نقرأ ما يتكوّن اليوم قبل أن يصبح عالم الغد.
في الحلقة الأولى من «سطر الغد» سألنا: ماذا يبقى للإنسان حين تتعلم الآلة المزيد من مهنه؟ أما هنا، فننزع طبقة أقدم من الأمان: ماذا يبقى من الطب إذا فقد الدواء الذي يحمي الجسد قدرته على العمل؟
في صباح من عام 2045، جلس طفل في السابعة على سرير الطوارئ، يهز ساقيه ويضحك. كان على ركبته خدش صغير حمل معه قليلًا من تراب ملعب المدرسة.
قالت أمه: «وقع في حصة الرياضة. جئنا لنطمئن فقط».
غسل الطبيب الجرح ووضع عليه ضمادًا أبيض. بدا الأمر روتينيًا إلى حد أن أحدًا لم يتذكره بعد مغادرة الغرفة.
بعد ثمانٍ وأربعين ساعة، عاد الطفل إلى السرير نفسه. هذه المرة لم يكن يضحك. كانت ساقه متورمة، ووجهه شاحبًا، وصوت جهاز المراقبة يقطع الصمت. لم يعد الأطباء يعالجون خدشًا؛ كانوا يحاولون إيقاف عدوى وصلت إلى الدم.
ظهرت نتيجة المختبر على الشاشة. أمام العلاج الأول كلمة «مقاوم». وأمام الثاني الكلمة نفسها. أما الدواء الاحتياطي، فلم يوقف العدوى.
أغلق الطبيب الحاسوب ببطء. لم يقل: «لا توجد قائمة أخرى». كان الصمت كافيًا.
لم يكن الخدش هو الذي أصبح قاتلًا؛ الذي اختفى هو الحاجز الذي وقف بينه وبين الموت طوال قرن.
هذا الطفل شخصية متخيّلة من مستقبل لم يقع. ومقاومة دواء واحد لا تعني أن العدوى أصبحت بلا علاج. لكن الطريق المؤدي إلى ذلك المشهد بدأ بالفعل.
في عام 2023، أظهرت إصابة بكتيرية مؤكدة مخبريًا من كل ست إصابات شائعة رصدتها منظمة الصحة العالمية مقاومةً للمضادات التي اختُبرت عليها. لا تعني النسبة أن سدس الإصابات غير قابل للعلاج مطلقًا؛ لكنها تعني أن أدوية أساسية تفقد فاعليتها في عدد متزايد من المواجهات.
وبين عامي 2018 و2023، ارتفعت المقاومة في أكثر من 40% من تراكيب البكتيريا والمضادات التي تابعتها المنظمة، بمتوسط زيادة سنوية تراوح بين 5% و15%. وفي إقليمي شرق المتوسط وجنوب شرق آسيا، قُدّرت المقاومة بنحو إصابة واحدة من كل ثلاث إصابات مُبلّغ عنها.
نحن لم ندخل عالمًا كاملًا بلا مضادات حيوية. لكننا نستطيع رؤية بابه.
العالم قبل المعجزة
قبل أقل من قرن، لم يكن الطبيب الذي يرى جرحًا ملتهبًا يملك ما نعدّه اليوم بديهيًا. كان يستطيع تنظيف الجرح، وفتح الخراج، وإزالة النسيج الميت، وربما بتر الطرف إذا لم يبقَ خيار آخر. لكنه لم يكن يملك دواءً يسافر داخل الدم ليوقف البكتيريا.
لم يكن كل خدش حكمًا بالإعدام، ولم تكن كل عدوى قاتلة. لكن التهاب الرئة كان قادرًا على هزيمة شاب سليم، وقد تبدأ حمى النفاس بعد ولادة ناجحة ظاهريًا، فيما يقف الطبيب أمام أم تتدهور من دون علاج يستهدف البكتيريا في جسدها.
كانت المفارقة قاسية: تعلّم الطب التخدير، ورؤية الداخل بالأشعة، وإجراء عمليات أكثر جرأة، لكنه ظل عاجزًا أمام الكائنات التي تدخل من الشق الذي صنعه المشرط. كانت الجراحة تفاوضًا مع احتمالين: أن ينجح الإجراء، وأن ينجو المريض من العدوى التي قد تأتي بعده.
