فرانكنشتاين
هل يولد الوحش شريرًا أم يصنعه الرفض؟
حين فتح المخلوق عينيه، لم يكن قد قتل أحدًا.
لم يكن قد انتقم من أحد.
ولم يكن يملك حتى اللغة التي سيستخدمها لاحقًا ليحكي قصته.
كان فيكتور فرانكنشتاين قد أمضى شهورًا يجمع أجزاء الجسد ويبحث عن السر الذي يستطيع به منح المادة الميتة حياة. وحين نجحت التجربة أخيرًا، لم يشعر بالنصر الذي تخيله.
نظر إلى الكائن الذي صنعه.
ثم هرب.
من هذه اللحظة تبدأ مأساة ماري شيلي الحقيقية.
ليس من السؤال الشهير: هل يستطيع الإنسان أن يصنع الحياة؟
بل من السؤال الذي يأتي بعده مباشرة:
ماذا يدين الإنسان لما يصنعه، إذا أصبح ما صنعه قادرًا على الشعور والألم والاختيار؟
الرجل الذي أراد أن يهزم الموت
صدرت «فرانكنشتاين؛ أو بروميثيوس الحديث» للمرة الأولى سنة 1818، من دون اسم ماري شيلي على الغلاف.
كانت قد بدأت العمل على القصة سنة 1816 وهي في الثامنة عشرة تقريبًا، ثم وسّعتها إلى رواية.
وفي سنة 1831 أصدرت نسخة منقحة منها.
وبين الطبعتين توجد اختلافات مهمة في اللغة وبعض جوانب بناء الشخصيات والقدر والاختيار، لذلك لا يصح التعامل مع نسخة 1831 على أنها مجرد تصحيح لغوي بسيط.
لكن قلب الحكاية بقي واحدًا:
شاب يريد الوصول إلى سر الحياة، ثم يكتشف أن القدرة على صنع شيء لا تعني القدرة على تحمل مسؤوليته.
قبل نجاح تجربته، يتحدث فيكتور عن مشروعه بلغة طموح هائل.
يتخيل نوعًا جديدًا من الكائنات ينظر إليه بوصفه مصدر وجوده.
يريد اكتشاف ما لم يكتشفه الآخرون.
ويريد اختراق الحد الذي يفصل الحياة عن الموت.
لكن الرواية تضع المفارقة في اللحظة التي يتحقق فيها النجاح.
التجربة تعمل.
العين تنفتح.
الجسد يتحرك.
ثم ينهار الحلم.
لا لأن المخلوق قتل أو هدد أحدًا.
بل لأن صورته لا تشبه الجمال الذي تخيله فيكتور أثناء صنعه.
وهنا تبدأ المشكلة الأخلاقية.
حين يهرب الخالق
يصف فيكتور مظهر المخلوق بالنفور.
ثم يتركه.
يمكن قراءة هذا التصرف بطرق متعددة.
خوف.
صدمة.
اشمئزاز.
عجز عن مواجهة نتيجة التجربة.
لكن ما نستطيع قوله من داخل الرواية بثقة هو أن فيكتور خلق كائنًا قادرًا على الإحساس ثم تخلى عنه فورًا تقريبًا.
لا يعطيه اسمًا.
ولا يعلمه.
ولا يحاول فهم احتياجاته.
ولا يسأل ماذا يعني أن يضع وعيًا جديدًا داخل العالم.
وهنا تتحول الرواية من قصة مختبر إلى قصة علاقة.
المشكلة ليست المعرفة وحدها.
المشكلة هي المسؤولية التي تأتي مع المعرفة.
يمكن للإنسان أن يسأل:
هل أستطيع فعل هذا؟
لكن ماري شيلي تدفع سؤالًا آخر أمامه:
إذا استطعت، فهل يعني ذلك أنك مستعد لما يأتي بعد نجاحك؟
المخلوق الذي تعلم من بعيد
الصورة الشعبية لفرانكنشتاين صنعت مخلوقًا ثقيل الخطوات محدود الكلام.
لكن مخلوق الرواية مختلف تمامًا.
يتعلم.
يراقب.
يقرأ.
ويصبح قادرًا على سرد تجربته ومجادلة خالقه.
بعد هروبه من عالم فيكتور، يكتشف الأشياء الأساسية وحده.
الجوع.
البرد.
النار التي تمنحه الدفء ثم تؤلمه عندما يلمسها.
الصوت.
الضوء.
ثم البشر.
لاحقًا يجد مكانًا يختبئ فيه قرب كوخ أسرة دي لاسي.
ومن خلف الجدار يبدأ تعليمه الحقيقي.
يراقب أفراد الأسرة وهم يعيشون معًا.
يراهم يقتسمون الطعام.
ويعتنون ببعضهم.
ويحزنون.
ويحبون.
