صلاح الدين الأيوبي
صلاح الدين الأيوبي — الرجل الذي استعاد القدس وبنى سلطته بين الحرب والسياسة
في صباح 4 يوليو 1187 لم تكن القدس محاصرة.
لم تكن أسوارها تتعرض للضرب.
ولم يكن صلاح الدين واقفًا أمام أبوابها.
كانت المعركة تجري بعيدًا عنها، قرب بحيرة طبريا.
لكن مصير المدينة كان يُحسم هناك.
جيش مملكة القدس الصليبية خرج من مواقعه قرب صفورية وسار في حر الصيف بحثًا عن جيش صلاح الدين.
الماء بعيد.
والفرسان مرهقون.
والقوات الإسلامية تضغط من حولهم.
وعند تلال حطين تحول الجيش الذي كان يحمي المملكة إلى قوة محاصرة وعطشى.
انتهت المعركة بكارثة.
أُسر الملك غي دي لوزينيان.
وسقط عدد كبير من الفرسان.
وأُخذت relic الصليب التي كان الصليبيون يحملونها معهم إلى المعركة.
وبعد أقل من ثلاثة أشهر ستفتح القدس أبوابها لصلاح الدين.
لهذا بقي اسمه مرتبطًا بالمدينة أكثر من أي معركة أخرى.
لكن الرجل الذي استعاد القدس لم يبدأ حياته ملكًا.
ولم يرث دولة جاهزة.
ولم يكن طريقه إلى حطين سلسلة انتصارات بلا انقطاع.
قبل أن يواجه الصليبيين كان عليه أن يحكم مصر.
وقبل أن يقود سوريا كان عليه أن ينازع ورثة الرجل الذي خدمه.
وقبل أن يوحّد جبهة واسعة تحت سلطته كان عليه أن يقنع الناس بأن حروبه من أجل القدس ليست أيضًا حروبًا من أجل صلاح الدين.
فهناك دائمًا سطران في قصة السلطة.
الشعار الذي ترفعه.
والدولة التي تبنيها تحته.
من تكريت
ولد يوسف بن أيوب، الذي سيعرف بصلاح الدين، نحو سنة 1137 أو 1138 في تكريت بالعراق.
تنتمي أسرته إلى أصول كردية، ويرتبط أصلها التاريخي بمنطقة دَوين في القوقاز.
كان أبوه نجم الدين أيوب.
وعمه أسد الدين شيركوه.
لم تكن الأسرة من سلالة ملكية تحكم إمبراطورية.
لكنها دخلت مبكرًا عالم الجيوش والإدارة.
خدم نجم الدين وشيركوه عماد الدين زنكي، ثم ابنه نور الدين محمود.
وكانت الدولة الزنكية واحدة من أهم القوى الإسلامية التي واجهت الإمارات الصليبية في القرن الثاني عشر.
نشأ صلاح الدين إذن داخل عالم لا يفصل السياسة عن الحرب.
الموصل.
وبعلبك.
ودمشق.
وقادة يتحركون باستمرار بين الولاء والمنافسة.
دمشق
قضى صلاح الدين جزءًا مهمًا من شبابه في دمشق.
وتقدم المصادر صورة لرجل لم يكن منذ البداية الفارس المتعطش إلى الحرب الذي يمكن أن تصنعه السيرة البطولية اللاحقة.
تلقى تعليمًا مناسبًا لأبناء النخبة العسكرية والإدارية.
واهتم بالدين والأدب والأنساب والفروسية.
لكننا لا نملك طفولة كاملة تسمح لنا بتحويله إلى بطل كان يعرف مصيره منذ الصغر.
حتى دخوله الكبير إلى السياسة جاء من طريق رجل آخر:
عمه شيركوه.
ومن مكان لم يكن قلب مشروعه في البداية:
مصر.
مصر التي يريدها الجميع
في منتصف القرن الثاني عشر كانت مصر تحت حكم الخلافة الفاطمية.
لكن الدولة كانت تعاني ضعفًا سياسيًا وصراعًا بين الوزراء.
وكان موقع مصر وثروتها يجعلانها هدفًا شديد الأهمية.
من الشمال الشرقي كانت مملكة القدس الصليبية تنظر إليها.
ومن سوريا كان نور الدين يعرف أن وقوعها تحت السيطرة الصليبية سيضعه بين قوتين متحالفتين.
وهكذا تحولت مصر إلى ساحة صراع بين قوى متعددة.
دخل شيركوه إليها في حملات عسكرية عدة بتكليف من نور الدين.
رافقه صلاح الدين.
ولم تكن الحملات قصة حرب واضحة بين «المسلمين» و«الصليبيين» فقط.
كان الوزير الفاطمي شاور يتحالف مرة مع طرف ثم ينقلب عليه ويستدعي طرفًا آخر.
والملك أمالريك الأول ملك القدس يدخل مصر.
وشيركوه يقاتل.
والقاهرة تراقب من سينتصر هذه المرة.
السياسة في مصر كانت أكثر تعقيدًا من شعارات الحرب الدينية.
الشاب خلف عمه
لم يكن صلاح الدين في البداية قائد المشروع.
شيركوه هو القائد.
صلاح الدين أحد رجاله.
لكن سلسلة الحملات جعلته يدخل قلب الصراع.
وفي سنة 1169 حدث التحول.
تمكن شيركوه من فرض نفسه في مصر وأصبح وزيرًا للخليفة الفاطمي العاضد.
ثم مات بعد فترة قصيرة.
ظهر السؤال:
من يخلفه؟
وقع الاختيار على صلاح الدين.
الرجل الذي دخل مصر في ظل عمه أصبح فجأة وزيرًا في واحدة من أغنى دول المنطقة.
وكان في أوائل الثلاثينات من عمره.
وزير سني لخليفة فاطمي
كان الموقف غريبًا.
صلاح الدين مرتبط بنور الدين السني في سوريا.
لكنه أصبح وزيرًا للخليفة الفاطمي الإسماعيلي في القاهرة.
