الإسكندر الاكبر

الإسكندر الأكبر — الرجل الذي أسقط إمبراطورية ثم حاول أن يحكم عالمين

في سنة 334 قبل الميلاد عبر ملك مقدوني شاب مضيق الدردنيل إلى آسيا.

كان عمره نحو اثنين وعشرين عامًا.

وخلفه مملكة لم يكن قد ورث عرشها إلا قبل عامين.

وأمامه الإمبراطورية الأخمينية الفارسية، واحدة من أضخم القوى السياسية التي عرفها العالم القديم.

لو انتهت الحملة عند الساحل، لكان اسمه واحدًا من عشرات الملوك الذين حاولوا توسيع حدودهم وفشلوا.

لكن بعد أحد عشر عامًا فقط كان داريوس الثالث قد مات.

وبابل وسوسة وبرسبوليس تحت سلطته.

وكان الجيش المقدوني قد وصل إلى آسيا الوسطى ثم عبر إلى شبه القارة الهندية.

لم يعد الإسكندر ملك مقدونيا فقط.

بدأ يتصرف كوارث لملوك فارس أيضًا.

وهنا ظهرت المشكلة التي ربما كانت أصعب من الانتصار عليهم:

كيف يحكم المقدونيون إمبراطورية فارسية هائلة من دون أن يصبحوا جزءًا من العالم الذي هزموه؟

الإسكندر وجد إجابة.

وجنوده لم يعجبهم دائمًا ما وجده.

قبل الإسكندر كان هناك فيليب

الأسطورة تحب البطل الوحيد.

لكن الإسكندر لم يبدأ من الصفر.

كان أبوه فيليب الثاني هو الذي حوّل مقدونيا إلى القوة العسكرية المهيمنة في اليونان.

أعاد تنظيم الجيش.

وطور استخدام الرمح المقدوني الطويل، الساريسا، داخل الكتائب.

وبنى قوات فرسان فعالة.

وأنشأ نظامًا عسكريًا يستطيع الجمع بين المشاة والفرسان والوحدات المتخصصة.

كما أخضع أو هزم معظم خصومه اليونانيين.

بعد معركة خيرونيا سنة 338 قبل الميلاد أصبح فيليب صاحب القوة الأولى في العالم اليوناني.

ثم بدأ الاستعداد لحملة ضد الإمبراطورية الفارسية.

الإسكندر ورث الحلم.

لكنه ورث أيضًا الجيش الذي جعل الحلم ممكنًا.

الأمير

ولد الإسكندر سنة 356 قبل الميلاد في بيلا، عاصمة مقدونيا.

كان ابن فيليب الثاني وأوليمبياس.

أصبح منذ طفولته جزءًا من عالم السياسة والحرب الملكية.

ومن أشهر معلميه أرسطو.

أصبح هذا التفصيل لاحقًا مادة مثالية لصورة الملك الفيلسوف الذي تعلم من أحد أعظم مفكري اليونان.

لكن من الصعب معرفة مقدار التأثير المباشر الذي استمر من دروس أرسطو إلى قرارات الإسكندر كملك.

نعرف أن الأمير حصل على تعليم يوناني رفيع.

وكان شديد الارتباط بالثقافة البطولية، وخصوصًا عالم هوميروس.

أما تحويل كل قرار اتخذه لاحقًا إلى درس تعلمه من أرسطو، فأبعد مما تسمح به الأدلة.

بوسيفالوس

ترتبط طفولة الإسكندر كذلك بحكاية الحصان بوسيفالوس.

تروي المصادر أن الحصان كان صعب الانقياد، وأن الإسكندر لاحظ أنه يخاف من ظله، فوجه رأسه نحو الشمس ونجح في ركوبه.

القصة تصلنا من مؤلفين كتبوا بعد زمنه.

وقد تكون قد صيغت لتكشف منذ طفولته عبقرية الرجل الذي يرى ما لا يراه الآخرون.

لكن بوسيفالوس نفسه لم يكن اختراعًا أدبيًا.

رافق الإسكندر سنوات طويلة.

وبعد موته في الهند أسس الملك مدينة حملت اسمه.

حتى إذا لم نعرف ماذا حدث بالضبط في أول لقاء بين الصبي والحصان، فقد أصبح الحيوان نفسه جزءًا من سيرة الفاتح.

اغتيال فيليب

في سنة 336 قبل الميلاد اغتيل فيليب الثاني أثناء احتفال في مدينة أيغاي.

كان القاتل أحد أفراد حرسه، باوسانياس.

أما الدوافع والشبكات المحتملة خلف الاغتيال فقد أصبحت منذ العصور القديمة موضوعًا للشائعات والاتهامات.

اتُهم أشخاص.

وربطت بعض الروايات أوليمبياس بالمؤامرة.

وحتى الإسكندر دخل في فضاء الشك عند مؤلفين لاحقين.

لكن لا يوجد دليل يسمح بحسم وجود مؤامرة عائلية كبرى وراء القتل.

النتيجة المؤكدة هي الأهم:

فيليب مات.

وأصبح الإسكندر ملكًا في العشرين تقريبًا.

وفجأة أصبح على الشاب أن يثبت أن مملكة أبيه لن تتفكك قبل أن يبدأ أي غزو لفارس.

أولًا: البقاء ملكًا

وراثة التاج لا تعني امتلاك السلطة.

هناك أقارب يمكن أن ينافسوا.

وشعوب على حدود مقدونيا تنتظر الضعف.

ومدن يونانية قد ترى موت فيليب فرصة للتحرر.

تحرك الإسكندر بسرعة.

ثبت وضعه في مقدونيا.

ثم قاد حملات شمالية.

وعندما وصلت أخبار تمرد في اليونان، عاد جنوبًا بسرعة كبيرة.

كانت مدينة طيبة في قلب الأزمة.

والرد كان قاسيًا.

طيبة

في سنة 335 قبل الميلاد ثارت طيبة ضد الهيمنة المقدونية.

حاصرها الإسكندر.

ثم سقطت المدينة.

دُمّر جزء كبير منها.

وقُتل عدد من السكان واستُعبد آلاف آخرون وفق المصادر القديمة.

أما أثينا ومدن أخرى فتلقت الرسالة.

هذا الوجه من الإسكندر لا ينسجم مع صورة «ناشر الثقافة» النظيفة التي صنعتها بعض السرديات اللاحقة.

كان قادرًا على العفو.

وكان قادرًا أيضًا على استخدام الرعب السياسي.

تدمير طيبة لم يكن انفجار غضب عابرًا فقط.

كان تحذيرًا.

قبل أن يعبر إلى آسيا، أراد أن يعرف العالم اليوناني ماذا يحدث لمن يفتح جبهة خلفه.

العبور

في ربيع 334 قبل الميلاد عبر الإسكندر الهلسبونت إلى آسيا الصغرى.

قاد جيشًا مقدونيًا ويونانيًا وقوات من مناطق أخرى.

