فلسطينيو أمريكا اللاتينية — حين عبرت بيت لحم المحيط
حين وصل بعض المهاجرين الفلسطينيين إلى موانئ أمريكا اللاتينية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حدث شيء غريب عند أول مكتب رسمي قابلهم.
سأل الموظف عن الأوراق.
قدّم القادم وثيقة عثمانية.
فكتب الموظف:
تركي.
لم يكن الرجل تركيًا.
قد يكون من بيت لحم.
أو بيت جالا.
أو بيت ساحور.
مسيحيًا عربيًا جاء من فلسطين التي كانت آنذاك جزءًا من الدولة العثمانية.
لكن الجواز سبق هويته.
وهكذا ظهر الاسم الذي سيلازم المهاجرين العرب في أجزاء واسعة من أمريكا اللاتينية:
«توركوس».
الأتراك.
كان الاسم غير دقيق، وأحيانًا مهينًا في نظر من حُمل عليهم، لكنه يكشف أول مفارقة في قصة الفلسطينيين في أمريكا اللاتينية.
كثيرون منهم عبروا المحيط قبل النكبة.
وقبل قيام دولة إسرائيل.
وقبل أن تصبح كلمة «فلسطيني» في العالم مرتبطة بصورة اللاجئ والمخيم.
وصلوا مهاجرين يبحثون عن التجارة والعمل ومستقبل أفضل.
ثم تغيرت فلسطين التي خرجوا منها.
وتحولت الهجرة المؤقتة إلى شتات دائم.
وبعد أجيال، أصبح في الطرف الآخر من العالم أشخاص لا يتحدث بعضهم العربية، ولم يولد آباؤهم ولا أجدادهم المباشرون في فلسطين…
ومع ذلك ما يزال أحدهم يقول:
نحن من بيت جالا.
الشتات الذي بدأ قبل 1948
عند الحديث عن الفلسطينيين في الشتات، تبدأ القصة غالبًا بالنكبة.
لكن أمريكا اللاتينية تفرض بداية أقدم.
منذ أواخر القرن التاسع عشر بدأ مهاجرون من بلاد الشام العثمانية يتجهون إلى الأمريكتين.
كان بينهم لبنانيون.
وسوريون.
وفلسطينيون.
وكان معظم الفلسطينيين الذين اتجهوا إلى أمريكا اللاتينية في الموجة الأولى من المسيحيين القادمين خصوصًا من منطقة بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، مع مهاجرين من مدن وقرى أخرى.
الأسباب لم تكن واحدة.
ضغوط اقتصادية.
قلة فرص العمل.
الاضطرابات السياسية.
الخدمة العسكرية العثمانية في مراحل معينة.
والبحث عن التجارة.
ثم جاء عامل ربما كان أقوى من كل شيء:
شخص سبقك إلى هناك وكتب لك أن الطريق ممكن.
رسالة من أمريكا
معظم الهجرات الكبيرة لا تبدأ بخطة قومية.
تبدأ بفرد.
شاب يغادر.
يصل إلى بلد بعيد.
يعمل.
ثم يكتب إلى أخيه.
أو ابن عمه.
أو جاره.
وجدت عملًا.
تعال.
هذه هي الهجرة المتسلسلة.
وبسببها لم يتوزع المهاجرون الفلسطينيون في أمريكا اللاتينية عشوائيًا.
إذا نجح مهاجر من بيت جالا في مدينة ما، أصبحت تلك المدينة نقطة جذب لأقاربه وأبناء بلدته.
ويصل الثاني فيجد بيتًا ينام فيه.
والثالث يجد من يعلمه اللغة.
والرابع يجد متجرًا يعمل فيه.
وبعد سنوات لا يعود هناك مهاجر واحد.
تظهر شبكة.
ثم جالية.
ثم نادٍ وكنيسة وجمعية وصحيفة.
المسافة بين بيت جالا وسانتياغو ضخمة على الخريطة.
لكن رسالة عائلية تستطيع أن تجعلها أقصر.
لماذا أمريكا اللاتينية؟
اتجه ملايين المهاجرين الأوروبيين والعرب وغيرهم إلى الأمريكتين خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
كانت دول كثيرة في أمريكا اللاتينية تشهد نموًا اقتصاديًا وتوسعًا في المدن والأسواق.
احتاجت التجارة الداخلية إلى أشخاص يستطيعون نقل السلع إلى مدن صغيرة ومناطق لم تكن فيها متاجر كبيرة.
هنا وجد كثير من المهاجرين العرب مدخلهم.
لم يصل معظمهم بأموال هائلة.
بدأ بعضهم بائعًا متجولًا.
يحمل القماش والملابس والأدوات الصغيرة.
يمشي من قرية إلى أخرى.
يتعلم الإسبانية أثناء البيع.
ثم يفتح متجرًا صغيرًا.
ثم يكبر المتجر.
وتدخل الأسرة.
ويأتي قريب جديد من فلسطين.
هذه القصة تكررت بأشكال مختلفة من تشيلي إلى هندوراس.
البائع المتجول
لم تكن التجارة المتجولة مهنة براقة.
كان المهاجر يحمل البضاعة على ظهره أو ينقلها بوسائل بدائية.
ويذهب إلى أماكن لا يعرفها.
ولا يتحدث لغتها جيدًا.
ويتعرض أحيانًا للسخرية والتمييز.
لكن لهذا النوع من التجارة ميزة.
لا يحتاج إلى أرض واسعة.
ولا شهادة محلية.
ولا منصب حكومي.
يحتاج إلى بضاعة صغيرة وقدرة على بناء الثقة.
ثم تتحول الأرباح إلى متجر.
والمتجر إلى شركة.
وبعد جيل قد يتحول ابن البائع المتجول إلى صناعي أو طبيب أو محامٍ.