كان عليه أن يحكم داخل نظام لا ينتمي إليه سياسيًا أو مذهبيًا.
بدأ تدريجيًا بإعادة تنظيم السلطة.
وضع رجال أسرته وأنصاره في مواقع مهمة.
واجه محاولات تمرد.
وعزز الجيش.
ووسع نفوذه الشخصي.
لم يكن إلغاء الدولة الفاطمية قرارًا يمكن تنفيذه في أول صباح.
الدول القديمة لا تختفي بمجرد أن يدخل وزير جديد القصر.
يجب أولًا أن يصبح الوزير أقوى من النظام الذي يعمل باسمه.
سنة 1171
في سبتمبر 1171 انتهت الخلافة الفاطمية.
توقفت الخطبة باسم الخليفة الفاطمي وذُكر الخليفة العباسي بدلًا منه.
وتوفي العاضد في الفترة نفسها.
بعد نحو قرنين من الحكم الفاطمي أصبحت مصر رسميًا مرة أخرى ضمن الشرعية العباسية السنية.
لكن الواقع السياسي كان أكثر إثارة.
صلاح الدين كان ما يزال نظريًا تابعًا لنور الدين.
وفي الوقت نفسه أصبح الحاكم الفعلي لمصر.
ومن يحكم مصر يملك مالًا ورجالًا وقاعدة قوة أكبر بكثير من مجرد منصب وزير.
بدأت العلاقة بين دمشق والقاهرة تتغير.
نور الدين وصلاح الدين
تقدم بعض الروايات العلاقة كما لو أن الرجلين كانا في طريق محتوم إلى الحرب.
والواقع أن العلاقة احتوت التعاون والتوتر معًا.
نور الدين هو صاحب السلطة التي أدخلت شيركوه وصلاح الدين إلى مصر.
وصلاح الدين ظل يعترف به رسميًا.
لكن الحاكم الموجود في القاهرة بدأ يملك جيشه وموارده ومصالحه.
طلب نور الدين منه المشاركة في عمليات عسكرية.
وظهرت لحظات بدا فيها أن صلاح الدين يتصرف باستقلال متزايد.
هل كان سيحدث صدام مباشر بينهما لو عاش نور الدين أكثر؟
لا نعرف.
في سنة 1174 مات نور الدين.
وأصبح السؤال الافتراضي بلا جواب.
أما السؤال الحقيقي فكان:
من يرث نظامه؟
طفل في دمشق
ترك نور الدين ابنًا صغيرًا هو الملك الصالح إسماعيل.
لم يكن الطفل قادرًا على السيطرة على شبكة واسعة من الأمراء والقادة.
بدأت القوى المختلفة تتحرك.
وهنا ظهر صلاح الدين.
قال إنه يتحرك لحماية إرث نور الدين وابنه وتنظيم الجبهة.
لكن دخوله دمشق جعله كذلك أهم رجل في النظام الجديد.
دخل المدينة دون مقاومة كبيرة.
ثم بدأت سنوات من الصراع مع أمراء زنكيين وغيرهم في سوريا وشمال العراق.
التاريخ الرسمي يستطيع أن يقول:
حماية الوحدة.
والخصم يستطيع أن يقول:
الاستيلاء على ميراث رجل خدمه.
والحقيقتان تلتقيان في نقطة واحدة:
صلاح الدين كان يبني دولته.
لم يوحد المسلمين في يوم واحد
واحدة من أكبر المبالغات في سيرته أن العالم الإسلامي حول القدس كان مفككًا، ثم جاء صلاح الدين فوحده سريعًا واتجه إلى الصليبيين.
استغرقت العملية سنوات.
واجه حلب.
والموصل.
وأمراء مختلفين.
ودخل في مفاوضات وحروب وتحالفات.
في سنة 1183 دخل حلب.
وفي 1186 وصل إلى ترتيب جعل الموصل تقبل تفوقه السياسي بدرجة كبيرة.
وبذلك أصبح يحكم أو يهيمن على مساحة واسعة تربط مصر بدمشق وأجزاء مهمة من سوريا والجزيرة.
استغرق بناء هذه الجبهة أكثر من عقد.
قبل أن يقاتل حطين، قضى سنوات يقاتل مسلمين آخرين أو يتفاوض معهم.
وهذه حقيقة لا تلغي مشروعه ضد الصليبيين.
لكنها تمنع تحويل حياته إلى خط مستقيم نحو القدس.
لماذا كانت مصر مهمة؟
لأن مصر كانت خزينة مشروعه.
أرض زراعية غنية.
ومدن.
وتجارة.
ونظام مالي قادر على دعم جيش كبير.
والموقع يتيح الضغط على مملكة القدس من الجنوب، بينما تأتي قوات سوريا من الشمال والشرق.
وحدة مصر وسوريا كانت حلمًا استراتيجيًا سابقًا لصلاح الدين.
نور الدين نفسه سعى لمنع الصليبيين من السيطرة على مصر لهذا السبب.
عندما أصبح صلاح الدين حاكم الاثنين، تغير ميزان القوى جذريًا.
الممالك الصليبية لم تعد تواجه أميرًا محليًا واحدًا.
أصبحت أمام قوة تستطيع الجمع بين موارد وادي النيل وسوريا.
الجهاد والسياسة
استخدم صلاح الدين خطاب الجهاد واستعادة القدس بقوة.
دعمه العلماء والوعاظ والكتاب.
وكان استرداد الأماكن المقدسة هدفًا سياسيًا ودينيًا حقيقيًا.
لكن الخطاب نفسه أدى وظيفة أخرى.
الرجل الذي استولى على مصر ثم دخل ممتلكات ورثة نور الدين احتاج إلى شرعية تتجاوز طموح أسرته.
إذا كان الهدف هو القدس، تصبح الوحدة تحت قائد واحد أكثر قابلية للدفاع عنها.
لهذا لا توجد ضرورة للاختيار بين تفسيرين:
صلاح الدين مؤمن بقضية القدس.
أو صلاح الدين رجل سياسة يستخدمها.
يمكن أن يكون الاثنان صحيحين في الوقت نفسه.