وفي خنادق الحرب العالمية الأولى، لم تكن الرصاصة تعمل وحدها. كانت تمزق النسيج، ثم يدخل معها الطين وقطع الثياب والميكروبات. عرف الجراحون أهمية تنظيف الجروح واستئصال الأنسجة الميتة، لكنهم لم يملكوا بعد مضادًا جهازيًا يلاحق العدوى حين تتجاوز موضع الإصابة.
لم يكن ذلك عصرًا سحيقًا. كان عالم الجدات والآباء القريب؛ عالمًا قد تتحول فيه زيارة مريض بالتهاب رئوي إلى وداع، ويصبح فيه جرح الحديقة معركة يخوضها الجسد وحده.
الرجل الذي تحسّن… ثم نفد الدواء
في فبراير/شباط 1941، تلقّى الشرطي البريطاني ألبرت ألكسندر، وكان في الثالثة والأربعين، أحد أوائل العلاجات السريرية بالبنسلين الذي أنتجه فريق أكسفورد. كانت عدوى شديدة قد امتدت في وجهه ورئتيه. اشتهرت لاحقًا حكاية تقول إنها بدأت بخدش من شوكة ورد، لكن تفاصيل سبب الإصابة ليست محسومة تمامًا.
خلال أيام، تحسنت حالته على نحو لافت. بدا كأن الطب عثر أخيرًا على مفتاح باب ظل مغلقًا منذ بداية التاريخ.
ثم نفد البنسلين.
كان الدواء نادرًا إلى درجة أن الباحثين استعادوا ما أمكن منه من بول المرضى لإعادة تنقيته واستخدامه. لم تكفِ الكمية لإنقاذ ألكسندر. عادت العدوى، ومات.
لم يمت لأن البنسلين فشل؛ مات لأن المعجزة وُجدت، لكن العالم لم يكن قد تعلّم بعد كيف يصنع منها ما يكفي لإنسان واحد.
الصدفة التي احتاجت إلى حرب ومصانع
بدأت القصة الشهيرة عام 1928، حين عاد ألكسندر فليمنغ إلى مختبره في لندن ولاحظ طبقًا من بكتيريا المكورات العنقودية لوّثه عفن. حول العفن ظهرت منطقة خالية من البكتيريا. كانت الملاحظة حقيقية، لكن الأسطورة اختصرت ما حدث بعدها.
فليمنغ لم يحوّل الطبق وحده إلى دواء جاهز. نشر نتائجه عام 1929، وظل البنسلين مادة غير مستقرة وصعبة التنقية. وبعد نحو عقد، تولى فريق في جامعة أكسفورد ضم هوارد فلوري وإرنست تشين ونورمان هيتلي وإدوارد أبراهام مهمة تحويل الفضول المخبري إلى علاج يمكن اختباره.
احتاج إنتاج الكميات الأولى إلى أوعية مرتجلة ومئات اللترات من سائل الزراعة. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، فحوّلت الحاجة العسكرية البنسلين إلى مشروع صناعي. تعاونت مختبرات حكومية وشركات كيميائية ودوائية في الولايات المتحدة وبريطانيا على تطوير التخمير العميق ورفع الإنتاج. وبحلول منتصف الأربعينيات، تحولت القطرات النادرة إلى دواء واسع التوافر.
لم يمنح البنسلين الأطباء علاجًا لعدوى واحدة فحسب. لقد غيّر مقدار المخاطرة الذي يستطيع الطب تحمله. أصبح بالإمكان فتح الصدر، وزراعة عضو، وتركيب مفصل، وإنقاذ مولود خديج، وإضعاف جهاز المناعة بالعلاج الكيماوي؛ لأن هناك أدوية تقف بين المريض والعدوى.
لهذا، فإن أزمة المضادات ليست قصة أدوية تفقد قوتها فقط. إنها قصة الأرض التي يقف عليها الطب الحديث كله.
