ريتشارد قلب الأسد — الملك الذي ربح المعارك وخسر معظم زمن حكمه بعيدًا عن إنجلترا
حين نتخيل ملكًا إنجليزيًا من العصور الوسطى، قد نتخيله جالسًا في قصر بلندن، يحكم جزيرة يعرف كل طرقها ومدنها.
ريتشارد الأول لم يكن هذا الملك.
وُلد في إنجلترا.
وحمل تاجها.
وأصبح واحدًا من أشهر ملوكها.
لكن معظم عالمه الحقيقي كان على الجانب الآخر من بحر المانش.
فرنسا.
آكيتين.
نورماندي.
الحملة الصليبية.
السجون الألمانية.
والحروب المتواصلة مع ملك فرنسا.
خلال نحو عشر سنوات من الحكم قضى ريتشارد وقتًا قليلًا جدًا في إنجلترا نفسها.
ومع ذلك أصبح في الذاكرة الإنجليزية:
قلب الأسد.
الفارس المثالي.
الملك الشجاع.
والرجل الذي وقف أمام صلاح الدين.
هذه الصورة ليست كاذبة بالكامل.
ريتشارد كان قائدًا عسكريًا استثنائيًا وشجاعًا إلى درجة التهور أحيانًا.
لكنه كان أيضًا ملكًا يحتاج باستمرار إلى المال.
وحاكمًا بنى سلطته فوق شبكة من الأراضي تمتد من اسكتلندا تقريبًا إلى جبال البرانس.
وقائدًا أمر بقتل آلاف الأسرى المسلمين في عكا.
ورجلًا قضى قسمًا مهمًا من حكمه أسيرًا، بينما كان أخوه جون وملك فرنسا يعملان على اقتسام ما يستطيعان من إرثه.
الحكاية إذن ليست قصة فارس.
إنها قصة ملك عاش حياته تقريبًا كما لو أن التاج نفسه جزء من حملة عسكرية لا تنتهي.
ابن هنري الثاني وإليانور
ولد ريتشارد في 8 سبتمبر 1157 في أكسفورد.
كان أبوه هنري الثاني ملك إنجلترا.
أما أمه فهي إليانور آكيتين، واحدة من أقوى نساء أوروبا في القرن الثاني عشر.
لكن عبارة «ملك إنجلترا» لا تكفي لوصف عالم هنري الثاني.
كان يحكم شبكة ضخمة من الأراضي تشمل إنجلترا ونورماندي وأنجو ومناطق واسعة من غرب فرنسا.
ومن خلال إليانور ارتبطت الأسرة كذلك بدوقية آكيتين الغنية.
هذه المجموعة من الأراضي توصف عادة في الدراسات الحديثة بالإمبراطورية الأنجوية.
لم تكن إمبراطورية مركزية بالمعنى الحديث.
كانت شبكة من ممالك ودوقيات ومقاطعات لها قوانينها ونخبها وعلاقاتها الخاصة.
ولهذا لم يتعلم ريتشارد منذ طفولته أن يرى نفسه ملك جزيرة.
كان ابن أسرة تحكم عالمًا عابرًا للمانش.
اللغة والوطن
كان عالم النخبة التي عاش داخلها فرنسي اللغة بدرجة كبيرة.
ارتبط ريتشارد خصوصًا بآكيتين.
وكان يعرف الفرنسية الأنجلو-نورمانية والأوكسيتانية المستخدمة في جنوب فرنسا.
وربما فهم قدرًا من الإنجليزية، لكن الإنجليزية لم تكن لغته السياسية والثقافية الأساسية.
هذا لا يجعله «غير إنجليزي» وفق مقاييس عصره.
ففكرة الدولة القومية الحديثة لم تكن موجودة بالطريقة التي نعرفها.
ملك إنجلترا يستطيع أن يقضي معظم حياته في فرنسا من دون أن يرى في ذلك تناقضًا.
الإشكال يظهر عندما ننظر إليه من حاضرنا ونفترض أن واجب الملك الأول يجب أن يكون الإقامة داخل حدود الدولة الحديثة التي يحمل لقبها.
ريتشارد عاش داخل عالم مختلف.
الابن الذي تمرد على أبيه
لم تكن عائلة هنري الثاني عائلة هادئة.
كان للملك أبناء متعددون.
والمشكلة كانت توزيع السلطة بينهم.
هنري الابن الأكبر، المعروف بالملك الشاب، حصل على لقب ملك أثناء حياة أبيه لكنه لم يمتلك السلطة التي توقعها.
ريتشارد ارتبط بآكيتين.
وجيفري ببريتاني.
أما جون، أصغر الأبناء، فدخل لاحقًا في ترتيبات ومشروعات مختلفة.
في سنة 1173 اندلع تمرد كبير لأبناء هنري الثاني ضد أبيهم.
شاركت إليانور نفسها في دعم أبنائها.
وكان ريتشارد، وهو مراهق، جزءًا من الثورة.
انتهى التمرد بهزيمة الأبناء.
وصالحهم هنري لاحقًا.
لكن التوتر لم يختفِ.
العائلة التي ستنتج اثنين من أشهر ملوك إنجلترا كانت تقضي جزءًا كبيرًا من وقتها في الحرب مع نفسها.
دوق آكيتين
أصبح ريتشارد مرتبطًا بقوة بآكيتين.
هناك بنى خبرته العسكرية قبل أن يصبح ملكًا.
لم يكن حكمه محبوبًا دائمًا.
واجه تمردات من كبار النبلاء المحليين.
واكتسب سمعة بالقسوة والمهارة في الحصار والحرب.
هذا مهم لأن أسطورة «قلب الأسد» لم تبدأ عند عكا.
قبل أن يرى الشرق، أمضى سنوات وهو يقاتل في جنوب غرب فرنسا.
تعلم كيف يحاصر القلاع.
وكيف يعاقب المتمردين.
وكيف يحافظ على أراضٍ مليئة بنبلاء لا يرغبون في طاعة حاكم قوي بسهولة.
الحملة الصليبية ستظهر قدراته للعالم.
لكن المدرسة كانت آكيتين.
الوريث الذي لم يكن الأول
لم يولد ريتشارد وهو يتوقع بالضرورة أن يصبح ملك إنجلترا.