أما الإمبراطورية التي واجهها فكانت أكبر كثيرًا من مقدونيا.

امتدت من الأناضول ومصر إلى قلب آسيا.

كانت الأخمينية قد حكمت شعوبًا متعددة قرابة قرنين.

لها طرق.

وساترابات.

وخزائن.

وقوات.

وخبرة طويلة في الحكم الإمبراطوري.

لذلك فإن القول إن «اليونان هزمت فارس» يخفي واقعًا أكثر تعقيدًا.

ملك مقدوني يقود تحالفًا عسكريًا دخل إمبراطورية متعددة الشعوب.

والحرب ستصبح بعد فترة أقل وضوحًا حتى من ذلك.

عند طروادة

تخبرنا المصادر أن الإسكندر زار منطقة طروادة وربط حملته ببطولة أخيل.

كان عالم الإلياذة حاضرًا بقوة في الثقافة التي نشأ فيها.

هذه الرمزية خدمت أكثر من رغبة شخصية في تقليد بطل قديم.

الحملة قُدمت جزئيًا في الدعاية المقدونية بوصفها انتقامًا يونانيًا قديمًا من فارس.

لكن الفكرة ستصبح غريبة لاحقًا.

فالملك الذي بدأ الحرب باسم مقاومة الفرس سيبدأ بعد سنوات في ارتداء بعض أزياء البلاط الفارسي والاستعانة بالنخب الإيرانية.

الحروب تغير شعاراتها أثناء سيرها.

غرانيكوس

كانت أول مواجهة كبرى في آسيا عند نهر غرانيكوس سنة 334 قبل الميلاد.

واجه الإسكندر قوات ساترابات فارسية ومرتزقة يونانيين.

انتهت المعركة بانتصاره.

فتحت أمامه أجزاء واسعة من آسيا الصغرى.

عدد من المدن استسلم.

وأخرى قاومت.

كانت المعركة مهمة أيضًا نفسيًا.

جيش الإسكندر لم يعبر القارة فقط.

أثبت أنه يستطيع هزيمة جيش فارسي في الميدان.

لكن الملك الفارسي داريوس الثالث لم يكن قد ظهر بنفسه بعد.

ذلك سيحدث في السنة التالية.

عقدة غورديوم

عندما وصل الإسكندر إلى غورديوم في الأناضول ارتبط باسمه واحد من أشهر مشاهد الأسطورة السياسية القديمة.

كانت هناك عقدة معقدة، وتقول النبوءة إن من يحلها سيحكم آسيا.

الرواية الأشهر تقول إن الإسكندر لم يحاول فكها بالطريقة المعتادة.

سحب سيفه وقطعها.

«الحل الإسكندري».

مشكلة الحكاية أن المصادر القديمة نفسها تقدم نسخًا مختلفة.

إحداها تتحدث عن قطع العقدة.

وأخرى عن إزالة وتد أو جزء جعل فكها ممكنًا.

الحقيقة التاريخية الأصغر هي أن الإسكندر زار غورديوم وأن تقليدًا ربطه بالعقدة.

أما ضربة السيف المثالية التي تحولت إلى مثل عالمي، فقد تكون الأدب أكثر منها تقريرًا صحفيًا.

لكنها بقيت لأنها تبدو كأنها تلخص شخصيته:

إذا لم تعمل قواعد المسألة، غيّر المسألة.

داريوس يظهر

في سنة 333 قبل الميلاد التقى الجيشان قرب إسوس.

كان داريوس الثالث حاضرًا شخصيًا.

اختار المكان الضيق نسبيًا ساحة جعلت التفوق العددي الفارسي، مهما كان حجمه الحقيقي، أصعب في الاستخدام.

قاد الإسكندر هجومه بقوة نحو مركز القيادة الفارسية.

انتهت المعركة بانهيار الجيش وفرار داريوس.

وسقط معسكره في يد المقدونيين.

ومن بين من وقعوا تحت سيطرة الإسكندر أفراد من أسرة داريوس.

والدته.

وزوجته.

وأطفاله.

ماذا فعل بأسرة عدوه؟

تقول المصادر إن الإسكندر عامل العائلة الملكية باحترام نسبي، وأبقى مكانتها.

كانت هذه سياسة ذكية بقدر ما كانت تصرفًا يمكن أن يقدم بوصفه نبلًا.

من يملك عائلة الملك يملك ورقة سياسية.

كما أن الإسكندر بدأ تدريجيًا يقدم نفسه لا كمدمر للملكية الفارسية فقط، بل كشخص يستطيع أن يرثها.

مع ذلك كان داريوس حيًا.

وله جيش آخر.

ومساحات واسعة من الإمبراطورية لم تصلها الحرب بعد.

كان بإمكان الإسكندر مطاردته مباشرة.

لكنه اختار أولًا تأمين الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

لماذا لم يذهب إلى قلب فارس فورًا؟

لأن الأسطول الفارسي كان يعتمد على قواعد وموانئ شرقي المتوسط.

إذا ظل الساحل في يد خصومه، يمكن لفارس تهديد الاتصالات وربما إشعال الحرب خلفه.

لذلك تحرك جنوبًا عبر المدن الفينيقية.

استسلم بعضها.

أما صور فاختارت المقاومة.

وكان ذلك أحد أصعب حصاراته.

صور

كانت مدينة صور الرئيسية تقوم على جزيرة محصنة قبالة الساحل.

جيش بري لا يستطيع اقتحام جزيرة بسهولة.

أمر الإسكندر ببناء ردم أو جسر يصل اليابسة بالمدينة.

جُلبت السفن.

وأقيمت آلات الحصار.

واستمر القتال شهورًا.

في سنة 332 قبل الميلاد سقطت صور.

ثم جاء الانتقام.

تذكر المصادر القديمة عمليات قتل واسعة واستعباد أعداد كبيرة من السكان.

الأرقام نفسها تختلف ويجب التعامل معها بحذر.

أما القسوة بعد السقوط فلا يمكن تجاهلها.

الإسكندر الذي عامل أسرة داريوس باحترام استطاع في مدينة أخرى أن يجعل المقاومة سببًا لعقاب جماعي واسع.

الشخصية نفسها تحتمل السلوكين.

غزة

واصل الجيش طريقه جنوبًا.

قاومت غزة.

وسقطت بعد حصار.

وتحيط بطريقة معاملة قائدها باتيس روايات وحشية، منها قصة جر جسده خلف عربة في محاكاة لأخيل.

لكن التفاصيل الدرامية تعتمد على مصادر متأخرة وليس من الحكمة تقديم كل مشهد فيها كحقيقة مؤكدة.

المؤكد أن مقاومة غزة قُمعت وأن الطريق إلى مصر أصبح مفتوحًا.

وفي مصر سيظهر وجه مختلف من سياسة الإسكندر.

مصر

دخل الإسكندر مصر سنة 332 قبل الميلاد.

