ماركو بولو — حين كان الطريق إلى الشرق يمر على اليابسة

ماركو بولو — حين كان الطريق إلى الشرق يمر على اليابسة

قبل أن تبحث أوروبا عن طريق بحري إلى آسيا، كانت القوافل قد سبقتها بقرون

في سنة 1271 خرج ثلاثة مسافرين من البندقية متجهين نحو الشرق.

لم تكن أمامهم خريطة حديثة، ولا خط واحد واضح يسمى «طريق الحرير». كان أمامهم عالم من الطرق المتقاطعة: موانئ، ومدن قوافل، وصحارى، وممرات جبلية، وحدود تتغير مع تغير الدول والإمبراطوريات.

كان بينهم شاب في نحو السابعة عشرة من عمره اسمه ماركو بولو.

لم يكن أول أوروبي يسافر إلى الشرق، ولم يكتشف الصين، ولم يصنع طرق التجارة التي سار عليها.

لكن رحلته ستصبح واحدة من أشهر النوافذ التي نظر منها الأوروبيون إلى آسيا.

وبعد نحو قرنين، سيحاول بحارة آخرون الوصول إلى ذلك العالم نفسه بطريقة مختلفة تمامًا:

عبر البحر.


الشرق لم يكن مجهولًا

من السهل أن نتخيل أوروبا في العصور الوسطى كجزيرة معزولة عن آسيا.

لكن الواقع كان مختلفًا.

كانت السلع تتحرك منذ قرون بين الصين وآسيا الوسطى والهند وفارس والشرق الأوسط والبحر المتوسط.

الحرير.

التوابل.

الخزف.

الأحجار الكريمة.

المعادن.

المنسوجات.

والخيول.

وما نسميه اليوم «طرق الحرير» لم يكن طريقًا واحدًا يمتد بصورة متصلة من الصين إلى أوروبا، بل شبكة واسعة من الطرق البرية والبحرية.

كان التاجر في كثير من الأحيان يقطع جزءًا فقط من الرحلة.

تنتقل السلعة من يد إلى أخرى، ومن سوق إلى سوق، ومن مدينة إلى مدينة.

وقد يبدأ الحرير رحلته في شرق آسيا قبل أن يصل بعد سلسلة طويلة من الوسطاء إلى أسواق البحر المتوسط.

العالم كان متصلًا.

لكن الاتصال كان بطيئًا ومكلفًا وخاضعًا لسلطات كثيرة.

ومن هنا تبدأ إحدى الأفكار التي ستغير التاريخ لاحقًا:

هل يمكن الوصول إلى مصادر الثروة مباشرة؟


زمن فتح الطريق

جاءت رحلة ماركو بولو في فترة استثنائية من تاريخ أوراسيا.

كانت الإمبراطورية المغولية قد ربطت، بصورة مباشرة أو عبر دول مغولية متفرعة، مساحات واسعة من القارة.

لم تصبح الطرق آمنة تمامًا، ولم تختفِ الحروب أو قطاع الطرق أو أخطار الصحراء والجبال.

لكن الحركة بين أجزاء واسعة من آسيا أصبحت في فترات معينة أكثر انتظامًا، وانتقل عبر هذه المساحات التجار والرسل ورجال الدين والمسافرون.

وقبل ماركو بولو نفسه، كان أوروبيون آخرون قد وصلوا إلى مناطق خاضعة للمغول.

كما أن والده نيكولو وعمه مافيو كانا قد سافرا شرقًا قبل أن يصطحباه معهما.

إذن لم تكن أهمية ماركو بولو في أنه كان أول من وصل.

كانت أهميته في أن قصته عادت إلى أوروبا وانتشرت فيها.


من البندقية إلى قلب آسيا

غادر ماركو بولو البندقية مع والده وعمه سنة 1271.

قادهم الطريق عبر مناطق من الشرق الأوسط وفارس وآسيا الوسطى، ثم إلى أراضي دولة يوان المغولية التي حكمت الصين في ذلك الوقت.

كانت الرحلة تستغرق سنوات.

ولم يكن عبور العالم في القرن الثالث عشر يشبه تحريك إصبع على خريطة.

