محمد علي

محمد علي 

السيف الذي شق مجرى النيل

لم تكن القاهرة في مطلع القرن التاسع عشر تبدو كمدينة تستعد لولادة دولة جديدة.

كانت السلطة فيها أشبه بقطعة أرض يتنازعها الجميع؛ مماليك فقدوا كثيرًا من قوتهم ولم يفقدوا شهيتهم، وسلطة عثمانية بعيدة، وآثار حملة فرنسية غادرت المكان وتركت خلفها سؤالًا أكبر من وجودها: ماذا يحدث حين ينهار النظام القديم، ولا يكون النظام الجديد قد وُلد بعد؟

في ذلك الفراغ ظهر رجل لم يكن يحمل تاجًا، ولا ينحدر من سلالة حاكمة.

كان ضابطًا ألبانيًا جاء إلى مصر في صفوف الجيش العثماني، لكنه امتلك شيئًا أهم من النسب:

حسًّا نادرًا بقراءة الفراغ.

فهم محمد علي أن السلطة في تلك اللحظة لن تُمنح لمن يستحقها، بل لمن يستطيع أن يجعل الآخرين يحتاجون إليه.

وبهدوء طويل، بدأ يقترب من القلعة.

لكن الوصول إلى السلطة كان أسهل من الاحتفاظ بها.

فالحاكم الجديد لم يكن يريد أن يكون مجرد والٍ آخر في سلسلة الولاة.

كان يريد أن يصنع دولة.

جيشًا جديدًا.

إدارة أكثر مركزية.

اقتصادًا يخدم مشروعه.

زراعةً تنتج أكثر.

ومصر أقوى من أن تكون مجرد ولاية بعيدة في إمبراطورية مترهلة.

وهنا بدأت الحكاية التي جعلت اسمه يعيش في الذاكرة بصورتين متناقضتين.

باني مصر الحديثة… وصاحب أحد أكثر أنظمة الحكم تعبئةً وقسوةً في عصره.

لم يكن بناء الدولة بالنسبة إليه فكرة تُكتب في الدواوين.

كان رجالًا يُجمعون من القرى.

وفلاحين يُساقون إلى التجنيد.

وأيدٍ تعمل في الترع والمشروعات.

ومحاصيل تُفرض عليها سياسات الدولة.

وأموالًا تُجمع بكفاءة لم تعرفها مصر من قبل.

كان يريد أن يحوّل الأرض إلى قوة.

والفلاح إلى جندي.

والزراعة إلى خزينة.

والخزينة إلى جيش.

والجيش إلى إمبراطورية.

وهكذا بدأ النيل نفسه يبدو كأنه جزء من مشروع سياسي هائل.

تُشق الترع.

تتوسع الرقعة الزراعية.

تتغير أنظمة الري.

وتزداد قدرة الدولة على استخراج ما تحتاج إليه من الأرض.

لكن خلف كل ذلك كان هناك إنسان.

فلاح لم يكن يرى في الترعة التي يشقها خريطةً لمستقبل الدولة، بل يومًا آخر من العمل.

وشاب لم يكن يرى في التجنيد طريقًا لبناء جيش حديث، بل سنوات تُنتزع من عمره.

وهنا تختبئ المفارقة التي تجعل تجربة محمد علي أكثر تعقيدًا من أن تُحسم بكلمة واحدة:

الدولة التي أراد أن يجعلها قوية، كانت تستمد جزءًا من قوتها من إنهاك المجتمع الذي قامت عليه.

لم يكن محمد علي مجرد حاكم يستغل الفوضى.

كان، في الوقت نفسه، رجلًا أدرك أن مصر لا تستطيع أن تبقى كما كانت.

أرسل البعثات.

أنشأ المدارس.

طوّر الجيش.

أسس الصناعات.

دعم بناء الأسطول.

وأعاد تنظيم الإدارة والاقتصاد والزراعة.

وفي سنوات قليلة، تحولت مصر من ولاية عثمانية مضطربة إلى قوة إقليمية استطاعت أن تهدد قلب الإمبراطورية نفسها.

حتى السلطان العثماني بدأ ينظر إلى الرجل في القاهرة لا باعتباره واليًا مطيعًا، بل باعتباره مشكلة ينبغي إيقافها.

وهنا تتغير زاوية الحكاية.

فالمشروع الذي بدأ من القلعة أخذ يتجاوزها.

دخل الشام.

اتجه إلى الجزيرة العربية.

ووصل الجيش المصري إلى الأناضول.

وللمرة الأولى تقريبًا، بدا أن محمد علي لا يريد فقط أن يحكم مصر.

كان يريد أن يجعل منها قاعدة لقوة أكبر من حدود الولاية.

