مثقفو اللجوء

مثقفو اللجوء

 حين حملوا الوطن كتابًا… فصار الكتاب وطنًا

لم يكن لديهم ما يكفي من المكان ليكتبوا فيه.

كان المكان نفسه قد أصبح سؤالًا.

بيوتٌ تُترك، قرى تتوارى خلف الطريق، ومفاتيح تُحفظ في الجيوب كأنها وعدٌ مؤجل. وفي المخيمات، حيث لم تكن الجدران دائمًا تشبه البيوت، كان هناك شيء آخر يمكن حمله.

ورقة.

قلم.

ذاكرة.

في البداية، ربما لم يكن أحد يفكر في الأمر باعتباره مقاومة للمحو. كان الشاعر يكتب لأنه لا يستطيع أن يصمت، والروائي يستعيد حكاية قريته لأنه يخشى أن تضيع تفاصيلها، والرسام يرسم شجرة الزيتون أو بابًا قديمًا لأنه يعرف شكلها جيدًا.

لكنهم كانوا يفعلون، دون أن يخططوا لذلك، شيئًا أكبر.

كانوا ينقلون البيت من مكانه.

من الأرض إلى الورق.

من الجدار إلى القصيدة.

من الطريق الذي أُغلق خلفهم إلى الحكاية التي يستطيعون فتحها متى أرادوا.

لم يعد البيت مجرد غرفة وسقف وبئر وشجرة.

صار اسمًا في قصيدة.

وصورة في لوحة.

وشخصية في رواية.

وذكرى تتناقلها الأجيال.

وهنا حدث التحول الذي قد لا يُرى بسهولة.

فالذي فقد أرضه يستطيع أن يتذكرها، لكن الذي يفقد اسمها وتفاصيلها وحكايات أهلها قد يفقد شيئًا أعمق من الأرض نفسها.

ولهذا لم تكن الكتابة بالنسبة إلى كثير من مثقفي اللجوء مجرد ترف ثقافي.

كانت طريقة أخرى للسكن.

كلما ابتعد المكان، اقتربت الحكاية.

وكلما صار الوصول إلى البيت مستحيلًا، أصبح بالإمكان العودة إليه بالكلمات.

لكن المفارقة أن الكلمات نفسها لم تكن آمنة.

فالكتاب يمكن أن يُمنع.

واللوحة يمكن أن تُهمل.

والذاكرة يمكن أن تضعف.

والأجيال الجديدة قد تولد في أماكن لم ترَ فيها القرية التي يتحدث عنها آباؤها إلا في صورة قديمة.

ولهذا لم يكن التحدي أن يكتبوا عن فلسطين مرة واحدة.

كان التحدي أن يجعلوا فلسطين قابلة لأن تُقرأ من جديد.

أن تنتقل من ذاكرة رجل عاش فيها إلى خيال طفل لم يرها.

ومن حكاية جدّ إلى سؤال حفيد.

ومن اسم قرية على لسان عجوز إلى سطر في كتاب قد يبقى بعد رحيله.

هنا يصبح المثقف شيئًا مختلفًا عن مجرد شاهد.

إنه حارس التفاصيل.

يحفظ اسم الشجرة، شكل الطريق، أسماء العائلات، رائحة المكان، لهجة أهله، وحكاية الذين غادروا ولم يعرفوا أن مغادرتهم ستكون طويلة إلى هذا الحد.

فالمحو لا يبدأ دائمًا بهدم الجدار.

أحيانًا يبدأ عندما يصبح المكان بلا أسماء.

وعندما تتحول الحكاية إلى ذكرى غامضة.

وعندما يكبر جيل يعرف أن له بيتًا، لكنه لا يعرف كيف كان يبدو.

لذلك كان الكتاب، في لحظة ما، أكثر من كتاب.

كان محاولة لإنقاذ البيت من النسيان.


لكن ثمة مفارقة أخرى أكثر قسوة.

كانوا يكتبون عن وطن فقدوه، بينما يعيشون في أوطان أخرى.

يتعلمون لغات جديدة، ويكتبون في مدن لم تكن جزءًا من طفولتهم، ويقيمون حياة كاملة بعيدًا عن البيت الأول.

ومع مرور السنوات، لم يعد السؤال:

كيف يعود البيت؟

بل صار:

كيف يبقى البيت، ونحن نبتعد عنه أكثر؟

وهنا تغيّر معنى الوطن.

لم يعد بالضرورة المكان الذي تقف عليه القدم.

قد يصبح المكان الذي تقف عليه الذاكرة.

وقد يصبح الكتاب بيتًا مؤقتًا، تدخل إليه كلما ضاقت المسافة بينك وبين الغياب.


انظر إلى المثقف في هذه الصورة.

إنه تمثال من الرخام.

وجهه متشقق.

كأن السنوات مرت فوقه لا حوله.

لكن داخل صدره بيت مضاء.

حول البيت كتب وأوراق وآلة كاتبة.

والقلم في يده.

كأن الجسد نفسه صار أرشيفًا.

كأن ما عجز عن حمله على كتفه حمله في داخله.

وهنا تكمن المفارقة.

لقد خرج الفلسطيني من البيت.

لكن البيت لم يخرج منه.

ومع كل جيل، كان ينتقل بطريقة أخرى.

مرة في قصيدة.

ومرة في رواية.

ومرة في لوحة.

ومرة في أغنية.

ومرة في كتاب.

حتى صار السؤال أكثر تعقيدًا مما يبدو:

هل يستطيع الإنسان أن يفقد وطنه إذا ظل قادرًا على إعادة روايته؟

ربما لا يعود الوطن، بعد عقود من الغياب، مجرد مكان ينتظر صاحبه.

ربما يصبح شيئًا آخر.

شيئًا يمكن أن يسكن اللغة.

وأن يعيش في الذاكرة.

وأن ينتظر قارئًا لم يولد بعد.


ولعل أغرب ما فعله الفلسطيني بالبيت أنه، عندما عجز عن حمله، حوّله إلى شيء يمكن حمله.

لم يحمل حجارة القرية.

حمل أسماءها.

لم يحمل شجرة الزيتون.

حمل صورتها.

لم يحمل مفتاح الباب وحده.

حمل الحكاية التي تشرح لمن يأتي بعده أي باب كان يفتحه ذلك المفتاح.

وهكذا، من دون أن يشعر، بدأ البيت يتغير.

لم يعد بيتًا من حجر.

صار بيتًا من معنى.

وكلما فُتح كتاب، أُضيء فيه شيء من ذلك البيت.

ربما لم يعد الطريق إليه موجودًا كما كان.

لكن الباب ظل موجودًا.

في سطر.

في قصيدة.

في لوحة.

في ذاكرة رجل عجوز.

وفي عين طفل يقرأ للمرة الأولى عن مكان لم يره قط، ومع ذلك يشعر، لسبب لا يعرفه، أنه يعرفه.

وهنا فقط نفهم ما حدث.

لم يكتب مثقفو اللجوء عن البيت لأنهم لم يستطيعوا العودة إليه.

ربما كتبوا عنه لكي لا تصبح العودة إليه مستحيلة حتى في الذاكرة.

وحين لم يعد البيت قادرًا على أن يحملهم…

صار عليهم أن يحملوه.

ثم، مع الوقت، حدث شيء لم يكن في الحسبان:

لم يعد البيت في فلسطين وحدها.

صار في الكتاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top