كان هناك أخ أكبر منه:
هنري الملك الشاب.
لكن هنري مات سنة 1183.
ثم مات جيفري سنة 1186.
فأصبح ريتشارد أكبر أبناء هنري الثاني الباقين على قيد الحياة.
بدل أن تحل مشكلة الوراثة، ازدادت صعوبة.
استمرت الخلافات بين الأب والابن.
وفي السنوات الأخيرة من حياة هنري الثاني، تحالف ريتشارد مع فيليب الثاني ملك فرنسا ضد أبيه.
الرجل الذي سيقضي سنوات لاحقًا في الحرب مع فيليب بدأ مرحلة صعوده الأخيرة متحالفًا معه.
السياسة في العصور الوسطى لا تعرف الصديق الدائم بسهولة.
القدس تغير الحسابات
في سنة 1187 هزم صلاح الدين جيش مملكة القدس في حطين.
ثم استعاد القدس في أكتوبر.
أحدث الخبر صدمة في أوروبا الغربية.
انطلقت الدعوات إلى حملة صليبية جديدة.
تعهد عدد من كبار الحكام بالمشاركة.
كان من بينهم ريتشارد.
كان ما يزال قبل ذلك وريثًا لا ملكًا.
لكن الحملة ستصبح أهم مشروع في بداية حكمه.
في يوليو 1189 مات هنري الثاني.
أصبح ريتشارد ملكًا.
وفي سبتمبر تُوج في وستمنستر.
كان يستطيع الآن أن يبدأ حكمًا جديدًا.
لكنه كان يفكر بالفعل في الرحيل.
التتويج الذي تحول إلى عنف
ارتبط تتويج ريتشارد في لندن بأعمال عنف ضد اليهود.
كان العداء لليهود موجودًا في المجتمع الإنجليزي قبل ريتشارد.
وزاد جو الحماسة الصليبية التوتر.
وصل بعض اليهود لتقديم الهدايا في التتويج، واندلعت اعتداءات وانتشرت شائعة كاذبة بأن الملك أمر بمهاجمة اليهود.
لم يكن هناك أمر ملكي عام بقتلهم.
وتدخلت السلطة لاحقًا لوقف الفوضى ومعاقبة بعض المشاركين بدرجات محدودة.
لكن العنف لم ينتهِ في لندن.
انتشرت الاعتداءات في مدن أخرى.
وفي مارس 1190 وقعت واحدة من أسوأ المذابح ضد يهود إنجلترا في يورك.
احتمى أفراد من المجتمع اليهودي داخل القلعة.
وانتهى الحصار بموت عدد كبير منهم، بعضهم بالقتل وبعضهم بالانتحار الجماعي وفق المصادر.
لم يكن ريتشارد موجودًا في يورك يقود المذبحة.
لكنه كان ملك البلد الذي حدثت فيه.
والحماسة للحملة التي يقودها كانت جزءًا من المناخ الذي جعل العنف ضد غير المسيحيين أكثر سهولة.
كيف تمول حملة إلى القدس؟
الحروب لا تتحرك بالشجاعة.
تحتاج إلى المال.
والحملة إلى شرق المتوسط مشروع هائل.
سفن.
وخيول.
وطعام.
وأجور.
وأسلحة.
واتفاقات مرور.
ومخازن.
بدأ ريتشارد بجمع الموارد بسرعة.
باع بعض المناصب والحقوق.
واستخدم الضرائب والعائدات الملكية.
واستفاد من الأموال التي جُمعت للحملة.
وأصبح معروفًا باستعداده لتحويل ما يستطيع من الموارد إلى نقد.
نُسب إليه لاحقًا قول ساخر بمعنى أنه سيبيع لندن لو وجد مشتريًا مناسبًا.
لا ينبغي أن نتعامل مع العبارة كتصريح مالي رسمي.
لكنها تلخص صورة معاصرة:
الملك يريد المال.
ولديه حرب ينفقه عليها.
ملك يغادر مملكته
غادر ريتشارد إنجلترا في أواخر 1189، ثم بدأ رحلته الفعلية للحملة مع فيليب الثاني سنة 1190.
ترك إدارة المملكة إلى مسؤولين.
وأعطى أمه إليانور دورًا مهمًا في حماية مصالحه.
كانت مشكلة الغياب واضحة منذ البداية.
أخوه الأصغر جون موجود.
وله طموحات.
وفيليب الثاني حليف في الحملة.
لكنه أيضًا ملك فرنسا، والسيد الإقطاعي لبعض أراضي ريتشارد القارية، ومنافسه الأخطر على النفوذ.
ريتشارد سيذهب لإنقاذ القدس وهو يترك خلفه أشخاصًا لديهم أسباب ممتازة للاستفادة من غيابه.
صقلية
لم يذهب الأسطول مباشرة إلى عكا.
توقف ريتشارد في صقلية.
كانت أخته جوان قد تزوجت وليام الثاني ملك صقلية.
لكن وليام مات.
واستولى تانكريد على العرش.
نشأت خلافات تتعلق بحقوق جوان وميراثها وأموالها.
تحول وجود ريتشارد في الجزيرة إلى ضغط عسكري وسياسي.
استولى على ميسينا بعد اضطرابات وقتال.
ثم توصل إلى اتفاق مع تانكريد.
تكشف الحلقة شيئًا مهمًا.
الحملة الصليبية لم تكن رحلة دينية خالصة ينتقل فيها الملوك مباشرة إلى القدس.
حتى وهم في الطريق، استمرت السياسة الأوروبية.
والأموال.
والوراثة.
والقوة.
ريتشارد وفيليب
كان ريتشارد وفيليب الثاني حليفين رسميًا.
لكن علاقتهما مليئة بالتوتر.
كان بينهما نزاع حول ترتيبات زواج ريتشارد من أليس، أخت فيليب غير الشقيقة، التي كانت في البلاط الأنجوي سنوات طويلة.
لم يتم الزواج.
اختار ريتشارد بدلًا منها برنغاريا من نافارا.
كانت هذه قضية شخصية بقدر ما كانت دبلوماسية.
كما أن التنافس بين الملكين أعمق من الزواج.
كلاهما يعرف أن الرجل الآخر سيعود، إذا عاد، إلى الصراع على فرنسا.