كانت البلاد تحت الحكم الأخميني قبل وصوله، ولم يواجه مقاومة تشبه صور وغزة.

قُبل حاكمًا.

وأدى أدوارًا مرتبطة بالتقاليد الملكية المصرية.

هنا تظهر إحدى أهم مهاراته:

كان يستطيع أن يكون ملكًا مقدونيًا في مقدونيا.

وقائدًا للعالم اليوناني أمام المدن اليونانية.

وفرعونًا ضمن السياق المصري.

ثم سيحاول لاحقًا أن يصبح ملكًا فارسيًا أيضًا.

الإمبراطوريات لا تُحكم بهوية واحدة دائمًا.

الإسكندرية

في مصر أسس مدينة الإسكندرية على ساحل المتوسط سنة 331 قبل الميلاد تقريبًا.

لن يرى المدينة في أوجها.

لكنها ستصبح بعد موته، في عهد البطالمة، واحدة من أهم مراكز العالم الهلنستي.

الميناء.

والمكتبة لاحقًا.

والمنارة.

والتجارة.

والثقافة اليونانية والمصرية والمتوسطية.

كل ذلك ينتمي بدرجات كبيرة إلى تاريخ جاء بعد المؤسس.

من المهم ألا ننسب إلى الإسكندر كل ما أصبحت عليه المدينة لاحقًا.

إنجازه أنه اختار الموقع وأطلق المشروع.

أما الإسكندرية التي نعرفها من التاريخ، فبناها أجيال.

واحة سيوة

ذهب الإسكندر إلى واحة سيوة في الصحراء لزيارة وحي آمون.

تروي المصادر أن الكاهن استقبله بصيغة فُهمت أو صيغت لاحقًا بطريقة مرتبطة ببنوته الإلهية.

أصبح زيوس-آمون مرتبطًا بصورته فيما بعد.

لكن ما قيل بالضبط داخل المعبد غير معروف لنا.

حتى المؤلفون القدماء اختلفوا.

هل سأل عن أصله الإلهي؟

هل سأل عن مصير حملته؟

هل كان الأمر شرعية مصرية ودينية وسياسية أكثر منه اعتقادًا شخصيًا بأنه إله؟

لا نملك مدخلًا مباشرًا إلى أفكاره.

نعرف فقط أن فكرة نسبه الإلهي أصبحت جزءًا متزايد الأهمية من صورته الملكية.

الطريق إلى غوغميلا

غادر مصر واتجه شرقًا.

داريوس كان قد جمع قوة جديدة.

وفي سنة 331 قبل الميلاد التقى الجيشان قرب غوغميلا، في شمال العراق الحالي تقريبًا.

هذه كانت المعركة التي ستحدد مصير الإمبراطورية الأخمينية.

جهز الفرس أرضًا واسعة تسمح بحركة قواتهم ومركباتهم.

أما الإسكندر فاحتاج إلى منع جيشه الأصغر من أن يُطوق.

تحركت القوات بطريقة فتحت فجوة في الخط الفارسي.

قاد الإسكندر هجومًا نحو موضع داريوس.

انهار مركز القيادة.

وفر الملك مرة أخرى.

لم تنتهِ كل المقاومة الفارسية في يوم واحد.

لكن ميزان الشرعية تغير.

«ملك آسيا»

بعد غوغميلا لم يعد الإسكندر يتصرف فقط بوصفه ملكًا هزم داريوس.

بدأ يقدم نفسه سيدًا للإمبراطورية التي كان داريوس يحكمها.

دخل بابل.

ثم سوسة.

وحصل على خزائن ملكية هائلة.

بابل لم تُعامل كمدينة يجب تدميرها.

دخلها في إطار من الاستسلام والتسوية واستمرار الإدارة المحلية.

وهذه نقطة أساسية.

الحرب لم تكن سلسلة مدن تُحرق.

الإسكندر احتاج إلى الدولة الفارسية نفسها.

طرقها.

وخزائنها.

وموظفيها.

ونخبها.

لا يمكنك حكم إمبراطورية بحجمها إذا قتلت كل من يعرف كيف تعمل.

برسبوليس

وصل الإسكندر إلى برسبوليس، أحد أهم المراكز الملكية الأخمينية.

استولى على الكنوز.

ثم احترق القصر الملكي.

لماذا؟

حتى المصادر القديمة غير متفقة تمامًا.

ظهرت رواية تقول إن الحريق وقع خلال مأدبة، بتحريض من تاييس، وجرى تقديمه انتقامًا من إحراق الفرس للمعابد اليونانية في الحروب السابقة.

وهناك نقاش حول ما إذا كان القرار سياسيًا متعمدًا أو فعلًا ارتبط بالسكر والاحتفال ثم ندم عليه.

المؤكد أن جزءًا مهمًا من القصر تعرض للحرق.

لكن من الخطأ تصوير ذلك بوصفه تدمير مدينة برسبوليس كاملة وإزالة الحضارة الفارسية من الوجود.

المجمع الملكي تضرر.

أما الإمبراطورية التي أراد الإسكندر أن يرثها، فلم يعد من مصلحته بعد قليل أن يقدم نفسه عدوًا لكل ما هو فارسي.

داريوس يموت

واصل الإسكندر مطاردة داريوس شرقًا.

لكن الملك الفارسي لم يمت في معركة معه.

تعرض لانقلاب من بعض قادته، وعلى رأسهم بيسوس، ساتراب باكتريا، الذي أعلن نفسه ملكًا.

في سنة 330 قبل الميلاد وجد رجال الإسكندر داريوس مصابًا إصابات قاتلة أو ميتًا بعد أن تركه خصومه.

تقدم المصادر مشهدًا مؤثرًا عن تعامل الإسكندر مع جثمانه ودفنه وفق مكانته الملكية.

التفاصيل الأدبية قد تكون صيغت لتأكيد شرعية المنتصر.

لكن السياسة واضحة:

من قتل داريوس ليس الإسكندر.

والإسكندر أصبح قادرًا على تقديم نفسه بوصفه من ينتقم للملك الفارسي الشرعي من مغتصبه.

تحولت الحرب جذريًا.

من فاتح فارس إلى ملك فارس

بيسوس كان في البداية خصمًا فارسيًا يقاوم الغزو.

لكن إعلان نفسه ملكًا بعد التخلص من داريوس جعل الإسكندر يستطيع وصفه بالمغتصب والخائن.

طارده في آسيا الوسطى.

أُسر بيسوس في النهاية.

وعوقب بقسوة.

هنا أصبح الإسكندر يفعل شيئًا كان سيبدو غريبًا في بداية الحملة:

يعاقب رجلًا إيرانيًا باسم شرعية الملك الأخميني الذي جاء أصلًا لإسقاطه.

لم يعد يقف خارج النظام الفارسي.

كان يدخل داخله.

أصعب حرب

سقوط المراكز الكبرى لم ينه القتال.