كان كل انتقال يعني دخول نظام جديد.

عملة مختلفة.

لغة أخرى.

سلطة سياسية جديدة.

سوق مختلف.

وأحيانًا صحراء أو سلسلة جبال يمكن أن تنهي الرحلة كلها.

لكن خلف المخاطر كانت هناك قوة تجعل الناس يعودون إلى هذه الطرق باستمرار:

التجارة.


الطرق التي حملت أكثر من البضائع

الحرير هو أشهر ما ارتبط بهذه الشبكات، لكنه لم يكن سوى جزء صغير منها.

كانت التوابل والمنسوجات والمعادن والخزف والأحجار الكريمة والخيول وغيرها تنتقل بين مناطق واسعة.

ومع البضائع كانت تنتقل أشياء لا يمكن وضعها في صندوق.

الأفكار.

القصص.

الأديان.

التقنيات.

والأخبار.

فحيث يسافر التاجر، تسافر المعلومة.

خبر عن مدينة غنية.

طريق أسرع.

سوق يدفع سعرًا أعلى.

حاكم يبحث عن تحالف.

أو ميناء تستطيع منه سفينة أن تصل إلى عالم آخر.

وهكذا لم تكن طرق التجارة مجرد شرايين للاقتصاد.

كانت أيضًا طرقًا تتشكل عبرها معرفة البشر بالعالم.


الشرق كما رآه كتاب ماركو بولو

ينسب كتاب رحلات ماركو بولو إليه أوصافًا لمدن وأسواق وطرق وموانئ وممالك امتدت عبر مناطق واسعة من آسيا.

ومن أكثر الأشياء التي أثارت فضول القارئ الأوروبي أوصافه للاقتصاد والإدارة في دولة يوان.

تحدث الكتاب، مثلًا، عن استخدام النقود الورقية.

بالنسبة إلى قارئ أوروبي في ذلك العصر، كانت فكرة أن تستطيع الدولة تحويل ورق إلى أداة دفع واسعة القبول أمرًا لافتًا.

كما تحدث النص عن الملح والتجارة والمدن والموانئ والسلع.

وهكذا لم يعد الشرق في المخيلة مجرد أرض أسطورية بعيدة.

ظهر كعالم واسع مليء بالمدن والثروة والأسواق.

وهنا بدأ سؤال أكثر خطورة يتشكل:

كيف يمكن الوصول إلى كل ذلك؟


هل نستطيع تصديق كل ما في الكتاب؟

هنا يجب أن نكون حذرين.

كتاب ماركو بولو ليس دفتر يوميات حديثًا كُتب أثناء الرحلة لحظة بلحظة.

بعد عودته إلى أوروبا ووقوعه في الأسر خلال الصراع بين البندقية وجنوة، ارتبط تدوين رواياته بالكاتب روستيشيللو من بيزا.

ولهذا يحمل النص طبيعة أدب الرحلات في العصور الوسطى.

فيه مشاهدات.

وفيه معلومات سمعها المسافر من الآخرين.

وفيه حكايات وعجائب تناقلها الناس.

ولهذا استمرت مناقشات الباحثين حول بعض تفاصيل روايته، بما في ذلك طبيعة وجوده في الصين والأدوار التي ربما قام بها هناك.

وفي المقابل، يرى باحثون أن دقة عدد من التفاصيل المتعلقة بالنقود والضرائب والملح والإدارة والجغرافيا تشير إلى معرفة قوية بعالم يوان.

الموقف الأكثر أمانًا ليس أن نقول:

كل ما رواه ماركو بولو حقيقة مؤكدة.

ولا أن نقول:

لقد اخترع رحلته كلها.

بل أن نتعامل مع كتابه بوصفه مصدرًا تاريخيًا مهمًا يحتاج إلى القراءة النقدية.


الرجل الأشهر لم يصنع الطريق

تكمن المفارقة في أن ماركو بولو أصبح أشهر من كثير من الرجال الذين كانوا يسيرون على الطرق نفسها.

لم يكن هو من أنشأ شبكة التجارة بين آسيا وأوروبا.

