برديات هيركولانيوم: المكتبة التي أحرقها البركان وحفظها
سلسلة: المخطوطات التي خرجت من الظلام
في عام 79 للميلاد، لم يكن أحد في مدينة هيركولانيوم يفكر في إنقاذ الكتب.
كان جبل فيزوف قد انفجر.
اندفعت المواد البركانية الحارّة نحو المدينة، ومات الناس، واختفت البيوت والشوارع تحت طبقات هائلة من الرماد والمواد البركانية.
وفي إحدى الفيلات الفخمة قرب البحر كانت هناك مكتبة.
وصلت إليها الحرارة.
احترقت لفائف البردي.
اسودّت.
وتفحّمت.
كان يفترض أن تكون تلك نهاية القصة.
لكن بعد نحو ألفي عام اكتشف البشر مفارقة تكاد تبدو مستحيلة:
النار التي جعلت الكتب غير قابلة للقراءة… هي نفسها التي ساعدت على بقائها.
وهكذا تبدأ قصة أغرب مكتبة وصلتنا من العالم اليوناني الروماني.
قصة الكتب التي نجت لأنها احترقت.
مدينة اختفت في يوم واحد
عندما نتذكر ثوران فيزوف، نتذكر غالبًا بومبي.
لكن على الجانب الآخر من البركان كانت هيركولانيوم.
المدينة لم تُغطَّ فقط بالرماد؛ اجتاحتها تدفقات بركانية شديدة الحرارة، ثم دُفنت تحت طبقات كثيفة عزلت كثيرًا مما بقي فيها عن الهواء.
وفي مكان أصبح يعرف لاحقًا باسم فيلا البرديات، حدث شيء استثنائي.
تعرضت لفائف البردي لحرارة كافية لتفحيمها، لكنها لم تتحول كلها إلى رماد. ثم بقيت محاطة ببيئة ساعدت على حمايتها من التحلل الذي قضى على معظم الكتب القديمة الأخرى. ولهذا تعد المجموعة أكبر مكتبة باقية من العالم اليوناني الروماني عُثر عليها حتى الآن.
اختفت الفيلا.
اختفت المدينة.
لكن الكتب انتظرت في الظلام.
بعد سبعة عشر قرنًا… ظهرت لفائف سوداء
في القرن الثامن عشر بدأت أعمال التنقيب في هيركولانيوم.
كان الباحثون يعملون عبر أنفاق محفورة وسط المواد البركانية الصلبة، وفي خمسينيات ذلك القرن وصلوا إلى فيلا ضخمة.
وجدوا تماثيل.
ولوحات.
وأرضيات فخمة.
ثم ظهرت أشياء سوداء غريبة تشبه قطع الفحم.
كانت لفائف بردي.
بين عامي 1752 و1754 وحدهما عُثر على نحو 1800 قطعة ولفافة متفحمة، يُعتقد أنها تمثل قرابة 800 كتاب أصلي.
وهنا ظهرت المشكلة.
لقد عُثر على المكتبة.
لكن العثور عليها لم يكن يعني القدرة على قراءتها.
الكتاب الذي يموت عندما تفتحه
تخيل لفافة من الورق ظلت مضغوطة ومحترقة ألفي عام.
إذا حاولت فتحها بيدك، فإنها قد تتفتت.
وهذا بالفعل ما حدث لبعض البرديات.
في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر جرت محاولات عديدة لفتح اللفائف، وبعض الأساليب أدت إلى تلف أجزاء منها. كان الباحث يواجه خيارًا قاسيًا:
إما أن يترك الكتاب مغلقًا فلا يعرف ما بداخله، أو يحاول فتحه فيخاطر بتدميره.
ثم ابتُكرت وسائل ميكانيكية أكثر حذرًا استطاعت فتح بعض اللفائف تدريجيًا.
وبدأت الكلمات تظهر.
كانت يونانية في معظمها.
وكان اسم واحد يتكرر كثيرًا:
فيلوديموس.
رجل من جدارا داخل مكتبة رومانية
وهنا تدخل قصتنا إلى منطقتنا بطريقة جميلة.
فيلوديموس، الفيلسوف والشاعر الأبيقوري الذي تمثل أعماله نسبة كبيرة من النصوص التي عُرفت من المكتبة، جاء أصلًا من جدارا القديمة.
أي من المنطقة المعروفة اليوم بـأم قيس في الأردن.
انتقل إلى العالم الروماني، وأصبح مرتبطًا بدوائر ثقافية ثرية هناك.
ويرجح الباحثون أن فيلا البرديات كانت مرتبطة بأسرة بيزو الرومانية، التي كانت من رعاة فيلوديموس.
وهكذا فإن مكتبة دُفنت قرب خليج نابولي تحمل داخلها صوت رجل بدأ حياته على الطرف الآخر من البحر المتوسط.
لم تكن الحضارات القديمة جزرًا منفصلة كما تبدو أحيانًا في كتب المدرسة.