في باكتريا وسوغديانا، في مناطق تشمل أجزاء من أفغانستان وآسيا الوسطى الحالية، واجه مقاومة شديدة استمرت سنوات.

كان الخصم مختلفًا.

تمردات.

وقادة محليون.

وفرسان.

ومساحات واسعة.

ومجتمعات لا تسقط كلها عندما تسقط عاصمة واحدة.

قاد سبيتامينيس مقاومة فعالة.

وتعرضت قوات مقدونية لخسائر.

احتاج الإسكندر إلى حملات متتابعة، وحصون، وتحالفات وزيجات وتجنيد محلي.

احتلال الإمبراطورية الفارسية في معركة شيء.

وإقناع أطرافها الشرقية بأن الحرب انتهت شيء آخر.

العنف في آسيا الوسطى

كانت هذه الحملات قاسية.

تذكر المصادر عمليات قتل وتدمير وتهجير وقمع شديد للتمردات.

أُسست مستوطنات عسكرية.

وتركت حاميات.

وحاولت السلطة الجديدة فرض نفسها على مناطق بعيدة.

لذلك فإن صورة الإسكندر الذي «مزج الشرق بالغرب» لا يجوز أن تمحو الطريقة التي وصل بها أولًا:

بالجيش.

الامتزاج الثقافي الذي سيحدث لاحقًا في العالم الهلنستي كان نتيجة تاريخية معقدة.

لكنه بدأ في كثير من الأماكن بفتح عسكري عنيف.

قتل بارمنيون

كلما اتسعت الإمبراطورية، بدأت التوترات تظهر داخل الدائرة المقدونية نفسها.

بارمنيون كان أحد كبار قادة فيليب ثم الإسكندر.

ابنه فيلوتاس كان قائد فرسان بارزًا.

في سنة 330 قبل الميلاد كُشف عن مؤامرة ضد الإسكندر.

اتهم فيلوتاس بعدم الإبلاغ عنها وربما بالتورط فيها.

حُوكم وأُعدم.

ثم أصدر الإسكندر أمرًا بقتل بارمنيون، رغم أن القائد العجوز كان بعيدًا ولم يخضع لمحاكمة أمام الملك.

هل كان بارمنيون جزءًا من المؤامرة؟

لا نعرف.

لكن من منظور الإسكندر كان وجود قائد شديد النفوذ، بعد إعدام ابنه، خطرًا لا يمكن تحمله.

الفاتح الذي يثق بجيشه بدأ كذلك يخشى رجاله الأقرب.

كليتوس الأسود

في سنة 328 قبل الميلاد وقع واحد من أكثر الأحداث إزعاجًا في سيرته.

كان كليتوس الأسود قائدًا مقدونيًا قد أنقذ حياة الإسكندر في معركة غرانيكوس بحسب الروايات.

خلال مأدبة في سمرقند اندلع خلاف بينهما.

كان الشراب حاضرًا.

وتحول الجدال إلى إهانات.

كليتوس انتقد الإسكندر وذكّره، بحسب المصادر، بدور فيليب والمقدونيين في انتصاراته.

انتهى الشجار بأن قتل الإسكندر كليتوس بنفسه.

ثم ندم بشدة.

هذه اللحظة لا تسمح بصورة الملك الذي يسيطر دائمًا على نفسه.

الرجل القادر على إدارة معركة بمئات القرارات الدقيقة استطاع في لحظة غضب وسُكر أن يقتل شخصًا أنقذه.

العبقرية في مجال لا تمنح العصمة في بقية النفس.

لماذا بدأ المقدونيون يقلقون؟

لأن ملكهم يتغير.

ظهر حوله المزيد من الطقوس والأساليب الملكية المرتبطة بالبلاط الفارسي.

استخدم أزياء فارسية في بعض السياقات.

وأبقى أو أعاد نخبًا إيرانية إلى مواقع الإدارة.

وبدأ إدخال إيرانيين إلى الجيش.

ما كان يبدو للإسكندر وسيلة لحكم إمبراطورية مشتركة، بدا لبعض المقدونيين تخليًا عن العلاقة القديمة بينهم وبين ملكهم.

هم عبروا معه لهزيمة فارس.

ثم وجدوه يريد منهم الوقوف بجوار الفرس داخل دولة واحدة.

النصر غير تعريف المهمة.

ولم يكن الجميع قد وافق على التعريف الجديد.

السجود أم التحية؟

حاول البلاط إدخال ممارسة «البروسكينيسيس» في حضرة الإسكندر.

كانت لها دلالات مختلفة داخل التقاليد الفارسية واليونانية.

بالنسبة إلى بعض اليونانيين، الإيماءة من النوع الذي يُقدم عادة للآلهة بدت غير مناسبة أمام بشر.

أثار الأمر مقاومة.

عارض كاليسثينيس، المؤرخ والقريب من أرسطو، الممارسة.

فشل المشروع في أن يصبح مقبولًا لدى المقدونيين واليونانيين بالطريقة التي أرادها البلاط.

بعد ذلك تورط كاليسثينيس أو اتُهم في سياق مؤامرة أخرى، وانتهى محتجزًا ومات.

مرة أخرى اصطدم مشروع الملك الجديد بثقافة جيشه القديم.

روكسانا

خلال حملات آسيا الوسطى تزوج الإسكندر روكسانا، ابنة أحد النبلاء المحليين، أوكسيارتيس.

كان الزواج على الأرجح يحمل أبعادًا سياسية واضحة في منطقة تحتاج إلى المصالحة مع نخبها.

تحول الزواج في الكتابات اللاحقة كذلك إلى قصة حب.

وقد يكون الإعجاب الشخصي موجودًا فعلًا.

لكن لا نستطيع فصل الزواج عن سياقه السياسي.

كان الإسكندر يحاول أن يجعل النخبة المحلية جزءًا من النظام الجديد.

لاحقًا سيذهب أبعد من زواج واحد.

إلى الهند

في سنة 327 قبل الميلاد بدأ التقدم نحو المناطق الواقعة وراء جبال هندوكوش ثم وادي السند.

كلمة «الهند» هنا تحتاج إلى الحذر.

الإسكندر لم يغزُ كل شبه القارة الهندية.

وصل إلى مناطق في باكستان والهند الشمالية الغربية الحالية.

وكان أمامه عالم من ممالك وشعوب مختلفة، لا دولة هندية واحدة.

بعض الحكام تحالفوا معه.

وآخرون قاوموه.

وكانت أشهر مواجهاته هناك مع الملك بوروس.

هيداسبس

في سنة 326 قبل الميلاد واجه الإسكندر بوروس عند نهر هيداسبس، نهر جيلوم الحالي تقريبًا.

كان عبور النهر في مواجهة جيش ينتظر على الضفة تحديًا.

استخدم الإسكندر الخداع والتحركات المتكررة لإرباك الخصم ثم عبر بقوة في مكان آخر.

دخلت الفيلة الحربية بقوة في المعركة.

