أسطورة سيزيف — حين يصبح الصعود هو المعنى
هناك رجل يدفع صخرة إلى أعلى جبل.
يقترب من القمة.
يبذل ما بقي من قوته.
ثم، قبل أن تنتهي المهمة، تفلت الصخرة.
تتدحرج إلى الأسفل.
ينظر إليها.
وينزل خلفها.
ثم يبدأ من جديد.
لا نهاية.
لا انتصار أخير.
ولا لحظة يستطيع فيها أن يقول:
انتهيت.
هذا هو سيزيف.
واحدة من أبسط الصور في الأساطير اليونانية، وواحدة من أكثرها قدرة على عبور الزمن.
لكن سيزيف لم يبدأ رمزًا فلسفيًا للإنسان الذي يكرر حياته كل يوم.
في الأسطورة القديمة كان ملكًا ماكرًا خدع البشر والآلهة، وحاول حتى خداع الموت نفسه.
أما بعد أكثر من ألفي عام، فسيأخذ ألبير كامو الصخرة نفسها ويعطيها معنى آخر تمامًا.
لن يسأل:
بماذا عوقب سيزيف؟
بل:
ماذا لو كانت حياتنا تشبهه أكثر مما نريد الاعتراف به؟
قبل الصخرة كان هناك ملك
تنتمي قصة سيزيف إلى الميثولوجيا اليونانية.
وتقدمه التقاليد بوصفه ملكًا ارتبط بمدينة إفيرا، التي عُرفت لاحقًا بكورنث.
لكن لا توجد «نسخة أصلية واحدة» من الأسطورة تحتوي كل التفاصيل التي نرويها اليوم.
كما يحدث مع معظم الأساطير القديمة، وصلت القصة عبر مؤلفين مختلفين وفي أزمنة مختلفة.
وتغيرت التفاصيل.
أضيفت أسباب.
ودمجت روايات.
أما أقدم صورة شهيرة لعقابه فتظهر في «الأوديسة» المنسوبة إلى هوميروس.
هناك يرى أوديسيوس سيزيف في عالم الموتى وهو يدفع صخرة ضخمة نحو قمة تل.
وكلما أوشك أن يرفعها إلى الأعلى، أعادها ثقلها إلى الأسفل.
ثم يبدأ مرة أخرى.
هوميروس يقدم العقوبة.
لكنه لا يشرح لنا بوضوح لماذا استحقها.
الأجيال التالية ستملأ الفراغ.
الرجل الذي كان يعرف أكثر مما ينبغي
في رواية لاحقة ترتبط قصة سيزيف بزيوس والحورية إيجينا.
كان زيوس قد أخذ إيجينا بعيدًا، وكان والدها إله النهر أسوبوس يبحث عنها.
عرف سيزيف ما حدث.
وبدل أن يحفظ سر زيوس، ساوم على المعلومة.
كشف مكان إيجينا مقابل منفعة لمدينته، وترتبط الرواية بالحصول على مصدر للمياه.
إذا أخذنا هذه الرواية، يصبح خطأ سيزيف مزدوجًا.
خان سر كبير الآلهة.
وحاول تحويل المعرفة إلى صفقة.
لكن هذه ليست القصة الوحيدة التي تفسر عقابه.
فسيزيف في الميثولوجيا لم يكن مجرد رجل أفشى سرًا.
كان الرجل الذي حاول إيقاف الموت.
عندما جاء الموت
تروي إحدى أشهر الروايات أن زيوس، أو الآلهة، قرر معاقبة سيزيف وأرسل إليه ثاناتوس، تجسيد الموت.
لكن سيزيف لم يستسلم.
احتال على الموت نفسه.
طلب منه أن يشرح له كيف تعمل القيود التي سيستخدمها عليه.
وحين أظهرها ثاناتوس، خدعه سيزيف وقيده بها.
فحدث شيء مستحيل:
توقف البشر عن الموت.
يمكن أن تقع الحرب.
يمكن أن تُجرح الأجساد.
لكن الموت لا يستطيع أخذ أحد.
يبدو الأمر للوهلة الأولى حلمًا بشريًا قديمًا.