البكتيريا لم تتعلّم؛ الانتقاء هو الذي عمل
نقول أحيانًا إن البكتيريا «تعلمت» كيف تهزم الدواء. العبارة جذابة، لكنها ليست دقيقة. المقاومة عملية طبيعية: تظهر طفرات أو جينات تمنح بعض البكتيريا قدرة على النجاة، ثم يقتل المضاد الكائنات الحساسة ويترك المقاوم منها ليتكاثر. وتستطيع بعض البكتيريا أيضًا تمرير جينات المقاومة إلى بكتيريا أخرى.
أي إن الدواء لا يمنح البكتيريا خطة واعية؛ بل يخلق ضغطًا ينتقي من كان يملك وسيلة للنجاة.
قاعدة ضرورية: جسم الإنسان لا يصبح مقاومًا للمضاد؛ الميكروب هو الذي يصبح قادرًا على مقاومته.
لكن الطبيعة وحدها لا تفسر سرعة الأزمة. نحن نضاعف فرص الانتقاء والانتشار كلما استُخدم مضاد حين لا تكون هناك حاجة إليه، أو استُخدم الدواء الخطأ لعدوى لم تُشخّص، أو انتقلت بكتيريا مقاومة داخل مستشفى يفتقر إلى مكافحة العدوى، أو وصلت بقايا الأدوية والميكروبات المقاومة إلى الماء والتربة.
تدخل المضادات أيضًا في صحة الحيوان والإنتاج الغذائي. وليست كل جرعة بيطرية إساءة استخدام؛ فالحيوانات تمرض وتحتاج إلى العلاج. لكن الاستعمال غير الرشيد في البشر والحيوانات والنباتات، مع ضعف الرقابة والتشخيص والصرف، يوسّع البيئة التي تنتقي المقاومة.
وهنا تظهر مفارقة غير مريحة: الإفراط في المضادات مشكلة، لكن نقص الوصول إلى المضاد الصحيح مشكلة أيضًا. ففي أماكن كثيرة، لا يملك الطبيب مختبرًا سريعًا يحدد نوع البكتيريا وحساسيتها، وقد لا يتوافر العلاج الأول الأنسب، فيلجأ إلى دواء أوسع أو أضعف ملاءمة. الأزمة إذن ليست نتيجة «المريض غير المنضبط» وحده؛ إنها أيضًا نتيجة أنظمة صحية وزراعية وبيئية غير قادرة على إدارة دواء مشترك وحساس.
والقاعدة الطبية ليست أن تكون مدة العلاج أطول دائمًا، ولا أن يقرر المريض تقصيرها بنفسه. القاعدة هي: المضاد الصحيح للعدوى الصحيحة، بالجرعة والمدة اللتين يحددهما مختص وفق الدليل والحالة.
عدوى تسافر أسرع من البيانات
البكتيريا لا تحتاج إلى جواز سفر. تنتقل بين المستشفيات والمزارع والمجتمعات، ومع البشر والغذاء والماء والسفر. ولهذا لا تستطيع دولة أن تحمي نفسها بالكامل إذا انهارت المراقبة أو الوقاية في دولة أخرى.
لكن حتى الخريطة التي نملكها ناقصة. ارتفع عدد الدول المشاركة في نظام المراقبة العالمي لمنظمة الصحة العالمية إلى 104 دول عام 2023، ومع ذلك لم تبلغ 48% من الدول بيانات في ذلك العام، وكان نحو نصف الدول المبلّغة يفتقر إلى نظم قادرة على إنتاج بيانات موثوقة بالقدر الكافي.
غياب الرقم لا يعني غياب المقاومة. أحيانًا يعني فقط أن المختبر الذي كان يجب أن يراها غير موجود.
وللأزمة ثمن يتجاوز المستشفى. تنقل منظمة الصحة العالمية تقديرات تفيد بأن علاج العدوى البكتيرية المقاومة وحدها قد يكلّف نحو 412 مليار دولار سنويًا حتى عام 2035، مع خسائر إنتاجية إضافية تبلغ نحو 443 مليار دولار في السنة. حين يطول بقاء المريض في المستشفى ويحتاج إلى عناية مركزة وفحوص وأدوية احتياطية أغلى، تصبح المقاومة أزمة اقتصاد وأمن غذائي وعدالة، لا ملفًا طبيًا ضيقًا.