لكن القوى الأوروبية لم تكن تنظر إلى صعوده بالبراءة نفسها.

كان رجلًا يبني جيشًا قويًا، وصناعة مستقلة، واقتصادًا مركزيًا، وأسرة حاكمة تمتلك طموحًا يتجاوز ما تسمح به التوازنات الدولية.

وفي عام 1840 جاءت الضربة.

تحركت بريطانيا والنمسا وروسيا وبروسيا والدولة العثمانية ضده، وانتهى الأمر بإجباره على التخلي عن معظم الأراضي التي انتزعها.

احتفظ بمصر، وبحكم وراثي فيها، لكن المشروع الإمبراطوري الذي خرج من القلعة انكمش فجأة إلى حدود البلاد.

واللافت أن محمد علي لم يُهزم فقط بالسيف.

لقد هُزم أيضًا بحدود العالم الذي أراد أن يغيّره.

كان يستطيع أن يبني جيشًا.

أن يحفر ترعة.

أن يفرض ضريبة.

أن يصنع مدفعًا.

لكنه لم يكن يستطيع أن يقرر وحده شكل النظام الدولي.

وهنا تظهر المرآة.

فمحمد علي لم يكن مجرد طاغية، كما أن وصفه بباني مصر الحديثة وحده لا يكفي.

كان شيئًا أكثر إزعاجًا:

كان نموذجًا لحاكم آمن بأن قوة الدولة يمكن أن تسبق رضا المجتمع عنها.

لقد استطاع أن يصنع مؤسسات حديثة، لكنه لم يصنع معها بالضرورة علاقة حديثة بين الدولة والإنسان.

كان المجتمع في مشروعه مادةً للبناء أكثر مما كان شريكًا فيه.

ولهذا ربما كانت المفارقة الكبرى أن كثيرًا من إنجازاته بقيت بعده، بينما المشروع السياسي الذي أراده لنفسه تلاشى.

الجيش بقي.

المدارس بقيت.

الترع بقيت.

الإدارة بقيت.

والدولة التي أعاد تشكيلها استمرت.

أما الإمبراطورية التي أراد أن يبنيها، فانكمشت.

كأن التاريخ أخذ من مشروعه ما كان صالحًا للبقاء، وترك جانبًا كبيرًا مما كان مرتبطًا بشخص الحاكم وطموحه.

وفي سنواته الأخيرة، كان محمد علي قد أصبح رجلًا آخر.

لم يعد ذلك الضابط الذي دخل مصر شابًا يبحث عن موطئ قدم.

كان واليًا عجوزًا، يحمل في وجهه آثار السنين، وينظر إلى بلد تغيّر بسببه أكثر مما تغيّر لأجله.

وربما لو وقف أمام النيل طويلًا، لما رأى فقط الترع التي شُقت والمزارع التي اتسعت.

ربما كان سيرى شيئًا آخر.

أيدي الذين حفروها.

أجساد الذين أُرسلوا إلى الجيش.

وجوه القرى التي دفعت ثمن الدولة الجديدة.

وعندها تصبح صورة الرجل بعمامته ولحيته البيضاء أمام الأهرامات أكثر التباسًا.

فمن الصعب أن تنظر إليه فتقول: بطل.

ومن السهل جدًا أن تقول: مستبد.

لكن التاريخ الأكثر صدقًا غالبًا لا يمنحنا هذه الراحة.

لأن محمد علي كان الاثنين، وربما كان شيئًا ثالثًا أيضًا:

رجلًا بنى دولة حقيقية، بأدوات لم تكن إنسانية بالقدر نفسه.

وهنا لا تعود المرآة تسأل:

هل كان محمد علي باني مصر الحديثة أم حاكمًا مستبدًا؟

بل تسأل سؤالًا أشد قسوة:

ماذا يحدث حين يصبح الإنسان وقودًا لمشروع تحديث يفترض أنه بُني من أجله؟

ربما كان محمد علي يريد أن يصنع دولة تستطيع أن تقف على قدميها.

وقد نجح في أشياء كثيرة.

لكن النيل، الذي شُقت من حوله الترع، بقي يجري بالطريقة نفسها.

يمر بين القرى التي دفعت ثمن البناء، وبين المدن التي استفادت منه، وبين القصور التي شهدت صعود الحاكم وانحسار حلمه.

وكأن الماء وحده لم يحتج إلى أن يعرف من كان المنتصر.

ففي النهاية، بقيت الدولة.

وبقي النيل.

وبقي السؤال الذي لم يكتبه محمد علي في دواوينه:

إذا احتاج بناء الدولة إلى سحق الإنسان كي يقف منتصبًا… فمن الذي بُنيت الدولة لأجله؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top