عالم بلا موت.
لكن الأسطورة تقلب الحلم.
إذا لم يمت أحد، يختل النظام نفسه.
حتى الآلهة لا تريد عالمًا يستطيع فيه رجل واحد تعطيل قانون الموت.
آريس يعيد الموت
تختلف تفاصيل الروايات، لكن ثاناتوس يتحرر في النهاية.
ويعود الموت إلى عمله.
وكان على سيزيف الآن أن يموت مثل الجميع.
إلا أن الرجل أعد خدعة أخرى قبل وصوله إلى العالم السفلي.
طلب من زوجته، وفق روايات متأخرة، ألا تؤدي له الطقوس الجنائزية المعتادة.
وعندما وصل إلى عالم الموتى، اشتكى من أنها لم تحترم واجباتها نحوه.
وطلب السماح له بالعودة مؤقتًا إلى عالم الأحياء لكي يعاقبها أو يصلح الأمر.
حصل على الإذن.
وعاد.
ثم رفض الرجوع.
كان قد خدع الموت للمرة الثانية.
الرجل الذي رفض المغادرة
عاد سيزيف إلى الحياة.
ورأى الشمس.
والأرض.
والبحر.
وعاش مرة أخرى.
لكن لا أحد يستطيع تأجيل النهاية إلى الأبد في الأسطورة اليونانية.
أُعيد في النهاية إلى عالم الموتى.
وهناك جاء العقاب الذي سيبتلع كل القصص التي سبقته.
صخرة.
وجبل.
ومهمة لا تنتهي.
لا يحتاج الحارس إلى ضربه.
ولا يحتاج السجن إلى جدران.
يكفي أن تعطي الإنسان عملًا يستطيع الاقتراب من إنجازه إلى الأبد، من دون أن ينجزه أبدًا.
لماذا الصخرة؟
هذه ربما عبقرية الأسطورة.
كان يمكن للآلهة أن تعذب سيزيف بالنار.
أو بالجوع.
أو بالسلاسل.
لكن الصخرة أكثر قسوة بطريقة مختلفة.
فالعمل ممكن.
ليس مستحيلًا.
يمكن دفعها.
وتتحرك فعلًا.
وترتفع.
وهذا يمنح سيزيف في كل مرة شيئًا يشبه الأمل.
المشكلة ليست أنه لا يستطيع تحريكها.
المشكلة أنه لا يستطيع الاحتفاظ بنتيجة الحركة.
كل جهده صحيح.
وكل تقدمه حقيقي.
ثم يصبح كأنه لم يحدث.
هذه ليست عقوبة الألم فقط.
إنها عقوبة العبث.
سيزيف لم يكن بطلًا بريئًا
من المهم ألا نحول الأسطورة القديمة إلى قصة رجل صالح ظلمه الآلهة.
في تقاليد يونانية متعددة يظهر سيزيف شخصية ماكرة، مخادعة، قاسية أحيانًا، ومستعدة لاستخدام الآخرين لمصلحتها.
ارتبط اسمه بالدهاء قبل أن يرتبط بالفلسفة.
والمجتمع اليوناني القديم لم يكن يسمع قصة الصخرة بالمعنى الذي سيعطيه لها كامو في القرن العشرين.
بالنسبة إلى القدماء كانت هناك عقوبة.
وتجاوز للحدود.
وإنسان حاول أن يكون أذكى من النظام الإلهي والموت.
ثم جاء الجزاء.
لكن الأسطورة لا تبقى ملكًا للعصر الذي صنعها.
بعد أكثر من ألفي عام
وُلد ألبير كامو سنة 1913 في الجزائر التي كانت آنذاك تحت الحكم الفرنسي.
صحفي.
وكاتب.
وروائي.
ومسرحي.
ومفكر رفض في أوقات مختلفة أن يُختزل تحت تسمية فلسفية واحدة.
وفي أربعينيات القرن العشرين، وسط عالم يعيش الحرب والعنف والانهيار، كتب مقالًا فلسفيًا طويلًا حمل عنوانًا غريبًا:
«أسطورة سيزيف».