صمت المختبرات: لماذا لا يصل الإنقاذ بالسرعة نفسها؟
تتكرر عبارة تقول إن العالم لم يطوّر «مضادًا جديدًا حقيقيًا منذ 1987». هذه صياغة مضللة؛ فقد ظهرت بعد ذلك أدوية وفئات وآليات جديدة. المشكلة الأدق هي أن ما يصل إلى المرضى أقل وأبطأ وأضيق من حجم التهديد، وأن كثيرًا من المرشحين لا يقدم قفزة نوعية أمام مسببات الأمراض ذات الأولوية.
في تحليلها لعام 2025، أحصت منظمة الصحة العالمية 90 منتجًا مضادًا للبكتيريا في مراحل التطوير السريري، بينها 50 مضادًا تقليديًا و40 علاجًا غير تقليدي. لكن من بين 27 مضادًا يستهدف قائمة البكتيريا ذات الأولوية، حقق 11 فقط واحدًا على الأقل من معايير الابتكار التي وضعتها المنظمة، مثل فئة جديدة أو هدف جديد أو آلية عمل جديدة. وكانت خلاصة المنظمة واضحة: خط التطوير والمضادات المعتمدة حديثًا غير كافيين أمام تصاعد المقاومة.
المشكلة علمية؛ فالعثور على مركب يقتل البكتيريا من دون أن يؤذي الإنسان صعب، والوصول إليه داخل الجسم أصعب، وفشل التجارب مرتفع. لكنها اقتصادية أيضًا.
تُستخدم المضادات غالبًا لأيام قليلة، وحين يظهر دواء جديد ثمين تحاول المستشفيات حفظه للحالات الضرورية كي لا تُهدر فاعليته. هذا هو السلوك الصحيح صحيًا، لكنه يعني مبيعات محدودة. ويواجه المنتج الجديد أدوية جنيسة رخيصة، فيما قد تقصر المقاومة عمره التجاري. هكذا يُطلب من الشركة أن تنفق سنوات ومبالغ كبيرة لتطوير دواء نريد، لأسباب صحية وجيهة، أن نستخدمه بأقل قدر ممكن.
لذلك بدأت نماذج جديدة تفصل عائد الشركة عن عدد الجرعات المباعة. أطلقت هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا نموذج اشتراك يدفع رسمًا سنويًا ثابتًا بحسب قيمة المضاد للنظام الصحي، لا بحسب حجم استخدامه. الفكرة بسيطة: نريد أن يكون الدواء موجودًا عند الحاجة، من دون أن تصبح أرباحه مشروطة ببيع المزيد منه.
في اقتصاد المضادات، قد يكون الدواء الأعلى قيمة هو الدواء الذي نكافئ صانعه كي يبقى جاهزًا… لا كي يُباع كل يوم.
ما بعد المضاد: ليس يوم قيامة واحدًا
لن نستيقظ على الأرجح في صباح واحد لنجد أن جميع المضادات توقفت. «عالم ما بعد المضاد» قد يصل على هيئة جيوب متفرقة: بكتيريا معينة في مستشفى معين، أو عدوى لا يبقى لها سوى دواء سام أو باهظ، أو بلد لا يستطيع الوصول إلى العلاج الاحتياطي، أو مريض أضعفت المناعةُ قدرته على الانتظار.
عندئذ لا تختفي الجراحة، لكنها تصبح أكثر انتقائية وخطرًا. لا يتوقف العلاج الكيماوي، لكن حساب فائدته يتغير. وتصبح زراعة الأعضاء والمفاصل، والعناية بالخدّج، والقساطر، والعمليات القيصرية، وإدارة الإصابات الكبيرة، أكثر اعتمادًا على حظ المريض ومكانه وقدرة مختبره.
قدّرت دراسة عالمية منشورة في «ذا لانسيت» عام 2024، باستخدام نماذج تمتد إلى 2050، أن مقاومة البكتيريا قد تتسبب مباشرة في نحو 39 مليون وفاة تراكمية بين 2025 و2050 إذا استمرت الاتجاهات الأساسية. هذا تقدير نمذجي لا نبوءة، وتستطيع السياسات والعلاجات والوقاية تغيير مساره؛ لكن حجمه يوضح أن الخطر ليس مجازًا صحفيًا.