وانتصر المقدونيون بعد قتال شديد.

أُسر بوروس أو قدم نفسه للمنتصر وفق الروايات المختلفة.

ثم حدث شيء يوضح مرة أخرى سياسة الإسكندر.

لم يلغِ ملكه.

أبقاه حاكمًا بل وسّع مجال سلطته.

«عاملني كملك»

تروي المصادر الحوار الشهير بين الإسكندر وبوروس.

يسأله الإسكندر:

كيف تريد أن أعاملك؟

فيرد:

كملك.

ثم يعيد الإسكندر السؤال، ويقول بوروس إن كلمة «ملك» تشمل كل شيء.

المشهد رائع.

وربما لهذا بقي.

لكن الحوارات المصقولة في كتب المؤرخين القدماء لا ينبغي أن تُقرأ كمحاضر صوتية.

المعنى السياسي مع ذلك واضح.

الإسكندر وجد في بوروس حاكمًا محليًا مفيدًا.

بعد إثبات التفوق العسكري، كان إبقاؤه أفضل من محاولة إدارة البلاد مباشرة بقائد مقدوني لا يعرفها.

الإمبراطورية تحتاج إلى الوسطاء.

موت بوسيفالوس

في هذه المرحلة مات بوسيفالوس، سواء نتيجة العمر أو الإصابات المرتبطة بالحملة بحسب اختلاف الروايات.

أسس الإسكندر مدينة سميت بوسيفالا تخليدًا له.

الحصان الذي دخل قصته في الطفولة انتهى عند الحد الشرقي تقريبًا من مغامرته.

بعد ذلك بقليل سيكتشف الإسكندر أن هناك شيئًا لا يستطيع حتى هو دفعه إلى الأمام:

جيشه.

عند نهر هيفاسيس

وصل الجيش إلى نهر هيفاسيس، المعروف اليوم بنهر بياس.

أراد الإسكندر مواصلة التقدم شرقًا.

لكن الجنود رفضوا.

كانوا قد قاتلوا سنوات.

عبروا من مقدونيا إلى آسيا الصغرى.

ثم سوريا ومصر والعراق وإيران وآسيا الوسطى والهند.

رأوا أنهارًا وجبالًا وصحارى وحروبًا لا تنتهي.

ووصلتهم أخبار عن القوى والممالك التي تنتظر أبعد إلى الشرق.

هذه المرة لم يكن الخصم جيشًا أمام الإسكندر.

كان جيشه نفسه.

الملك الذي اضطر إلى التراجع

حاول الإسكندر إقناعهم.

تصف المصادر خطابًا له وخطابًا مضادًا من قائده كوينوس.

الجنود يريدون العودة.

انسحب الإسكندر إلى خيمته أيامًا، ربما أملًا في تغير موقفهم.

لم يتغير.

وفي النهاية وافق.

هذه لحظة مهمة في سيرته.

الرجل الذي هزم داريوس لم يستطع أن يأمر رجاله بالاستمرار إلى ما لا نهاية.

هناك حد للسلطة حتى داخل أكثر الجيوش ولاءً.

عند هيفاسيس لم يهزم جيش الإسكندر.

لكنه أوقفه.

العودة لم تكن عودة بسيطة

بنى أسطولًا وسار جزء من القوات عبر أنهار المنطقة نحو السند.

وخلال الطريق خاضت القوات حروبًا جديدة.

في حملة ضد الماليين أصيب الإسكندر إصابة شديدة.

اندفع خلال اقتحام مدينة وأصبح مع عدد قليل من رجاله داخل الأسوار.

أصابه سهم في صدره أو قرب رئته وفق الروايات.

كاد يموت.

وانتشرت بين الجيش شائعة وفاته.

نجا.

لكن المشهد يكشف جانبًا آخر من قيادته.

كان يقاتل شخصيًا ويعرض نفسه للخطر بدرجة قد تبدو أحيانًا أقرب إلى التهور.

الملك الذي يموت في اقتحام جدار صغير يستطيع أن يترك إمبراطورية بلا رأس بسبب لحظة اندفاع.

صحراء جدروسيا

قسّم الإسكندر قوات العودة.

قاد نيارخوس أسطولًا عبر البحر من منطقة السند باتجاه الخليج.

أما الإسكندر فقاد قسمًا من الجيش عبر جدروسيا، في منطقة بلوشستان الحالية تقريبًا.

كانت الرحلة كارثية.

الحرارة.

وقلة الماء.

وصعوبة التضاريس.

وفقد الجيش أعدادًا من الرجال والحيوانات.

لماذا اختار الطريق؟

طرحت تفسيرات متعددة.

رغبة في استكشافه وتأمينه.

أو في التفوق على حملات قديمة نُسب إليها الفشل.

أو أسباب استراتيجية مرتبطة بالأسطول والساحل.

لا نعرف دافعه الوحيد بيقين.

نعرف أن القرار كلف الجيش كثيرًا.

حتى أعظم القادة يستطيع اتخاذ قرار سيئ.

سوسة: الزواج السياسي بالجملة

في سنة 324 قبل الميلاد أقيمت حفلات زواج كبرى في سوسة.

تزوج الإسكندر ستاتيرا، ابنة داريوس الثالث، كما ارتبط بامرأة أخرى من الأسرة الأخمينية، إلى جانب زواجه السابق من روكسانا.

وزوّج عددًا من كبار ضباطه بنساء من النخبة الإيرانية.

كما شُجعت زيجات بين جنود ونساء آسيويات.

كانت الرسالة السياسية واضحة:

النظام الجديد لن يكون مجرد مقدونيين يحكمون فرسًا مهزومين.

الإسكندر يريد نخبة إمبراطورية مختلطة بدرجة ما.

لكن مدى نجاح المشروع طويل الأجل محدود.

بعد موته تخلى بعض رجاله عن الزيجات التي فُرضت أو شُجعت سياسيًا.

التاريخ لا يختلط بأمر ملكي واحد.

ثلاثون ألف شاب

دُرّب آلاف الشباب الإيرانيين على الأسلوب العسكري المقدوني.

سمتهم المصادر «الخلفاء» أو من يخلفون الجنود، في سياقات مختلفة.

بالنسبة إلى الإسكندر كان ذلك منطقيًا.

يحكم إمبراطورية واسعة.

ويحتاج إلى جيش لا يعتمد إلى الأبد على تدفق الرجال من مقدونيا.

بالنسبة إلى الجنود المقدونيين كان المشهد مقلقًا.

إذا أصبح الإيرانيون قادرين على حمل الساريسا والقتال بالطريقة نفسها، فما الذي يجعل المقدونيين ضروريين؟

مشروع الدمج الذي يزيد قوة الملك يستطيع في الوقت نفسه أن يجعل الجيش القديم يشعر بأنه يُستبدل.

تمرد أوبس

في مدينة أوبس سنة 324 قبل الميلاد انفجر التوتر.