الأفكار كانت تسافر.
والفلاسفة كانوا يسافرون.
والكتب كانت تسافر معهم.
لكن مئات اللفائف بقيت مغلقة
ما تمكّن الباحثون من فتحه لم يكن كل شيء.
بقيت مئات اللفائف متفحمة ومغلقة.
ومع تقدم علم الآثار ظهر موقف مختلف:
ربما يجب أن نتوقف عن فتحها.
فاللفافة التي لا نستطيع قراءتها اليوم قد نستطيع قراءتها غدًا بتقنية أفضل.
أما إذا دمرناها اليوم، فلن يكون هناك غد.
وبحلول نهاية القرن العشرين، توقفت تقريبًا محاولات الفتح الفيزيائي للبرديات المغلقة. ويشير برنت سيلز إلى أن أكثر من 400 لفافة كانت لا تزال غير مفتوحة عندما أُوقفت هذه المحاولات.
لأكثر من ألفي سنة كان الكتاب مغلقًا.
والآن أصبح السؤال:
هل نستطيع فتحه من دون أن نفتحه؟
هنا دخلت الأشعة
بدأ عالم الحاسوب برنت سيلز وفريقه في جامعة كنتاكي تطوير فكرة أطلق عليها:
Virtual Unwrapping — الفتح الافتراضي.
الفكرة تبدو كأنها من الخيال العلمي.
لا تلمس اللفافة.
لا تفك طبقاتها.
بدل ذلك، تُفحص باستخدام تصوير بالأشعة السينية عالي الدقة، فتُبنى صورة ثلاثية الأبعاد لما يوجد داخلها.
ثم تحاول الخوارزميات تحديد طبقات البردي الملتفة فوق بعضها.
وبعد ذلك تفردها رقميًا.
طبقة بعد طبقة.
إلى أن يصبح السطح الذي ما زال ملفوفًا داخل القطعة المتفحمة أشبه بصفحة مسطحة على شاشة الكمبيوتر.
لكن بقيت مشكلة هائلة.
الحبر نفسه يحتوي على الكربون.
والبردي المتفحم يحتوي على الكربون.
فكيف تميّز الأشعة بين كتابة سوداء وورقة أصبحت سوداء أيضًا؟
وهنا دخل الذكاء الاصطناعي.
من يقرأ الرماد؟
عام 2023 أُطلقت Vesuvius Challenge.
لم يعد الأمر مشروع مختبر صغير فقط.
وُضعت بيانات المسح أمام باحثين ومبرمجين من أنحاء العالم، وعُرضت جوائز لمن يستطيع اكتشاف الحبر وقراءة النص داخل اللفائف المغلقة.
بدأ المتنافسون في تدريب نماذج تعلم آلي على الاختلافات الدقيقة جدًا في البنية التي تركها الحبر على سطح البردي.
ثم حدث الاختراق.
في أكتوبر 2023 استطاع لوك فاريتور قراءة أول كلمة واضحة من داخل إحدى اللفائف التي لم تُفتح.
كانت الكلمة اليونانية مرتبطة بمعنى الأرجوان.
كلمة واحدة فقط.
لكن قيمتها لم تكن في معناها.
كانت قيمتها في مكانها.
لقد قرأها الإنسان من داخل كتاب مغلق منذ ألفي عام.
خمسة عشر عمودًا تخرج من الفحم
بعد أشهر جاء الإنجاز الأكبر.
فاز فريق ضم يوسف نادر ولوك فاريتور وجوليان شيليغر بالجائزة الكبرى الأولى بعد استعادة أجزاء واسعة من النص من داخل إحدى اللفائف.
استُخرجت نحو خمسة عشر عمودًا من الكتابة اليونانية من سطح لم تلمسه يد بشرية منذ ثوران فيزوف.
عند هذه اللحظة تغير السؤال.
لم يعد:
هل نستطيع قراءة برديات هيركولانيوم؟
بل:
كم منها نستطيع أن نقرأ؟
وفي 2026 حدث ما كان يبدو مستحيلًا
ثم جاءت الخطوة التي تجعل قصة هيركولانيوم مختلفة اليوم عما كانت عليه قبل سنوات قليلة.
في 2026 أعلن مشروع Vesuvius Challenge أن اللفافة PHerc. 1667 أصبحت أول بردية من هيركولانيوم يجري فتحها افتراضيًا وقراءتها من البداية إلى النهاية.
لم تُفك اللفافة باليد.
لم تُشرّح.
لم يُكشط سطحها.
قُرئت وهي ما تزال في حالتها المتفحمة عبر التصوير والحوسبة والذكاء الاصطناعي.
وفي عمل حديث آخر استطاع الباحثون استخراج بيانات العنوان من لفافة مغلقة تحمل الرقم PHerc. 139، وتحديدها بأنها كتاب لفيلوديموس بعنوان «عن الآلهة»، الكتاب الثامن.
بعد ألفي سنة، لم يعد الفحم صامتًا.