الخوف الحقيقي ليس عودة التاريخ بحذافيره. إنه أن يبقى الطب الحديث بكل أجهزته وصوره وروبوتاته، ثم يفقد في لحظة حاسمة أبسط قدرة بنى عليها جرأته: منع بكتيريا مجهرية من استغلال جسد مفتوح أو مناعة ضعيفة.
ثلاثة طرق إلى عام 2050
السيناريو الأول: احتواء بلا انتصار
تتوسع المختبرات والتشخيصات السريعة، وتتحسن مكافحة العدوى والمياه والصرف الصحي والتطعيم، ويصبح وصف المضادات أكثر دقة. تظهر أدوية جديدة ويُضمن الوصول إليها من دون الإفراط في استخدامها. لا تختفي المقاومة، لأنها ظاهرة تطورية، لكن منحناها يتباطأ ويبقى معظم الطب الحديث آمنًا.
السيناريو الثاني: تآكل مُدار
تتقدم المقاومة أسرع من الإصلاح، لكن الأنظمة الغنية تعوض ذلك بفحوص أغلى وأدوية احتياطية وعزل أطول. تبقى الإجراءات الطبية ممكنة، إلا أن كلفتها ومخاطرها ترتفعان، وتتسع الفجوة بين مستشفى يستطيع تحديد السلالة خلال ساعات وآخر يصف العلاج بالحدس.
السيناريو الثالث: جزر ما بعد المضاد
لا ينهار العالم كله، لكن تظهر أماكن وفئات من العدوى تصبح الخيارات فيها شديدة الضيق أو معدومة. تتراجع بعض العمليات الاختيارية، وتزداد الوفيات بعد الإصابات والولادة والجراحة، وتتحول المستشفيات المكتظة ومناطق الحرب والنزوح إلى مسرّعات للمقاومة وانتشارها.
لا يختار العلم وحده بين هذه الطرق. يختار بينها أيضًا تمويل المختبرات، ونظافة المستشفيات، وسياسة الزراعة، وتنقية مياه الصرف، وشروط بيع المضادات، وطريقة مكافأة الابتكار، وقدرة الدول الفقيرة على شراء ما يكتشفه الأغنياء.
من يربح، ومن يدفع الثمن؟
لا توجد «فوائد» إنسانية حقيقية من انتشار المقاومة، لكن هناك مصالح ستتغير. قد تتوسع أسواق التشخيص السريع والمراقبة الجينية وتقنيات مكافحة العدوى، وتصبح البيانات المحلية عن البكتيريا أصلًا استراتيجيًا. وقد تحصل الشركات التي تطور علاجًا نوعيًا على عوائد جديدة إذا نجحت نماذج الاشتراك والحوافز.
أما الخسارة فلن تتوزع بالتساوي. سيدفع الثمن أولًا من لا يملك مختبرًا أو دواءً احتياطيًا: المولود، والمسن، ومريض السرطان، ومن يحتاج إلى جراحة أو زراعة عضو، والعامل الذي لا يستطيع تحمل إقامة طويلة في المستشفى، والمجتمع الذي تضربه الحرب أو يضعف فيه الماء والصرف الصحي.
ولهذا تحمل الأزمة مفارقة أخلاقية: قد يولد الجين المقاوم في أي مكان، لكنه يصبح حكمًا بالموت غالبًا في المكان الأقل قدرة على رؤيته وعلاجه.
السباق الذي ما زال يمكن كسبه
لا يوجد حل سحري واحد، ولا يكفي انتظار «بنسلين جديد». أقوى دفاع يبدأ قبل الدواء: ماء نظيف، غسل اليدين، تطعيم، تهوية، مكافحة عدوى، رعاية حيوانية أفضل، وتشخيص يميز العدوى البكتيرية من الفيروسية ويحدد العلاج الأضيق المناسب.
وفي المختبرات، يتسع البحث من المركبات التقليدية إلى علاجات تستهدف بكتيريا بعينها، وأجسام مضادة، وعاثيات تهاجم البكتيريا، وأدوات ذكاء اصطناعي تمسح مساحات كيميائية واسعة بحثًا عن جزيئات واعدة. بعض هذه المسارات قد ينتج أدوية مهمة، لكن معظمها ما زال في طريق طويل بين طبق المختبر وسرير المريض.
