكم لسلطان عثماني في العصر الكلاسيكي.

لكن السؤال بقي:

هل انتهى أفضل زمن للدولة معه؟

أسطورة «الانحدار بعد سليمان»

لفترة طويلة كان من الشائع سرد التاريخ العثماني بهذه الطريقة:

صعود حتى سليمان.

قمة.

ثم انحدار مستمر.

لكن الدراسات الحديثة جعلت هذه الصورة أقل إقناعًا.

الدولة العثمانية استمرت أكثر من ثلاثة قرون بعد موته.

تغير الجيش.

والاقتصاد.

والإدارة.

والقصر.

والعلاقات الدولية.

واجهت أزمات.

وفقدت أراضي.

ثم أصلحت مؤسسات وأعادت تشكيل نفسها مرات متعددة.

كلمة «انحدار» وحدها لا تستطيع تفسير كل ذلك.

موت سليمان كان نهاية عهد استثنائي.

وليس لحظة توقف التاريخ العثماني عن الحركة.

لماذا بقي «العظيم» في الغرب؟

واجه الأوروبيون في سليمان إمبراطورية وصلت إلى المجر وفيينا، وسيطرت على أجزاء واسعة من المتوسط ونازعت هابسبورغ في قلب أوروبا.

رأوا ثراء البلاط.

وحجم الجيش.

ومواكب السفراء.

وقوة الأسطول.

كان خصمًا يخافونه.

لكن الخوف لم يمنع الإعجاب.

ولهذا التصق به وصف «Magnificent».

العظمة هنا ليست حكمًا أخلاقيًا.

إنها اعتراف بحجم السلطة والمشهد الإمبراطوري الذي مثله.

ولماذا بقي «القانوني» عند العثمانيين؟

لأن الفتح يمكن أن يكون إنجاز جيل واحد.

أما القانون فيدخل حياة الناس بعد موت الفاتح.

عندما تصبح ضريبة معينة قاعدة.

أو تتحول طريقة تعيين القاضي إلى مؤسسة.

أو يستقر نظام الأرض.

أو تُجمع أوامر سلاطين سابقين في نسق أكثر اتساقًا.

فإن السلطان يبقى حاضرًا حتى بعد أن يختفي من ساحة المعركة.

لهذا ربما كان لقب «القانوني» أعمق من «العظيم».

الأول يقول إن الرجل كان قويًا.

الثاني يقول إن جزءًا من قوته تحول إلى نظام.

المفارقة

قضى سليمان حياته يحاول إعطاء الإمبراطورية نظامًا.

لكن أكثر الأماكن التي لم يستطع القانون أن يمنحها استقرارًا كانت أسرته نفسها.

وضع قواعد للدولة.

وعمل مع العلماء على تنظيم القانون.

وحكم ولايات بعيدة بقضاة وموظفين وسجلات.

لكن أبناءه تنافسوا.

وقتل مصطفى بأمره.

وفر بايزيد.

ثم قُتل هو وأبناؤه.

وظل العرش محكومًا بمنطق الخوف من الحرب الأهلية.

كان يستطيع تنظيم الأرض والضريبة.

لكنه لم يستطع تحويل الخلافة إلى انتقال هادئ للسلطة.

أعظم إمبراطوريات التاريخ كثيرًا ما تعاني المشكلة نفسها:

تعرف كيف تحكم ملايين البشر.

ولا تعرف دائمًا كيف تجعل أبناء رجل واحد يتفقون على من يحكم بعده.

السلطان الذي أراد أن يجعل القوة نظامًا

عندما اعتلى سليمان العرش، كانت الإمبراطورية العثمانية قوية.

وعندما مات كانت أكبر وأعمق وأكثر حضورًا في السياسة العالمية.

وصلت جيوشه إلى فيينا.

دخلت بغداد.

وخضعت أجزاء واسعة من المجر.

وقادت أساطيله حرب المتوسط.

وتفاوضت معه فرنسا.

وخشيته هابسبورغ.

لكن هذه ليست القصة كلها.

خلف الخريطة كان هناك شيء أقل ظهورًا.

قاضٍ يفتح سجلًا.

وموظف يحسب ضريبة.

ومرسل يحمل أمرًا سلطانيًا.

وفقيه يحاول التوفيق بين قاعدة شرعية وحاجة الدولة.

ومهندس يرسم قبة.

وعامل يبني جسرًا.

وسوق يحتاج إلى قانون لكي يعمل غدًا كما عمل اليوم.

الحرب توسع حدود الإمبراطورية.

لكن التكرار اليومي هو الذي يجعلها دولة.

وهذا ما يفسر ربما لماذا بقي لسليمان اسمان.

بالنسبة إلى من رأى الجيوش القادمة من بعيد كان:

العظيم.

أما داخل الإمبراطورية التي كان يجب أن تستيقظ كل صباح وتعمل رغم اتساعها الهائل، فقد بقي:

القانوني.

وبين اللقبين توجد حقيقة الحكم.

القوة تستطيع أن تفتح العالم.

لكن القانون وحده تقريبًا هو الذي يمنح الفتح فرصة لأن يعيش بعد الفاتح.

المصادر والمراجع

  • جلال زاده مصطفى — طبقات الممالك ودرجات المسالك وكتابات العصر السليماني.
  • بوسبك — الرسائل التركية، بوصفها شهادة دبلوماسية أوروبية معاصرة تحتاج إلى قراءة نقدية.
  • سليمان القانوني — ديوان محبّي.
  • Halil İnalcık — The Ottoman Empire: The Classical Age 1300–1600.
  • Colin Imber — The Ottoman Empire, 1300–1650: The Structure of Power.
  • Gülru Necipoğlu — The Age of Sinan: Architectural Culture in the Ottoman Empire.
  • Leslie Peirce — The Imperial Harem: Women and Sovereignty in the Ottoman Empire.
  • The Metropolitan Museum of Art — The Age of Süleyman the Magnificent.
  • دراسات Cambridge في القانون العثماني والقانون السلطاني والمذهب الحنفي في القرن السادس عشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top