القائد يستطيع أن يؤمن بالشعار ويعرف فائدته السياسية أيضًا.
لم يكن ينتصر دائمًا
قبل حطين بعشر سنوات تلقى صلاح الدين واحدة من أكثر هزائمه وضوحًا.
في سنة 1177 دخل بقواته أراضي مملكة القدس.
واجهه الملك بلدوين الرابع، المعروف بإصابته بالجذام، قرب مونتجيسارد.
فوجئت قوات صلاح الدين وتعرضت لهزيمة كبيرة.
نجا بصعوبة وعاد إلى مصر.
هذه المعركة مهمة لأنها تزيل الصورة اللاحقة للقائد الذي لا يُهزم.
كان يرتكب الأخطاء.
ويخسر.
ويتراجع.
ثم يعود.
الفرق بين القائد الناجح والأسطورة أن الأول يتعلم من الهزيمة.
والثانية تمحوها من سيرته.
بلدوين الرابع
كان بلدوين الرابع خصمًا استثنائيًا.
مصابًا بالجذام منذ شبابه، لكنه استمر في الحكم والقيادة العسكرية سنوات.
مشكلته لم تكن الشجاعة.
كانت الخلافة.
لم يكن متوقعًا أن ينجب وريثًا.
وبدأت مملكة القدس تدخل صراعات داخلية حول من سيحكم بعده.
ستصبح هذه الانقسامات شديدة الأهمية بعد موته.
صلاح الدين كان يبني جبهة أكثر اتساعًا.
أما خصومه فكانوا يدخلون أزمة داخلية حول العرش.
الحروب الكبرى لا تحسمها السيوف وحدها.
أحيانًا يبدأ الانتصار داخل مجلس وراثة الخصم.
أرناط صاحب الكرك
برز رينو دي شاتيون، المعروف عربيًا غالبًا بأرناط، بوصفه أحد أكثر أعداء صلاح الدين إثارة للعداء.
كان سيدًا على الكرك والشوبك، في موقع يسمح له بتهديد طرق التجارة والحج.
قاد غارات جريئة، ووصل نشاطه إلى البحر الأحمر في إحدى المرات، ما أثار صدمة كبيرة.
كما ارتبط لاحقًا بالهجوم على قافلة في فترة هدنة.
بالنسبة إلى صلاح الدين، لم يكن مجرد فارس صليبي.
أصبح رمزًا للخصم الذي ينتهك العهود ويهدد طرق الحج.
وتنسب المصادر إلى صلاح الدين قسمًا بقتله إذا وقع في يده.
في حطين سيأتي ذلك اليوم.
الهدنة التي لم تصمد
كانت العلاقة بين دولة صلاح الدين ومملكة القدس تتراوح بين الحرب والهدنات.
لم يكن الطرفان في قتال مستمر كل يوم.
التجارة والمفاوضات وتبادل الأسرى كانت جزءًا من الواقع.
في الثمانينيات من القرن الثاني عشر أُبرمت هدنة.
لكن غارات أرناط على قافلة مرتبطة بالمسلمين ساهمت في تصعيد الأزمة.
طلب صلاح الدين إعادة الأسرى أو الأموال.
لم يتحقق ما يريده.
وفي سنة 1187 دخل الطرفان مرحلة المواجهة الكبرى.
لكن سبب الحرب لا ينبغي اختزاله في رجل واحد.
التوترات كانت أعمق.
وصلاح الدين كان قد بلغ مستوى من القوة يجعله قادرًا على محاولة حسم الصراع.
طبريا
في يوليو 1187 هاجم صلاح الدين طبريا.
كانت زوجة ريموند الثالث أمير طرابلس موجودة في القلعة.
اجتمع قادة مملكة القدس لاتخاذ القرار.
هل يخرج الجيش لإنقاذ طبريا؟
أم يبقى في موقعه قرب صفورية حيث الماء متوفر، ويجبر صلاح الدين على القتال في ظروف أصعب؟
كانت هناك خلافات.
وتذكر المصادر أن ريموند نفسه حذر من المسير في البداية رغم أن زوجته كانت داخل طبريا.
لكن القرار النهائي كان التحرك.
وهنا بدأ الجيش الصليبي يسير نحو حطين.
الماء
لا يمكن فهم حطين من دون الماء.
كان يوليو.
والحر شديدًا.
والجيش يتحرك عبر أرض يعرف صلاح الدين طرقها ومصادرها.
قواته تضايق المسير.
والفرسان والرماة يضغطون.
لم يصل الجيش الصليبي إلى بحيرة طبريا.
توقف قرب تلال حطين.
أشعلت القوات الإسلامية النيران في الأعشاب الجافة في بعض المناطق بحسب المصادر، وزاد الدخان والحرارة من معاناة الرجال.
كان الجيش الذي يعتمد على الشحنة المنظمة للفرسان يقاتل الآن وهو عطشان ومتعب ومحاصر.
صلاح الدين لم يهزم خصمه فقط في لحظة الاشتباك.
صنع الظروف التي دخل بها الخصم الاشتباك.
4 يوليو 1187
تفكك الجيش الصليبي تدريجيًا.
حاولت مجموعات اختراق الطوق.
ونجح بعض الرجال في الهرب، بينهم ريموند الثالث.
لكن القلب الرئيسي للجيش انهار.
أُسر الملك غي دي لوزينيان.
وأرناط.
وعدد كبير من كبار النبلاء.
وسقطت relic «الصليب الحقيقي» التي كان جيش المملكة يحملها.
كان فقدانها صدمة دينية وسياسية كبرى للصليبيين.
أما لصلاح الدين فكان النصر أكبر من معركة.
لقد دمر القوة الميدانية الأساسية لمملكة القدس.
بعد حطين أصبحت مدن كثيرة أمامه بلا جيش مركزي يستطيع إنقاذها.
كأس الماء
تنقل المصادر قصة مشهورة عن الأسرى بعد المعركة.
جلس الملك غي أمام صلاح الدين.
قُدم إليه شراب.
ثم انتقل الشراب إلى أرناط.