عندما ننظر اليوم إلى نجاح بعض الأسر الفلسطينية في أمريكا اللاتينية، يسهل أن ننسى أن بدايات كثيرة منها كانت صندوق بضاعة وطريقًا طويلًا.
«توركو»
كان كثير من المهاجرين القادمين من بلاد الشام يحملون وثائق عثمانية.
ولهذا وضعتهم إدارات ومجتمعات أمريكية لاتينية تحت تسمية «توركوس».
لم يكن الاسم يميز فلسطينيًا من سوري أو لبناني.
وأحيانًا لم يكن يميز العربي من غير العربي القادم بجواز عثماني.
بالنسبة إلى الفلسطيني الذي ربما غادر أصلًا بسبب ظروف مرتبطة بالحكم العثماني، كان أن يصل إلى الطرف الآخر من العالم ليُسمى «تركيًا» مفارقة ثقيلة.
لكن الكلمة استمرت حتى بعد زوال الدولة العثمانية.
تحولت من تصنيف وثيقة إلى لقب اجتماعي.
وفي بعض البلدان حملت إيحاءات ازدرائية مرتبطة بالمهاجرين والتجارة الصغيرة.
قبل أن يحصل الفلسطيني على مكان داخل المجتمع الجديد، كان عليه أولًا أن يقنعه بأنه ليس الاسم الذي وضعه موظف الميناء في السجل.
تشيلي
لا توجد دولة في أمريكا اللاتينية ارتبط اسمها بالشتات الفلسطيني بقدر تشيلي.
بدأ المهاجرون الفلسطينيون بالوصول إليها منذ أواخر القرن التاسع عشر، وازدادت الهجرة خلال العقود الأولى من القرن العشرين.
كان كثير منهم من منطقة بيت لحم، وخصوصًا بيت جالا وبيت لحم، مع حضور من بيت ساحور ومدن أخرى.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الفلسطينيين شكلوا أكبر مكونات الهجرة العربية إلى تشيلي.
لكن الوصول إلى تشيلي نفسها لم يكن دائمًا رحلة مباشرة.
كان بعض المهاجرين يعبر الأطلسي إلى موانئ في الأرجنتين، ثم يواصل الطريق عبر جبال الأنديز نحو تشيلي.
إنها رحلة يصعب تصورها اليوم.
من تلال بيت لحم إلى سفينة في المتوسط.
ثم أوروبا.
ثم الأطلسي.
ثم بوينس آيرس.
ثم جبال الأنديز.
وفي النهاية متجر صغير في مدينة تشيلية.
لماذا تشيلي تحديدًا؟
لا يوجد سبب واحد.
عملت شبكات العائلة والهجرة المتسلسلة بقوة.
كل مهاجر نجح جعل الطريق أكثر وضوحًا لمن بعده.
كما وجد الفلسطينيون فرصًا في التجارة والصناعة.
ومع الزمن نشأت مؤسسات عربية وفلسطينية ساعدت القادمين الجدد.
وبحلول النصف الأول من القرن العشرين أصبح الحضور الفلسطيني جزءًا واضحًا من المجتمع العربي في تشيلي.
تصف دراسات معاصرة تشيلي عادة بأنها موطن أكبر تجمع من أصول فلسطينية خارج العالم العربي.
لكن تحديد عدد دقيق صعب.
فالأجيال اللاحقة تحمل الجنسية التشيلية، ولا توجد دائمًا خانة إحصائية تسجل الأصل الفلسطيني.
لهذا تتفاوت التقديرات بشدة.
الأكثر أمانًا من الرقم هو الحقيقة الاجتماعية نفسها:
في تشيلي نشأ مجتمع فلسطيني كبير بما يكفي لكي يصبح جزءًا من تاريخ البلاد الاقتصادي والثقافي والسياسي.
من بيت جالا إلى باتروناتو
في سانتياغو ارتبط حي باتروناتو طويلًا بالمهاجرين العرب.
متاجر.
ومصانع.
ومطاعم.
ومؤسسات.
ومع مرور الزمن خرجت أسر كثيرة إلى مناطق أخرى من المدينة، لكن أثر الهجرة بقي في المكان.
الهجرة لا تترك البشر فقط.
تترك أحياء.
أسماء شوارع.
متاجر.
روائح الطعام.
ومبانٍ اجتماعية.
بعد عقود يستطيع حفيد المهاجر أن يمر بالحي الذي بدأ فيه جده، وهو يعيش اليوم حياة مختلفة تمامًا.
وهنا تتحول المدينة الجديدة نفسها إلى جزء من ذاكرة الشتات.
لم تعد الذاكرة تقول فقط:
كنا في فلسطين.
تقول أيضًا:
هنا بدأنا من جديد.
العائلة قبل المؤسسة
قبل بناء النوادي والجمعيات، كانت العائلة المؤسسة الأولى.
القادم الجديد يجد أقاربه.
يعمل معهم.
يتزوج أحيانًا داخل شبكة أبناء البلدات نفسها.
وتنتقل الأسماء والعادات والطعام والتقاليد الدينية.
لهذا بقيت أسماء بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور حاضرة بقوة داخل مجتمعات بعيدة آلاف الكيلومترات.
في مراحل الهجرة الأولى لم يكن الانتماء القومي الفلسطيني بالضرورة هو التعريف الأول الذي يستخدمه الجميع.
قد يقول الشخص:
أنا من بيت جالا.
أو من بيت لحم.
أو عربي.
أو سوري، تبعًا للتصنيفات المستخدمة آنذاك.
فالهوية الفلسطينية الحديثة نفسها كانت تتشكل في زمن التحولات العثمانية والانتدابية.
