جان دارك

 

جان دارك

من أورليان إلى المحرقة

في ربيع عام 1431، لم تكن جان دارك تقف أمام جيش.

لم يكن في يدها راية.

ولم تكن أسوار أورليان أمامها.

كانت سجينة في روان، جالسة أمام رجال يسألونها عن أصوات قالت إنها سمعتها، وعن الملابس التي ارتدتها، وعن إيمانها، وعن الحرب، وعن الملك الذي ساعدت قبل أقل من عامين على فتح الطريق أمام تتويجه.

وكان عمرها نحو تسعة عشر عامًا.

نعرف كثيرًا مما قيل في تلك الغرفة لسبب استثنائي:

المحاكمة كُتبت.

بقي سجل الأسئلة والأجوبة.

ولذلك لا نحتاج إلى اختراع ما شعرت به جان دارك وهي تنتظر مصيرها.

يمكننا، بعد نحو ستة قرون، أن نسمع شيئًا من صوتها كما حفظه خصومها أنفسهم.

لكن كيف وصلت فتاة ريفية من قرية صغيرة إلى مكان أصبحت فيه مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى ملكين وجيشين ومحكمة؟

هنا تبدأ الحكاية.

فرنسا التي لم تكن فرنسا واحدة

وُلدت جان نحو عام 1412 في دومريمي، خلال واحدة من أكثر مراحل حرب المئة عام اضطرابًا.

لم تكن الخريطة السياسية الفرنسية مستقرة كما تبدو لنا اليوم.

كان الإنجليز يسيطرون على مساحات واسعة، وكانت الحرب الأهلية والانقسامات الفرنسية الداخلية قد جعلت الصراع أكثر تعقيدًا من مجرد «فرنسا ضد إنجلترا».

وفي قلب الأزمة كان هناك سؤال يتعلق بشرعية الملك نفسه.

شارل، الذي سيصبح شارل السابع، لم يكن قد تُوّج بعد في رانس.

وكان الإنجليز وحلفاؤهم يملكون مشروعًا آخر للعرش الفرنسي.

وسط هذا العالم ظهرت فتاة تقول إنها مكلفة بمهمة.

قالت جان إنها تسمع أصواتًا ذات مصدر ديني، وإن هذه الأصوات دفعتها إلى مساعدة شارل وإخراج الإنجليز من أورليان وفتح الطريق أمام تتويجه.

هذه هي شهادتها.

أما ما كانت عليه تلك التجربة في حقيقتها — تجربة دينية، أو نفسية، أو غير ذلك — فليس من حق المؤرخ أن يحسمه بلا دليل.

المؤرخ يستطيع أن يثبت شيئًا آخر:

جان آمنت بما كانت تقوله، وتحركت على أساسه.

الطريق إلى أورليان

وصلت جان إلى شارل بعد رحلة بدت في حد ذاتها improbable بالنسبة إلى فتاة من طبقتها وعمرها.

وبعد سلسلة من اللقاءات والفحوص، سُمح لها بمرافقة القوة المتجهة إلى أورليان.

كانت المدينة محاصرة.

وسقوطها كان سيشكل ضربة خطيرة لمعسكر شارل.

وصلت جان في أواخر أبريل 1429.

وخلال أيام تغير الموقف العسكري.

شاركت في العمليات، وظهرت في مقدمة القوات وهي تحمل رايتها، وأصيبت أثناء القتال.

وفي الثامن من مايو رُفع الحصار عن أورليان.

تصف الأرشيفات الوطنية الفرنسية الأشهر التالية بأنها تحول سريع بصورة لافتة: من رفع حصار أورليان إلى انتصارات لاحقة ثم الطريق إلى تتويج شارل السابع في رانس خلال صيف 1429.

لكن هنا يجب الحذر من صناعة أسطورة عسكرية مقابلة للأسطورة الدينية.

جان لم تهزم الجيش الإنجليزي وحدها.

كانت هناك قوات وقادة وجنود وسياسة وإمدادات وسنوات من الحرب سبقتها وستستمر بعدها.