نُشر الكتاب سنة 1942.
لم يكن كامو يريد إعادة سرد الميثولوجيا اليونانية.
كان يبحث عن صورة تستطيع أن تحمل سؤالًا حديثًا:
ماذا يفعل الإنسان إذا أراد أن يجد معنى نهائيًا للحياة، ولم يقدم له العالم جوابًا؟
العبث
عند كامو لا يعني «العبث» أن كل شيء سخيف ويمكن الاستهزاء به.
إنه شيء أدق.
الإنسان يريد معنى.
يريد تفسيرًا.
يريد أن يعرف لماذا يعيش.
ولماذا يتألم.
ولماذا يموت.
يريد أن يصدق أن الصورة كلها تقود إلى نتيجة ما.
لكن الكون لا يجيب.
هذه المواجهة بين حاجة الإنسان إلى المعنى وصمت العالم هي المساحة التي يظهر فيها العبث.
ليس الإنسان وحده عبثيًا.
وليس العالم وحده عبثيًا.
العبث يولد في العلاقة بين السؤال والصمت.
الصباح نفسه
من الصور التي يستخدمها كامو للحديث عن هذه التجربة رتابة الحياة اليومية.
يستيقظ الإنسان.
يذهب إلى العمل.
يعود.
يأكل.
ينام.
ثم يعيد الأمر.
الاثنين.
الثلاثاء.
الأربعاء.
الأسبوع التالي.
والسنة التالية.
إلى أن تظهر لحظة غريبة يسأل فيها:
لماذا؟
ليس لأن العمل تغير.
بل لأن الوعي به تغير.
الروتين الذي كان طبيعيًا يصبح فجأة مرئيًا.
الصخرة التي كنت تدفعها من دون التفكير فيها أصبحت أمامك.
وهنا تبدأ مشكلة سيزيف الحديثة.
السؤال الأخطر
بدأ كامو «أسطورة سيزيف» بسؤال شديد القسوة:
إذا لم نجد معنى نهائيًا للحياة، فلماذا نستمر فيها؟
هل يقود اكتشاف العبث إلى الانتحار؟
بالنسبة إلى كامو، الجواب كان لا.
فالانتحار لا يحل التناقض بين الإنسان والعالم.
إنه يلغي أحد طرفيه.
يلغي الإنسان الذي يطرح السؤال.
وكان كامو يبحث عن موقف أصعب:
أن نرى العبث كاملًا.
ولا نهرب منه.
ولا نختلق جوابًا فقط لأن الصمت يخيفنا.
ثم نستمر في العيش.
لا وعد بالقمة
هنا أصبح سيزيف الشخصية المثالية.
فهو يعرف ماذا سيحدث.
لا يخدع نفسه.
لا توجد لحظة قادمة ستبقى فيها الصخرة فوق القمة إلى الأبد.
لا توجد ترقية نهائية.
ولا يوم انتهاء للعقوبة.
ولا جائزة تنتظره إذا كرر المهمة للمرة المليون.
ومع ذلك يدفع.
هذه المعرفة هي التي تجعل سيزيف عند كامو مختلفًا عن العامل الذي يكرر عمله من دون أن يفكر في معنى التكرار.
سيزيف يعرف.
والوعي يغير طبيعة العقوبة.
اللحظة الأهم ليست الصعود
المفارقة أن أكثر لحظات سيزيف إثارة عند كامو ليست عندما يدفع الصخرة.
بل عندما تتدحرج إلى الأسفل.
يبدأ سيزيف بالنزول خلفها.
في تلك اللحظة لا يحتاج إلى بذل القوة.
هناك وقت للتفكير.
يعرف أنه سيصل إلى الصخرة.
ويعرف أنه سيرفعها مرة أخرى.
إنها لحظة الوعي الكامل بمصيره.
وفي قراءة كامو، يصبح هذا الوعي بالذات هو المكان الذي يستطيع فيه سيزيف أن ينتزع شيئًا من الحرية.
لم يختَر الجبل.
ولم يختَر العقوبة.
لكنه يستطيع أن يعرفها ويواجهها بلا وهم.