أعلن الإسكندر تسريح بعض الجنود الأكبر سنًا أو غير القادرين على الاستمرار.

فهم عدد من المقدونيين الخطوة بوصفها جزءًا من تفضيل الإيرانيين.

اندلع تمرد.

غضب الإسكندر.

وألقى خطابًا قاسيًا وفق المصادر.

ثم حدثت مصالحة رمزية كبيرة بين المقدونيين والفرس.

لكن الأزمة أظهرت حدود رؤيته.

الإسكندر يرى إمبراطورية واحدة تحتاج إلى رجال من شعوب مختلفة.

أما بعض الجنود فيرون أن انتصاراتهم هي التي صنعت الإمبراطورية، والآن يأتي المهزومون ليشاركوا في مكانتهم.

فتح الأراضي أسهل أحيانًا من فتح هوية المنتصر.

هل أراد «أخوة الشعوب»؟

تظهر في بعض الكتب صورة الإسكندر صاحب مشروع إنساني مبكر لمزج الشرق والغرب في أخوة واحدة.

هذه صياغة رومانسية أكثر مما ينبغي.

كانت لديه سياسات دمج حقيقية.

استخدم النخب الإيرانية.

وتبنى بعض العادات الملكية الفارسية.

وشجع الزيجات.

وأدخل الإيرانيين إلى الجيش.

لكن ذلك حدث داخل إمبراطورية بناها بالقوة ويجلس هو في قمتها.

لم يكن مشروع مساواة حديثًا بين الثقافات.

كان مشروع حكم.

ربما احتوى رؤية جديدة لهوية الإمبراطورية.

لكنها هوية يكون الإسكندر فيها الملك الأعلى.

هيفايستيون

كان هيفايستيون من أقرب رجال الإسكندر إليه منذ الشباب.

قائدًا.

وصديقًا.

وشخصية مركزية في البلاط والجيش.

في سنة 324 قبل الميلاد مات في إكباتانا بعد مرض.

كانت استجابة الإسكندر شديدة.

دخل في حزن عميق.

وأقام مراسم تكريم واسعة وخطط لتأبين ضخم.

وصورت المصادر ردود أفعاله بدرجات قد يكون بعضها تضخم أدبيًا.

لكن العلاقة الوثيقة والحزن الاستثنائي لا شك فيهما.

من الصعب معرفة طبيعة كل أبعاد العلاقة الشخصية بين الرجلين، رغم كثرة التكهنات الحديثة.

الأكيد أن وفاة هيفايستيون أصابت الإسكندر بقوة.

ولم يبقَ له بعده إلا أشهر قليلة.

إلى بابل

عاد الإسكندر إلى بابل سنة 323 قبل الميلاد.

لم يكن يتصرف كفاتح أنهى مهمته وعاد ليتقاعد.

كانت هناك خطط جديدة.

تنظيم الأسطول.

ومشروعات في الخليج.

وحملة محتملة في الجزيرة العربية.

وربما أفكار أخرى توسعية لا نستطيع معرفة أيها كان سينفذ فعلًا.

الإمبراطورية لم تصل عنده إلى لحظة:

انتهينا.

كل نهاية كانت تتحول إلى بداية حملة أخرى.

وهذه ربما كانت المشكلة التي رأى جنوده جزءًا منها عند هيفاسيس.

أين يتوقف ملك يرى الأفق دائمًا بوصفه حدودًا مؤقتة؟

المرض

في بابل مرض الإسكندر.

بدأت الحمى.

وتدهورت حالته خلال أيام.

أصبح عاجزًا في النهاية عن الحديث بصورة طبيعية.

مرت أمامه قواته وفق بعض الروايات لكي تراه.

ثم مات في يونيو 323 قبل الميلاد.

كان عمره اثنين وثلاثين عامًا.

حكم أقل من ثلاثة عشر عامًا.

لم يترك وريثًا بالغًا قادرًا على تسلم الإمبراطورية.

وهنا ظهر السؤال الذي كان مختبئًا خلف كل انتصاراته:

هل بنى دولة تستطيع العيش من دونه؟

هل قُتل بالسم؟

منذ العصور القديمة ظهرت الشائعات.

تسميم.

ومؤامرة.

وأنتيباتر.

وأرسطو في بعض الروايات المتأخرة.

وحكايات عن سم شديد لا يمكن حمله إلا بطريقة خاصة.

لكن الأدلة لا تسمح بإثبات اغتياله.

يرى الباحثون أن مرضًا طبيعيًا هو تفسير أكثر احتمالًا، لكن التشخيص الدقيق بعد أكثر من ألفي عام مستحيل.

طُرحت الملاريا.

والتيفوئيد.

وأمراض أخرى.

ولا يوجد إجماع حاسم.

الأكثر أمانًا:

مات بعد مرض حاد في بابل.

أما اسم المرض، فلا نملكه.

«للأقوى»

تُنسب إليه قصة أنه حين سُئل لمن يترك المملكة قال:

«للأقوى».

ثم بدأت حروب الخلفاء كأن الرجل تنبأ بها.

لكن موثوقية العبارة محل شك.

وربما تكون واحدة من تلك الجمل التي كتبها التاريخ بعد أن عرف النهاية.

لأن ما حدث فعلًا يجعلها مثالية جدًا.

لم يكن هناك وريث بالغ واضح.

كانت روكسانا حاملًا.

وكان لأخيه غير الشقيق فيليب أرهيدايوس قدرات محدودة.

والقادة حوله يملكون جيوشًا وطموحات.

لم تكن الإمبراطورية تحتاج إلى عبارة غامضة لكي تدخل الحرب.

كان يكفي أن يموت مؤسسها.

الجنازة التي تحولت إلى سياسة

أصبح جسد الإسكندر نفسه جزءًا من الصراع.

كان من المفترض نقله في موكب جنائزي ضخم.

لكن بطليموس، أحد قادته، استولى على الجثمان ونقله إلى مصر.

استقر في النهاية في الإسكندرية.

أصبح قبر الإسكندر مزارًا ملكيًا وسياسيًا، وزاره حكام رومانيون بعد قرون.

ثم اختفى موقع القبر الدقيق من معرفتنا.

واحد من أشهر رجال العالم القديم دُفن في واحدة من أشهر مدنه.

ومع ذلك لا نستطيع اليوم الوقوف أمام قبر مؤكد له.

التاريخ يحتفظ بالاسم.

ويضيع المكان.

الإمبراطورية تتفكك

لم تنقسم إمبراطورية الإسكندر في اليوم التالي مباشرة إلى الخريطة النهائية المعروفة.

بدأت أولًا محاولات للحفاظ على شكل من الوحدة تحت أسماء ورثة الأسرة.

لكن القادة، الذين سيعرفون بالديادوخوي أو الخلفاء، دخلوا في حروب طويلة.

بطليموس في مصر.

وسلوقس في أجزاء ضخمة من آسيا.

وأنتيغونوس وأبناؤه.

