رَبّة عمّون: المدينة التي غيّرت اسمها ولم تفقده

رَبّة عمّون: المدينة التي غيّرت اسمها ولم تفقده
من جبل القلعة إلى عمّان الحديثة — كيف بقي اسم مملكة العصر الحديدي داخل اسم العاصمة؟
قد يعيش الإنسان في عمّان خمسين عامًا دون أن ينتبه إلى أن اسم المدينة الذي يكتبه على عنوانه، ويراه على اللوحات، ويسمعه في نشرات الأخبار، يحمل صدى مملكة ماتت قبل أكثر من ألفي عام.
عمّان.
اسم مألوف إلى درجة أننا لا نسأله عن عمره.
لكن اصعد إلى جبل القلعة.
قف فوق المدينة الحديثة.
انظر إلى المدرج الروماني في الأسفل، وإلى البيوت التي صعدت فوق التلال.
ثم حاول، ولو للحظة، أن تمحو كل ذلك.
لا مسرح روماني.
لا قصر أموي.
لا فيلادلفيا.
لا عمارات حديثة.
قبل هذه الطبقات جميعًا كانت القمة نفسها مركز مدينة حملت اسمًا قريبًا بصورة يصعب تجاهلها من اسم العاصمة اليوم: رَبّة عمّون.
وتشير دائرة الآثار العامة الأردنية إلى أن جبل القلعة أصبح في العصر الحديدي مركز الحكم والإدارة للعمونيين، وأنهم اتخذوه عاصمةً لهم باسم ربة عمون، حيث عُثر على بقايا مرتبطة بقصر ومعبد عمونيين.
وهنا يبدأ سؤال «مملكة الزمن»:
هل نحن نسكن فوق مدينة قديمة… أم داخل اسمها أيضًا؟
قبل هرقل كان هناك ملك آخر
أغلب من يصعد جبل القلعة اليوم يتجه بعينيه أولًا إلى أعمدة معبد هرقل. وهذا مفهوم. الأعمدة ضخمة. رومانية. وتلتقطها الكاميرا بسهولة. ثم يأتي القصر الأموي بقبته وممراته.
أما عمّون القديمة فليست بهذا الوضوح البصري. جدرانها أقل استعراضًا. طبقاتها أعمق.
ولهذا يمكن للزائر أن يغادر القلعة وهو يعتقد، من دون قصد، أن تاريخ عمّان بدأ مع روما.
لكن التنقيبات تقول شيئًا آخر. فالموقع مأهول منذ عصور أقدم بكثير، وفي العصر الحديدي أصبحت القمة مركزًا سياسيًا عمونيًا ذا منشآت كبيرة، قبل أن تبني روما معبد هرقل بقرون. كما كشفت التنقيبات عن بقايا تحصينات ومبانٍ عمونية تحت الطبقات اللاحقة.
وهنا تظهر أولى مفارقات عمّان:
أكثر آثار القلعة حضورًا في العين ليست بالضرورة أقدم طبقات حكايتها.
من هم العمونيون؟
كان قلب مملكة عمّون في منطقة أعالي وأواسط وادي الزرقاء وروافده وما حول عمّان الحالية. وتصف الدراسات الأثرية المملكة خلال العصر الحديدي الثاني باعتبارها كيانًا سياسيًا له عاصمة في ربة عمون وشبكة من المواقع والحصون.
وتظهر المملكة في المصادر الآشورية الحديثة باسم قريب من بيت عمّاني — Bīt-Ammani.
عمّون.
بيت عمّاني.
عمّان.
لا ينبغي أن نحوّل هذا التشابه إلى ادعاء بأن الدولة الأردنية الحديثة هي استمرار سياسي للمملكة العمونية. ليستا الدولة نفسها. بينهما آلاف السنين من التحولات.
لكن الجغرافيا تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه الدول: تحفظ الاسم بعدما تسقط المملكة.