كيف يمكن للعقوبة أن تصبح ملكه؟
لا يستطيع سيزيف تغيير حكم الآلهة.
لكن هناك فرق بين إنسان يُساق إلى مصيره وهو ينتظر وهمًا سينقذه، وإنسان يعرف مصيره ولا يمنحه حق تحديد موقفه الداخلي منه.
هنا تأتي ثورة كامو الصغيرة.
إذا كانت الصخرة ستبقى موجودة، فليست كل المساحة ملكًا للصخرة.
هناك أيضًا الإنسان الذي يدفعها.
القدر يحدد المهمة.
لكن الوعي يستطيع أن يحدد العلاقة بها.
هذه ليست حرية مطلقة.
إنها حرية داخل الحدود.
وربما لا يملك الإنسان في الحياة أكثر من ذلك في أوقات كثيرة.
«علينا أن نتخيل سيزيف سعيدًا»
ينتهي كتاب كامو بفكرة أصبحت أشهر من الكتاب نفسه:
علينا أن نتخيل سيزيف سعيدًا.
والجملة تبدو للوهلة الأولى مستفزة.
كيف يكون سعيدًا؟
إنه معذب إلى الأبد.
لكن كامو لا يقول إن الصخرة جميلة.
ولا إن الألم ممتع.
ولا إن العمل المتكرر يجب أن نحبه مهما كان مهينًا.
فكرته أن سيزيف عندما يرى مصيره بلا خداع ثم يستمر، يحرم العقوبة من قدرتها على امتلاك كل شيء داخله.
لم تختفِ الصخرة.
لكنها لم تعد الحقيقة الوحيدة.
يوجد أيضًا موقف الإنسان منها.
هل قال كامو إن «الصعود هو المعنى»؟
ليس بهذه العبارة الحرفية.
وهذا مهم.
العنوان الذي نستخدمه هنا قراءة مستلهمة من فكرته، لا اقتباسًا من نص كامو.
كامو لا يمنحنا معنى كونيًا جديدًا يقول:
الحياة هدفها دفع الصخرة.
بل يرفض أصلًا فكرة أنه اكتشف غاية نهائية للكون.
ما يقوله أقرب إلى:
إذا لم يكن هناك جواب نهائي جاهز، فإن العيش نفسه، والوعي، والتمرد على الاستسلام، تصبح طريقتنا في مواجهة الوضع.
الصعود لا يكشف سر الكون.
لكنه يصبح فعل الإنسان داخل كون لا يقدم له السر.
الفرق بين سيزيف القديم وسيزيف كامو
سيزيف الأسطوري مذنب في عالم له نظام إلهي.
يعرف من عاقبه.
ويعرف أن هناك آلهة.
وعقوبته نتيجة أفعال سابقة.
أما سيزيف كامو فهو رمز للإنسان في عالم لا يمنحه تفسيرًا نهائيًا لوجوده.
الفرق هائل.
في الأسطورة القديمة:
هناك معنى للعقوبة.
لقد أغضب الآلهة.
في قراءة كامو:
المشكلة أن الإنسان يبحث عن معنى نهائي ولا يجده.
إذن كامو لم يشرح الأسطورة.
استخدمها.
أخذ صورة قديمة وأدخلها داخل سؤال حديث.
الموظف وسيزيف
من السهل بعد كامو أن ننظر إلى حياتنا اليومية فنرى الصخور في كل مكان.
موظف يدخل المكتب كل صباح.
رسائل تنتهي لتأتي غيرها.
بيت يُنظف ثم يتسخ.
فواتير تُدفع ثم تأتي فواتير جديدة.
وجبة تُطبخ ثم يحتاج الإنسان إلى وجبة أخرى.
جسد يتمرن ثم يفقد لياقته إذا توقف.
مرض يُعالج ثم يأتي العمر بتحديات أخرى.
مشروعات تنتهي ثم تبدأ مشروعات جديدة.
هل هذه كلها عقوبات؟
ليس بالضرورة.
المشكلة ليست التكرار وحده.
القلب نفسه يتكرر.
والتنفس يتكرر.
والشروق يتكرر.
