الرجل المريض

الرجل المريض — الإمبراطورية التي أعلنوا موتها قبل سبعين عامًا

في يناير 1853، كان القيصر الروسي نيقولا الأول يتحدث مع السفير البريطاني في سانت بطرسبورغ عن الدولة العثمانية.

قال له، بحسب التقرير الدبلوماسي الذي نقل المحادثة:

هناك رجل مريض بين أيدينا.

رجل مريض جدًا.

كان القيصر يتوقع أن الدولة العثمانية تقترب من نهايتها، ويريد أن يعرف ماذا ستفعل القوى الأوروبية إذا انهارت.

ومن تلك الصورة خرج واحد من أشهر الألقاب في التاريخ السياسي الحديث:

«رجل أوروبا المريض».

لكن الرجل الذي قيل إنه يحتضر عام 1853 لم يمت في ذلك العام.

ولا في العقد التالي.

ولا حتى في القرن التاسع عشر.

استمرت الدولة العثمانية نحو سبعين عامًا أخرى.

وهنا تبدأ المفارقة.

كيف يمكن لدولة يصفها خصومها بأنها على وشك الموت أن تستمر، وتحارب، وتصلح مؤسساتها، وتبني سككًا حديدية ومدارس وجيشًا جديدًا، ثم تدخل القرن العشرين وهي لا تزال إحدى القوى الكبرى في الشرق الأوسط؟

ربما لأن كلمة «مريض» أخفت أكثر مما شرحت.

الإمبراطورية التي أصبحت سؤالًا أوروبيًا

في القرن التاسع عشر كانت الدولة العثمانية لا تزال تمتد عبر أجزاء واسعة من البلقان والأناضول والشرق الأوسط.

لكن العالم الذي صنعت فيه قوتها القديمة كان يتغير بسرعة.

روسيا تتوسع جنوبًا.

النمسا تراقب البلقان.

بريطانيا تريد حماية طرقها ومصالحها في المتوسط والهند.

فرنسا تبحث عن نفوذها الخاص.

وفي الداخل ظهرت حركات قومية تطالب باستقلال أو حكم ذاتي في مناطق مختلفة من الإمبراطورية.

أصبحت كل أزمة عثمانية سؤالًا دوليًا:

ماذا سيحدث للأراضي إذا ضعفت الدولة أكثر؟

ومن سيأخذ ماذا؟

أطلق الدبلوماسيون الأوروبيون على هذه المعضلة اسم «المسألة الشرقية».

كان الحديث عن مرض الدولة، في جانب منه، حديثًا عن الورثة قبل وفاة صاحب التركة.

هل كانت الإمبراطورية تحتضر فعلًا؟

إذا نظرنا إلى الخريطة فقط، يبدو الجواب بسيطًا.

الدولة كانت تخسر أراضي.

اليونان حصلت على استقلالها.

وتزايد استقلال عدد من مناطق البلقان خلال القرن التاسع عشر.

ومصر تحت حكم محمد علي باشا أصبحت قوة تكاد تنفصل عن المركز في إسطنبول.

لكن الخريطة لا تقول كل شيء.

في الوقت نفسه كانت الدولة تحاول إعادة بناء نفسها.

لم يجلس العثمانيون ينتظرون النهاية التي تنبأ بها خصومهم.

بدأت إصلاحات واسعة في الجيش والإدارة والقانون والضرائب والتعليم.

وكانت هذه المحاولات جزءًا من عملية أطول لتغيير الدولة كي تستطيع البقاء في عالم أصبحت فيه القوة العسكرية والاقتصادية الأوروبية تتقدم بسرعة.

ولهذا فإن وصف القرن التاسع عشر كله بأنه «انهيار» يخفي حقيقة أخرى:

كان أيضًا قرنًا من الإصلاح.

التنظيمات

عام 1839 بدأ عهد الإصلاحات الذي عُرف باسم «التنظيمات».

كان الهدف إعادة تنظيم مؤسسات الدولة وتعزيز قدرة الحكومة المركزية.

ظهرت تغييرات في الإدارة والجيش والتعليم والقضاء والضرائب.

وتوالت محاولات لوضع علاقة جديدة بين الدولة ورعاياها.

لم يكن الإصلاح طريقًا مستقيمًا.

واجه مقاومة.

ونُفذ بدرجات مختلفة.

وتداخلت فيه الرغبة العثمانية في تحديث الدولة مع ضغوط القوى الأوروبية.