في تقاليد الضيافة السياسية كان منح الماء أو الطعام قد يحمل معنى الأمان.
يقال إن صلاح الدين أكد أنه لم يكن هو من قدم الشراب مباشرة لأرناط، فلا تشمل الحماية الرجل الآخر.
ثم واجه أرناط وقتله أو ضربه قبل أن يكمل الحراس قتله، بحسب اختلاف التفاصيل.
القصة تأتي من مصادر قريبة نسبيًا من الأحداث.
لكن المهم أكبر من تفاصيل الكأس.
صلاح الدين أبقى الملك غي حيًا.
وأعدم أرناط.
كان يصنع فرقًا سياسيًا بين الملك الأسير والرجل الذي اعتبره ناقضًا للعهود وعدوًا شخصيًا ودينيًا.
الوجه الآخر لحطين
صورة صلاح الدين في الذاكرة الحديثة تركز كثيرًا على التسامح.
لكن حطين يحتوي جانبًا لا يناسب الصورة الرومانسية.
بعد المعركة أُعدم عدد كبير من الأسرى من فرسان الهيكل وفرسان الإسبتارية.
تختلف الأعداد في المصادر.
لكن الإعدام الجماعي نفسه موثق.
كانت هذه التنظيمات العسكرية الدينية تُعد من أشد خصومه التزامًا واستمرارًا في الحرب.
لم يعاملهم مثل الأسرى الآخرين.
هذه الحقيقة مهمة.
صلاح الدين لم يكن مسالمًا وجد نفسه مصادفة في حرب.
كان قائدًا من القرن الثاني عشر يستخدم العنف والعقوبة والإعدام ضمن منطق عصره وحروبه.
فهم تسامحه في القدس يحتاج إلى وضعه بجانب حطين، لا بديلًا عنها.
المدن تسقط
بعد حطين تحركت قوات صلاح الدين بسرعة.
عكا.
ونابلس.
ويافا.
وبيروت.
وصيدا.
ومدن وقلاع أخرى استسلمت أو سقطت.
لم تقع كل مدينة بالطريقة نفسها.
بعضها فاوض.
وبعضها قاوم.
وبعضها تغيرت السيطرة عليه لاحقًا.
لكن الانهيار كان واسعًا.
المشكلة الأساسية لدى مملكة القدس كانت أن جيشها الرئيسي لم يعد موجودًا بالصورة التي كان عليها قبل 4 يوليو.
الجدران تستطيع تأخير الفاتح.
لكن من سيأتي لرفع الحصار؟
المدينة التي لم تسقط
كانت صور الاستثناء الأكبر.
وصل إليها كونراد من مونتفِرات، وتولى تنظيم الدفاع.
فشلت محاولات صلاح الدين في الاستيلاء عليها.
ستصبح صور لاحقًا قاعدة أساسية لاستمرار الوجود الصليبي على الساحل وللحملة المضادة.
هذه نقطة شديدة الأهمية.
بعد حطين كان يمكن أن تبدو مملكة القدس منهارة تمامًا.
لكن عدم سقوط صور أبقى باب العودة مفتوحًا.
أعظم الانتصارات تحتوي أحيانًا على مدينة واحدة لم تُحسم.
ثم تصبح تلك المدينة مشكلة بعد سنوات.
القدس
وصل صلاح الدين إلى القدس في سبتمبر 1187.
كان بداخلها لاجئون كثيرون قدموا من مناطق سقطت.
وكان باليان من إبلين من أبرز من تولوا تنظيم الدفاع.
ترتبط دخوله للمدينة أصلًا بقصة أنه حصل من صلاح الدين على إذن لزيارة أسرته بشرط ألا يقاتل، ثم طلب سكان القدس منه البقاء وقيادة الدفاع، فكاتب صلاح الدين وأُعفي من عهده أو سمح له بذلك.
التفاصيل تظهر في المصادر اللاتينية والعربية بصيغ مختلفة.
لكن باليان قاد بالفعل مفاوضات الاستسلام.
بدأ الحصار.
وبدأت آلات القتال تعمل.
ثم أدرك الطرفان أن الاستسلام المنظم قد يكون أفضل من اقتحام المدينة.
ذاكرة 1099
قبل ثمانية وثمانين عامًا دخل الصليبيون القدس سنة 1099.
ورافق الاستيلاء عليها قتل واسع للسكان المسلمين واليهود.
بقيت ذكرى الحدث قوية في الكتابات الإسلامية.
كان من السهل أن تصبح سنة 1187 لحظة انتقام.
لكن ذلك لم يحدث بالطريقة نفسها.
لم يأمر صلاح الدين بمذبحة عامة للسكان المسيحيين.
وهذه الحقيقة كانت أحد الأسس الرئيسية لسمعته اللاحقة.
لكن العبارة تحتاج إلى استكمال.
القدس لم تحصل على حرية مجانية للجميع.
الاستسلام جرى وفق نظام فدية.
ثمن الخروج
بحسب المصادر، حُددت مبالغ لفدية الرجال والنساء والأطفال.
من يستطيع الدفع يخرج حرًا.
أما العاجزون عن الفدية، فكانوا معرضين للاسترقاق وفق شروط الاستسلام وقواعد الحرب في ذلك العصر.
جُمعت أموال لفداء أعداد من الفقراء.
كما أطلق صلاح الدين وأفراد من أسرته وقادته سراح مجموعات إضافية من دون مقابل.
وبذلك خرج عدد كبير من السكان بسلام.
لكن بقي آخرون لم يستطيعوا شراء حريتهم.
لا يصح إذن أن نقول:
«حرر الجميع».
ولا:
«كرر مذبحة 1099».
الحقيقة بين الصورتين.
كان الاستيلاء على المدينة أكثر ضبطًا وأقل دموية بكثير من اقتحام 1099.
لكنه ظل انتصارًا عسكريًا في عالم يعرف الفدية والأسر والاسترقاق.
2 أكتوبر 1187
دخلت القدس تحت حكم صلاح الدين في 2 أكتوبر 1187.