ليست كل دورة عبثًا.
السؤال هو:
ماذا يعني التكرار لنا؟
الصخرة التي اخترناها
هناك فرق كبير كذلك بين صخرة مفروضة وصخرة اختارها الإنسان.
الأب الذي يستيقظ كل يوم لرعاية طفله يكرر أفعالًا كثيرة.
لكنه قد يراها مرتبطة بحب ومعنى واضح.
الفنان يعيد المحاولة عشرات المرات.
والباحث يفشل في تجربة ثم يبدأ من جديد.
والكاتب يمحو صفحة ويعيدها.
التكرار وحده لا يصنع سيزيف.
ما يجعل صورة كامو قوية هو التوتر بين الجهد والرغبة في معنى نهائي.
لهذا لا ينبغي تحويل فلسفة العبث إلى شكوى من الروتين.
إنها سؤال أعمق من الملل.
هل يجب أن نقبل كل صخرة؟
لا.
وهذه إحدى أكثر القراءات الخاطئة خطورة.
فكرة كامو لا تعني:
إذا كنت في عمل مهين، ابقَ فيه وابتسم.
إذا كنت تتعرض للظلم، اعتبر الظلم صخرتك.
إذا كانت هناك مشكلة تستطيع إصلاحها، لا تصلحها.
كامو نفسه سيجعل «التمرد» لاحقًا مفهومًا أساسيًا في فكره.
الوعي بالحدود ليس استسلامًا لكل وضع اجتماعي أو سياسي.
سيزيف لا يستطيع إزالة حكم الآلهة في الأسطورة.
أما نحن، فكثير من الصخور التي نحملها ليست قوانين كونية.
يمكن تغييرها.
والحكمة تبدأ أحيانًا بمعرفة الفرق.
الصخرة التي لا نستطيع إسقاطها
ومع ذلك توجد أشياء لا نستطيع إلغاءها.
الموت.
مرور الزمن.
فقدان أشخاص نحبهم.
حدود الجسد.
عدم قدرتنا على العودة إلى الماضي.
حقيقة أن كثيرًا من الأسئلة الكبرى قد تبقى بلا جواب نهائي.
هنا تصبح صورة سيزيف أكثر قوة.
ليست دعوة إلى الاستسلام.
بل إلى التمييز بين ما يمكن تغييره وما يجب أن نجد طريقة للعيش معه.
بعض الصخور يجب تحطيمها.
وبعضها يجب دفعه.
لماذا بقيت الأسطورة؟
لأنها لا تحتاج إلى شرح طويل كي نفهم صورتها.
كل إنسان تقريبًا عرف لحظة شعر فيها أنه عاد إلى النقطة نفسها.
عمل شهورًا ثم انهار المشروع.
بنى علاقة ثم انتهت.
تعافى ثم مرض.
جمع المال ثم جاءت أزمة.
تعلم شيئًا ثم اكتشف مقدار ما لا يعرفه.
دفع الصخرة.
ثم سمع صوتها وهي تهبط.
المشكلة ليست أن هذا يحدث.
المشكلة هي السؤال التالي:
هل أهبط خلفها؟
ربما تكون العودة جزءًا من الحياة
الثقافة الحديثة تحب الخط الصاعد.
ابدأ من الصفر.
اعمل.
تقدم.
انجح.
اصعد.
ثم ابقَ في القمة.
لكن الحياة الحقيقية نادرًا ما تتحرك بهذه الطريقة.
نتقدم.
ونتراجع.
ونتعلم.
وننسى.
ونبني.
ونفقد.
ونبدأ من جديد.
ربما تكون أسطورة سيزيف مزعجة لأنها تقول شيئًا نفضل عدم سماعه:
ليست كل رحلة مصممة للوصول إلى قمة نبقى فوقها إلى الأبد.
أحيانًا يكون الرجوع جزءًا من الرحلة نفسها.
هل هذا تشاؤم؟
يمكن قراءة كامو بوصفه شديد التشاؤم.
الكون لا يقدم معنى نهائيًا.
الموت ينتظر.
والإنسان يعرف ذلك.
لكن النهاية التي يصل إليها ليست اليأس.