ومع تغير فلسطين في القرن العشرين، تغير معنى الأصل لدى أبنائها في الخارج.
المسيحيون الفلسطينيون
إحدى السمات البارزة للموجة الفلسطينية المبكرة إلى أمريكا اللاتينية أن نسبة كبيرة جدًا من مهاجريها كانت مسيحية.
جاء كثيرون من بيت لحم وبلداتها المجاورة، حيث توجد مجتمعات مسيحية عربية قديمة.
لذلك فإن صورة الفلسطيني في أمريكا اللاتينية كسليل أسرة مسيحية ليست استثناءً.
إنها جزء مركزي من تاريخ هذه الهجرة.
أنشأ المهاجرون كنائس ومؤسسات مرتبطة بطوائفهم.
لكنهم دخلوا في مجتمعات ذات غالبية مسيحية أصلًا، خصوصًا كاثوليكية.
ساعد ذلك بدرجة ما في الاندماج.
لكنه لم يمنع التمييز الثقافي والعرقي.
فقد يكون القادم مسيحيًا مثل جاره.
ومع ذلك يسمعه يناديه:
توركو.
الاختلاف لا يحتاج دائمًا إلى اختلاف في الدين.
يكفي أن يكون الاسم غريبًا واللغة جديدة والملامح مرتبطة في خيال المجتمع بمكان بعيد.
الاندماج
مع مرور الأجيال تغير كل شيء تقريبًا.
الإسبانية أصبحت اللغة الأولى.
وتغيرت الأسماء أحيانًا في النطق أو الكتابة.
وتزوج الأبناء والبنات من خارج المجتمع الفلسطيني والعربي.
ودخلوا الجامعات والمهن والسياسة والصناعة.
أصبحوا تشيليين وهندوراسيين وسلفادوريين بالكامل من الناحية المدنية والاجتماعية.
لكن الاندماج لم يمحُ الأصل بالضرورة.
يمكن للإنسان أن يكون تشيليًا تمامًا، ويحتفظ في الوقت نفسه بصورة لبيت في بيت جالا.
ليس عليه أن يعيش نصف حياة هنا ونصف حياة هناك.
الهوية تستطيع أن تتراكم.
لا أن تتقاسم الإنسان إلى نصفين.
نادي اسمه فلسطين
في تشيلي ظهر واحد من أكثر رموز هذه الهوية وضوحًا:
النادي الرياضي الفلسطيني.
يرتبط تاريخ مؤسسات رياضية حملت اسم فلسطين في سانتياغو ببدايات القرن العشرين، ويعود تأسيس فريق «فلسطينا فوتبول كلوب» الذي يقف في جذور النادي الحديث إلى سنة 1920.
وتوجد تفاصيل تاريخية مختلف عليها حول اليوم المحدد والتطور المؤسسي بين النوادي الرياضية الفلسطينية المبكرة، لذلك من الأفضل تجنب الرواية الشعبية التي تختصر التأسيس في مشهد واحد.
لكن الحقيقة الأكبر لا خلاف عليها:
المجتمع الفلسطيني في تشيلي صنع مؤسسة رياضية حملت اسم فلسطين قبل أن تصبح كرة القدم صناعة عالمية بالشكل الذي نعرفه.
ثم أصبح «بالستينو» ناديًا محترفًا في كرة القدم التشيلية.
حين يلعب الاسم
هنا يحدث شيء نادر.
قد يدخل الملعب لاعب ليس فلسطيني الأصل.
ويهتف له مشجع تشيلي ليست له جذور فلسطينية.
ويرتدي القميص اسم:
فلسطينو.
لم تعد فلسطين هنا مجرد أصل عائلي.
أصبحت اسم مؤسسة تشيلية.
الفريق ينتمي إلى كرة القدم التشيلية.
وفي الوقت نفسه يحمل ذاكرة الجالية التي أنشأته.
يمكن للهوية في الشتات أن تفعل هذا.
تنتقل من بيت المهاجر إلى المجال العام.
ومن لغة الجد إلى لوحة نتائج في استاد.
الطفل الذي لا يعرف العربية يمكن أن يعرف كلمة فلسطين لأنه يشجع فريقًا محليًا يحمل اسمها.
النادي الاجتماعي
لم تكن كرة القدم المؤسسة الوحيدة.
ظهرت نوادٍ وجمعيات اجتماعية وثقافية عربية وفلسطينية.
أُنشئ النادي الفلسطيني في سانتياغو في ثلاثينيات القرن العشرين، وأصبح مع الزمن مساحة اجتماعية وثقافية مهمة لعائلات من أصل فلسطيني.
مثل هذه المؤسسات لها وظيفة مزدوجة.
تساعد المجتمع على الاندماج في البلد الجديد من موقع منظم.
وتحافظ في الوقت نفسه على روابط داخلية وهوية وذاكرة.
قد يقام حفل تشيلي بالكامل في لغته وتنظيمه.
لكن اسم المكان فلسطيني.
والطعام فلسطيني أو عربي.
والصور على الجدران تذكر بمكان بعيد.
هذا ليس رفضًا للاندماج.
إنه أحد أشكاله.
الصحافة
قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي كانت الجالية تحتاج إلى صحف.
ظهرت مطبوعات عربية وثنائية اللغة في تشيلي خلال بدايات القرن العشرين.
كتب المهاجرون عن شؤون الجالية.
وعن البلدان التي خرجوا منها.
وعن السياسة والثقافة.
ثم ازدادت الإسبانية حضورًا مع الأجيال.
هذه الصحافة مهمة لأنها تكشف أن المهاجر لم يكن مجرد بائع يحاول تحسين دخله.
كان يحمل معه نقاشًا عن الهوية والعالم الذي تركه.
