11 سبتمبر: اليوم الذي غيّر العالم

11 سبتمبر: اليوم الذي غيّر العالم

أربع طائرات، 102 دقيقة تقريبًا بين الاصطدام الأول وانهيار البرج الثاني، وعالم دخل صباحًا بتصور للأمن وخرج مساءً بتصور آخر.

هناك أحداث تقع داخل التاريخ.

وهناك أحداث تقسمه إلى ما قبل وما بعد.

كان صباح الثلاثاء، 11 سبتمبر 2001، يوم عمل عاديًا في الولايات المتحدة.

موظفون يصعدون إلى مكاتبهم في مركز التجارة العالمي.

مسافرون يربطون أحزمة المقاعد في أربع طائرات مدنية.

رجال إطفاء يبدأون وردياتهم.

أطفال يدخلون مدارسهم.

وفي الساعة 8:46 صباحًا اصطدمت الرحلة American Airlines 11 بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك.

في تلك اللحظة لم يكن أحد يعرف أن العالم الذي استيقظ صباح ذلك اليوم بدأ يختفي. وقد وصفت لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر تلك اللحظة لاحقًا بأنها بداية تحول أمة كاملة.

عندما تحولت الطائرة من وسيلة سفر إلى سلاح

استولى 19 عنصرًا من تنظيم القاعدة على أربع طائرات ركاب.

اصطدمت طائرتان بالبرجين الشمالي والجنوبي لمركز التجارة العالمي.

واصطدمت الثالثة بمقر وزارة الدفاع الأمريكية، البنتاغون.

أما الطائرة الرابعة، الرحلة United 93، فتحرك ركابها بعد معرفتهم بما وقع في الرحلات الأخرى وحاولوا استعادة السيطرة عليها، قبل أن تتحطم في بنسلفانيا.

قُتل في هجمات ذلك اليوم 2,977 شخصًا من أكثر من 90 دولة، دون احتساب منفذي الهجمات.

لكن الرقم، على فداحته، لا يفسر لماذا غيّر 11 سبتمبر العالم.

فالتاريخ عرف مذابح أكبر.

وعرف حروبًا قتلت الملايين.

ما جعل 11 سبتمبر مختلفًا هو أن الهجوم لم ينته عندما انهار البرجان.

كان الانهيار الحقيقي التالي سياسيًا ونفسيًا واستراتيجيًا.

انهارت معه افتراضات كانت قوى كبرى قد بنت أمنها عليها.

الدولة الأقوى اكتشفت أنها قابلة للاختراق

بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، بدت الولايات المتحدة في التسعينيات قوة تكاد لا تجد منافسًا يوازيها.

لكن صباح 11 سبتمبر كشف نوعًا مختلفًا من القوة.

لم يحتج المهاجمون إلى جيش.

ولا حاملات طائرات.

ولا صواريخ باليستية.

استخدموا البنية المدنية للدولة نفسها: طائراتها، مطاراتها، وانفتاح مجتمعها.

وهنا تغير تعريف العدو.

في الحروب التقليدية تستطيع أن ترسمه على الخريطة.

تعرف عاصمته.

تعرف جيشه.

تعرف حدوده.

أما بعد 11 سبتمبر فأصبحت القوة العظمى تخوض حربًا ضد شبكات تمتد عبر دول عديدة ولا تمتلك حدودًا يمكن قصفها مرة واحدة وإنهاء الحرب.

ومن هنا خرج التعبير الذي سيهيمن على سنوات لاحقة:

الحرب على الإرهاب.

أفغانستان: أول حرب خرجت من الركام

كانت القاعدة قد وجدت في أفغانستان تحت حكم طالبان مساحة للعمل والتدريب، ووثقت لجنة 11 سبتمبر حرية الحركة الواسعة التي تمتعت بها شبكة أسامة بن لادن هناك.

وبعد أسابيع من الهجمات بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الحرب في أفغانستان.

كان الهدف المعلن ضرب القاعدة وإزاحة البيئة التي وفرت لها الملاذ.

لكن الحرب التي بدأت كاستجابة مباشرة لهجمات 11 سبتمبر ستستمر نحو عشرين عامًا.

وهذه واحدة من مفارقات ذلك اليوم:

عملية احتاج تنفيذها إلى ساعات دفعت دولًا إلى حروب استمرت عقودًا.