وحين يكتشف فقرهم، يتوقف عن أخذ طعامهم ويساعدهم سرًا بجمع الحطب.
هذه التفاصيل أساسية لفهم الرواية.
فالمخلوق لا يظهر منذ البداية باعتباره آلة قتل.
قبل العنف، عرف التعاطف.
وقبل الانتقام، أراد الانتماء.
المعرفة التي جعلت الوحدة أشد
من خلال مراقبة الأسرة ودروس صفية، يتعلم المخلوق اللغة.
ثم يبدأ القراءة.
ويتعرف إلى التاريخ والمجتمع والعلاقات بين البشر.
لكن كل معرفة جديدة تمنحه شيئًا وتسلبه شيئًا في الوقت نفسه.
كلما فهم الأسرة، فهم أكثر أنه لا يملك أسرة.
كلما تعلم معنى الأب، أدرك أن خالقه تركه.
وكلما عرف كيف يرى البشر بعضهم بعضًا، أصبح أكثر وعيًا بالطريقة التي يرونه بها.
العلم هنا لا يعمل بوصفه خلاصًا تلقائيًا.
المعرفة تمنحه عقلًا يستطيع تفسير العالم.
لكنها تمنحه أيضًا القدرة على فهم حجم غربته عنه.
هذه إحدى أقسى مفارقات الرواية:
قبل أن يتعلم، كان وحيدًا.
وبعد أن تعلم، أصبح يعرف معنى الوحدة.
الرجل الوحيد الذي لم يستطع رؤيته
يقرر المخلوق أخيرًا التواصل مع أسرة دي لاسي.
لكنه يعرف أن مظهره قد يثير الخوف.
لذلك يختار الأب الكفيف.
يتحدث إليه.
ويستمع الرجل إليه.
للحظات، يستطيع المخلوق أن يوجد أمام إنسان من خلال صوته وحده.
ثم يعود أفراد الأسرة الآخرون.
يرون المشهد.
ويتحول اللقاء إلى فزع وعنف.
من المهم ألا نحول الأسرة هنا إلى مجموعة من الأشرار.
لقد عادوا إلى منزلهم ورأوا كائنًا غريبًا ضخمًا قرب الأب الكفيف.
خوفهم مفهوم داخل الموقف.
لكن المفارقة التي بنتها شيلي قوية:
الرجل الذي لم يرَ المخلوق استطاع أن يسمعه؛ والذين رأوا شكله حكموا قبل أن يسمعوا حكايته كاملة.
الوجه سبق الكلمات.
الرفض ليس التبرير
بعد سلسلة من التجارب القاسية يبدأ المخلوق في التحول.
ويتضمن ذلك مشهد إنقاذ فتاة من الغرق، ثم تعرضه لإطلاق النار من رجل رأى المشهد بطريقة مختلفة.
يتصاعد غضبه.
ثم يصل إلى جريمة لا يمكن إخفاؤها خلف معاناته.
يلتقي وليام، شقيق فيكتور الصغير.
ويقتله.
ثم يضع دليلًا على جوستين يؤدي إلى اتهامها بالجريمة وإعدامها.
وهنا يجب أن تكون القراءة واضحة.
النبذ يساعدنا على فهم تحول المخلوق.
لكنه لا يعفيه من المسؤولية.
وليام لم يصنعه.
وجوستين لم تتخل عنه.
حين يستخدم بريئين لمعاقبة فيكتور، ينتقل من شخص تعرض للظلم إلى شخص يصنع ظلمًا جديدًا.
ولهذا فإن اختزال الرواية في عبارة:
«المجتمع صنع الوحش»
يظلم الرواية نفسها.
الأدق هو:
المجتمع وفيكتور شاركا في خلق الظروف التي غذت غضبه، لكن المخلوق اتخذ أيضًا قرارات أخلاقية أصبح مسؤولًا عنها.
الألم يفسر الفعل.
لكنه لا يحوله تلقائيًا إلى عدالة.
آدم الذي أصبح الملاك الساقط
عندما يواجه المخلوق فيكتور، يطلب منه أولًا أن يسمع حكايته.
ويقارن نفسه بشخصيتين من «الفردوس المفقود» لميلتون.
كان ينبغي، في تصوره، أن يكون مثل آدم: مخلوقًا تحيطه عناية خالقه.
لكنه أصبح أقرب إلى الملاك الساقط: موجودًا خارج عالم السعادة الذي يراه ولا يستطيع دخوله.
ثم يقدم طلبه الكبير.
يريد رفيقة تشبهه.
يتعهد بأن يبتعدا عن البشر.
يعيشان في مكان بعيد.
ولا يعودان إلى المجتمع الذي رفضهما.
يوافق فيكتور في البداية.
ثم يبدأ بصنع الكائن الثاني.
لكنه يتوقف.