الصحيفة في سانتياغو تستطيع أن تتحدث عن فلسطين بينما قارئها لم يعد يعرف متى سيعود إليها.
ومع الزمن يصبح السؤال نفسه مختلفًا:
هل الصحيفة تخدم مهاجرين سيعودون؟
أم مجتمعًا ولد هنا وسيبقى هنا؟
هندوراس
في أمريكا الوسطى أصبحت هندوراس مركزًا مهمًا آخر للوجود الفلسطيني.
بدأت الهجرة الفلسطينية إليها منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وكان الكثير من القادمين، كما في تشيلي، من المسيحيين المرتبطين بمنطقة بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور.
بدأ كثيرون بالتجارة.
ثم توسعت الأسر إلى قطاعات اقتصادية ومهنية مختلفة.
ومع مرور الزمن أصبح أشخاص من أصول فلسطينية جزءًا من النخب الاقتصادية والسياسية والمهنية في البلاد.
مرة أخرى يصعب تثبيت عدد دقيق لأحفاد الفلسطينيين اليوم.
فقد مرت أجيال من الاندماج والزواج وتغيير الوثائق.
لكن الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية عن هندوراس تكشف مجتمعًا فلسطيني الأصل كبيرًا وراسخًا.
المهاجر الذي كان يظن أنه سيعود
أحد الأمور اللافتة في دراسة الهجرة الفلسطينية إلى أمريكا الوسطى أن كثيرًا من المهاجرين الأوائل لم يكونوا بالضرورة يخططون لإنشاء شتات دائم.
الفكرة كانت:
أعمل.
أجمع المال.
ثم أعود.
وهي فكرة يعرفها ملايين المهاجرين في كل العصور.
لكن الحياة تفعل شيئًا آخر.
يأتي الأخ.
ثم تتزوج.
ثم يولد الطفل.
ثم تفتح متجرًا.
ثم يدخل الطفل المدرسة.
ثم تشتري بيتًا.
وفجأة يصبح سؤال العودة أكثر صعوبة.
إلى أين يعود الابن الذي وُلد في سان بيدرو سولا ويتحدث الإسبانية؟
ربما يعود الأب.
وربما لا يعود.
لكن الأسرة بدأت في مكان جديد.
الهجرة المؤقتة تتحول إلى شتات من دون إعلان رسمي.
السلفادور
نشأت كذلك جالية فلسطينية مهمة في السلفادور.
كانت الموجة المبكرة مشابهة في جوانب عديدة لما حدث في هندوراس:
مهاجرون مسيحيون من منطقة بيت لحم.
وتجارة.
وشبكات أسرية.
ثم اندماج اجتماعي واقتصادي.
لكن الاندماج لم يكن خاليًا من المقاومة.
واجه مهاجرون عرب في دول أمريكا الوسطى قوانين ومواقف اجتماعية ميزت ضدهم في مراحل مختلفة.
نُظر إليهم أحيانًا كجماعة غريبة اقتصاديًا وعرقيًا، رغم كون كثيرين منهم مسيحيين يعيشون داخل مجتمعات مسيحية.
ومع الأجيال أصبح أحفادهم جزءًا طبيعيًا من الحياة الوطنية.
إلى درجة أن مواطنين من أصل فلسطيني وصلوا في بلدان أمريكا الوسطى إلى أعلى المناصب العامة.
النجاح الذي يولد الشك
هناك نمط تكرر في تاريخ مجموعات مهاجرة كثيرة.
يبدأ القادم فقيرًا.
يعمل في التجارة.
ينجح.
ثم يصبح نجاحه نفسه مادة للغيرة والشك.
ظهرت صور نمطية عن «التاجر العربي».
وعن الأسر المغلقة.
وعن الثروة.
بعضها مبني على نجاح حقيقي لبعض العائلات.
ثم يُعمم على مجتمع كامل.
لكن خلف الشركات الكبرى التي ظهرت لاحقًا آلاف القصص الأقل شهرة.
متاجر فشلت.
وأسر متوسطة.
وعمال.
ومهنيون.
لا يجوز أن تتحول قصة الصعود الاجتماعي إلى أسطورة تقول إن كل مهاجر فلسطيني وصل فقيرًا وأصبح مليونيرًا.
هذه رواية جميلة.
وليست تاريخًا اجتماعيًا كاملًا.
لماذا نجح كثيرون في التجارة؟
جزء من الإجابة شبكات العائلة.
رأس المال الصغير ينتقل داخل الأسرة.
الخبرة تنتقل.
والقادم الجديد يجد عملًا.
كما أن التجارة كانت مجالًا يمكن دخوله دون الحاجة إلى الاعتراف بشهادة مهنية أجنبية.
ثم أُعيد استثمار الأرباح.
دخل الجيل التالي الصناعة.
والعقارات.
والمهن.
والتعليم.
لكن النجاح لم يكن نتيجة «صفة فلسطينية» غامضة.
كانت هناك ظروف اقتصادية محددة.
وشبكات مهاجرين.
وثقافة عائلية.
وفرص في مجتمعات كانت أسواقها تتوسع.
حين نُخرج النجاح من ظروفه، نحوله إلى أسطورة عرقية.
والأسطورة الإيجابية تستطيع أن تكون مضللة مثل السلبية.
1948 تغير فلسطين البعيدة
ثم جاءت النكبة.
بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين في أمريكا اللاتينية لم تكن 1948 بداية وجودهم هناك.
كانت لحظة تغير معنى الوطن الذي خرجوا منه.
قد يكون الرجل قد غادر بيت جالا سنة 1910 وهو يحمل وثيقة عثمانية.
ثم عاش سقوط الدولة العثمانية.
والانتداب البريطاني.
وتحولات فلسطين.
ثم حرب 1948.