ثم جاء العراق

وهنا يجب أن يكون التاريخ دقيقًا.

حرب العراق عام 2003 أصبحت جزءًا من الحقبة السياسية التي تشكلت بعد 11 سبتمبر، لكن لا يجوز القول إن العراق نفذ هجمات 11 سبتمبر أو أن لجنة التحقيق أثبتت وجود تعاون عملياتي بين نظام صدام حسين والقاعدة في تنفيذها.

اللجنة وجدت اتصالات بين العراق والقاعدة في فترات سابقة، لكنها قالت إنها لم تجد دليلًا على أن تلك الاتصالات تطورت إلى علاقة عملياتية تعاونية، كما خلص تقييم أُعد بعد الهجمات إلى عدم وجود حجة مقنعة تثبت أن العراق خطط للهجوم أو نفذه.

هذه النقطة مهمة لأن «خلف السطور» لا يروي فقط ماذا حدث.

بل يميز أيضًا بين الحدث وما بُني سياسيًا فوق الحدث.

11 سبتمبر فتح الباب لعصر كامل.

وليس كل ما دخل من ذلك الباب كان موجودًا في الطائرات الأربع.

المطار الذي لم يعد كما كان

ربما لا يحتاج الإنسان إلى قراءة كتاب في السياسة ليدرك أثر 11 سبتمبر.

يكفي أن يسافر بالطائرة.

بعد الهجمات تغير مفهوم أمن الطيران جذريًا.

وفي 19 نوفمبر 2001 أُنشئت Transportation Security Administration — TSA بموجب قانون أمن الطيران والنقل، وأصبح التفتيش الأمني للطيران مهمة اتحادية أكثر مركزية بدل النظام السابق الذي اعتمد بدرجة كبيرة على شركات خاصة تعمل تحت قواعد الطيران المدني.

ثم جاءت محاولات هجومية أخرى في السنوات التالية لتضيف طبقات جديدة من الإجراءات: قيود السوائل، والتعامل مع الأحذية، والتصوير الأمني، وتعزيز أبواب قمرة القيادة، وتطوير فحص الأمتعة.

ولهذا فإن 11 سبتمبر ما زال حاضرًا في تفاصيل صغيرة يقوم بها ملايين الأشخاص دون التفكير في مصدرها.

حين تضع حقيبتك على جهاز الأشعة.

حين لا تستطيع الوصول إلى بوابة المغادرة من دون بطاقة سفر.

حين يغلق باب قمرة القيادة خلف الطيار.

هناك جزء من صباح 2001 ما زال يسافر معك.

الدولة الأمنية الجديدة

لم تتغير المطارات وحدها.

في 26 أكتوبر 2001 أصبح USA PATRIOT Act قانونًا، موسعًا أدوات سلطات إنفاذ القانون والتحقيق في قضايا الإرهاب. وأثار توسيع صلاحيات المراقبة والتحقيق منذ البداية نقاشًا سيستمر طويلًا حول الحد الذي يمكن للدولة أن تذهب إليه في حماية الأمن من دون أن تستهلك الحريات التي تقول إنها تحميها.

وفي مارس 2003 بدأ عمل وزارة الأمن الداخلي الأمريكية Department of Homeland Security التي جمعت 22 جهة ومكتبًا في مؤسسة وزارية واحدة.

وهكذا أنتج 11 سبتمبر سؤالًا لم يُغلق بعد:

كم من الحرية يستطيع المجتمع أن يتنازل عنها مقابل الشعور بالأمان؟

المسلم الذي أصبح مطالبًا بتفسير نفسه

لكن آثار 11 سبتمبر لم تقع على الحكومات وحدها.

بعد الهجمات واجه مسلمون وأمريكيون من أصول شرق أوسطية وغيرهم موجات من الاشتباه والتمييز والتنميط، وبقي هذا جزءًا من الإرث الاجتماعي المعقد للهجمات حتى بعد ربع قرن.

وهنا دخل إنسان عادي لم يكن يعرف بن لادن، ولم يدخل أفغانستان، ولم يحمل سلاحًا، في قلب معركة الهوية.

صار الاسم أحيانًا موضع شك.

والملامح موضع فحص.

والدين موضوع سؤال سياسي.