أعيد المسجد الأقصى وقبة الصخرة إلى الاستخدام الإسلامي.
أزيلت بعض العلامات التي أضيفت خلال الحكم الصليبي.
لكن كنيسة القيامة لم تُهدم.
واستمر الوجود المسيحي في المدينة وفق ترتيبات جديدة.
كانت الرمزية هائلة.
المدينة التي شكل فقدانها سنة 1099 جرحًا سياسيًا ودينيًا في العالم الإسلامي عادت الآن إلى حكم مسلم.
من هذه اللحظة تجاوز صلاح الدين حدود نجاحه الشخصي.
أصبح اسمه جزءًا من ذاكرة القدس.
لماذا لم تنتهِ الحرب؟
لأن صور بقيت.
ولأن سقوط القدس نفسه جعل أوروبا تتحرك.
كانت الأخبار كارثية بالنسبة إلى العالم اللاتيني المسيحي.
دعا البابا غريغوري الثامن إلى حملة جديدة.
وهذه المرة لم يأتِ أمراء صغار فقط.
دخل كبار ملوك أوروبا في المشروع.
الإمبراطور فريدريك بربروسا.
فيليب الثاني ملك فرنسا.
وريشتارد الأول ملك إنجلترا، الذي سيعرف بقلب الأسد.
بدأت الحملة الصليبية الثالثة.
الانتصار الذي جعل صلاح الدين أشهر رجل في المنطقة استدعى ضده أقوى رد أوروبي في عصره.
الإمبراطور الذي لم يصل
قاد فريدريك بربروسا جيشًا كبيرًا عبر الأناضول.
كان وصوله الكامل إلى بلاد الشام يمكن أن يغير ميزان القوى بشدة.
لكن في سنة 1190 غرق الإمبراطور في نهر في قيليقية.
تفكك جزء كبير من قواته بعد موته.
ووصلت مجموعات أصغر إلى المشرق.
مرة أخرى يذكر التاريخ الجميع بأن خطط الإمبراطوريات يمكن أن تتغير بسبب حادث في نهر.
أما الخطر الأكبر على صلاح الدين فسيأتي عبر البحر.
عكا
بدأ حصار عكا قبل وصول ريتشارد وفيليب.
كان الملك غي، بعد إطلاق سراحه، قد جمع قوات وبدأ محاولة استعادة المدينة سنة 1189.
تحول المكان إلى حصار مزدوج غريب.
الصليبيون يحاصرون عكا.
وقوات صلاح الدين تحاصر المحاصرين أو تضغط عليهم من الخارج.
استمرت المعركة الطويلة نحو عامين.
مرض.
وجوع.
ومعارك.
ووصول تعزيزات بحرية.
ثم وصل فيليب.
ووصل ريتشارد.
وفي يوليو 1191 استسلمت الحامية الإسلامية في عكا.
كان ذلك أول انعكاس كبير لمكاسب 1187.
الأسرى
بعد استسلام عكا دخلت مفاوضات لتنفيذ شروط تتعلق بالفدية وإطلاق الأسرى وإعادة relic الصليب.
تعثرت العملية.
اتهم كل طرف الآخر بالتأخير أو عدم التنفيذ.
وفي أغسطس 1191 أمر ريتشارد بقتل آلاف من الأسرى المسلمين خارج عكا.
تختلف التقديرات الدقيقة، لكنها تدور حول بضعة آلاف.
رأى صلاح الدين القتل من بعيد ولم يستطع منعه.
الحرب التي رفعت لاحقًا في الأدب شخصيتين باعتبارهما نموذجين للفروسية احتوت أفعالًا شديدة القسوة.
لا ينبغي أن تمحو المجاملة الدبلوماسية بين القادة دم الرجال الذين لم يكونوا قادة.
أرسوف
تحرك ريتشارد جنوبًا على الساحل.
كان جيشه منظمًا.
وحافظ على قربه من البحر والأسطول.
حاول صلاح الدين إنهاكه بهجمات متكررة.
وفي 7 سبتمبر 1191 وقعت معركة أرسوف.
نجح الصليبيون في الحفاظ على تشكيلهم ثم شنوا هجومًا مضادًا قويًا.
تراجع جيش صلاح الدين.
كانت هزيمة واضحة.
لم تنه سلطته.
لكنها أثبتت أن حطين لا تتكرر متى أراد.
ظهر أمامه خصم يفهم الانضباط العسكري ويصعب دفعه إلى الخطأ نفسه الذي وقع فيه جيش مملكة القدس سنة 1187.
هل التقى صلاح الدين وريتشارد؟
هذه من أشهر الصور التي صنعتها الروايات والأفلام.
رجلان عظيمان يجلسان أمام بعضهما.
يتحدثان باحترام.
ويكتشف كل منهما شرف الآخر.
لكن لا يوجد دليل على أن صلاح الدين وريتشارد التقيا وجهًا لوجه.
كانت المفاوضات تتم عبر مبعوثين ووسطاء.
ومن أهمهم الملك العادل، شقيق صلاح الدين.
تبادلت الأطراف عروضًا ومقترحات وهدايا ومجاملات دبلوماسية.
لكن اللقاء الشخصي الذي يبدو ضروريًا للسينما لم يحدث، على الأرجح.
يمكن لرجلين أن يصنعا أسطورة مشتركة من دون أن يتصافحا.
زواج لم يحدث
وصلت المفاوضات في مرحلة إلى اقتراح مذهل.
طُرحت فكرة زواج جوان، أخت ريتشارد، من الملك العادل شقيق صلاح الدين، مع ترتيبات سياسية مرتبطة بالقدس والأراضي المتنازع عليها.
لم يتحقق المشروع.
ومن الصعب معرفة مقدار الجدية في كل مرحلة من الطرح.
لكن وجوده يكشف عالمًا مختلفًا عن صورة الحرب الدينية المطلقة.
الرجل الذي يحارب باسم الصليب يمكن أن يقترح زواج أخته من أمير مسلم إذا رأى في ذلك تسوية سياسية.
