جان بول سارتر
ثقل الحرية المطلقة
جحيم الهرب من مسؤولية الاختيار
في مقاهي باريس، بعد أن انتهت الحرب وتركت خلفها مدنًا مهدمة ويقينًا مكسورًا، كان رجل قصير القامة يجلس خلف نظارته السميكة، يكتب عن شيء يبدو بسيطًا، لكنه كان أثقل من أن يحتمله الإنسان بسهولة:
الحرية.
كان جان بول سارتر يعرف أن العالم الذي خرج من الحرب لم يعد قادرًا على منح الإنسان إجابات جاهزة.
لم تعد السماء تشرح كل شيء، ولا التاريخ يضمن شيئًا، ولا الأخلاق وحدها تكفي لتقول للإنسان ماذا يفعل في اللحظة التي يتعين عليه فيها أن يختار.
ومن هنا جاءت عبارته التي أصبحت واحدة من أشهر أفكار الوجودية:
«الوجود يسبق الجوهر».
أي أن الإنسان لا يولد وفي داخله مخطط نهائي يخبره من سيكون.
هو يوجد أولًا.
ثم يبدأ، اختيارًا بعد اختيار، وفعلًا بعد فعل، في صناعة نفسه.
لم تكن الفكرة وعدًا بالحرية بقدر ما كانت حكمًا ثقيلًا.
لأنك إذا لم تكن نسخة جاهزة من شيء آخر، فلن تستطيع أن تختبئ بسهولة خلف ما قيل لك إنك عليه.
لا تستطيع أن تقول:
هكذا أنا.
ولا:
هكذا وُلدت.
ولا:
الظروف أجبرتني.
فالإنسان، عند سارتر، مسؤول عن الطريقة التي يستجيب بها لما فُرض عليه، حتى عندما لا يملك القدرة على تغيير ما فُرض عليه.
ولهذا قال:
«الإنسان محكوم عليه بأن يكون حرًا».
يا لها من مفارقة.
نحن عادةً نحلم بالحرية لأننا نتخيلها بابًا مفتوحًا.
أما سارتر فكان يراها أحيانًا غرفة لا يوجد فيها باب أصلًا.
لأنك حين تكون حرًا، لا يعود هناك أحد تستطيع أن تسلمه مسؤولية حياتك كاملة.
وهنا يظهر القلق.
ليس القلق من أن تختار الخطأ فقط، بل من أن تعرف أن الاختيار اختيارك أنت.
قد يقف شخص أمام فرصة كان ينتظرها سنوات، ثم يتراجع.
وقد يبقى آخر في علاقة تؤذيه، ثم يقول إنه لم يكن يستطيع المغادرة.
وقد يصمت ثالث حين كان يستطيع الكلام، ثم يقضي سنوات يروي لنفسه قصة عن الظروف التي أسكتته.
سارتر كان سيضع إصبعه على الجرح:
ربما لم تكن بلا خيار.
ربما اخترت، ثم اخترعت قصة تجعل اختيارك يبدو كأنه لم يكن اختيارًا.
وهنا سماها «سوء النية» (Mauvaise foi).
أن يهرب الإنسان من حريته، لا بأن يفقدها، بل بأن يقنع نفسه بأنه لا يملكها.
ثم تأتي العبارة الأكثر شهرة:
«الجحيم هو الآخرون».
لكنها ليست دعوة إلى كراهية الناس.
الجحيم يبدأ حين تتحول نظرة الآخر إلى سجن.
حين لا تعود تسأل:
من أريد أن أكون؟
بل:
كيف يريدونني أن أكون؟
حين يصبح تقييم الآخرين مرآةً لا تستطيع أن تبتعد عنها، وتبدأ في أداء الدور الذي رسموه لك، حتى تنسى أنك أنت من يقف على المسرح.
وهنا تصبح الحرية أكثر قسوة.
لأنك قد تستطيع أن تشتكي من سجّانك، لكن ماذا تفعل عندما تكتشف أن بعض القضبان صنعتها بنفسك؟
تلك هي المرآة.
كم مرة قلنا إن الماضي هو الذي صنعنا؟
كم مرة جعلنا الظروف تفسيرًا دائمًا لأفعالنا؟
كم مرة اختبأنا خلف جملة صغيرة:
«لم يكن أمامي خيار.»
ربما كان أمامنا خيار.
لكنه كان مؤلمًا.
وربما لهذا اخترنا أن نسميه مستحيلًا.
وعند سارتر، حتى الامتناع عن الاختيار لا يعفي الإنسان من المسؤولية؛ لأنك حين ترفض أن تختار، تكون قد اخترت أن تترك الأشياء تختار عنك.
أما المعنى الذي لا يظهر إلا متأخرًا…
فليس أن الحرية هي أن تفعل ما تشاء.
بل أن تكتشف، بعد أن تنتهي الأعذار كلها، أن أثقل ما حملته طوال حياتك لم يكن قيدًا في يديك.
كان اليد التي كنت تظن أنك لا تستطيع تحريكها.