وهذه إحدى أخطر نتائج الإرهاب:

الإرهابي يقتل ضحاياه المباشرين مرة، لكنه قد يدفع المجتمعات الخائفة إلى معاقبة أبرياء لا علاقة لهم بجريمته لسنوات.

أسامة بن لادن لم يحتج إلى الانتصار عسكريًا

إذا كان معيار النصر هو احتلال الولايات المتحدة، فقد كان ذلك مستحيلًا أصلًا.

إذا كان المعيار إسقاط الدولة الأمريكية، فلم يحدث.

لكن الإرهاب لا يعمل بهذه المعايير.

هدفه الأكبر أن يجعل خصمه يغيّر نفسه.

أن يدفعه إلى إنفاق موارد هائلة.

أن يغير قوانينه.

أن يدخل حروبًا.

أن يخاف.

أن يشك.

وأن يعيد ترتيب أولوياته وفق جدول وضعه المهاجم.

من هذه الزاوية يصبح السؤال الأكثر إزعاجًا بعد 25 عامًا:

كم قرارًا اتخذه العالم بعد 11 سبتمبر لأنه أراده فعلًا…

وكم قرارًا اتخذه لأنه كان خائفًا؟

الذين صعدوا إلى البرجين

لكن التركيز على السياسة يستطيع بسهولة أن يمحو الإنسان.

وهذا بالضبط ما لا ينبغي أن يحدث.

كان داخل البرجين أشخاص لم يكونوا رموزًا للحضارة الغربية ولا ممثلين للسياسة الأمريكية.

كانوا موظفين.

عمال مطاعم.

حراسًا.

زوارًا.

رجال إطفاء وشرطة.

مسافرين من عشرات الجنسيات.

آباء ينتظرهم أطفال في المساء.

وأشخاصًا خرجوا لشراء القهوة ولم يعودوا.

هذا هو الوجه الذي تضيعه الخرائط عندما تحول الإنسان إلى رقم.

2,977.

الرقم صحيح.

لكنه لا يقول إن لكل واحد منهم غرفة بقيت فارغة بعد ذلك اليوم.

بعد خمسة وعشرين عامًا

غدًا، 11 سبتمبر 2026، تمر خمسة وعشرون سنة على الهجمات.

جيل كامل وُلد بعدها وأصبح بالغًا من دون أن يعرف العالم الذي سبقها.

بالنسبة إلى هذا الجيل، تفتيش المطارات أمر طبيعي.

الحرب على الإرهاب مصطلح تاريخي مألوف.

وزارة الأمن الداخلي مؤسسة موجودة منذ أن بدأ يتذكر العالم.

أما الذين عاشوا صباح 11 سبتمبر، فيعرفون أن كثيرًا من ذلك لم يكن موجودًا بالشكل الذي نعرفه اليوم.

وهذا ربما هو المقياس الحقيقي للأحداث الكبرى.

ليست فقط الأحداث التي نتذكر أين كنا عندما وقعت.

بل الأحداث التي يأتي بعدها جيل كامل فيظن أن العالم الذي صنعته كان دائمًا هكذا.

اليوم الذي لم ينتهِ

انهار البرجان.

أُعيد بناء الموقع.

قُتل أسامة بن لادن بعد قرابة عشر سنوات.

انتهت الحرب الأمريكية في أفغانستان بعد عشرين عامًا.

وتغيرت حكومات ورؤساء وتحالفات.

لكن 11 سبتمبر لم ينته تمامًا.

إنه موجود في بوابة المطار.

وفي قوانين المراقبة.

وفي أجهزة الأمن.

وفي الحروب التي اندلعت بعده.

وفي اللغة السياسية.

وفي ذاكرة الملايين.

وفي أسماء 2,977 إنسانًا ما زالت تُقرأ كل عام في مراسم إحياء الذكرى.

ولهذا قد يكون عنوان ذلك اليوم أكبر من وصف هجوم إرهابي.

11 سبتمبر: اليوم الذي غيّر العالم.

لكن السؤال الذي يستحق أن يبقى بعد آخر سطر ليس:

ماذا حدث في 11 سبتمبر؟

فنحن نعرف الوقائع.

السؤال الأصعب هو:

كم بقي من 11 سبتمبر داخل العالم الذي نعيش فيه اليوم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top