ولم يكن أول من عرف الصين.

وكانت القوافل والتجار والحجاج والرسل يعبرون أجزاء من أوراسيا قبل ولادته بزمن طويل.

لكن معظم هؤلاء لم يتركوا وراءهم كتابًا يقرأه الناس بعد قرون.

ماركو بولو فعل.

فبقي اسمه.

واختفت أسماء آلاف الأشخاص الذين حملوا فعلًا السلع والمعلومات من مدينة إلى أخرى.


عندما أصبحت آسيا هدفًا

هنا تبدأ أهمية ماركو بولو بالنسبة إلى قصة الاستكشافات البحرية.

لم يكن الأوروبيون بحاجة إلى كتابه كي يعرفوا أن آسيا موجودة.

لكن رواياته ساهمت في تكوين صورة أكثر وضوحًا وإثارة عن عالم واسع غني بالأسواق والسلع والمدن.

ومع مرور الزمن سيصبح الوصول إلى تلك الثروة مسألة أكبر من مجرد رحلة تاجر.

سيصبح مشروع دولة.

فإذا كانت آسيا غنية إلى هذه الدرجة، فلماذا يجب أن تمر تجارتها عبر كل هذه المسافات والوسطاء؟

لماذا لا يصل التجار الأوروبيون إليها مباشرة؟

ومن هنا بدأ السؤال يتغير.

لم يعد:

ماذا يوجد في الشرق؟

بل:

هل يوجد طريق آخر إليه؟


من القافلة إلى السفينة

بعد نحو قرنين من رحلة ماركو بولو، بدأ البرتغاليون يتحركون جنوبًا على طول الساحل الإفريقي بحثًا عن طريق بحري إلى المحيط الهندي.

سيصل بارتولوميو دياز إلى الطرف الجنوبي لإفريقيا.

وسيصل فاسكو دا غاما إلى الهند بحرًا.

وفي الوقت نفسه سيختار رجل آخر فكرة مختلفة.

بدل الدوران حول إفريقيا، سيحاول الوصول إلى آسيا بالإبحار غربًا.

اسمه:

كريستوفر كولومبوس.

وسيحمل معه تصورًا عن شرق غني ينتظر الوصول إليه.

لكنه لن يصل إلى المكان الذي كان يبحث عنه.

سيصل إلى عالم آخر.


المعنى المتأخر

ربما لم تكن أعظم رحلة لماركو بولو هي رحلته من البندقية إلى الشرق.

كانت رحلة كتابه.

من قارئ إلى آخر.

ومن لغة إلى أخرى.

ومن قرن إلى قرن.

حتى أصبح الشرق في الخيال الأوروبي ليس مجرد جهة بعيدة على حافة العالم، بل مكانًا يمكن الوصول إليه والتجارة معه والاستفادة من ثرواته.

ماركو بولو لم يفتح الطريق البحري إلى آسيا.

ولم يبدأ عصر الاستكشافات.

لكنه يقف عند نقطة مهمة بين عالمين:

عالم كانت التجارة تعبره فوق ظهور الجمال والخيول، وعالم سيحاول بعد ذلك أن يحملها على ظهور السفن.

ولهذا لا تبدأ قصة الاستكشافات بالسفينة.

تبدأ بالطريق.

وبالسلعة.

وبالإنسان الذي سمع أن وراء الأفق سوقًا تستحق الوصول إليها.


المقال التالي في السلسلة

ابن بطوطة — الرجل الذي وجد عالمًا متصلًا قبل العولمة

هناك سنرى العالم من زاوية مختلفة: ليس أوروبيًا يتجه شرقًا، بل رحالة من المغرب يتحرك داخل شبكة حضارية وتجارية تمتد من شمال إفريقيا إلى الشرق الأوسط والهند وما وراءها.

مصادر ومراجع

  • UNESCO — برنامج طرق الحرير.
  • Encyclopaedia Britannica — Marco Polo.
  • Library of Congress — مخطوطات ورحلات ماركو بولو.
  • الدراسات التاريخية المتعلقة بالتجارة الأوراسية ودولة يوان في القرن الثالث عشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top