بعد أربعين عامًا من الهجرة لم يعد المكان الذي يمكن أن يعود إليه سياسيًا هو المكان نفسه الذي تركه.
وهنا تتغير الهجرة.
العودة لم تعد فقط قرارًا اقتصاديًا.
أصبحت مرتبطة بصراع وحدود ودول جديدة.
بدأت فلسطين تتحول داخل الجالية من مكان الميلاد إلى قضية ذاكرة أيضًا.
الموجة الثانية
استمرت هجرات فلسطينية إلى أمريكا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية، وإن كانت طبيعتها وحجمها يختلفان عن الموجة الأولى.
وبعد 1948 ثم 1967 جاءت تحركات جديدة مرتبطة بالحروب والتهجير والظروف الاقتصادية والتعليمية.
لكن هؤلاء وصلوا إلى بيئة يوجد فيها أحيانًا مجتمع فلسطيني سابق عمره نصف قرن.
القديم يقول:
وصلنا ونحن عثمانيون على الورق.
والجديد يقول:
وصلنا ونحن نحمل ذاكرة النكبة أو الاحتلال أو اللجوء.
كلاهما فلسطيني.
لكن فلسطين التي غادرها كل منهما ليست فلسطين السياسية نفسها.
وهكذا أصبحت الجالية طبقات زمنية، لا موجة واحدة.
فلسطين التي بقيت في أسماء العائلات
في أمريكا اللاتينية تستطيع أحيانًا سماع اسم عائلة تغير نطقه مع الإسبانية.
الحروف العربية لا تنتقل بسهولة دائمًا إلى الأبجدية اللاتينية.
والأسماء تتكيف.
ثم يأتي جيل لا يعرف طريقة لفظ الاسم كما كان جده يلفظه.
ومع ذلك يظل الاسم أثرًا للطريق.
بعض الأسر تستطيع تتبع أصلها إلى بلدة محددة.
بيت جالا.
بيت لحم.
بيت ساحور.
رام الله.
قرية أخرى.
وهنا تصبح شجرة العائلة خريطة.
لا تحتاج إلى الحدود السياسية لكي تقول من أين جاءت.
العربية التي اختفت
في كثير من مجتمعات أمريكا اللاتينية تراجعت العربية بسرعة عبر الأجيال.
الطفل يحتاج الإسبانية في المدرسة والعمل والحياة العامة.
ويتزوج من خارج الجالية.
ثم تصبح لغة الأجداد أقل استخدامًا.
بعد ثلاثة أو أربعة أجيال قد لا يعرف الإنسان من العربية إلا كلمات قليلة.
ومع ذلك تبقى الهوية.
وهذا يطرح سؤالًا مهمًا:
هل تحتاج الهوية الفلسطينية إلى العربية؟
الجواب التاريخي من أمريكا اللاتينية:
ليس دائمًا.
اللغة إحدى أقوى حوامل الذاكرة.
لكنها ليست الوحيدة.
الطعام.
والعائلة.
والكنيسة.
والنادي.
والرحلة إلى فلسطين.
والاسم.
والقصص.
كلها تستطيع حمل شيء بعدما تسقط الكلمات.
الجيل الذي يعود سائحًا
هناك مشهد لم يكن الجد يتخيله.
حفيد فلسطيني-تشيلي يصل إلى بيت جالا.
يحمل جواز سفر تشيليًا.
يتحدث الإسبانية والإنجليزية ربما، ولا يتحدث العربية إلا قليلًا.
يقف أمام البيت الذي تقول أسرته إن الجد خرج منه.
هل هو عائد؟
أم سائح؟
بالنسبة إلى حرس الحدود هو زائر أجنبي.
بالنسبة إلى الأسرة قد تكون الرحلة عودة بعد قرن.
هذا هو الشتات في أكثر صوره غرابة.
الإنسان يستطيع أن يعود إلى مكان لم يعش فيه قط.
لأن شيئًا من حياته بدأ هناك قبل ولادته.
الهوية التي استعادت نفسها
في بعض الأسر كانت الأجيال الوسطى شديدة الاندماج في المجتمع الجديد.
ثم جاء جيل لاحق وبدأ يبحث عن الأصل بصورة أكبر.
هذا النمط ليس فلسطينيًا وحده.
يتكرر في مجتمعات المهاجرين.
الجيل الأول يريد البقاء.
الثاني يريد إثبات أنه من البلد الجديد.
والثالث، وقد أصبح انتماؤه الوطني آمنًا، يسأل:
من أين جاء جدي؟
الاندماج الكامل أحيانًا لا يقتل الهوية الأصلية.
يجعل الرجوع إليها أقل خوفًا.
يمكن للشخص أن يستكشف فلسطينيته لأنه لم يعد مضطرًا إلى إثبات تشيليته.
الأدب
ظهرت تجربة الأصل الفلسطيني كذلك في الأدب والفن.
من أشهر الأمثلة المعاصرة الكاتبة التشيلية الفلسطينية لينا مرواني، التي عادت في كتاباتها إلى جذورها العائلية وبيت جالا وأسئلة الانتماء والذاكرة.
مثل هذه الكتابة تكشف تحولًا مهمًا.
الجد لم يحتج إلى البحث عن فلسطين.
كان يعرفها.
الحفيدة تحتاج إلى رحلة وأرشيف وحكايات عائلية لكي تعيد بناء ما كان بالنسبة إليه حياة يومية.
كل جيل يحصل على فلسطين بطريقة مختلفة.
الأول يحملها في الذاكرة.
الثاني في البيت.
والثالث قد يبحث عنها في الوثيقة.
المجتمع ليس موقفًا سياسيًا واحدًا
من الخطأ التعامل مع الفلسطينيين في أمريكا اللاتينية كما لو أنهم كتلة سياسية واحدة.