وكاسندر في مقدونيا.

وغيرهم.

بعد عقود لم تعد هناك إمبراطورية واحدة.

ظهرت ممالك هلنستية متعددة.

إذن الإسكندر نجح في هدم النظام الأخميني.

لكنه لم يترك نظام خلافة قادرًا على الحفاظ على كل ما جمعه.

هل فشل إذن؟

إذا كان هدفه إنشاء إمبراطورية موحدة تستمر قرونًا تحت أسرته، فالنتيجة لم تحقق ذلك.

لكن أثر فتوحاته تجاوز عمر دولته الموحدة.

انتشرت اللغة اليونانية بوصفها لغة مهمة للإدارة والثقافة والتجارة في مناطق واسعة.

نشأت مدن ومراكز جديدة.

واختلطت تقاليد يونانية ومصرية وإيرانية وآسيوية ومحلية بدرجات متفاوتة.

ظهرت ممالك تجمع عناصر متعددة.

الإسكندرية في مصر أصبحت مثالًا شهيرًا.

وكذلك مدن وممالك من شرق المتوسط إلى آسيا الوسطى.

العالم الهلنستي لم يكن نسخة عملاقة من اليونان.

كان عالمًا جديدًا نتج من الاحتكاك بين مجتمعات كثيرة تحت أنظمة خرجت من الفتح.

كم مدينة اسمها الإسكندرية؟

تكرر في المصادر أن الإسكندر أسس عددًا كبيرًا من المدن المسماة الإسكندرية.

لكن تحديد عدد دقيق صعب.

بعض المدن أنشأها فعلًا.

وبعض المواقع أعيد تنظيمها أو تسميتها.

وبعض النسب إليه جاء من تقاليد لاحقة.

الأشهر بلا شك الإسكندرية المصرية.

وكانت هناك «الإسكندرية القصوى» في آسيا الوسطى وغيرها.

لكن قائمة من عشرات المدن كلها «أسسها الإسكندر من الصفر» تبسيط لا يراعي تعقيد الأدلة.

الملك كان يستخدم المدينة أداة عسكرية وإدارية وسياسية.

الحامية التي تستقر اليوم قد تصبح مركزًا حضريًا غدًا.

الإسكندر في الذاكرة الفارسية

من المثير أن الرجل الذي استولى على الإمبراطورية الأخمينية لم يبقَ له معنى واحد في التراث الإيراني.

في بعض النصوص الزرادشتية المتأخرة تظهر صورة شديدة السلبية له بوصفه مدمرًا جلب الكارثة.

وفي تقاليد فارسية وإسلامية لاحقة دخل الإسكندر في قصص مختلفة تمامًا، وأصبح أحيانًا ملكًا حكيمًا أو باحثًا عن المعرفة أو شخصية مرتبطة بحكايات عالمية.

الفاتح نفسه يستطيع أن يصبح شيطانًا في ذاكرة.

وحكيمًا في ذاكرة أخرى.

لأن التاريخ بعد قرون لا يحفظ الإنسان فقط.

يعيد صنعه.

الإسكندر في الرواية

ظهرت حوله منذ العصور القديمة مجموعة هائلة من القصص التي تطورت إلى ما يعرف بـ«رواية الإسكندر».

رحلات إلى مناطق عجيبة.

ومخلوقات غريبة.

وبحث عن أسرار الحياة.

ورسائل وحكم ومغامرات لا تنتمي إلى السجل التاريخي المباشر.

انتقلت هذه المادة بين اللغات والثقافات.

اليونانية.

والسريانية.

والفارسية.

والعربية.

وغيرها.

وهكذا أصبح الإسكندر الأدبي أكبر من الإسكندر المقدوني.

حين يصبح القائد أسطورة، يتوقف الجغرافيا عن إيقافه.

هل ذو القرنين هو الإسكندر؟

ربط عدد من المفسرين والمؤلفين المسلمين عبر التاريخ شخصية ذي القرنين الواردة في القرآن بالإسكندر.

كما اقترحت تفسيرات وهويات أخرى.

ولا يوجد إجماع علمي بسيط يسمح بكتابة:

ذو القرنين هو الإسكندر الأكبر.

القصة القرآنية لها سياقها ونصها، بينما الإسكندر التاريخي شخصية نستطيع دراستها من المصادر اليونانية والبابلية والفارسية وغيرها.

وجود تقاليد قديمة ربطت بين الشخصيتين حقيقة تاريخية في تاريخ التفسير.

أما تحويل هذا الربط إلى حقيقة محسومة عن الهوية، فشيء آخر.

كم كان «يونانيًا»؟

الإسكندر مقدوني.

وكانت مقدونيا جزءًا من العالم اليوناني القديم من جوانب لغوية وثقافية ودينية، لكنها كانت أيضًا ذات هوية سياسية خاصة، وكانت علاقاتها بالمدن اليونانية الجنوبية مليئة بالصراع.

لذلك فإن تحويله ببساطة إلى «ملك يوناني» بالمعنى القومي الحديث أو استخدامه في صراعات قومية حديثة يضع تصنيفات متأخرة على القرن الرابع قبل الميلاد.

هو ملك مقدونيا.

قائد لرابطة تضم مدنًا يونانية.

ومتشبع بالثقافة اليونانية.

ثم أصبح حاكمًا لإمبراطورية تضم شعوبًا أبعد بكثير من العالم اليوناني.

وهويته السياسية نفسها اتسعت مع فتوحاتها.

صورته على النقود

النقود التي ضُربت باسمه خلال حكمه حملت رموزًا مثل هيراكليس وزيوس.

أما صورته الشخصية الواضحة فقد أصبحت أكثر انتشارًا بعد وفاته، خصوصًا عند حكام مثل ليسيماخوس، الذي ضرب عملات تحمل رأس الإسكندر بقرون آمون.

هذه النقود تقول شيئًا مهمًا.

القادة الذين تقاسموا إمبراطوريته احتاجوا إلى صورته.

حتى بعد موته بقيت شرعيته ذات قيمة.

من يضع وجه الإسكندر على نقده يقول للناس:

أنا قريب من الرجل الذي غير العالم.

الموت أنهى حكمه.

لكنه زاد قيمته الرمزية.

ما الذي جعله ناجحًا؟

ليس سببًا واحدًا.

ورث جيشًا ممتازًا من فيليب.

وكان قائدًا ميدانيًا شديد الجرأة.

استخدم الفرسان والمشاة والتوقيت والمناورة بفاعلية.

قاد من الأمام واكتسب ولاء جنوده.

استطاع تغيير أدواته عندما تغيرت طبيعة الحرب.

استخدم الحصار عند الحاجة.

والتفاوض عند الحاجة.

وأبقى بعض الحكام المحليين.

واستخدم الإداريين الفرس.

وأخذ خزائن خصومه لتمويل المرحلة التالية.

الحرب عنده لم تكن سلسلة عبقريات مفاجئة.