لكن أهميته تكمن في أنه يكشف خطأ الصورة البسيطة عن إمبراطورية توقفت عن الحركة.

الدولة التي وُصفت بالمريضة كانت تحاول إجراء عملية جراحية لنفسها وهي واقفة.

القيصر الذي توقع الوفاة

كان نيقولا الأول يرى أن الدولة العثمانية ضعيفة إلى درجة تجعل انهيارها مسألة وقت.

لكنه لم يكن وحده في مراقبة مصيرها.

بريطانيا، على العكس، لم تكن تريد أن ترى روسيا تستفيد من انهيارها.

وهذا الاختلاف في المصالح كان أحد عناصر الأزمة التي قادت بعد أشهر إلى حرب القرم.

اندلعت الحرب عام 1853، ووجدت الدولة العثمانية نفسها تقاتل روسيا بدعم من بريطانيا وفرنسا ثم سردينيا.

كانت المفارقة واضحة.

القوى التي تتحدث عن ضعف الدولة العثمانية كانت مستعدة للحرب حتى لا تسقط بالطريقة التي يريدها خصمها.

«المريض» لم يكن مهمًا فقط بسبب ما يملكه.

كان مهمًا بسبب ما سيحدث إذا مات.

المرض الذي أنقذ صاحبه أحيانًا

قد يبدو هذا تناقضًا، لكنه كان جزءًا من أسباب استمرار الدولة.

روسيا تريد التوسع.

بريطانيا لا تريد روسيا في المضائق.

فرنسا لا تريد أن تنفرد بريطانيا أو روسيا بالنفوذ.

النمسا تخشى تغير ميزان القوى في البلقان.

كانت الدولة العثمانية ضعيفة نسبيًا أمام بعض القوى الأوروبية، لكنها كانت تقع في مكان بالغ الأهمية.

المضائق.

شرق المتوسط.

البلقان.

الطريق نحو الشرق.

لهذا لم يكن من السهل تقسيمها.

كان السؤال دائمًا:

إذا أخذت دولة قطعة، فماذا ستأخذ الدول الأخرى؟

التنافس بين القوى التي طمعت في أراضي الإمبراطورية ساهم أحيانًا في تأخير انهيارها.

لكن البقاء كان مكلفًا

الإصلاح يحتاج إلى المال.

والحرب تحتاج إلى المال.

والجيش الحديث يحتاج إلى المال.

وشبكات النقل والإدارة الجديدة تحتاج إلى المال.

في عام 1854، أثناء حرب القرم، حصلت الدولة العثمانية على أول قرض خارجي كبير من الأسواق الأوروبية.

لم يكن الاقتراض مشكلة بحد ذاته.

لكن الديون ازدادت لاحقًا بسرعة، بينما ظلت مالية الدولة تعاني اختلالات كبيرة.

بحلول سبعينيات القرن التاسع عشر أصبحت الأزمة شديدة.

وفي عام 1875 توقفت الحكومة عن الوفاء الكامل بالتزامات ديونها الخارجية.

ثم جاءت الحرب مع روسيا بين 1877 و1878، وما رافقها من خسائر عسكرية وسياسية كبيرة.

وفي عام 1881 تأسست إدارة الدين العام العثماني، التي حصل ممثلو الدائنين من خلالها على سيطرة مباشرة على مجموعة من الإيرادات المخصصة لسداد الديون.

كانت الدولة لا تزال مستقلة سياسيًا.

لكن جزءًا من سيادتها المالية أصبح مقيدًا بدرجة كبيرة.

المريض يغيّر جسده

من السهل النظر إلى الديون والخسائر العسكرية والاستنتاج أن الإصلاحات فشلت.

لكن النتيجة أكثر تعقيدًا.

خلال القرن التاسع عشر تغيرت بنية الدولة نفسها.

ازدادت البيروقراطية.

توسعت المدارس الحديثة.

تطورت الاتصالات.

دخل التلغراف.

امتدت خطوط السكك الحديدية.

تغيرت المؤسسات العسكرية والقانونية.

وأصبحت الحكومة المركزية قادرة في بعض المجالات على الوصول إلى المجتمع بصورة لم تكن ممكنة في قرون سابقة.

الإمبراطورية أصبحت أصغر جغرافيًا.

لكن الدولة في داخل بعض حدودها أصبحت أكثر حضورًا وتنظيمًا.