بالعكس.
إذا كانت الحياة محدودة، تصبح اللحظة أكثر قيمة لا أقل.
وإذا لم ينتظر الإنسان حياة أخرى لكي يبدأ الحياة، يصبح الحاضر أكثر إلحاحًا.
وإذا لم توجد ضمانة بأن الكون سيكافئه، يصبح فعله مسؤولية تخصه هو.
العبث عند كامو ليس حفرة يسقط فيها الإنسان.
إنه المكان الذي يبدأ منه التمرد.
وسيزيف لم يعد ضحية فقط
الآلهة تستطيع أن تحدد عقوبته.
لكنها تحتاج إلى شيء واحد كي يصبح العقاب كاملًا:
أن يصبح سيزيف داخليًا مجرد ضحية.
كامو يرفض ذلك.
الوعي يمنع اكتمال الانتصار.
وهنا تتحول الشخصية.
الأسطورة تقول:
انظروا إلى الرجل الذي حاول خداع الآلهة فحكم عليه بالعمل إلى الأبد.
كامو يقول:
انظروا مرة أخرى.
الرجل ما زال هناك.
وما دام واعيًا، فالقصة لم تصبح ملكًا للآلهة وحدها.
المفارقة
كان الهدف من عقوبة سيزيف أن تجعل عمله بلا نتيجة.
لكن النتيجة التي لم تتوقعها الأسطورة هي أن عمله نفسه سيصبح واحدًا من أشهر الرموز الفلسفية في التاريخ.
الصخرة لا تصل إلى القمة.
لكن صورتها وصلت إلينا بعد آلاف السنين.
سيزيف لا ينجز المهمة.
لكنه أصبح أكثر خلودًا من ملوك كثيرين أنجزوا مدنًا وحروبًا وانتصارات.
أرادت الأسطورة أن تصور الفشل الأبدي.
فصنعت رمزًا لا يموت.
وهذه ربما أجمل مفارقاتها.
حين يصبح الصعود هو المعنى
لو بقيت الصخرة فوق القمة، لانتهت قصة سيزيف.
ولما بقي شيء ليرويه أحد.
لكنها تسقط.
ولهذا يعود.
هناك شيء قاسٍ في ذلك.
وهناك شيء مألوف أيضًا.
فالإنسان لا يعيش لأنه أنهى كل أعماله.
نحن نعيش وسط أشياء غير مكتملة.
أسئلة بلا إجابات نهائية.
مشروعات نعرف أن غيرنا سيكملها.
أجساد نعرف أنها لن تبقى.
وعلاقات نعرف أن الزمن سيغيرها.
ومع ذلك نبني.
ونحب.
ونتعلم.
ونحاول.
ربما كان الفرق الحقيقي بين اليأس والحياة ليس أن الصخرة ستبقى فوق الجبل هذه المرة.
بل أن الإنسان، وهو يعرف أنها قد تسقط، يضع يديه عليها مرة أخرى.
ليس لأنه اكتشف سرًا مخفيًا في القمة.
ولا لأن الكون وعده بمكافأة.
بل لأنه ما زال حيًا.
وما دام حيًا، فإن الخطوة التالية لم تُكتب بعد.
سيزيف القديم كان رجلًا عوقب بأن يبدأ من جديد.
أما سيزيف عند كامو، فأصبح الرجل الذي اكتشف أن البدء من جديد نفسه يمكن أن يكون إعلانًا:
الصخرة سقطت.
وأنا ما زلت هنا.
المصادر والمراجع
- هوميروس — الأوديسة، الكتاب الحادي عشر.
- أبولودوروس — المكتبة، الروايات المتعلقة بسيزيف.
- باوسانياس — وصف اليونان، المواد المتعلقة بكورنث وسيزيف.
- ألبير كامو — أسطورة سيزيف.
- Stanford Encyclopedia of Philosophy — Albert Camus.
- Robert C. Solomon — دراسات الوجودية والعبث عند ألبير كامو.
- David Sherman — Camus.
- The Oxford Classical Dictionary — Sisyphus ومواد الميثولوجيا اليونانية.