كانا يسافران إلى الحرب المقدسة ويحمل كل منهما خلفه خريطة الحرب التالية.
قبرص
في الطريق إلى المشرق تعرض جزء من أسطول ريتشارد لعاصفة.
وصلت سفن إلى قبرص، التي كان يحكمها إسحاق كومنينوس بصورة مستقلة عن الإمبراطورية البيزنطية.
نشأ نزاع.
رد ريتشارد بقوة.
وخلال فترة قصيرة سيطر على الجزيرة.
كان فتح قبرص حدثًا شديد الأهمية.
أعطى الصليبيين قاعدة بحرية واستراتيجية مهمة في شرق المتوسط.
لكنها أيضًا تذكر بأن ريتشارد لم يقاتل المسلمين وحدهم في طريقه إلى القدس.
الملك الصليبي يستطيع أن يحارب حاكمًا مسيحيًا إذا تعارضت مصالحهما.
الدين يحدد كثيرًا من هوية الحرب.
ولا يلغي السياسة.
الزواج الذي لم تره إنجلترا
في قبرص تزوج ريتشارد برنغاريا من نافارا في مايو 1191.
أصبحت ملكة إنجلترا.
لكن زواجها نفسه يلخص غرابة حياة ريتشارد.
تزوج ملكة إنجلترا في قبرص وهو في طريقه إلى فلسطين.
وبرنغاريا لم تلعب لاحقًا الدور السياسي داخل إنجلترا الذي لعبته إليانور.
لم ينجب ريتشارد منها أبناء شرعيين معروفين.
وسيصبح غياب الوريث أحد العوامل المهمة في انتقال العرش لاحقًا إلى أخيه جون.
الملك الذي عاش وسط الحروب لم ينجح في بناء خلافة أسرية مستقرة خاصة به.
عكا
عندما وصل ريتشارد إلى عكا في يونيو 1191، كان الحصار مستمرًا منذ مدة طويلة.
القوات الصليبية تحاصر المدينة.
وجيش صلاح الدين يحاصرها من الخارج أو يضغط حولها.
مرض.
وجوع.
ومعارك.
ومات رجال كثيرون قبل أن يصل الملك الإنجليزي.
إذن من الخطأ القول إن ريتشارد «فتح عكا وحده».
لكن وصوله، مع قواته وموارده وآلات الحصار، أعطى الحملة دفعة كبيرة.
كان هو نفسه مريضًا في فترة من الحصار.
ومع ذلك واصل توجيه العمليات.
في يوليو استسلمت عكا.
كان نجاحًا كبيرًا.
ثم بدأت الخلافات داخل المنتصرين.
علم على السور
شارك ليوبولد الخامس دوق النمسا في الحملة.
وبعد سقوط عكا رفع رايته في المدينة.
وفق الروايات، أُزيلت الراية أو أُهينت بطريقة ارتبطت برجال ريتشارد أو بالنزاع حول المكانة.
التفاصيل الدقيقة ليست يقينًا كاملًا.
لكن العلاقة بين الرجلين ساءت.
ليوبولد غادر.
قد يبدو الخلاف تافهًا.
قطعة قماش على سور.
لكن المكانة في عالم النبلاء ليست تفصيلًا.
وبعد أكثر من عام سيجد ريتشارد نفسه داخل أراضي ليوبولد، عائدًا من الحملة.
وسيكتشف أن الإهانة القديمة لم تُنسَ.
فيليب يعود
غادر فيليب الثاني الشرق في أغسطس 1191.
قدم المرض ومصالحه السياسية أسبابًا للعودة.
لكن ريتشارد عرف أن عودة فيليب إلى أوروبا ليست خبرًا مريحًا.
الأراضي الأنجوية في فرنسا موجودة هناك.
وجون موجود.
والملك الإنجليزي ما يزال في فلسطين.
من هذه اللحظة أصبح ريتشارد فعليًا أبرز ملوك الحملة الباقين.
وفي الوقت نفسه بدأ الزمن يعمل ضده.
كل شهر في الشرق يمنح خصومه في الغرب شهرًا آخر.
أسرى عكا
بعد سقوط عكا كان آلاف المسلمين أسرى لدى القوات الصليبية.
كانت هناك شروط ومفاوضات بشأن الفدية وتبادل الأسرى وتسليم relic الصليب وغيرها.
تأخر تنفيذ الاتفاق.
اتهم الصليبيون صلاح الدين بالمماطلة.
ورأى الجانب المسلم أن التنفيذ له شروطه وتعقيداته.
في 20 أغسطس 1191 أمر ريتشارد بإخراج عدد كبير من الأسرى المسلمين وقتلهم أمام قوات صلاح الدين.
تقدر المصادر العدد بالآلاف.
كانت مذبحة متعمدة.
هذه الحقيقة لا تنسجم بسهولة مع الصورة الرومانسية لقلب الأسد.
لكنها جزء من حياته مثل أرسوف تمامًا.
ريتشارد لم يكن بطل رواية فروسية حديثة.
كان قائدًا في حرب من القرن الثاني عشر، قادرًا على استخدام القتل الجماعي عندما اعتقد أنه يخدم موقفه العسكري.
صلاح الدين لم يكن صديقه
تظهر الثقافة الشعبية الرجلين أحيانًا كما لو كانا صديقين يحترم كل منهما الآخر أثناء مباراة شريفة.
الحقيقة أكثر تعقيدًا.
كان كل منهما خصمًا حقيقيًا للآخر.
كلاهما يريد فرض نتيجة سياسية لا يقبلها الطرف المقابل.
جرت مفاوضات.
وتبادلت هدايا ورسائل ومجاملات عبر الوسطاء.
وكان الملك العادل، شقيق صلاح الدين، من الشخصيات المهمة في الاتصال.
لكن ريتشارد وصلاح الدين لم يلتقيا وجهًا لوجه وفق الأدلة المتاحة.
لم يجلسا أمام نار واحدة.
ولم يخوضا مبارزة شخصية.
الصورة تحتاجها الرواية.
التاريخ لا يحتاجها.
المسير جنوبًا
بعد عكا تحرك الجيش الصليبي جنوبًا بمحاذاة البحر.
كان الهدف تأمين الساحل والوصول إلى يافا تمهيدًا للعمليات نحو القدس.