هم مواطنون في دول مختلفة.
وينتمون إلى أحزاب واتجاهات وطبقات ومصالح متباينة.
قد يوجد شخص من أصل فلسطيني في اليمين السياسي.
وآخر في اليسار.
وآخر لا يهتم بالسياسة الفلسطينية أصلًا.
وتظهر الدراسات عن مجتمعات أمريكا الوسطى وتشيلي تنوعًا كبيرًا في المواقف السياسية.
الأصل المشترك لا ينتج تلقائيًا رأيًا واحدًا.
وهذا طبيعي.
بعد أربعة أو خمسة أجيال، يصبح الفلسطيني في تشيلي جزءًا من كل خلافات المجتمع التشيلي مثل أي مواطن آخر.
لكن فلسطين بقيت حاضرة
رغم ذلك حافظت مؤسسات وجمعيات وأفراد على علاقات ثقافية واجتماعية وسياسية مع فلسطين بدرجات مختلفة.
جمعت تبرعات.
ونظمت زيارات.
وأقامت نشاطات ثقافية.
وتابعت أحداث الشرق الأوسط.
وعادت أسماء المدن الفلسطينية في المؤسسات.
هذا الارتباط تغير من جيل إلى آخر.
لكنه يكشف أن الاندماج لا يساوي النسيان بالضرورة.
يمكن أن يصبح الوطن الأصلي أقل حضورًا في اللغة وأكثر حضورًا في الرمز.
وقد يعرف الحفيد علم فلسطين قبل أن يعرف الأبجدية العربية.
كرة القدم تعيد اللغة بطريقتها
في مدرجات نادي بالستينو لا تحتاج إلى درس تاريخ لتلاحظ العلاقة.
الألوان.
والاسم.
والرموز.
والجمهور.
كرة القدم هنا تفعل ما كانت تفعله الصحيفة العربية قبل قرن بصورة مختلفة.
تربط أشخاصًا بذاكرة مشتركة.
لكنها تفعل ذلك بالإسبانية.
وهنا توجد لحظة مهمة في تحول الهوية.
الهوية لم تعد فلسطينية لأنها بقيت كما كانت في بيت لحم سنة 1900.
إنها فلسطينية تشيلية.
أي أنها أنتجت شكلًا جديدًا لم يكن موجودًا قبل الهجرة.
الشتات لا يحفظ الثقافة في الثلاجة.
يعيد صنعها.
الطعام أيضًا تغيّر
تنتقل الكبة والحمص وورق العنب والحلويات وغيرها إلى المائدة الأمريكية اللاتينية.
لكن الوصفة تتغير.
المكونات المتاحة تختلف.
والذوق المحلي يدخل.
وتصبح بعض الأطعمة التي كانت عادية في بيت الجدة «طعامًا فلسطينيًا» يحتفل به الأبناء في مناسبة الهوية.
في الوطن لا يحتاج الطعام إلى علم.
في الشتات قد يصبح الطبق رمزًا.
هذه إحدى مفارقات الهجرة.
الشيء الذي كان يوميًا يصبح تراثًا فقط بعد أن يبتعد الإنسان عنه.
الزواج
في الجيل الأول كان الزواج داخل الجالية وسيلة قوية لحفظ الروابط.
العائلة تعرف العائلة.
واللغة والدين والعادات متقاربة.
لكن مع مرور الوقت اتسعت الزيجات المختلطة.
وهذا أحد أهم مسارات الاندماج.
من منظور من يريد هوية «نقية» قد يبدو ذلك ذوبانًا.
لكن المجتمعات البشرية لا تبقى نقية أصلًا.
ينشأ طفل نصف أسرته فلسطيني الأصل ونصفها من أصل أوروبي أو لاتيني أو محلي آخر.
ماذا يكون؟
الإجابة البسيطة:
ما تسمح له حياته أن يكونه.
الهويات الحديثة لا تعمل كاختبارات دم.
من المسيحية العربية إلى الكاثوليكية اللاتينية
أتى عدد من المهاجرين الفلسطينيين من تقاليد مسيحية أرثوذكسية أو كاثوليكية شرقية وغيرها.
ومع الاندماج في مجتمعات أمريكا اللاتينية الكاثوليكية تحولت بعض الأسر بين الكنائس أو اندمجت في المؤسسات المحلية.
لكن ظلت جذور بيت لحم تمنح المسيحي الفلسطيني رمزية خاصة.
هو قادم من الأرض التي ارتبطت في المخيلة المسيحية العالمية بميلاد المسيح.
وقد استخدم مهاجرون وأحفادهم هذه الصلة أحيانًا لتأكيد قربهم الثقافي والديني من المجتمعات التي استقبلتهم، خصوصًا عندما تعرضوا لتصنيفات تجعلهم «شرقيين» غرباء.
الدين هنا لم يكن فقط إيمانًا.
كان كذلك لغة اندماج.
النجاح في السياسة
وصل أشخاص من أصول فلسطينية إلى مواقع سياسية عليا في عدد من دول أمريكا اللاتينية.
وهذا وحده يكشف درجة الاندماج.
لم يعد ابن المهاجر يُرى بالضرورة شخصًا قادمًا من الخارج.
قد يصبح رئيسًا أو وزيرًا أو نائبًا أو عمدة.
لكن من الخطأ استخدام شخصيات سياسية معينة لإعطاء الجالية كلها اتجاهًا أيديولوجيًا.
أحفاد الفلسطينيين شاركوا في تيارات سياسية مختلفة، وأحيانًا متعارضة بشدة.
ما يربطهم هو الأصل.
لا البرنامج الانتخابي.
عددهم كم؟
هذا السؤال يبدو بسيطًا ولا يملك جوابًا بسيطًا.