ماذا يوجد في اللفائف التي لم نقرأها بعد؟
هذا هو السؤال الذي يجعل هيركولانيوم واحدة من أكثر القصص إثارة في عالم المخطوطات.
معظم النصوص التي جرى التعرف عليها حتى الآن ترتبط بالفلسفة الأبيقورية وفيلوديموس.
لكن الفيلا لم تُنقَّب بكاملها، ويعتقد الباحثون أن مزيدًا من البرديات قد يكون ما يزال مدفونًا فيها.
ولا أحد يعرف على وجه اليقين ما تحمله اللفائف غير المقروءة.
قد تكون نسخًا أخرى من أعمال نعرفها.
وقد تكون كتبًا لم تصلنا نسخ منها في أي مكان آخر.
وهنا يجب مقاومة الإغراء.
لا نستطيع أن نقول إن أعمالًا مفقودة بعينها لأرسطو أو سوفوكليس تنتظر داخلها؛ ذلك حلم، لا حقيقة مثبتة.
لكن مجرد احتمال ظهور نص كلاسيكي لم يقرأه أحد منذ العصور القديمة يكفي لكي تصبح كل لفافة سوداء غرفة مغلقة من التاريخ.
لماذا ضاعت معظم كتب العالم القديم؟
لدينا مشكلة يصعب الإحساس بحجمها.
حين نقرأ أفلاطون أو هوميروس أو فيرجيل، قد يبدو لنا أن الأدب القديم وصلنا.
لكنه لم يصل.
الذي وصل هو جزء صغير مما كُتب.
البردي مادة قابلة للتحلل.
الحرائق تأكل المكتبات.
الرطوبة تقتل الكتب.
الحروب تبدد المجموعات.
والنصوص التي لم تُنسخ مرارًا اختفت في النهاية.
أما في هيركولانيوم، فقد حدث العكس.
الكارثة جاءت بسرعة شديدة إلى درجة أنها أوقفت الزمن.
البركان الذي أصبح أمين مكتبة
هذه هي المفارقة التي تجعل برديات هيركولانيوم أكبر من قصة أثرية.
فيزوف لم يكن يعرف ماذا يفعل.
لم «يحفظ» مكتبة بقصد.
لقد قتل مدينة.
ودمر بيوتًا.
وأحرق الكتب.
لكن الحرارة فحّمت البردي، ثم أغلق الرماد والمواد البركانية المكان بعيدًا عن الظروف التي كانت ستدمره بالتدريج.
لولا البركان ربما كانت المكتبة ستختفي مثل آلاف المكتبات القديمة الأخرى.
ولولا البركان لما احترقت.
إنها موجودة اليوم بسبب الكارثة نفسها التي كادت تمحوها.
خلف السطور
هناك لحظة مذهلة في هذه القصة.
شخص ما في القرن الأول قبل الميلاد أو الأول للميلاد أمسك لفافة.
فتحها.
قرأ الكلمات.
ثم أعاد لفها.
ربما وضعها على رف.
ثم جاء فيزوف.
ومنذ ذلك اليوم لم ير أحد الصفحة مرة أخرى.
حتى جاء إنسان بعد قرابة ألفي سنة، ولم يدخل الغرفة، ولم يلمس الورقة، ولم يفتح الكتاب.
أرسل الأشعة خلاله.
ثم جعل آلة تبحث داخل الظلام عن أثر الحبر.
والكلمات عادت.
لهذا فالقصة ليست عن الذكاء الاصطناعي وحده.
وليست عن الآثار وحدها.
إنها عن مسافة غريبة جدًا بين إنسانين:
كاتب وضع الحبر على البردي قبل ألفي عام، وقارئ يرى ذلك الحبر لأول مرة على شاشة حاسوب.
بينهما بركان.
وإمبراطوريات قامت وسقطت.
وأديان.
وحروب.
ولغات تغيرت.
ومدن اختفت.
لكن الخط بقي.
السؤال الأخير
حين انفجر فيزوف، بدا أن المكتبة ماتت.
وحين عُثر عليها بعد سبعة عشر قرنًا، بدا أنها نجت لكنها أصبحت غير قابلة للقراءة.
وحين ظهرت الأشعة والذكاء الاصطناعي، تغير معنى كلمة «مغلق».
ربما لم تعد هناك حاجة إلى فتح الكتاب كي نقرأه.
وهنا تترك لنا برديات هيركولانيوم سؤالها:
كم كتابًا مفقودًا لا يزال موجودًا أمامنا… لكننا لم نخترع بعد الطريقة التي تسمح له بالكلام؟
برديات هيركولانيوم لم تنتصر على البركان.
البركان نفسه هو الذي حملها إلينا.
وهذا تحديدًا ما يجعلها الحلقة الخامسة المثالية من «المخطوطات التي خرجت من الظلام»: بعد المخطوطات التي حفظها الكهف والجدار والجنيزة، نصل إلى حالة أكثر غرابة — المعرفة التي حفظتها النار.