والسلطان الذي يقود الجهاد يستطيع الدخول في مفاوضات تفصيلية مع خصمه.
الدين مهم.
والسياسة لا تختفي بسببه.
لماذا لم يهاجم ريتشارد القدس؟
وصل جيش الحملة الثالثة إلى مناطق قريبة نسبيًا من القدس أكثر من مرة.
لكن ريتشارد لم يأمر بالهجوم النهائي.
لم يكن السبب أنه فقد الشجاعة.
كان هناك سؤال استراتيجي:
حتى إذا استولينا على المدينة، هل نستطيع الاحتفاظ بها؟
الماء.
والإمدادات.
والطرق.
وقوات صلاح الدين.
والوقت.
كما أن ريتشارد لديه مشكلات سياسية في أوروبا ويحتاج إلى العودة.
أصبح استرداد القدس هدفًا دينيًا هائلًا لا يضمن بالضرورة نتيجة عسكرية مستقرة.
القرار كان شديد المرارة للحملة.
لكنه يوضح الفرق بين الرمز والاستراتيجية.
يافا
في صيف 1192 تجدد القتال بقوة حول يافا.
استولى صلاح الدين على معظم المدينة في هجوم.
ثم وصل ريتشارد بحرًا بقوة صغيرة نسبيًا وقاد هجومًا مضادًا مفاجئًا واستعاد الوضع.
وقعت بعد ذلك مواجهة أخرى لم ينجح فيها صلاح الدين في تحقيق الحسم.
كان الطرفان منهكين.
لا ريتشارد يستطيع أخذ القدس بسهولة.
ولا صلاح الدين يستطيع طرد الصليبيين من الساحل.
أصبحت التسوية أكثر عقلانية من محاولة معركة أخيرة قد لا تغير المشكلة الأساسية.
صلح 1192
في سبتمبر 1192 تم التوصل إلى اتفاق يعرف عادة بصلح يافا أو الرملة.
بقيت القدس تحت حكم صلاح الدين.
وحافظ الصليبيون على شريط ساحلي من ممتلكاتهم.
وسُمح للحجاج المسيحيين بالوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس بشروط متفق عليها.
لم يحقق أي طرف كل ما يريد.
ريتشارد لم يستعد القدس.
وصلاح الدين لم يقضِ على الوجود الصليبي في بلاد الشام.
لكن الحرب توقفت.
أحيانًا يكون السلام هو اللحظة التي يعترف فيها الطرفان بأن الحقيقة العسكرية أقل جمالًا من شعاراتهما.
من انتصر في الحملة الثالثة؟
إذا كان السؤال:
هل استعاد الصليبيون القدس؟
لا.
إذا كان:
هل حافظ صلاح الدين على كل ما أخذه بعد حطين؟
أيضًا لا.
الحملة استعادت عكا ومواقع ساحلية وأمنت بقاء كيان صليبي.
صلاح الدين احتفظ بالقدس وبالكتلة الداخلية الأساسية من فتوحه.
لذلك فإن تحويل الحملة إلى انتصار كامل لطرف واحد يفقدها معناها.
كان الصراع قد وصل إلى توازن جديد.
ولا يحتاج التاريخ دائمًا إلى فائز مطلق.
صلاح الدين وريتشارد في الأسطورة
مع مرور الزمن ظهرت في أوروبا صورة لصلاح الدين تختلف عن صورة العدو الديني المعتادة.
دخل الأدب الأوروبي بوصفه حاكمًا كريمًا وشهمًا في روايات مختلفة.
وتضخمت الصورة خصوصًا في الأدب الرومانسي والحديث.
أصبح هو وريتشارد شخصيتين متقابلتين في قصص الفروسية.
لكن هذا التطور لم يكن فوريًا ولا موحدًا.
مصادر الحملات الصليبية نفسها تستطيع أن تكون شديدة العداء له.
والإعجاب اللاحق انتقى جوانب معينة من سيرته.
كما أن الكتابات الإسلامية القريبة منه صنعت بدورها صورة الحاكم المجاهد التقي.
بين الصورتين يوجد رجل تاريخي أكثر تعقيدًا.
بهاء الدين بن شداد
من أهم من كتبوا عنه القاضي بهاء الدين ابن شداد.
تعرف إلى صلاح الدين في أواخر حياته وأصبح قريبًا من بلاطه.
كتب سيرة تحتوي معلومات شديدة القيمة عن شخصيته وحروبه وأيامه الأخيرة.
لكن قربه من السلطان يعني كذلك أنه ليس مراقبًا محايدًا بالمعنى الحديث.
هو معجب به.
ويكتب عن فضائله.
وفي بلاط صلاح الدين كذلك كان العماد الأصفهاني وغيره من الكتاب الذين ساهموا في صياغة صورته السياسية.
هذا لا يجعل المصادر عديمة القيمة.
بل يجعل قراءتها أكثر ذكاءً.
كل حاكم يحتاج إلى جيش.
والحاكم الذي يريد أن يبقى في الذاكرة يحتاج كذلك إلى كاتب.
الرحمة والعنف
من أكثر الأخطاء شيوعًا محاولة اختيار صلاح الدين واحدًا من رجلين:
البطل المتسامح الكامل.
أو القائد الذي لا يختلف عن بقية أمراء الحرب.
كلا التبسيطين ضعيف.
لدينا فعلًا مواقف موثقة للكرم والعفو.
وإطلاق الأسرى.
وحماية أجزاء من سكان القدس.
واحترام خصوم في بعض المواقف.
ولدينا كذلك إعدامات بعد حطين.
وحروب ضد منافسين مسلمين.
وحصارات.
وقمع.
وسياسة قاسية حين يرى الحاجة إليها.
لا يوجد تناقض تاريخي في ذلك.
الحاكم يستطيع أن يكون كريمًا في موقف وقاسيًا في آخر.
المشكلة تبدأ عندما نختار نصفًا واحدًا ثم نسميه الرجل كله.
هل كان «عربيًا» أم «كرديًا»؟
صلاح الدين من أسرة كردية الأصل.