اتخذ ريتشارد قرارًا مهمًا.
حافظ على الجيش قريبًا من البحر والأسطول.
الإمدادات تصل.
والجناح البحري محمي.
وجعل المشاة والفرسان يتحركون في تشكيل منضبط رغم هجمات قوات صلاح الدين.
كان صلاح الدين يريد إنهاك الجيش ودفعه إلى كسر تشكيله.
ريتشارد يعرف أن اللحظة التي ينطلق فيها الفرسان قبل الأوان قد تكون لحظة الكارثة.
ثم جاءت أرسوف.
أرسوف
في 7 سبتمبر 1191 اشتدت هجمات قوات صلاح الدين على الجيش الصليبي قرب أرسوف.
استمرت المناوشات والسهام.
وتعرضت وحدات الصليبيين للضغط.
كان ريتشارد يريد تأخير الهجوم المضاد حتى اللحظة المناسبة.
لكن فرسان الإسبتارية وغيرهم وصلوا إلى نقطة لم يعودوا قادرين فيها على تحمل الضغط.
بدأ الهجوم.
تحول ريتشارد بسرعة من محاولة ضبط الاندفاع إلى دعمه وتنظيمه.
اندفعت قوات الفرسان.
وتراجع جيش صلاح الدين.
كانت أرسوف نصرًا واضحًا للصليبيين.
ولم تدمر جيش صلاح الدين.
لكنها أكدت شيئًا مهمًا:
الجيش الذي انتصر في حطين يمكن هزيمته.
وريشتارد ليس قائدًا يستطيع خصمه استدراجه بسهولة إلى عطش حطين.
ماذا أثبت أرسوف؟
أن ريتشارد قائد ميدان ممتاز.
فهم أهمية التشكيل والانضباط.
وعرف كيف يستخدم الفرسان في اللحظة المؤثرة.
وحافظ على علاقة جيدة نسبيًا بين الجيش والساحل والأسطول.
لكن المعركة تكشف كذلك الفرق بين النجاح التكتيكي والاستراتيجي.
صلاح الدين خسر اليوم.
ولم يخسر القدس.
المعركة فتحت الطريق إلى يافا.
أما المدينة المقدسة فما تزال في الداخل.
وهناك ستصبح مشكلة ريتشارد الكبرى واضحة.
كيف تستعيد مدينة تستطيع احتلالها ربما…
لكن قد لا تستطيع الاحتفاظ بها؟
القدس على مسافة قريبة
اقترب الصليبيون من القدس في شتاء 1191-1192.
الحماسة كانت شديدة.
الهدف الذي جاء الجميع من أجله أصبح قريبًا.
لكن القادة ناقشوا المخاطر.
الطقس.
والإمدادات.
والمياه.
واحتمال وصول قوات صلاح الدين.
والسؤال الأخطر:
إذا فُتحت القدس، كيف يمكن الدفاع عنها بعد أن يعود معظم الجيش إلى أوروبا؟
هل الأفضل مهاجمة مصر أولًا لكسر القاعدة الاقتصادية الرئيسية لصلاح الدين؟
انقسمت الآراء.
في النهاية لم يهاجموا القدس.
كان القرار عقلانيًا عسكريًا لدى كثير من القادة.
ومدمرًا نفسيًا لحملة جاءت من أجل المدينة.
الملك الذي يستطيع رؤية القدس ولا يدخلها
ظهرت لاحقًا قصص تقول إن ريتشارد رفض حتى النظر إلى القدس لأنه لا يريد أن يراها إذا لم يستطع استعادتها.
يصعب التأكد من التفاصيل العاطفية الدقيقة لهذه الحكايات.
لكنها تعبر جيدًا عن المعضلة.
يمكن للفارس أن يريد الهجوم.
أما الملك والقائد فيجب أن يسأل:
وماذا بعد الهجوم؟
كان ريتشارد يعرف أن أخذ المدينة لا يعني نهاية الحرب.
الاحتفاظ بها يحتاج إلى جيش دائم، وإمدادات، وحدود يمكن الدفاع عنها.
القدس رمز هائل.
لكن الخرائط العسكرية لا تتحرك بالرمز وحده.
عسقلان
عمل ريتشارد على إعادة بناء تحصينات عسقلان، وهي مدينة شديدة الأهمية على الطريق بين مصر وفلسطين.
رأى صلاح الدين فيها خطرًا على اتصالاته مع مصر.
لهذا كانت المدينة جزءًا مهمًا من المفاوضات لاحقًا.
مرة أخرى نرى أن الحرب لم تعد:
من يأخذ القدس؟
بل:
ما المدن والقلاع والطرق التي تجعل الاحتفاظ بالقدس ممكنًا؟
كلما اقترب القائد من الهدف الرمزي، ازدادت الحسابات الأقل رومانسية.
الماء.
والميناء.
والطريق.
والحصن.
اقتراح زواج غريب
في مرحلة من المفاوضات ظهرت فكرة زواج جوان، أخت ريتشارد وأرملة ملك صقلية، من الملك العادل شقيق صلاح الدين.
ترتبط الفكرة بتسوية سياسية واسعة تتعلق بالأراضي والقدس.
لم تتم.
ويصعب معرفة إلى أي حد اعتبرها الأطراف مشروعًا قابلًا للتنفيذ.
لكن مجرد طرحها يكسر الصورة الشائعة عن عالمين لا يستطيعان إلا القتال.
ملك صليبي يمكن أن يناقش زواج أخته من أمير مسلم إذا رأى في ذلك طريقًا للتسوية.
السياسة في زمن الحرب أكثر مرونة من الدعاية التي تسبق الحرب.
أخبار سيئة من أوروبا
بينما يفاوض صلاح الدين، تصل الأخبار من الغرب.
فيليب الثاني يعمل على الضغط على أراضيه في فرنسا.
وجون يستغل غيابه.
كلما طال بقاء ريتشارد في الشرق ازداد احتمال أن يستعيد القدس ويخسر جزءًا من مملكته في الغرب.
كان لا بد من العودة.
لكن الانسحاب من دون نتيجة سيبدو فشلًا.
احتاج إلى اتفاق يستطيع تقديمه بوصفه إنجازًا.
قبل الوصول إليه حدثت واحدة من أكثر حلقات الحرب درامية:
يافا.