كانت نظامًا يتعلم ويتكيف.

وهذا ربما أهم من الشجاعة الشخصية.

وكم دفع الآخرون؟

هذا السؤال يجب ألا يختفي تحت كلمة «العظيم».

لقب «الأكبر» يخبرنا بذاكرة الانتصار.

لكنه لا يخبرنا بما رأته طيبة.

أو صور.

أو المجتمعات التي عوقبت في آسيا الوسطى.

أو الجنود الذين ماتوا في جدروسيا.

الإمبراطوريات القديمة تُقاس غالبًا بمساحة الخرائط.

أما السكان داخل الخرائط فلا يظهرون بالألوان نفسها.

يمكن الاعتراف بقدرات الإسكندر العسكرية والسياسية الاستثنائية من دون تحويل الفتح إلى مغامرة نظيفة.

العظمة التاريخية ليست حكمًا أخلاقيًا.

الرجل الذي بدأ يشبه خصمه

هذه ربما أكثر مراحل حياته إثارة.

في بداية الحملة يوجد خطاب واضح نسبيًا:

مقدونيا والعالم اليوناني ضد الملك الفارسي.

في النهاية، الإسكندر يرتدي أجزاء من الزي الملكي الفارسي.

ويتزوج من أسرة داريوس.

ويُدخل الإيرانيين إلى جيشه.

ويحتفظ بساترابات ونخب محلية.

ويطلب من المقدونيين التعايش داخل نظام أوسع.

لم يهزم فارس ثم يبقَ خارجها.

ابتلع الإمبراطورية.

ثم بدأت الإمبراطورية تبتلعه سياسيًا.

لا بمعنى أنه «أصبح فارسيًا» ببساطة.

بل بمعنى أن حكم فارس أجبره على أن يصبح شيئًا لم يكنه ملك مقدونيا قبل العبور.

الإمبراطورية تغير الحاكم كما يغيرها.

المفارقة

قضى الإسكندر حياته الأخيرة وهو يحاول صنع إمبراطورية تستطيع الجمع بين شعوب متعددة تحت ملك واحد.

ثم مات.

وفي اللحظة التي اختفى فيها الملك الواحد بدأت الوحدة تنفك.

كان الجيش يستطيع عبور آسيا.

لكنه لم يستطع تحديد من يرث صاحبه.

وكان الإسكندر قادرًا على هزيمة داريوس.

لكنه لم يستطع هزيمة المشكلة التي تواجه كل حكم شخصي شديد الاعتماد على فرد:

ماذا يحدث عندما يموت ذلك الفرد؟

حاول دمج المقدونيين والإيرانيين.

لكن قادته تقاتلوا على الإرث.

أسس مدنًا.

وحرك جيوشًا.

وكسر أقدم إمبراطورية في المنطقة.

ثم ترك خلفه عالمًا جديدًا لم يعد يستطيع التحكم في شكله.

الرجل الذي أسقط إمبراطورية ثم حاول أن يحكم عالمين

من السهل أن نفهم الإسكندر إذا توقفنا عند غوغميلا.

ملك شاب.

جيش صغير نسبيًا.

إمبراطورية ضخمة.

ثم انتصار.

هذه هي سيرة الفاتح.

لكن الإسكندر الأكثر إثارة يظهر بعد الانتصار.

ماذا يفعل عندما لا يعود هناك داريوس يهزمه؟

يكتشف أن النصر نفسه صنع مشكلة جديدة.

أصبح مسؤولًا عن بابل.

ومصر.

وإيران.

وباكتريا.

وسوغديانا.

وشعوب لا تتحدث لغة واحدة ولا تخضع لتقليد سياسي واحد.

كان بإمكانه أن يبقى ملكًا مقدونيًا فوق إمبراطورية محتلة.

لكنه حاول شيئًا مختلفًا جزئيًا.

بدأ يستخدم عالم فارس بدل أن يدمره كله.

وهنا اصطدم برجاله.

هم رأوا أنفسهم منتصرين.

أما هو فبدأ يرى نفسه ملكًا للجميع.

ربما كان مشروعه براغماتية إمبراطورية.

وربما كان يحمل كذلك تصورًا متزايدًا لمُلك عالمي.

لا نستطيع الدخول إلى رأسه بما يكفي للحسم.

لكن الأفعال واضحة.

الزي يتغير.

والجيش يتغير.

والزيجات تتغير.

والبلاط يتغير.

حتى معنى أن تكون «من رجال الإسكندر» بدأ يتغير.

ثم، قبل أن نعرف أين كان هذا المشروع سيصل، أصيب الملك بالحمى في بابل.

ومات في الثانية والثلاثين.

منذ ذلك اليوم بدأ الجميع يسأل:

ماذا كان سيفعل لو عاش؟

يغزو الجزيرة العربية؟

يتجه غربًا؟

يثبت الإمبراطورية؟

أم يدمرها في حرب أخرى؟

لن نعرف.

وهذه ربما أكبر أساطيره جميعًا:

الإسكندر الذي لم يمت في بابل.

الرجل الذي يستطيع الخيال أن يواصل حملته نيابة عنه إلى الأبد.

أما التاريخ فيتوقف عند حقيقة أبسط.

في ثلاثة عشر عامًا تقريبًا انتقل من عرش مقدوني مهدد إلى حكم مساحة هائلة من العالم المعروف لمجتمعه.

لم يحتفظ ورثته بوحدتها.

لكنهم لم يستطيعوا أيضًا إعادة العالم إلى ما كان عليه قبله.

فالإمبراطورية التي أسقطها لم تعد.

والثقافات التي التقت تحت حملاته لم تعد منفصلة بالطريقة نفسها.

والمدن والطرق والممالك التي نشأت بعدها ستحدد قرونًا من تاريخ شرق المتوسط وغرب آسيا.

الإسكندر لم يصنع عالمًا واحدًا.

لكنه كسر الجدار بين عوالم كثيرة.

ثم مات قبل أن يكتشف إن كان يستطيع فعل الشيء الأصعب:

حكم العالم الذي صنعه.

المصادر والمراجع

– أريان — أناباسيس الإسكندر.

– بلوتارخ — حياة الإسكندر.

– ديودور الصقلي — المكتبة التاريخية، الكتاب السابع عشر.

– كوينتوس كورتيوس روفوس — تاريخ الإسكندر الأكبر.

– Pierre Briant — Alexander the Great and His Empire: A Short Introduction.

– A. B. Bosworth — Conquest and Empire: The Reign of Alexander the Great.

– Robin Lane Fox — Alexander the Great.

– Peter Green — Alexander of Macedon, 356–323 B.C.

– Encyclopaedia Iranica — Alexander the Great.

– The British Museum — مجموعات ونقود الإسكندر الثالث المقدوني والدراسات المرتبطة بها.

– The Metropolitan Museum of Art — الدراسات المتعلقة بالإسكندر في مصر وصورته في العصرين البطلمي والروماني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top