توجد تقديرات أكاديمية ومجتمعية مختلفة لعدد ذوي الأصول الفلسطينية في أمريكا اللاتينية.
بعض الدراسات تتحدث عن مئات الآلاف، وتضع الحضور الأقوى في تشيلي وهندوراس والسلفادور، إلى جانب مجتمعات في الأرجنتين والبرازيل وبوليفيا والبيرو وكولومبيا ودول أخرى.
لكن الأرقام تختلف بشدة.
لماذا؟
لأن معظم هؤلاء مواطنون في بلدانهم منذ أجيال.
ولا تسجل التعدادات دائمًا «الأصل الفلسطيني».
والزواج المختلط يوسع التعريف.
هل نحسب من له جد فلسطيني واحد؟
وماذا عن شخص يعرف أصله لكنه لا يعرف اللغة ولا يشارك في مؤسسات الجالية؟
الإحصاء يريد حدودًا.
والشتات لا يحب الحدود الدقيقة.
لماذا تكثر الأرقام المبالغ فيها؟
لأن الجاليات تحب أن تعرف حجمها.
والإعلام يحب الأرقام الكبيرة.
فتظهر أحيانًا أرقام تتكرر من مقال إلى آخر من دون مصدر ديموغرافي واضح.
لذلك من الأفضل في الحديث عن الفلسطينيين في أمريكا اللاتينية استخدام التقديرات بحذر.
الأهم من تحديد ما إذا كان العدد ستمئة ألف أو سبعمئة ألف أو أكثر هو فهم الظاهرة:
هناك مجتمع فلسطيني الأصل واسع متعدد الأجيال، وبعض أكبر تجمعاته في العالم خارج المنطقة العربية موجود في أمريكا اللاتينية، وخصوصًا في تشيلي وأمريكا الوسطى.
هذه الحقيقة لا تحتاج إلى تضخيم.
فلسطين قبل فلسطين الحديثة
هناك سؤال مثير في الجيل الأول.
حين غادر مهاجر من بيت لحم سنة 1905، ماذا كان يكتب عن نفسه؟
فلسطيني؟
عثماني؟
عربي؟
مسيحي من بيت لحم؟
سوري؟
تغيرت التسميات مع الزمن.
كانت بلاد الشام ضمن الدولة العثمانية.
ثم جاءت الحرب العالمية الأولى.
ثم الانتداب البريطاني على فلسطين.
ثم تطورت الحركات الوطنية والحدود السياسية الجديدة.
لذلك فإن الهوية الفلسطينية في الشتات لم تصل مكتملة داخل حقيبة المهاجر الأول.
تشكلت أيضًا وهو بعيد.
يتلقى أخبار الوطن.
ويشاهد اسمه يتغير على الخرائط.
ثم يبدأ يستخدم تعريفًا لم يكن يعني الشيء نفسه يوم رحل.
الوطن الذي تغير أثناء الغياب
تخيل مهاجرًا غادر سنة 1910.
حين رحل كانت الدولة العثمانية موجودة.
بعد ثماني سنوات لم تعد موجودة.
ثم أصبحت فلسطين تحت الحكم البريطاني.
ثم تصاعد الصراع بين العرب الفلسطينيين والحركة الصهيونية والسلطات البريطانية.
ثم جاءت حرب 1948.
تغير العالم الذي تركه بالكامل تقريبًا بينما كان هو يبني متجرًا وأسرة في تشيلي أو هندوراس.
الهجرة ليست فقط أن تتغير أنت.
قد يبقى الإنسان ثابتًا نسبيًا…
ويتحول المكان الذي تركه حتى يصبح العودة إليه شيئًا مختلفًا تمامًا.
الرسالة تصبح طائرة
في الجيل الأول استغرق الخبر أسابيع.
اليوم تصل الصورة في ثانية.
يشاهد الفلسطيني في سانتياغو أو سان سلفادور أو تيغوسيغالبا أحداث بيت لحم والقدس وغزة والضفة الغربية على الهاتف في الوقت نفسه تقريبًا الذي يشاهدها فيه سكان المنطقة.
هذا غيّر طبيعة المسافة.
قد لا يتحدث الشخص العربية.
لكنه يستطيع متابعة المكان يوميًا.
ويمكنه التواصل مع أقارب بعيدين.
وزيارة سجلات العائلة.
والبحث عن القرية على الخريطة.
التكنولوجيا لم تُنهِ الشتات.
جعلته أكثر اتصالًا بالمكان الذي كان يُفترض أن الزمن سيبعده عنه.
فلسطين التي لا تنافس تشيلي
ليس من الضروري أن يسأل الشخص:
أي البلدين أحب أكثر؟
الهوية الفلسطينية التشيلية، مثلًا، ليست مسابقة بين وطنين.
تشيلي هي المكان الذي وُلد فيه الإنسان ويدرس ويعمل ويمارس حقوقه المدنية.
وفلسطين أصل عائلي وثقافي وتاريخي قد يحتفظ بأهمية عميقة.
الاثنان يمكن أن يعيشا معًا.
وهذا ربما أحد أهم إنجازات الجاليات الناجحة:
أن يتحول الأصل من علامة غربة إلى جزء معترف به من الهوية الوطنية الجديدة.
كان الجد يسمع كلمة «توركو» لأنه غريب.
وقد يصبح حفيده شخصية عامة تشيلية لا يشك أحد في تشيليتها.
المسافة بين اللحظتين هي قصة الاندماج.
هل ضاعت فلسطين إذن؟
انظر إلى الأسماء.
وإلى المؤسسات.
وإلى نادي كرة القدم.
وإلى الرحلات العائلية.
وإلى الكتب.
وإلى الطعام.
ثم اسأل السؤال بطريقة أخرى.
