
سبينوزا: حين أصبحت الحرية فهمًا للضرورة
في أمستردام القرن السابع عشر، وسط مدينة تجارية تستقبل البضائع والأفكار واللاجئين من أنحاء أوروبا، نشأ باروخ سبينوزا داخل جماعة يهودية سفاردية تعود جذور كثير من أفرادها إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.
وُلد عام 1632، وتلقى تعليمًا دينيًا في مدرسة الجماعة. لم يكن في حياته المبكرة ما يكفي للتنبؤ بأن هذا الشاب سيصبح لاحقًا واحدًا من أكثر فلاسفة أوروبا إثارة للجدل.
لكن في عام 1656 وقع الانفصال.
أصدرت الجماعة اليهودية في أمستردام بحقه قرار الحرمان الديني. وتبقى الأسباب التفصيلية التي أدت إلى القرار غير معروفة على وجه اليقين؛ لذلك لا يصح اختزال الحادثة في قصة واحدة جاهزة. ما نعرفه أن الأفكار التي ظهرت لاحقًا في كتاباته كانت على مسافة كبيرة من كثير من التصورات الدينية والفلسفية السائدة في عصره.
ومن تلك اللحظة بدأ مسار مختلف.
سؤال أخطر من الإجابة
كان السؤال الذي دفع سبينوزا بعيدًا أبعد من الخلافات الدينية المباشرة:
كيف يعمل العالم فعلًا؟
لم يكتفِ بفكرة أن الأحداث تحدث لأن قوة خارقة قررت تغيير مسار الطبيعة في لحظة معينة. أراد نظامًا فلسفيًا تستطيع فيه الطبيعة والإنسان والعقل والعاطفة أن تُفهم داخل شبكة واحدة من الأسباب.
وهنا ظهرت الفكرة التي ستجعل اسمه واحدًا من أكثر أسماء الفلسفة الحديثة جدلًا.
في كتابه «الأخلاق» تصور سبينوزا وجود حقيقة واحدة لا نهائية، سماها الله أو الطبيعة. لم يكن يقصد ببساطة أن الطبيعة هي الإله بالمعنى الشعبي للعبارة، بل بنى نظامًا فلسفيًا يرى فيه أن كل الموجودات تقع داخل نظام واحد ولا توجد مستقلة عنه.
العالم، في هذه الرؤية، ليس مسرحًا تجري فيه الطبيعة أحيانًا ثم تتوقف قوانينها أحيانًا أخرى.
إنه نظام مترابط من الأسباب.
وكان لهذا التصور ثمن فكري كبير.
أين ذهبت الإرادة الحرة؟
إذا كانت الأشياء تقع وفق أسباب، فماذا يتبقى من حرية الإنسان؟
هنا تظهر واحدة من أشهر مفارقات سبينوزا.
فهو لم يدافع عن الإرادة الحرة بالشكل المألوف الذي يتخيل الإنسان فيه أنه يستطيع اتخاذ قرار منفصل تمامًا عن سلسلة الأسباب التي شكلته.
بل رأى أن الإنسان غالبًا يشعر بأنه حر لأنه يعرف رغباته، لكنه لا يعرف جميع الأسباب التي أنتجت تلك الرغبات.
لكن سبينوزا لم يصل من ذلك إلى القول إن الإنسان محكوم بالعجز.
فهو يميز بين «الإرادة الحرة» وبين «الحرية».
والفارق بينهما هو قلب فلسفته.
الحرية عنده لا تعني أن نتصرف بلا أسباب، وإنما أن نفهم بصورة أفضل الأسباب التي تحركنا، وأن ننتقل قدر الإمكان من الانفعال السلبي إلى الفعل القائم على الفهم.
كلما فهم الإنسان نفسه والعالم بصورة أوضح، أصبح أقل خضوعًا للأهواء التي تسيطر عليه من دون أن يدرك منشأها.
بهذا المعنى، تصبح المعرفة شكلًا من أشكال التحرر.
الإنسان الذي تسيطر عليه عواطفه
نظر سبينوزا إلى الإنسان باعتباره جزءًا من الطبيعة، لا استثناءً منها.
الخوف، والغضب، والحسد، والرغبة، والحب، والكراهية ليست عنده قوى غامضة هبطت على الإنسان من خارج العالم.
إنها ظواهر لها أسباب.
وهذا التحول مهم.
فبدل أن يسأل فقط: لماذا غضبت؟
يصبح السؤال الأعمق:
ما الذي أنتج هذا الغضب؟ وما الذي يجعلني أظل أسيرًا له؟
لم يكن هدف «الأخلاق» وضع قائمة بسيطة بما يجوز وما لا يجوز. كان مشروعًا لفهم الكيفية التي يمكن بها للإنسان أن يعيش حياة أقل خضوعًا لانفعالاته وأكثر ارتباطًا بالعقل والمعرفة.
ولهذا ارتبطت الفضيلة عند سبينوزا بزيادة قدرة الإنسان على الفهم والفعل.
إنها فلسفة لا تعد الإنسان بحرية مطلقة.
بل تحاول أن تمنحه أكبر قدر ممكن من الحرية داخل عالم تحكمه الأسباب.
الكتاب الذي ظهر بلا اسم
لم تكن أفكار سبينوزا محصورة في طبيعة الإنسان والله.