وهذه واحدة من مفارقات التاريخ العثماني المتأخر.

الخريطة تتقلص.

والجهاز الحكومي يتوسع.

الدستور الذي جاء ثم توقف

عام 1876 دخلت الدولة العثمانية تجربتها الدستورية الأولى.

صدر دستور وأنشئ برلمان.

لكن التجربة الأولى كانت قصيرة.

بعد الحرب مع روسيا عطل السلطان عبد الحميد الثاني البرلمان عام 1878، واستمر حكمه لعقود في ظل مركزية سياسية قوية.

مع ذلك لم تختفِ فكرة الدستور.

ظهرت جماعات معارضة من المثقفين والضباط والسياسيين، وتطورت الحركة التي عُرفت لاحقًا بحركة تركيا الفتاة.

وفي عام 1908 أعيد العمل بالدستور والبرلمان.

مرة أخرى كانت الدولة التي وصفها الآخرون بأنها بقايا عالم قديم تحاول إعادة تعريف شكل الحكم داخلها.

البلقان يتغير

لكن الإصلاح الداخلي لم يوقف القوى التي كانت تفكك الإمبراطورية من الخارج والداخل.

تنامت الحركات القومية في البلقان.

وتدخلت القوى الأوروبية مرارًا في أزمات المنطقة.

وبعد الحرب الروسية العثمانية 1877–1878 أعاد مؤتمر برلين رسم جانب كبير من ميزان القوى في البلقان.

خسرت الدولة أراضي ونفوذًا.

ثم جاءت ضربة أكبر في حروب البلقان عامي 1912 و1913.

خلال فترة قصيرة فقدت الدولة معظم ما بقي لها من أراضٍ أوروبية خارج منطقة تراقيا الشرقية.

الإمبراطورية التي كانت يومًا قوة كبرى داخل أوروبا أصبحت دولة مركزها الفعلي أكثر فأكثر في الأناضول والشرق العربي.

ومع ذلك بقيت.

لماذا لم تسقط قبل ذلك؟

لأن الدول لا تموت بالطريقة التي يموت بها البشر.

هذه ربما أكبر مشكلة في استعارة «الرجل المريض».

يمكن للإنسان أن يمرض ثم يموت.

أما الدولة فقد تخسر أرضًا وتعيد بناء جيش.

تفلس ماليًا ثم تعيد ترتيب ديونها.

تواجه ثورة ثم تغير مؤسساتها.

تفقد إقليمًا لكنها تظل تحكم ملايين البشر.

لم تكن الدولة العثمانية جسدًا واحدًا له قلب واحد يتوقف فجأة.

كانت شبكة مؤسسات ومناطق وسكان وجيوش ومصالح دولية.

ولهذا استمرت النهاية عقودًا.

الحرب التي غيّرت كل شيء

عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا والمجر.

خاضت الحرب على جبهات متعددة.

في الدردنيل.

والقوقاز.

والعراق.

وفلسطين.

والحجاز.

وسيناء.

لم تكن دولة بلا قدرة عسكرية.

نجحت مثلًا في صد الحملة البريطانية والفرنسية في غاليبولي.

لكن سنوات الحرب استنزفت الدولة والمجتمع بصورة هائلة.

وفي عام 1918 انتهت الحرب بهزيمة دول المركز.

وقعت الدولة العثمانية هدنة مودروس.

ثم بدأت قوات الحلفاء احتلال مناطق استراتيجية وتقسيم مناطق النفوذ.

لكن حتى عند هذه اللحظة لم تكن النهاية القانونية قد وقعت بالكامل.

موت الإمبراطورية وولادة دولة

من قلب الهزيمة ظهرت الحركة الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال.

اندلعت حرب الاستقلال التركية.

وتغيرت مرة أخرى الخريطة التي حاول المنتصرون رسمها بعد الحرب.

في الأول من نوفمبر 1922 ألغيت السلطنة.

وهنا يمكن القول إن الدولة العثمانية، بوصفها نظامًا سياسيًا، وصلت إلى نهايتها الفعلية.

وفي العام التالي أُعلنت الجمهورية التركية.

أما الخلافة فأُلغيت عام 1924.

منذ حديث نيقولا الأول عن «الرجل المريض» حتى إلغاء السلطنة مرت قرابة سبعة عقود.

سبعون عامًا بين التشخيص والوفاة.

مدة كافية لأن يولد جيل ويموت ويأتي بعده جيل آخر.