المعركة ليست بين «الطبيعة» و«العلم» فقط. إنها سباق بين ثلاث سرعات: سرعة تطور الميكروب، وسرعة اكتشاف العلاج، وسرعة المجتمع في منع العدوى واستعمال الدواء بحكمة. ولا نحتاج أن نجعل التطور يتوقف؛ نحتاج أن نكسب وقتًا أطول مما نضيّع.
ثلاث إشارات ينبغي مراقبتها الآن
1. معدلات المقاومة في عدوى الدم: خصوصًا مقاومة الإشريكية القولونية والكلبسيلة الرئوية للسيفالوسبورينات من الجيل الثالث والكاربابينيمات. ارتفاعها يعني أن خطوط الدفاع الأساسية والاحتياطية تضيق.
2. نوع المضادات التي نستهلكها: في 2022 لم تمثل مضادات مجموعة «Access» الموصى بها كخيار أول لمعظم العدوى الشائعة سوى نحو 53% من الاستعمال البشري عالميًا، مقابل هدف دولي لا يقل عن 70% بحلول 2030.
3. الابتكار الذي يصل فعلًا إلى المريض: ليس عدد المركبات المعلنة، بل عدد الأدوية ذات الفئات أو الأهداف أو آليات العمل الجديدة التي تنجح سريريًا، ثم تصبح متاحة بسعر عادل مع تشخيص يضمن استخدامها في المكان الصحيح.
وهناك مؤشر رابع يسبقها جميعًا: عدد الدول والمستشفيات القادرة أصلًا على إرسال بيانات موثوقة. فالخطر الذي لا يُقاس لا يختفي؛ إنه يتقدم خارج الشاشة.
الخدش مرة أخرى
نعود إلى الطفل في عام 2045. يمكن للمشهد أن ينتهي بالطريقة التي بدأنا بها: شاشة تحمل كلمة «مقاوم»، وطبيب يغلق الحاسوب، وأم تفهم الصمت.
لكن له نهاية أخرى ممكنة.
قد يحدد فحص سريع البكتيريا وجين المقاومة خلال دقائق. قد يحصل الطبيب على علاج نوعي حُفظ لهذه الحالة، أو دواء جديد لم يكن موجودًا قبل سنوات. وقد تمنع منظومة نظافة وتطعيم ومراقبة العدوى من الوصول إلى الدم أصلًا. يعود الطفل إلى ملعبه، ولا يعرف أنه نجا بفضل قرارات اتخذها بشر قبل أن يُصاب بسنوات.
هذا هو الفارق بين الاستشراف والنبوءة. المستقبل الأول ترجحه اتجاهات نستطيع قياسها. والمستقبل الثاني يحتاج إلى أفعال نستطيع اختيارها.
اعتدنا أن نتخيّل الخطر جرثومة جديدة تأتي من مكان بعيد. لكن الخطر الأقدم كان هنا دائمًا؛ ينتظر في خدش صغير أن نفقد الدواء الذي علّمنا نسيان الخوف منه.
السؤال ليس: هل ستنتصر البكتيريا نهائيًا؟ فهذه حرب لا تملك نهاية نهائية.
السؤال هو: هل نحافظ على القرن الذي منحنا إياه المضاد الحيوي، أم نستهلك ما بقي منه كما لو كان موردًا لا ينفد؟
المصادر
- منظمة الصحة العالمية: مقاومة مضادات الميكروبات
- منظمة الصحة العالمية: تقرير المراقبة العالمي لمقاومة المضادات 2025
- منظمة الصحة العالمية: خط تطوير مضادات البكتيريا 2025
- ذا لانسيت: العبء العالمي للمقاومة والتوقعات حتى 2050
- المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض: كيف تنشأ المقاومة
- الجمعية الكيميائية الأمريكية: اكتشاف البنسلين وتطويره
- هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا: نموذج الاشتراك
تنبيه صحي: هذا المقال مادة تفسيرية واستشرافية، وليس إرشادًا للتشخيص أو العلاج. تُتخذ قرارات المضادات الحيوية مع مختص صحي.