كان مهتمًا أيضًا بالسؤال السياسي:
ماذا يحدث عندما تحاول السلطة السيطرة على ما يفكر فيه الناس؟
عام 1670 ظهر كتاب «رسالة في اللاهوت والسياسة» من دون اسم مؤلفه.
تناول فيه النصوص الدينية والتاريخ والسياسة وحرية التفكير بأسلوب أثار جدلًا واسعًا.
دافع سبينوزا عن ضرورة الفصل بين البحث الفلسفي وبين فرض المعتقدات بالقوة، ورأى أن محاولة السيطرة الكاملة على أفكار الناس ليست فقط اعتداءً على حرية التفكير، بل مشروعًا يصعب تحقيقه عمليًا.
فالسلطة تستطيع تنظيم بعض الأفعال، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تأمر العقل بما يجب أن يعتقده.
ومع ذلك، لم يكن موقفه دعوة إلى حرية بلا أي حدود؛ فقد رأى أن الدولة تحتاج إلى حماية النظام المدني، وميّز بين حرية التفكير وبين الأفعال التي تهدد العقد السياسي نفسه.
لكن الفكرة الأساسية بقيت شديدة الجرأة لعصره:
استقرار الدولة لا يتطلب القضاء على التفكير الحر.
وقد يكون السماح به أحد شروط قوتها.
قراءة النصوص بعين التاريخ
كان سبينوزا من أوائل المفكرين في العصر الحديث الذين حاولوا تطبيق منهج تاريخي ونقدي منظم على قراءة الكتاب المقدس.
بدل التعامل مع النص وكأنه ظهر خارج الزمن، سأل عن مؤلفيه، ولغته، والظروف التاريخية التي تشكل فيها، وكيف جُمعت أجزاؤه وانتقلت عبر الأجيال.
كان هذا المنهج مثيرًا للجدل، لكنه ترك أثرًا بعيد المدى في دراسة النصوص الدينية والتاريخية.
الفكرة هنا أبعد من الدين نفسه.
إنها قاعدة معرفية:
لفهم النص، لا يكفي أن نعرف ما يقوله؛ يجب أن نفهم أيضًا العالم الذي أنتجه.
الكتاب الذي لم يرد أن ينشره حيًا
واصل سبينوزا العمل على «الأخلاق» سنوات طويلة.
رتبه بطريقة غير مألوفة تشبه البرهان الهندسي: تعريفات، ومسلمات، وقضايا، وبراهين ونتائج.
كان يحاول بناء الفلسفة كما لو أنها نظام يمكن الانتقال فيه من فكرة إلى أخرى بخطوات منطقية.
لكن الكتاب لم يظهر في حياته.
توفي سبينوزا في لاهاي عام 1677، ونشر أصدقاؤه بعد موته عددًا من أعماله غير المنشورة، وفي مقدمتها «الأخلاق».
الرجل الذي عاش بعيدًا عن الجامعات الكبرى ومراكز السلطة ترك وراءه أحد أكثر الأنظمة الفلسفية تأثيرًا في الفكر الحديث.
المفارقة
ربما تبدو فلسفة سبينوزا للوهلة الأولى شديدة القسوة.
إذا كان لكل شيء سبب، وإذا كانت الإرادة الحرة بالمفهوم التقليدي وهمًا، فقد يبدو أن الإنسان فقد حريته تمامًا.
لكن سبينوزا قلب المسألة.
الإنسان غير الحر، في نظره، ليس الإنسان الذي يخضع لقوانين الطبيعة، لأن الجميع يخضع لها.
غير الحر هو من تحركه أسباب لا يفهمها، وتقوده عواطف لا يستطيع تفسيرها، ويعتقد مع ذلك أنه سيد كامل لنفسه.
أما الحرية الممكنة فتبدأ عندما يرى الإنسان تلك الخيوط.
الفهم لا يخرجه من الطبيعة.
لكنه يغير موقعه داخلها.
ما بقي من سبينوزا
بعد أكثر من ثلاثة قرون، لا تزال الأسئلة التي طرحها حاضرة:
إلى أي حد نختار ما نريد؟
وإلى أي حد تشكلنا أسباب لا ندركها؟
هل الحرية أن نستطيع فعل أي شيء، أم أن نفهم لماذا نريد ما نريد؟
هل تستطيع الدولة فرض الأفكار؟
وهل يمكن قراءة النصوص الدينية والتاريخية بعيدًا عن الظروف التي صنعتها؟
ربما لم تكن قوة سبينوزا في أنه أعطى إجابات نهائية لهذه الأسئلة.
بل في أنه نقل الحرية من مكان غير متوقع.
لم يضعها خارج شبكة الأسباب.
وضعها داخل المعرفة بها.
وفي عالم يعتقد فيه الإنسان كثيرًا أنه يعرف نفسه لمجرد أنه يسمع صوته الداخلي، بقي السؤال السبينوزي مفتوحًا:
كم من قراراتنا اخترناها فعلًا، وكم منها لم نفهم أسبابها بعد؟
المصادر والمراجع
- Stanford Encyclopedia of Philosophy، مادة Baruch Spinoza.
- Internet Encyclopedia of Philosophy، مادة Benedict de Spinoza.
- Internet Encyclopedia of Philosophy، Spinoza on Free Will and Freedom.
- Baruch Spinoza، Ethics.
- Baruch Spinoza، Theological-Political Treatise.