صلاح الدين يهاجم يافا
في يوليو 1192 هاجم صلاح الدين يافا.
تمكنت قواته من اقتحام جزء كبير من المدينة.
وصل الخبر إلى ريتشارد، الذي كان بعيدًا عنها.
تحرك بحرًا بسرعة مع قوة محدودة.
نزل إلى الشاطئ وقاد هجومًا مفاجئًا.
أُجبرت قوات صلاح الدين على التراجع من المدينة.
بعد ذلك حاول المسلمون الهجوم مرة أخرى.
وصمد ريتشارد بقوات أقل عددًا في ظروف صعبة.
ساهمت معركة يافا في ترسيخ سمعته بوصفه قائدًا شجاعًا يقاتل قريبًا من رجاله.
كانت لحظة عسكرية ممتازة.
لكنها أيضًا أكدت الحقيقة نفسها:
لا أحد يستطيع إنهاء الحرب.
صلح يافا
في سبتمبر 1192 توصل الطرفان إلى اتفاق.
بقيت القدس تحت حكم صلاح الدين.
وبقيت للصليبيين ممتلكات ساحلية من صور باتجاه يافا بدرجات تحددها التسوية.
وأصبح للحجاج المسيحيين حق الوصول إلى القدس والأماكن المقدسة ضمن الاتفاق.
لم يحصل ريتشارد على المدينة.
لكنه منع انهيار الوجود الصليبي الكامل وأعاد بناء قاعدة ساحلية تستطيع البقاء.
صلاح الدين احتفظ بأهم مكسب رمزي:
القدس.
وخسر جزءًا من احتكاره للساحل.
التسوية لم تحقق حلم أي طرف.
ولهذا كانت قابلة للحياة.
هل فشل ريتشارد في الحملة؟
إذا كان معيار النجاح الوحيد هو استعادة القدس:
نعم، لم يحقق الهدف.
لكن إذا كان المعيار إنقاذ ما بقي من الكيانات الصليبية بعد كارثة حطين، فقد حقق نتائج مهمة.
عكا عادت إلى السيطرة الصليبية.
واستُعيدت مناطق ساحلية.
وبقيت دولة صليبية قادرة على الاستمرار.
وأظهر أن جيش صلاح الدين يمكن هزيمته في الميدان.
في المقابل لم يستطع قلب النصر العسكري إلى استرداد القدس.
هذا يجعل الحملة الصليبية الثالثة مثالًا جيدًا على حرب لا تنتهي بفوز كامل.
صلاح الدين لم يطرد خصومه.
وريشتارد لم يستعد المدينة.
رحلة العودة
غادر ريتشارد الشرق في أكتوبر 1192.
كان يريد العودة بسرعة إلى أراضيه.
لكن الطريق عبر المتوسط لم يكن آمنًا.
تسببت الظروف البحرية والسياسية في اضطراره إلى السفر متخفيًا عبر أوروبا الوسطى.
وهنا ارتكب القدر شيئًا لا يستطيع أي قائد عسكري حلّه بالسيف.
دخل أراضي دوق النمسا ليوبولد الخامس.
الرجل نفسه الذي خرج من عكا غاضبًا.
في ديسمبر 1192 اعتُقل ريتشارد.
ملك إنجلترا أصبح أسيرًا.
أين اختفى الملك؟
كان احتجاز ملك شارك في حملة صليبية قضية سياسية ودينية كبيرة.
انتقل ريتشارد من يد ليوبولد إلى يد الإمبراطور هنري السادس.
دخلت المفاوضات حول إطلاقه في عالم من الأموال والتحالفات والضغط السياسي.
في إنجلترا، كان على الحكومة وإليانور آكيتين جمع فدية هائلة.
أما فيليب الثاني وجون، فكان لديهما سبب مختلف تمامًا:
كل يوم يبقى فيه ريتشارد داخل السجن يوم مفيد لهما.
بلوندل يبحث عن الملك؟
تحكي أسطورة شهيرة أن المنشد بلوندل سار بين القلاع يغني أغنية لا يعرف تكملتها إلا ريتشارد.
ومن داخل إحدى القلاع أجاب الملك بالشطر التالي.
فعرف بلوندل مكانه.
القصة جميلة.
لكنها تنتمي إلى التقاليد الأدبية اللاحقة، لا إلى التاريخ الموثق لأسره.
لم يكن مكان ريتشارد سرًا غامضًا اكتشفه شاعر جوال بالطريقة التي تصفها الحكاية.
الإفراج عنه جاء عبر السياسة والمفاوضات والمال.
الملك لم يحتج إلى أغنية.
احتاج إلى فدية.
150 ألف مارك
حدد ثمن إطلاق ريتشارد بمبلغ هائل بلغ 150 ألف مارك من الفضة ضمن الاتفاق.
كان رقمًا يضغط على الموارد الملكية والمجتمع.
جُمعت ضرائب ومساهمات.
واستُخدمت ممتلكات الكنيسة وموارد مختلفة.
وشاركت المجتمعات اليهودية كذلك في الأعباء المالية الثقيلة المفروضة لتمويل الدولة والفدية.
تحولت حرية رجل واحد إلى مشروع مالي كامل.
هذه واحدة من مفارقات الملكية الوسيطة.
جسد الملك شخصي.
لكن إذا وقع في الأسر، تصبح المملكة كلها مسؤولة عن شرائه من جديد.
جون وفيليب
أثناء أسر ريتشارد تعاون أخوه جون مع فيليب الثاني.
سيطر جون على بعض القلاع.
وسعى إلى تعزيز وضعه.
وحاول فيليب انتزاع أراضٍ من ممتلكات ريتشارد الفرنسية.
تُنسب إلى فيليب عند إطلاق ريتشارد رسالة إلى جون بمعنى:
احذر، فقد أطلق الشيطان.
العبارة جزء من التقليد التاريخي المرتبط بالحدث، وإن كانت الصياغة الحرفية، مثل كثير من الجمل الشهيرة، تحتاج دائمًا إلى الحذر.
المعنى السياسي لا يحتاج إليها.
عودة ريتشارد كانت كارثة لخصومه.
الرجل الذي كان أسيرًا يعود الآن ليطالب بكل ما أُخذ أثناء غيابه.