لكن وجودها أصبح عاملًا عسكريًا ومعنويًا وسياسيًا لا يمكن تجاهله.

وهذه ربما كانت قوتها الحقيقية.

لم تكن مجرد مقاتلة.

كانت رمزًا يتحرك بين الجنود.

الطريق إلى التاج

بعد أورليان جاءت حملة أخرى.

وفي يونيو تحقق الانتصار الفرنسي في باتاي.

ثم تحركت القوات في اتجاه رانس.

كان الهدف أكبر من احتلال مدينة.

كان الهدف صناعة شرعية.

فالملك الفرنسي التقليدي لا يكتمل رمزه السياسي إلا بالتتويج في رانس.

وفي يوليو 1429 وصل شارل إلى المدينة وتُوّج ملكًا.

كانت جان هناك.

خلال بضعة أشهر فقط، انتقلت الفتاة من قريتها إلى أحد أكثر المشاهد السياسية أهمية في فرنسا.

لكن هذه كانت الذروة.

وما يأتي بعد الذروة في قصص كثيرة لا يكون استمرارًا للصعود.

حين تغيرت الحرب

لم تنته الحرب بتتويج شارل.

وفشلت محاولات لاحقة أمام باريس.

بدأ الزخم الذي حمل جان في أشهرها الأولى يفقد سرعته.

وفي 23 مايو 1430، أثناء القتال قرب كومبيين، وقعت في الأسر لدى قوات مرتبطة بالبورغنديين.

هذه اللحظة تحولت لاحقًا إلى أرض خصبة لحكايات كثيرة:

تُركت عمدًا.

خانها الملك.

تخلى عنها الجميع.

لكن الوثائق لا تسمح لنا بتحويل أي صيغة مبسطة من هذه الصيغ إلى حقيقة ثابتة.

ما نعرفه أن جان أُسرت، ثم انتقلت في النهاية إلى أيدي الإنجليز، ونُقلت إلى روان، المدينة الواقعة تحت السيطرة الإنجليزية. وتشير المصادر الفرنسية الرسمية إلى أنها نُقلت إلى الإنجليز مقابل المال قبل بدء محاكمتها.

ومن هنا تغير نوع المعركة.

لم تعد جان تواجه رجالًا بالسيوف.

أصبحت تواجه قضاة بالأسئلة.

لماذا لم يقتلوها كأسيرة حرب؟

لأن موت جان في معركة شيء.

وموتها بعد إدانتها دينيًا شيء آخر تمامًا.

كانت قد أصبحت رمزًا مرتبطًا بشرعية شارل السابع.

إذا كانت رسالتها من الله كما تقول، فإن نجاح الملك الذي دعمته يكتسب معنى خطيرًا بالنسبة إلى خصومه.

أما إذا أمكن إثبات أنها مهرطقة أو مضللة أو أن أصواتها ليست كما تزعم، فإن الرمز نفسه يمكن ضربه.

لهذا لا يمكن فصل محاكمتها الدينية عن البيئة السياسية للحرب.

لكن من الخطأ أيضًا وصفها ببساطة بأنها مسرحية بلا إجراءات.

لدينا سجل قضائي واسع.

ولدينا قضاة ورجال دين ومجادلات فقهية وأسئلة عقائدية.

المشكلة ليست أن «لا محاكمة حدثت».

المشكلة أن المحاكمة جرت في سياق شديد الاختلال سياسيًا: أسيرة لدى الإنجليز، في مدينة يسيطرون عليها، وفي قضية كان لنتيجتها معنى سياسي واضح.

الفتاة أمام الأسئلة

بدأت الإجراءات في روان أوائل عام 1431.

سُئلت جان عن طفولتها.

وعن الأصوات.

وعن ملابس الرجال.

وعن علاقتها بالله.

وعن الملك.

وعما إذا كانت تعتقد أنها في حالة نعمة.

كانت بعض الأسئلة مصممة بحيث يمكن للإجابة الخاطئة أن تحمل آثارًا عقائدية ثقيلة.