لماذا دمّر فيكتور الرفيقة؟
من السهل تحويل القرار إلى قسوة جديدة فقط.
لكن الرواية تمنح فيكتور مخاوف حقيقية.
ماذا لو رفضت الأنثى المخلوق؟
ماذا لو لم تلتزم بالوعد الذي قطعه هو نيابة عنها؟
ماذا لو تكاثر الكائنان؟
وماذا لو صنع بيده خطرًا أكبر مما صنع في المرة الأولى؟
هذه ليست أسئلة سخيفة.
وفي الوقت نفسه، تعيدنا إلى المشكلة الأصلية.
فيكتور يقرر وحده مرة أخرى.
يخلق.
ثم يهدم.
يتحكم في إمكانية وجود كائن آخر من دون أن يستطيع معرفة ما كان سيختاره ذلك الكائن لو عاش.
ويمزق الجسد الثاني أمام المخلوق.
عندها تتحول المواجهة إلى حرب مفتوحة.
ليلة الزفاف
يتوعد المخلوق فيكتور بأنه سيكون معه ليلة زفافه.
يفسر فيكتور التهديد في البداية على أنه تهديد لحياته هو.
لكنه يخطئ.
الهدف هو إليزابيث.
يقتل المخلوق هنري كلرفال.
ثم يقتل إليزابيث.
وتقود سلسلة الخسائر إلى موت والد فيكتور.
وبعد ذلك يتحول فيكتور نفسه إلى مطارد.
الرجل الذي صنع المخلوق ثم هرب منه يقضي آخر حياته وهو يطارده عبر العالم.
يتغير الدور.
الخالق يطارد مخلوقه.
والمخلوق يقود الخالق.
حتى يصل الاثنان إلى الجليد.
من هو فرانكنشتاين؟
في الرواية، فرانكنشتاين هو فيكتور.
المخلوق لا يحمل هذا الاسم.
بل لا يمنحه النص اسمًا شخصيًا أصلًا.
لكن الثقافة الشعبية بدأت مع الوقت تستخدم «فرانكنشتاين» للإشارة إلى المخلوق أيضًا.
ومن الناحية الحرفية، هذا خطأ.
لكن أدبيًا توجد فيه مفارقة مثيرة.
فكلما تقدمت الرواية، أصبح الفصل بين الرجل وما صنعه أكثر صعوبة.
ليس لأنهما متساويان في المسؤولية.
ولا لأن جرائم القاتل وتهرب الخالق شيء واحد.
بل لأن أفعال كل واحد منهما تبدأ في تشكيل الآخر.
المخلوق يحمل نتيجة قرار فيكتور في جسده.
وفيكتور يحمل نتيجة أفعال المخلوق في بقية حياته.
إنهما مرتبطان بعلاقة لا يستطيع أي منهما الانفصال عنها.
لماذا بلا اسم؟
الرواية لا تخبرنا بشكل قاطع لماذا لم تمنح ماري شيلي المخلوق اسمًا.
لذلك لا يجوز أن نخترع نية للمؤلفة.
لكن يمكننا قراءة غياب الاسم.
الاسم يمنح الفرد مكانًا في شبكة البشر.
ابن شخص.
صديق شخص.
فرد في أسرة أو مجتمع.
أما المخلوق فلا يدخل العالم بهذه الروابط.
له خالق.
لكن لا أب يعترف به.
له أصل.
لكن لا عائلة.
وله عقل يستطيع الكلام.
لكن الآخرين يطلقون عليه أوصافًا:
وحش.
شيطان.
مسخ.
هذه قراءة أدبية لغياب الاسم، لا حقيقة موثقة عن نية شيلي.
والفصل بين الأمرين مهم.
الموت الذي لم يُنهِ العلاقة
تنتهي المطاردة على سفينة المستكشف روبرت والتون.
يموت فيكتور.
ثم يظهر المخلوق فوق جثمانه.
وهنا تمنعنا الرواية من الحصول على النهاية السهلة.
لا يحتفل.
ولا يعلن انتصاره.
يعترف بالجرائم التي ارتكبها وبالعذاب الذي خلفه.
ويظهر ندمًا وكراهية لذاته.
الألم الذي عاشه لم يمنحه السعادة عندما نقل الألم إلى الآخرين.
الانتقام لم يعطه الأسرة التي أرادها.
ولم يجعل العالم يقبله.
ولم يعد به إلى الكائن الذي كان يراقب أسرة دي لاسي ويتمنى فقط أن يجلس بينها.
لقد نجح في إيذاء فيكتور.
لكنه دمر نفسه أيضًا.
ثم يعلن عزمه على إنهاء حياته وإحراق جسده حتى لا يبقى منه ما يسمح بتكرار التجربة.
ويختفي فوق الجليد.