1194
أُطلق سراح ريتشارد في فبراير 1194 بعد ترتيبات الفدية.
عاد إلى إنجلترا.
استعاد السيطرة على المواقع التي كان جون قد استولى عليها.
وأقيم له تتويج احتفالي جديد في وينشستر، لتأكيد شرعيته بعد سنوات الغياب والأسر.
كان يمكن الآن أن يحكم إنجلترا.
لكنه لم يبقَ طويلًا.
عاد إلى القارة.
هناك توجد الحرب التي ستأكل بقية حياته.
أخ يغفر لأخيه؟
تصالح ريتشارد مع جون بدرجة كبيرة بعد عودته.
تُنسب إليه عبارات تصور أخاه كطفل سيئ وقع تحت تأثير الآخرين.
لكن العلاقة السياسية أكثر أهمية من الكلمات.
ريتشارد احتاج إلى استعادة وحدة الأسرة والنظام بدل فتح حرب داخلية جديدة طويلة.
جون بدوره عاد إلى طاعة أخيه.
بعد خمس سنوات سيصبح هو الملك.
الأخ الذي حاول استغلال الأسر لم يُستبعد نهائيًا.
السياسة الأسرية تعرف المغفرة عندما تكون مفيدة.
فيليب الثاني
تحول ريتشارد بعد 1194 إلى الحرب ضد فيليب في فرنسا.
وهنا أمضى السنوات الأخيرة من حياته.
كانت المنافسة بينهما أساسية في تاريخ الدولة الأنجوية.
فيليب يريد تقليص القوة الهائلة لأسرة بلانتاجينيه داخل فرنسا.
وريشتارد يريد الاحتفاظ بإرث أبيه وأمه.
استطاع ريتشارد خلال السنوات الأخيرة استعادة مواقع وتقوية وضعه.
كان خصمًا عسكريًا صعبًا على فيليب.
لكن الحرب تطلبت مالًا جديدًا.
مرة أخرى تعود إنجلترا إلى وظيفتها الأساسية داخل مشروعه:
توفير الموارد لملك يحارب في القارة.
شاتو غايار
أحد أشهر مشروعات ريتشارد في نورماندي قلعة شاتو غايار فوق نهر السين.
بدأ بناؤها في تسعينيات القرن الثاني عشر لتأمين الطريق الاستراتيجي نحو روان ومنع فيليب من التقدم في نورماندي.
كانت القلعة مشروعًا عسكريًا متطورًا ومكلفًا.
وأصبح شكلها جزءًا من صورة ريتشارد القائد المهندس للحرب.
لكنها تكشف كذلك طبيعة ملكه.
القلاع هي السياسة بالحجر.
حين لا تثق في السلام، تبني جدارًا.
ومع نهاية القرن الثاني عشر كان ريتشارد يبني كما لو أنه يعرف أن الحرب مع فيليب لن تنتهي قريبًا.
هل كان ملكًا سيئًا لإنجلترا؟
الإجابة ليست بسيطة.
من السهل القول:
قضى نحو ستة أشهر فقط من حكمه في إنجلترا، إذن كان ملكًا سيئًا.
لكن هذا الحكم يستخدم توقعات الدولة القومية الحديثة.
ريتشارد حكم مجموعة أراضٍ أوسع بكثير من إنجلترا.
كما أن الإدارة الإنجليزية كانت قادرة على العمل في غيابه من خلال جهاز ملكي ورث كثيرًا من بنيته عن هنري الثاني وطوره رجال مثل هيوبرت والتر.
المشكلة ليست أن إنجلترا توقفت عن العمل.
لم تتوقف.
لكن حملاته وأسره وضعا عليها أعباء مالية كبيرة.
السؤال الصحيح ربما ليس:
لماذا لم يجلس في لندن؟
بل:
هل استخدم موارد مملكته بطريقة خدمت مصالح رعاياه بقدر ما خدمت مشروعه العسكري الشخصي والأسري؟
وهنا يصبح النقاش أكثر تعقيدًا.
الملك الذي لم يكن يحتاج لندن كل يوم
العصور الوسطى لم تعرف الحكم بالهواتف والوزارات المركزية الحديثة.
ومع ذلك كانت الممالك تستطيع العمل بغياب الملك عبر مسؤولين ومحاكم وخزانة ورسائل ومجالس.
إنجلترا تحديدًا امتلكت جهازًا إداريًا متقدمًا نسبيًا سمح لريتشارد بالغياب فترات طويلة.
ربما كان هذا النجاح الإداري نفسه هو ما جعل غيابه ممكنًا.
لو كانت المملكة لا تعمل إلا عندما يجلس الملك داخلها، لما استطاع الذهاب إلى عكا أصلًا.
أحيانًا يكون غياب الحاكم دليلًا على قوة المؤسسة بقدر ما يكون دليلًا على أولوياته.
أسطورة روبن هود
في الثقافة الشعبية الإنجليزية يظهر ريتشارد غالبًا في خلفية قصة روبن هود.
الملك الشرعي الشجاع بعيد في الحملة.
والأمير جون يستغل غيابه.
وروبن هود يقاوم الظلم وينتظر عودة الملك.
هذه الصورة انتشرت خصوصًا في الأدب المتأخر.
لكن ربط روبن هود التاريخي، إن كان هناك أصل واحد للشخصية أصلًا، مباشرة بعهد ريتشارد ليس ثابتًا.
تقاليد روبن هود تطورت عبر قرون.
وجُمع فيها ريتشارد وجون لأنهما يقدمان بناءً قصصيًا مثاليًا:
الملك الصالح الغائب.
والحاكم السيئ الموجود.
التاريخ أكثر إزعاجًا.
ريتشارد نفسه فرض ضرائب وجمع أموالًا وضغط على المملكة لتمويل حروبه.
قلب الأسد
متى أصبح «قلب الأسد»؟
اللقب ارتبط به في حياته أو قريبًا منها بسبب سمعته العسكرية والشجاعة.
ولم يكن اختراعًا سينمائيًا حديثًا.
كان ريتشارد بالفعل معروفًا بإقدامه الشخصي.
قاتل قريبًا من الخطوط الأمامية.
وقاد هجمات.
وعرّض نفسه للخطر.
لكن الشجاعة نفسها كانت أحيانًا مشكلة.