لكن السجل يكشف أيضًا شيئًا يصعب الحصول عليه من شخصيات كثيرة عاشت في القرن الخامس عشر:

شخصيتها وهي تتكلم.

كانت ترفض أحيانًا الإجابة.

تطلب الانتقال إلى سؤال آخر.

تقول إنها أجابت من قبل.

وتفرق بين ما تعتقد أنها تستطيع كشفه وما تعتقد أنها لا تستطيع.

لا نحتاج إلى وصفها بأنها «عبقرية» أو «بسيطة» أو «مجنونة» أو «قديسة» لنشعر بقوة المشهد.

يكفي أن نعرف أنها كانت مراهقة تقريبًا تواجه مجلسًا من رجال الدين والقانون، وأن جزءًا كبيرًا من الحوار بقي مكتوبًا.

القفزة من البرج

هناك مشهد آخر لا نحتاج إلى اختراعه.

حين كانت جان محتجزة في بوفوار قبل نقلها إلى روان، قفزت من برج وحاولت الفرار.

وفي المحاكمة سألها القضاة عن السبب.

شرحت، وفق سجل المحاكمة، أنها كانت تخشى ما قد يحدث لأهل كومبيين، وأنها عرفت أنها ستُنقل إلى الإنجليز، وكانت تفضل الموت على الوقوع في أيدي أعدائها.

نجت من السقوط.

وهذه واحدة من اللحظات النادرة التي تعطينا الوثيقة فيها نافذة مباشرة نسبيًا على خوفها وقرارها.

إنها أقوى من أي مشهد يمكن أن نخترعه لها.

الملابس التي أصبحت قضية

من أكثر جوانب المحاكمة غرابة بالنسبة إلى القارئ الحديث قضية ملابس الرجال.

كانت جان ترتدي لباسًا ذكوريًا أثناء نشاطها العسكري ثم في الأسر.

لكن في القرن الخامس عشر لم تكن المسألة تفصيلًا في المظهر.

دخلت في الاتهامات الدينية والأخلاقية ضدها.

كما كانت «الأصوات» التي قالت إنها تسمعها موضع تحقيق رئيسي.

المصادر الفرنسية الرسمية تلخص المحاكمة بأنها تناولت اتهامات بالهرطقة إلى جانب ملابس الرجال وطبيعة الأصوات التي نسبت إليها توجيهها.

وهنا يجب مقاومة إغراء إعادة كتابة القرن الخامس عشر بلغتنا الحالية.

القضية لم تكن نقاشًا حديثًا حول الحرية الشخصية في اللباس.

كانت مرتبطة بفهم ديني واجتماعي مختلف جذريًا.

التراجع ثم النهاية

في مرحلة من المحاكمة وقّعت جان على تراجع أو خضوع.

وحُكم عليها بالسجن بدل الموت.

لكن بعد أيام عادت القضية إلى الواجهة.

اعتُبرت «عائدة إلى الهرطقة» بعد ما رآه القضاة رجوعًا عن تراجعها.

وفي الثلاثين من مايو 1431 اقتيدت إلى ساحة السوق القديم في روان.

هناك أُعدم الحكم.

الحرق حيّة.

كان عمرها نحو التاسعة عشرة.

لا نحتاج إلى كتابة أن جميع الرجال حولها شعروا بالعار.

لا نعرف ذلك.

ولا نحتاج إلى القول إن فرنسا كلها بكت.

لا نستطيع إثبات ذلك.

يكفي المشهد الذي نستطيع إثباته:

فتاة لم تبلغ العشرين، انتقلت خلال سنتين تقريبًا من قرية مجهولة إلى قلب حرب وعرش ومحاكمة، ثم انتهت حياتها على محرقة.

لكن القضية لم تنتهِ بالنار

بعد موت جان استمرت الحرب.

واستمر شارل السابع في الحكم.

وبعد أن استعاد روان، بدأ التحقيق في القضية القديمة.

تتابعت إجراءات مراجعة الحكم خلال السنوات التالية.