وهذه حقيقة تاريخية.
لكنه عاش قبل ظهور القوميات الحديثة بصورتها الحالية بقرون.
حكم دولة عربية اللغة في جزء كبير من إدارتها وثقافتها.
وخدم في بيئات تركية وكردية وعربية وفارسية متعددة.
وضمت جيوشه رجالًا من أصول متنوعة.
لذلك تحويله إلى بطاقة قومية حديثة واستخدامه لإثبات ملكية أمة واحدة لشخصيته يضع القرن العشرين داخل القرن الثاني عشر.
هو صلاح الدين ابن عالم إسلامي وسياسي متعدد الشعوب.
أصله جزء من قصته.
ولا يحتاج إلى أن يبتلع القصة كلها.
دولة الأسرة
كان صلاح الدين يبني كذلك حكمًا عائليًا.
إخوته.
وأبناؤه.
وأبناء إخوته.
حصلوا على مدن ومناطق ومناصب.
نشأت الدولة الأيوبية بوصفها اتحادًا أو شبكة من حكم أفراد الأسرة بدرجات مختلفة من التبعية للرجل الأقوى.
هذا النظام ساعد على إدارة أراضٍ واسعة.
لكنه حمل مشكلة للمستقبل.
عندما يموت المؤسس، يصبح لكل أمير أرض وجيش وطموح.
الوحدة التي صنعها صلاح الدين لم تكن دولة مركزية حديثة تستطيع ببساطة نقل الملفات إلى خليفته.
كانت شبكة علاقات شخصية وأسرية.
وسوف يظهر ضعفها سريعًا بعد موته.
القدس لم تكن نهاية حياته
بعد 1187 عاش صلاح الدين سنوات من القتال المستمر تقريبًا.
الحملة الثالثة استنزفته ماليًا وعسكريًا.
كان عليه تعبئة القوات من مناطق مختلفة.
والحفاظ على ولاء الأمراء.
وتغطية نفقات هائلة.
لم يعد الانتصار على مملكة القدس الصغيرة هو المشكلة.
الآن أمامه ملوك أوروبا وجيوش جاءت عبر البحر.
حافظ على القدس.
لكنه دفع ثمن الحفاظ عليها.
وعندما انتهى الصراع سنة 1192، لم يبقَ له عمر طويل.
النهاية في دمشق
عاد صلاح الدين إلى دمشق.
في فبراير 1193 أصيب بالمرض.
تدهورت حالته.
وتوفي في 4 مارس 1193.
كان في منتصف الخمسينات تقريبًا.
دُفن في دمشق قرب الجامع الأموي.
تؤكد مصادر مقربة منه أنه لم يترك ثروة نقدية ضخمة قياسًا بحاكم امتلك مصر وسوريا، وربط كتاب سيرته ذلك بكرمه وكثرة إنفاقه.
لكن حتى هنا من الأفضل ألا نحول الخبر إلى حكاية قديس مات بلا شيء.
كان رأس دولة وأسرة تملك موارد وأقاليم.
ما تكشفه الرواية بصورة أكثر أمانًا هو أن صورته المعاصرة نفسها كانت مرتبطة بالإنفاق والعطاء وعدم اكتناز المال شخصيًا بالصورة التي قد نتوقعها من سلطان.
ثم بدأت الدولة تتقسم
بعد موته توزعت مناطق النفوذ بين أبنائه وأقاربه.
دخل أفراد الأسرة الأيوبية في منافسات.
وسرعان ما أصبح أخوه العادل الشخصية الأقوى القادرة على إعادة قدر من الوحدة.
هذه النهاية تكشف مرة أخرى طبيعة إنجاز صلاح الدين.
الوحدة لم تكن نتيجة اختفاء الانقسامات.
كانت تعتمد بدرجة كبيرة على مكانته وقدرته على التوفيق بين الأسرة والأمراء والجيوش.
حين اختفى الرجل، ظهرت الشقوق.
هذا لا يلغي دولته.
لكنه يوضح أن بناء التحالف أصعب من رسم حدوده على الخريطة.
هل أعاد القدس نهائيًا؟
لا.
بقيت القدس تحت الحكم الإسلامي بعد موته سنوات، لكن تاريخ القرن الثالث عشر سيشهد تحولات جديدة.
في سنة 1229 حصل الإمبراطور فريدريك الثاني على القدس ضمن اتفاق دبلوماسي مع السلطان الأيوبي الكامل.
ثم تغيرت السيطرة مجددًا لاحقًا.
إذن حطين لم تغلق تاريخ المدينة.
لا معركة تستطيع ذلك.
لكن سنة 1187 بقيت لحظة مفصلية لأنها أنهت حقبة طويلة من الحكم الصليبي المباشر للقدس بدأت سنة 1099 وأعادت ترتيب ميزان القوى في المنطقة.
صورة الخصم النبيل
ربما لا توجد شخصية من الحروب الصليبية استفادت من الذاكرة اللاحقة مثل صلاح الدين.
حتى في الثقافة الأوروبية الحديثة ظهر بوصفه الخصم الذي يمكن احترامه.
والتسامح في القدس أصبح مركز هذه الصورة.
ثم جاءت السينما والرواية التاريخية وجعلته أحيانًا أقرب إلى بطل إنساني حديث سابق لعصره.
لكن صلاح الدين لم يكن ليبراليًا حديثًا.
ولم يكن يتحدث لغة حقوق الإنسان.
كان سلطانًا مسلمًا من القرن الثاني عشر.
يؤمن بالجهاد.
وبالشرعية الدينية.
وبحقه في الحكم.
ويستخدم القوة حين يراها ضرورية.
قيمة أفعاله لا تحتاج إلى أن نجعله رجلًا من عصرنا.
يكفي أن نقارنه بعصره بعناية.
وريتشارد لم يكن نقيضه الكامل
بالطريقة نفسها، لا يصح اختزال ريتشارد قلب الأسد في صورة الفارس المتوحش المقابل لصلاح الدين الرحيم.
ريتشارد قائد عسكري بارع.
وصلاح الدين قائد وسياسي بارع.