ملك عموني يظهر أمام الإمبراطورية الآشورية
في سنة 853 ق.م. وقعت معركة قرقر الشهيرة. وتشير دراسة منشورة ضمن أعمال دائرة الآثار الأردنية إلى ظهور ملك يدعى بعشا مرتبطًا ببيت عمون ضمن سياق التحالف الذي واجه شلمنصر الثالث، وهي من أقدم الشهادات الخارجية على المملكة العمونية في المصادر الآشورية.
لم نعد أمام «بني عمون» بوصفهم شخصيات في نص ديني فقط. أمامنا عالم السياسة الدولية في القرن التاسع قبل الميلاد.
ثمانية أسطر من تحت القلعة
في حفريات سنة 1961 على جبل القلعة عُثر في طبقة من العصر الحديدي على قطعة من الحجر الجيري تحمل ثمانية أسطر من الكتابة. أصبحت تعرف باسم: نقش قلعة عمّان — Amman Citadel Inscription.
النص ناقص. لكنه ثمين لأنه صوت مكتوب خرج من ربة عمون نفسها، وقد أصبح أحد النصوص الأساسية المستخدمة في دراسة اللغة والكتابة العمونية. ويؤرخ النقش عادة إلى أوائل القرن الثامن ق.م.، مع وجود اقتراحات أقدم قليلًا في بعض الدراسات.
تخيل الفرق. في ذيبان وجدنا ملكًا يصرخ بانتصاراته عبر أربعة وثلاثين سطرًا. وفي عمّان نجد شظايا صوت. ثمانية أسطر. حروف متآكلة.
الماضي لا يوزع أدلته بالتساوي.
ثم خرج ملك عموني من قارورة
في تل سيران، بالقرب من الجامعة الأردنية، عُثر على قارورة برونزية تحمل كتابة عمونية من ثمانية أسطر تشير إلى إنجازات ملك عموني يدعى عميناداب، ويؤرخها التقرير الأثري إلى نحو منتصف القرن السابع قبل الميلاد.
في مؤاب: ملك يتكلم من مسلة كبيرة.
وفي عمّون: ملك يخرج اسمه من قارورة برونزية صغيرة.
وكأن التاريخ يقول لنا إن حجم الوثيقة لا يساوي حجم المملكة.
ثم جاء اسم جديد
في العصر الهلنستي أعيد بناء المدينة في زمن بطليموس الثاني فيلادلفوس، وحملت اسمًا جديدًا: فيلادلفيا. ثم ازدهرت فيلادلفيا لاحقًا في العصر الروماني وأصبحت ضمن مدن الديكابوليس.
هنا يستطيع اسم أن يموت. لكن التاريخ لم يتوقف.
ثم اختفى اسم فيلادلفيا
فيلادلفيا كان اسمًا قويًا. إمبراطوريًا. بقي قرونًا. لكن المدينة التي نعيش فيها اليوم ليست اسمها فيلادلفيا. اسمها: عمّان.
الحاكم البطلمي استطاع تغيير اسم المدينة. روما استطاعت بناء مدينة كاملة فوقها. لكن الاسم الأقدم أثبت أنه أطول عمرًا من الإمبراطوريات التي حاولت استبداله.
خاتمة: المدينة التي أصبحت هي الوثيقة
فيلادلفيا تركت آثارها.
وروما تركت حجارتها.
لكن عمّون تركت شيئًا أبقى: اسم المدينة.
إذا كانت مسلة ميشع هي الحجر الذي أعاد لمؤاب صوتها، فإن عمّان نفسها هي المسلة التي تركتها عمّون.
مسلة هائلة لا توضع في متحف.
نسكن داخلها.
نعبر شوارعها.
ونكرر اسمها كل يوم.
من دون أن ندرك أن مملكةً ماتت منذ آلاف السنين… ما زالت تجيب كلما نادينا العاصمة باسمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top