لماذا بقي اللقب؟

لأن العبارة كانت قوية.

«رجل أوروبا المريض» أسهل من شرح عشرات الحروب والإصلاحات والقروض والقوميات والتحالفات الدولية.

تحول وصف سياسي إلى تفسير تاريخي.

ثم بدأ التفسير يبتلع الوقائع.

صار من السهل قراءة كل حدث عثماني متأخر باعتباره دليلًا على مرض واحد طويل يقود حتمًا إلى الموت.

لكن التاريخ لا يعمل بهذه النظافة.

لم تكن النهاية معروفة لمن عاشوا في 1853.

كانت أمام الدولة مسارات متعددة.

وكانت قرارات الحكام والإصلاحيين والضباط والقوى الأوروبية والشعوب داخل الإمبراطورية جزءًا من صناعة ما حدث لاحقًا.

المريض الذي كان الجميع يخشاه

ربما كانت أغرب مفارقة في اللقب أن الرجل «المريض» ظل قادرًا على إدخال القوى الكبرى في حروب وأزمات متكررة.

روسيا لم تكن تتعامل معه باعتباره جثة.

ولا بريطانيا.

ولا فرنسا.

ولا النمسا.

ولا ألمانيا لاحقًا.

كل واحدة منها أنفقت المال والجنود والجهد الدبلوماسي لأنها كانت تعرف أن مستقبل الأراضي العثمانية قادر على تغيير ميزان القوة في قارة كاملة.

لو كان الرجل ميتًا بالفعل لما كان أحد يخشاه.

لكن الجميع كانوا يخشون اللحظة التي يتغير فيها.

ما وراء العبارة

الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر لم تكن في عصر ازدهارها القديم.

خسرت أراضي.

واجهت أزمات مالية وعسكرية وسياسية عميقة.

وتعرضت لضغط متزايد من القوى الأوروبية ومن الحركات القومية داخل حدودها.

لكن الصورة الأخرى صحيحة أيضًا.

حاولت الإصلاح.

أعادت بناء مؤسساتها.

غيرت قوانينها.

جربت الدستور.

ووسعت التعليم والإدارة والبنية التحتية.

واستمرت عقودًا أطول مما توقع الذين أعلنوا اقتراب نهايتها.

لهذا ربما يجب ألا نقرأ لقب «الرجل المريض» بوصفه تشخيصًا طبيًا للتاريخ.

بل بوصفه نافذة على الطريقة التي رأت بها القوى الأوروبية الدولة العثمانية وعلى مصالحها في مستقبلها.

فالعبارات السياسية ليست دائمًا وصفًا محايدًا للعالم.

أحيانًا تكون جزءًا من الصراع عليه.

المفارقة الأخيرة

في عام 1853 كان القيصر الروسي يفكر في اليوم الذي ستختفي فيه الدولة العثمانية.

لكن بعد أقل من سبعين عامًا، لم تكن الدولة العثمانية وحدها التي اختفت.

الإمبراطورية الروسية التي حكمها نيقولا الأول سقطت في ثورة 1917.

والإمبراطورية النمساوية المجرية انهارت عام 1918.

والإمبراطورية الألمانية سقطت في العام نفسه.

العالم الذي حكم على العثمانيين بالمرض كان هو الآخر يدخل غرفة التاريخ.

ولهذا بقيت قصة «الرجل المريض» أعمق من قصة دولة ضعفت ثم سقطت.

إنها تذكير بأن الإمبراطوريات التي تقف حول سرير المريض قد تكون هي أيضًا تحمل أمراضها الخاصة.

وأن التاريخ لا يخبر أحدًا مسبقًا من سيغادر الغرفة أولًا.

المصادر والمراجع

  • Orlando Figes — The Crimean War: A History.
  • M. Şükrü Hanioğlu — A Brief History of the Late Ottoman Empire.
  • Caroline Finkel — Osman’s Dream: The Story of the Ottoman Empire 1300–1923.
  • Donald Quataert — The Ottoman Empire, 1700–1922.
  • Edhem Eldem — Ottoman Financial Integration with Europe: Foreign Loans, the Ottoman Bank and the Ottoman Public Debt.
  • Daniel A. Stolz — The Interested Calculation of the Ottoman Public Debt, 1875–1881.
  • David Rodogno — Against Massacre: Humanitarian Interventions in the Ottoman Empire, 1815–1914.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top