ما معنى أن تضيع هوية؟
إذا كان المطلوب أن يتحدث الجيل الخامس العربية نفسها التي تحدثها الجد، فقد ضاع الكثير.
إذا كان المطلوب أن يعيش بالطريقة نفسها، فهذا مستحيل.
لكن إذا كانت الهوية قدرة على معرفة الطريق الذي جاءت منه الأسرة وإعطائه معنى داخل حياة جديدة، فإن شيئًا مهمًا بقي.
لا يبقى كما كان.
وهذه نقطة ضرورية.
الثقافة التي لا تتغير ليست ثقافة حية.
إنها قطعة متحف.
المفارقة
خرج كثير من الفلسطينيين الأوائل إلى أمريكا اللاتينية قبل أن يعرف العالم الفلسطيني من صورة اللاجئ.
كانوا مهاجرين اقتصاديين في جانب كبير من قصتهم.
بعضهم توقع العودة.
ثم جاءت أحداث لم يختاروها وأعادت تعريف علاقتهم بالمكان.
بعد أجيال أصبح الحفيد أكثر استقرارًا في أمريكا من الجد الذي وصل إليها.
وفي الوقت نفسه أصبح اسم فلسطين أكثر وضوحًا في هويته مما كان في الوثائق التي حملها الجد العثمانية.
الرجل الأول دخل الميناء وسجله الموظف:
تركي.
الحفيد بعد قرن قد يقول بالإسبانية:
أنا تشيلي من أصل فلسطيني.
التاريخ صحح الورقة…
بعد أربعة أجيال.
حين عبرت بيت لحم المحيط
لا تبدأ قصة الفلسطينيين في أمريكا اللاتينية بخيمة.
تبدأ غالبًا بسفينة.
ولا تبدأ دائمًا بهروب من حرب.
بل بمهاجر يحمل حقيبة صغيرة ويحاول أن يجد رزقه في بلد لا يتحدث لغته.
وهذا ما يجعلها فصلًا مختلفًا داخل الشتات الفلسطيني.
هنا نستطيع أن نرى ماذا يحدث للهوية بعد قرن كامل من الاندماج.
تختفي بعض الأشياء.
العربية تضعف.
والأسماء تتغير.
والزواج يفتح الأسرة على أصول جديدة.
والبيت الأول يصبح صورة.
لكن أشياء أخرى تظهر بدلًا منها.
مؤسسة.
ونادٍ.
وكتاب.
وشجرة عائلة.
ورحلة إلى بيت لحم.
وطفل تشيلي يسأل أباه:
لماذا اسم فريقنا فلسطين؟
ربما لم يتخيل المهاجر الأول كل هذا.
كان يفكر في البيع غدًا.
وفي إرسال المال إلى أسرته.
وفي تعلم كلمات إسبانية تكفي ليشرح سعر القماش.
لكن التاريخ لا يسأل المهاجر عن الخطة قبل أن يبني الشتات.
جاء واحد.
ثم آخر.
ثم عائلة.
ثم حي.
ثم جالية.
ثم ولد أطفال لا يعرفون فلسطين إلا من رواية الجد.
ثم ولد أطفال لا يعرفون الجد نفسه.
ومع ذلك بقي اسم البلدة.
بيت لحم.
بيت جالا.
بيت ساحور.
وكأن المدن الصغيرة حول القدس أرسلت نسخًا من ذاكرتها إلى الطرف الآخر من الأرض.
لهذا لا تبدو قصة فلسطينيي أمريكا اللاتينية قصة شعب رفض الاندماج.
العكس تقريبًا.
لقد اندمج بدرجة عميقة.
أصبح جزءًا من الاقتصاد والسياسة والثقافة والرياضة والمجتمع.
لكن الاندماج الكامل لم يتطلب دائمًا قتل الذاكرة.
وهنا توجد قيمة التجربة.
قد يخسر المهاجر اللغة.
ويكتسب وطنًا جديدًا.
ويغير مهنته.
ويتزوج خارج جماعته.
وتصبح أحفاده أكثر معرفة بتاريخ الدولة التي استقبلته من تاريخ الدولة العثمانية التي خرج منها.
ثم، في مكان ما داخل ذلك كله، يبقى خيط صغير.
اسم.
أو طبق.
أو نادي كرة قدم.
أو صورة كنيسة المهد.
أو جملة تقول:
جد أبي جاء من بيت جالا.
وقد يكون ذلك الخيط رفيعًا جدًا.
لكنه عبر المحيط.
وبقي.
المصادر والمراجع
– Memoria Chilena — Biblioteca Nacional de Chile — La inmigración árabe a Chile, 1885–1950.
– Lorenzo Agar وNicole Saffie — Chilenos de origen árabe: la fuerza de las raíces.
– Manzar Foroohar — Palestinians in Central America: From Temporary Emigrants to a Permanent Diaspora.
– Nancie L. Solien González — Dollar, Dove, and Eagle: One Hundred Years of Palestinian Migration to Honduras.
– Cecilia Baeza — دراسات الفلسطينيين في أمريكا اللاتينية والاندماج والقومية العابرة للحدود.
– Yousef M. Aljamal وPhilipp O. Amour — Palestinian Diaspora Communities in Latin America and Palestinian Statehood.
– Tobias Boos — The Arab Diaspora in Latin America.
– Jacob Norris — دراسات بيت لحم وشبكات الهجرة العالمية في القرنين التاسع عشر والعشرين.
– Memoria Chilena — Guía Social de la Colonia Árabe en Chile.
– Club Palestino de Chile — السجل التاريخي للمؤسسة الاجتماعية الفلسطينية في تشيلي.
– Palestino Histórico — الأبحاث الوثائقية المتعلقة بتاريخ المؤسسات الرياضية الفلسطينية في تشيلي.