لا تعطينا الرواية بعد ذلك شهادة مستقلة تؤكد موته.
تتركه يبتعد.
هل يولد الوحش شريرًا؟
الرواية لا تقدم تجربة علمية تجيب عن هذا السؤال.
ولا يمكن اختزالها في نظرية نفسية واحدة.
لكنها تمنحنا تسلسلًا واضحًا.
المخلوق لا يبدأ بالقتل.
يتعلم.
يراقب الرحمة.
يمارس بعض الأفعال الرحيمة.
يبحث عن القبول.
ثم يتعرض للرفض والعنف.
ويبدأ الغضب.
ثم يأتي القرار.
ثم الجريمة.
وهذا التسلسل يجعل الرفض عنصرًا مهمًا في تحوله.
لكنه لا يجعله السبب الوحيد.
لأن الرواية تمنحه، بعد تعلمه اللغة والأخلاق، قدرة على الاختيار.
ويختار أحيانًا أن يؤذي من لم يؤذه.
لذلك لا يوجد في «فرانكنشتاين» وحش واحد سهل التعريف.
هناك خالق هرب من مسؤوليته.
ومخلوق تعرض للرفض ثم جعل جرحه مبررًا لجرح الآخرين.
وهناك أبرياء دفعوا الثمن بينهما.
السؤال الذي تجاوز المختبر
حين صدرت الرواية في القرن التاسع عشر، لم يكن العالم يعرف الهندسة الوراثية أو الذكاء الاصطناعي أو الأعضاء المصنّعة أو كثيرًا من التقنيات التي نناقشها اليوم.
ولا ينبغي تحميل ماري شيلي نبوءات لم تكتبها.
لكن السؤال الأخلاقي الذي وضعته الرواية بقي صالحًا بصورة مدهشة:
هل تنتهي مسؤولية الإنسان عند نجاح الاختراع؟
إذا صنعنا شيئًا قادرًا على التأثير في العالم، فهل يكفي أن نقول إن المهمة التقنية نجحت؟
وماذا عن النتائج؟
ومن يتحملها؟
ومن يرعى ما أُطلق؟
هذه ليست إجابات أعطتها ماري شيلي لعصرنا.
إنها أسئلة تستطيع روايتها أن تساعدنا على طرحها.
وهذا فرق مهم.
خلف السطور
ربما تكون أشهر صورة لفرانكنشتاين هي لحظة الخلق.
المختبر.
الجسد.
الضوء.
العين التي تنفتح.
لكن الرواية تصبح أكثر إزعاجًا إذا نقلنا تركيزنا إلى اللحظة التالية.
العين فتحت.
ثم ماذا؟
هنا يبدأ الفشل.
ليس لأن المخلوق كان شريرًا منذ ولادته.
وليس لأن فيكتور كان شريرًا خالصًا.
بل لأن القدرة سبقت المسؤولية.
ثم جاء الرفض.
ثم جاء الألم.
ثم تحوّل الألم إلى انتقام.
وفي كل مرحلة كان هناك قرار آخر يمكن اتخاذه.
لهذا لا تقول لنا «فرانكنشتاين» ببساطة إن المجتمع يصنع الوحوش.
ولا تقول إن الشر يولد كاملًا في داخل صاحبه.
تقول شيئًا أصعب:
نحن نؤثر في ما يصبح عليه الآخرون.
لكن تأثير الآخرين فينا لا يلغي مسؤوليتنا عما نختاره بعد ذلك.
في الليلة الأولى، مدّ المخلوق يده نحو الرجل الذي صنعه.
هرب فيكتور.
وفي النهاية، وقف المخلوق فوق جثة خالقه.
لم يبقَ أحد منهما قادرًا على إصلاح البداية.
ربما لهذا تستمر الرواية بعد أكثر من قرنين.
لأن السؤال لم يكن يومًا:
هل نستطيع صنع الحياة؟
بل:
ماذا سنفعل إذا نجحنا؟
تنبيه منهجي
هذا المقال قراءة أدبية وأخلاقية للرواية. الأحداث والشخصيات مأخوذة من نص ماري شيلي، أما تفسير الرفض والمسؤولية وغياب الاسم والعلاقة بين الخالق والمخلوق فهو تأويل معلن، وليس ادعاءً بأن الرواية لا تحتمل قراءات أخرى.
المصادر والمراجع
- ماري شيلي — «فرانكنشتاين؛ أو بروميثيوس الحديث»، طبعة 1818.
- ماري شيلي — النسخة المنقحة، 1831.
- Romantic Circles — النصان المحققان لطبعتَي 1818 و1831 ودراسة الفروق بينهما.
- Shelley-Godwin Archive — مخطوطات الرواية وتاريخ تكوينها.
- University of Oxford — مواد قراءة حول «فرانكنشتاين» ولحظة خلق المخلوق.