كلاهما استخدم العنف.
وكلاهما تفاوض.
وكلاهما استطاع احترام قدرات الخصم عندما تخدم السياسة.
والحرب بينهما لم تكن مبارزة شخصية.
حول الرجلين آلاف الجنود والفلاحين والبحارة والمهندسين والسكان الذين دفعوا ثمن قرارات لم يشاركوا في صنعها.
عندما نحول التاريخ إلى قصة رجلين نبيلين، نختصر عالمًا كاملًا في صورتين.
ماذا فعل صلاح الدين فعلًا؟
جمع مصر وأجزاء واسعة من سوريا والجزيرة تحت سلطة سياسية واحدة بدرجات مختلفة.
أنهى الدولة الفاطمية في مصر.
أسس القوة الأيوبية.
كسر الجيش الرئيسي لمملكة القدس في حطين.
استعاد القدس ومعظم أراضي المملكة.
ثم واجه الحملة الصليبية الثالثة وحافظ على المدينة، رغم خسارته جزءًا مهمًا من الساحل.
هذه إنجازات كافية.
لا يحتاج إلى أن يكون معصومًا.
ولا إلى أن ينتصر في كل معركة.
ولا إلى أن يُنسب إليه كل ما فعله المسلمون في عصره.
التاريخ يصبح أقوى عندما لا نضطر إلى تحسينه.
المفارقة
قضى صلاح الدين الجزء الأكبر من صعوده السياسي في توحيد مناطق يحكمها مسلمون.
لكن اللحظة التي جعلت اسمه خالدًا جاءت عندما هزم جيشًا صليبيًا في يوم واحد.
سنوات من الدبلوماسية والحروب الأسرية وإدارة مصر والصراع مع الزنكيين اختصرتها الذاكرة في كلمة:
حطين.
ثم اختصرت حطين كلها في كلمة أخرى:
القدس.
وهذه مشكلة الذاكرة.
تحب اللحظة.
وتنسى البنية التي جعلت اللحظة ممكنة.
لم يستعد صلاح الدين القدس لأنه ظهر أمامها بجيش فجأة.
استعادها لأن القاهرة ودمشق أصبحتا في منظومة سياسية واحدة تقريبًا.
ولأن مملكة القدس كانت تعاني انقسامًا.
ولأن الجيش الصليبي خرج من الماء إلى أرض اختار خصمه شروطها.
ولأن سنوات طويلة من بناء القوة سبقت يوم المعركة.
الرجل الذي استعاد القدس وبنى سلطته بين الحرب والسياسة
إذا نظرنا إلى صلاح الدين من بوابة القدس وحدها، نرى البطل.
إذا نظرنا إليه من القاهرة سنة 1169، نرى وزيرًا شابًا يعمل تحت خليفة فاطمي وهو تابع لنور الدين.
ومن دمشق سنة 1174 نرى رجلًا يدخل ميراث سيده المتوفى ويبدأ بناء سلطته الخاصة.
ومن مونتجيسارد نراه قائدًا مهزومًا ينسحب.
ومن حطين نراه في ذروة نجاحه العسكري.
ومن القدس نراه يختار التفاوض بدل المذبحة العامة، مع بقاء الأسر والفدية جزءًا من شروط الانتصار.
ومن عكا نراه سلطانًا عاجزًا عن إنقاذ آلاف الأسرى من سيف خصمه.
ومن أرسوف نراه يخسر أمام ريتشارد.
ومن صلح 1192 نراه يقبل حلًا لا يمنحه كل الساحل ولا يطرد الصليبيين من المنطقة.
ومن فراش الموت في دمشق نراه رجلًا بنى قوة هائلة ثم يتركها لعائلة ستبدأ سريعًا في التنافس عليها.
أي واحد من هؤلاء هو صلاح الدين؟
جميعهم.
وهذا ما يجعل سيرته أهم من الأسطورة.
لم يكن رجلًا ينتظر القدس منذ طفولته ثم سار إليها في خط مستقيم.
كان رجل سياسة تشكل داخل عالم متغير.
دخل مصر لأن عمه قاد حملة إليها.
ثم أصبح وزيرًا.
ثم حاكمًا.
ثم دخل سوريا.
ثم بنى شرعيته.
ثم جعل الحرب ضد الصليبيين مركز مشروعه.
ثم حقق الانتصار الذي كان ينتظره.
وعندما وصل إلى القدس لم تكن قصته قد انتهت.
بل بدأت الحرب الأصعب.
الحفاظ على ما كسبه.
ربما كان أعظم انتصاراته حطين.
لكن أعظم حقيقة في سيرته أوسع من المعركة.
فصلاح الدين لم يهزم مملكة القدس لأن سيفه كان أشد حدة من سيوف الآخرين.
هزمها عندما استطاع تحويل موارد مصر وسوريا والتحالفات والشرعية الدينية والجيش إلى قوة واحدة في اللحظة المناسبة.
وهنا يوجد الرجل خلف الصورة.
القائد الذي تتذكره الملحمة فوق حصانه.
ورجل الدولة الذي قضى سنوات قبل ذلك وهو يجمع القطع التي جعلت ذلك الحصان يصل إلى حطين.
المصادر والمراجع
- بهاء الدين ابن شداد — النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية.
- عماد الدين الأصفهاني — الفتح القسي في الفتح القدسي.
- ابن الأثير — الكامل في التاريخ.
- أبو شامة المقدسي — الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية.
- Malcolm C. Lyons and D. E. P. Jackson — Saladin: The Politics of the Holy War.
- Anne-Marie Eddé — Saladin.
- H. A. R. Gibb — The Life of Saladin.
- Carole Hillenbrand — The Crusades: Islamic Perspectives.
- Jonathan Phillips — The Life and Legend of the Sultan Saladin.
- R. Stephen Humphreys — الدراسات المتعلقة بالدولة الأيوبية وبنيتها السياسية.
- The Cambridge History of the Crusades — الدراسات المتعلقة بحطين والقدس والحملة الصليبية الثالثة.