الملك ليس فارسًا عاديًا.
إذا سقط الفارس، يخسر الجيش رجلًا.
إذا سقط الملك، يمكن أن تدخل ممالك كاملة أزمة وراثة.
وسيكتشف ريتشارد ذلك في آخر حصار له.
قلعة صغيرة
في سنة 1199 كان ريتشارد يقاتل في ليموزان بفرنسا ضد أحد النبلاء المحليين، أيمار دي ليموج.
حاصر قلعة شالوس-شابرو.
الحدث صغير إذا قورن بعكا.
لا صلاح الدين.
ولا آلاف الفرسان.
ولا القدس.
مجرد قلعة ضمن صراع إقليمي.
ظهرت لاحقًا قصة تقول إن النزاع مرتبط بكنز من الذهب اكتُشف في المنطقة وأراد ريتشارد الحصول عليه.
لكن التفاصيل المتعلقة بالكنز غير مؤكدة بما يكفي لتفسير الحصار كله.
المؤكد أن الملك كان أمام القلعة.
وكان يراقب العمليات.
ثم خرج سهم أو مسمار قوس نشاب من فوق التحصينات.
إصابة ملك
أصاب المقذوف ريتشارد في كتفه أو قربه.
لم يمت فورًا.
أزيل السهم.
لكن الجرح أصيب بعدوى خطيرة، وربما غرغرينا.
لم يكن طب القرن الثاني عشر قادرًا على التعامل مع العدوى بالطريقة الحديثة.
بدأ الملك يفهم أن الجرح الصغير نسبيًا سيقتله.
الرجل الذي نجا من المعارك والحصار والعواصف والأسر سيهزمه كائن مجهري لا يعرف أحد في عصره وجوده.
في 6 أبريل 1199 مات ريتشارد.
كان في الحادية والأربعين.
الرامي
تحيط بهوية الرجل الذي أطلق السهم روايات مختلفة.
أسماء مختلفة.
وقصص مختلفة عن دوافعه.
ومن أشهر الروايات أنه قال إن ريتشارد قتل أفرادًا من أسرته وإنه أراد الانتقام.
وتقول رواية إن ريتشارد عفا عنه قبل موته وأمر بإطلاقه.
ثم قتل أحد رجال الملك الرامي بعد وفاة ريتشارد رغم العفو.
هذه التفاصيل تعتمد على تقاليد متباينة ولا نستطيع تأكيد المشهد حرفيًا.
الأكثر يقينًا أبسط:
قوس نشاب من قلعة صغيرة أنهى حياة أحد أشهر فرسان أوروبا.
جسد موزع بين أماكن
دُفنت أجزاء من ريتشارد في أماكن مختلفة وفق تقاليد الدفن الملكية في عصره.
وُضع جسده في دير فونتيفرو قرب والديه.
ودُفن قلبه في روان في نورماندي.
وترتبط أحشاؤه بشالوس.
حتى بعد موته ظل جسده موزعًا على عالمه السياسي.
إنجلترا لم تحصل على قبره الرئيسي.
وهذا مناسب بطريقة غريبة.
فالملك الإنجليزي الأشهر في أساطير الفروسية قضى حياته مرتبطًا بفرنسا والمشرق أكثر مما ارتبط بالإقامة في إنجلترا.
من بعده؟
لم يكن لريتشارد ابن شرعي يرثه.
انتقل العرش إلى أخيه جون، رغم وجود منافسة على الإرث من ابن أخيه آرثر بريتاني.
سيكون عهد جون مختلفًا جذريًا.
وفي عهده ستضيع أجزاء واسعة من الممتلكات الأنجوية في فرنسا.
ثم تأتي الأزمة مع البارونات.
ثم الماغنا كارتا.
هذا جعل صورة ريتشارد تبدو أفضل في الذاكرة بالمقارنة.
الأخ الشجاع المنتصر.
ثم الأخ الذي يخسر نورماندي ويختلف مع باروناته.
التاريخ الأسطوري يحب المقارنات الواضحة.
والأخوة يوفرونها بسهولة.
هل حافظ ريتشارد على إرث أبيه؟
إلى حد مهم، نعم خلال حياته.
رغم الحملة والأسر ومحاولات فيليب وجون استغلال غيابه، استطاع بعد عودته استعادة معظم ما فقد من أراضٍ ومواقع وتقوية الدفاع عن نورماندي.
لكن النظام نفسه ظل يعتمد على قدرة الملك الشخصية وشبكة الولاءات.
بعد موته سيجد جون صعوبة أكبر بكثير في مواجهة فيليب.
يمكن القول إن ريتشارد حافظ على البناء.
لكنه لم يحل المشكلة البنيوية بين ملك إنجلترا الذي يملك أراضي هائلة داخل فرنسا وملك فرنسا الذي يريد فرض سلطته عليها.
الحرب كانت مؤجلة أكثر مما كانت منتهية.
الفارس والملك
هنا توجد المشكلة المركزية في تقييمه.
بوصفه فارسًا وقائدًا:
كان استثنائيًا.
شجاعًا.
خبيرًا بالحرب.
قادرًا على إلهام الجنود.
ومتفوقًا في الحصار والمناورة.
بوصفه ملكًا:
الأمور أكثر التباسًا.
استطاع الحفاظ على سلطته وأراضيه.
واعتمد على إدارة فعالة.
لكنه أنفق موارد ضخمة على الحروب.
وترك مملكته فترات طويلة.
وفديته حملت البلاد عبئًا ثقيلًا.
ولا توجد قاعدة موضوعية تحول أحد الجانبين إلى «الحقيقة» وتلغي الآخر.
ريتشارد كان الاثنين معًا.
الأسطورة اختارت الفارس.
والمؤرخ يحتاج إلى إبقاء الملك بجانبه.
هل كان عدو صلاح الدين النبيل؟
هناك احترام متبادل لقدرات الطرفين يظهر في بعض المصادر وفي المفاوضات.
لكن علينا ألا ننسى عكا.
صلاح الدين أعدم فرسانًا بعد حطين.
وريشتارد أمر بقتل آلاف الأسرى بعد سقوط عكا.
هذا هو القرن الثاني عشر.
الدبلوماسية والكرم والعنف يمكن أن يعيشوا في الأشخاص أنفسهم.