وفي عام 1456، بعد خمسة وعشرين عامًا على إعدامها، أُبطل حكم الإدانة رسميًا.

وتذكر المصادر الفرنسية أن الجلسة الرسمية لإلغاء الحكم جرت في روان في 7 يوليو 1456.

وهذه من أغرب مفارقات القصة.

المحكمة قالت شيئًا سنة 1431.

ثم جاءت عملية قضائية أخرى بعد ربع قرن لتقول إن ذلك الحكم لا يبقى قائمًا.

لم تعد جان موجودة لتسمع القرار.

والوجه الذي لا نعرفه

هناك مفارقة أخرى أصغر، لكنها شديدة الدلالة.

كل الصور الشهيرة التي نعرفها تقريبًا لجان دارك صُنعت بعد عصرها.

لا توجد لدينا صورة شخصية مؤكدة رسمها فنان وهو ينظر إليها.

أحد أقدم الرسوم المعاصرة لها رسمه كاتب في هامش سجل عام 1429، ولم يكن قد رآها بنفسه.

ولهذا تؤكد الأرشيفات الوطنية الفرنسية أن الصور المتداولة عنها تخيلية، رغم وجود ذلك الرسم المعاصر الوحيد بوصفه شاهدًا على كيفية تصورها في زمنها.

نحن نعرف كلماتها أكثر مما نعرف وجهها.

وهذا نادر.

جان دارك بعد جان دارك

لم تبقَ جان شخصية من القرن الخامس عشر.

أصبحت رمزًا.

استُخدمت دينيًا.

وقوميًا.

وملكيًا.

وجمهوريًا.

واستدعتها تيارات سياسية مختلفة في فرنسا عبر القرون بصور متعارضة.

ثم أُعلنت قديسة في الكنيسة الكاثوليكية سنة 1920. وتشير المواد الرسمية الفرنسية نفسها إلى أن الذاكرة اللاحقة لجان أصبحت ساحة تنازع بين قراءات سياسية ودينية متعددة.

لكن كل طبقة من هذه الطبقات جاءت بعد المرأة الأصلية.

بعد الأسيرة.

بعد الأسئلة.

بعد النار.

خلف السطور

ربما أسهل طريقة لقتل جان دارك مرة ثانية هي تحويلها إلى شخصية بسيطة.

قديسة بلا خوف.

أو ساحرة.

بطلة قومية كاملة.

أو ضحية بلا إرادة.

رمز ديني.

أو أداة سياسية.

لكن المرأة التي تظهر في الوثائق أصعب من ذلك.

قالت إنها تسمع أصواتًا.

دخلت عالم الحرب.

رافقت الرجال إلى القتال.

ساعدت في تحويل لحظة عسكرية وسياسية حقيقية.

أُسرت.

حاولت الفرار.

حُوكمت.

وتكلمت كثيرًا أمام قضاتها.

ثم أُحرقت.

وبعد خمسة وعشرين عامًا أُلغي الحكم الذي أرسلها إلى النار.

لهذا لا تحتاج جان دارك إلى أن نخترع لها لحظة إنسانية.

لقد ترك التاريخ واحدة بالفعل.

فتاة في زنزانة تعرف أنها قد تقع في أيدي أعدائها، وتقول لقضاتها إنها كانت تفضل الموت على ذلك.

ثم يقضي التاريخ قرونًا كاملة يتجادل حول من كانت.

بينما تبقى إجاباتها في أوراق محاكمتها.

هناك، ربما، توجد جان دارك الأقرب إلينا:

لا التمثال.

ولا الأيقونة.

ولا الأسطورة.

بل الصوت.

مصادر للاستزادة

سجلات محاكمة جان دارك في روان، 1431.

الأرشيفات الوطنية الفرنسية — ملف جان دارك والتسلسل الزمني لحملتها.

وزارة الثقافة الفرنسية — «إدانة وتمجيد جان دارك»، وفيه تفاصيل الأسر والمحاكمة وإلغاء الحكم.

وثائق محاكمة إعادة النظر التي انتهت بإلغاء حكم 1431 سنة 1456.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top