لم تكن الحرب بطولة نظيفة بين فارس مسيحي وفارس مسلم.
كانت حربًا حقيقية.
فيها أسرى.
ومدنيون.
ومدن محاصرة.
وأمراض.
وجوع.
وإعدامات.
أما الفروسية فكانت لغة مهمة للنخبة.
لكنها لم تمنع السيف من العمل.
الرجل الذي لم يستعد القدس
قد يبدو هذا غريبًا بالنظر إلى شهرته.
خرج ريتشارد للحملة من أجل القدس.
ولم يدخلها فاتحًا.
وصل قريبًا منها.
ثم تراجع.
مرة.
ثم عاد التفكير في التقدم إليها.
ثم تراجع المشروع مرة أخرى.
لكن عدم الهجوم قد يكشف ذكاءه أكثر من هجوم متهور كان سيمنحنا مشهدًا بطوليًا أفضل.
فهو فهم أن الهدف العسكري ليس أخذ المدينة ليوم.
بل الاحتفاظ بها.
وكانت الشروط لا تضمن ذلك.
أحيانًا يظهر القائد العظيم في المعركة التي يختار ألا يخوضها.
لكنه لم يستطع التخلي عن الحرب
اللافت أن ريتشارد، بعد كل ما مر به، لم يعد من الأسر ليبحث عن حياة هادئة.
خرج إلى فرنسا وحارب من جديد.
ومات في حصار.
الحرب لم تكن حادثة في حياته.
كانت حياته السياسية نفسها.
منذ تمرده في شبابه.
إلى آكيتين.
ثم الصراع مع أبيه.
ثم الحملة.
ثم عكا.
ثم صلاح الدين.
ثم فيليب.
ثم شالوس.
إذا حذفنا الحرب من حياة ريتشارد يبقى القليل جدًا من السيرة التي جعلته مشهورًا.
وهنا توجد مشكلة الملك الفارس.
ما يصنع مجده الشخصي قد يكون الشيء نفسه الذي يجعل حكمه مكلفًا.
المفارقة
ريتشارد أحد أشهر ملوك إنجلترا.
ومع ذلك عاش معظم حياته السياسية خارجها.
لم يستعد القدس.
ومع ذلك أصبح أشهر ملوك الحملة الصليبية الثالثة.
وقع في الأسر وهو عائد من حرب صنعت شهرته بالشجاعة.
وكان تحريره يعتمد لا على السيف بل على أن يجمع الآخرون المال.
بنى قلاعًا عظيمة للدفاع عن إمبراطوريته.
ثم مات أمام قلعة صغيرة.
لم يترك ابنًا يرث التاج.
فذهب التاج إلى الأخ الذي حاول الاستفادة من غيابه.
كل مرحلة تقريبًا من حياته تحمل نقيض الصورة التي سبقتها.
ربما لهذا بقي صالحًا للأسطورة.
الملك الذي ربح المعارك وخسر معظم زمن حكمه بعيدًا عن إنجلترا
إذا دخلنا قصة ريتشارد من باب الأسطورة، نجد ملكًا إنجليزيًا شجاعًا يعود يومًا لينقذ شعبه من الأمير جون.
لكن حين ندخل التاريخ تظهر خريطة أخرى.
ريتشارد لا يرى إنجلترا وحدها.
يرى نورماندي.
وأنجو.
وآكيتين.
ويرى فيليب الثاني.
ويرى المتوسط.
ويرى القدس.
إنجلترا جزء مهم من هذا النظام.
غنية.
منظمة.
وقادرة على توفير الموارد.
لكنها ليست عالمه كله.
ربما كان هذا طبيعيًا تمامًا بالنسبة إلى ريتشارد.
نحن الذين جعلناه، بعد قرون، ملكًا قوميًّا إنجليزيًا بالصورة التي لم يكن يعرفها.
القصة الحقيقية أكثر اتساعًا.
كان أمير آكيتين قبل أن يكون ملك إنجلترا.
وتمرد على أبيه.
وتحالف مع ملك فرنسا ثم حاربه.
ذهب لاستعادة القدس فلم يستعدها.
لكن وجوده منع انهيار المشروع الصليبي في الشرق.
هزم صلاح الدين في أرسوف ويافا.
ثم تفاوض معه.
قتل أسرى.
وأرسل المبعوثين.
وتبادل الهدايا عبر الوسطاء.
عاد من الحرب فوقع أسيرًا.
ثم عاد من الأسر ليحارب من جديد.
لم يجلس طويلًا على عرشه لأن العرش عنده لم يكن كرسيًا.
كان شبكة ممتلكات يجب الدفاع عنها باستمرار.
وعندما أصابه سهم القوس في شالوس، لم يكن موجودًا في معركة تحدد مصير العالم.
كان في حصار صغير ضمن الصراع نفسه الذي عاش داخله منذ شبابه.
ذلك السهم أنهى حياة الفارس.
لكن الصورة التي صنعها لم تمت.
وبمرور القرون أصبح ريتشارد قلب الأسد أكبر داخل القصص مما كان داخل إنجلترا التي حكمها.
وهذه ربما مفارقته الأخيرة:
الملك الذي كان غائبًا عن بلاده معظم الوقت…
أصبح واحدًا من أكثر ملوكها حضورًا في الذاكرة.
المصادر والمراجع
- Roger of Howden — Chronica وGesta Regis Henrici Secundi et Ricardi Primi.
- Ambroise — L’Estoire de la Guerre Sainte.
- Itinerarium Peregrinorum et Gesta Regis Ricardi.
- William of Newburgh — Historia Rerum Anglicarum.
- John Gillingham — Richard I.
- John Gillingham — Richard the Lionheart.
- Jean Flori — Richard the Lionheart: Knight and King.
- Christopher Tyerman — God’s War: A New History of the Crusades.
- Jonathan Phillips — The Life and Legend of the Sultan Saladin، للفصول المتعلقة بالحملة الصليبية الثالثة.
- English Heritage — الدراسات المتعلقة بالإمبراطورية الأنجوية وريتشارد الأول.
- The National Archives — سجلات الحكم والضرائب والفدية في عهد ريتشارد الأول.
- Historic Royal Palaces — Richard I and the Angevin monarchy.

