فلسطينيو الشتات — حين صار الوطن أكثر من مكان
قد يولد الفلسطيني في عمّان.
أو بيروت.
أو دمشق.
أو سانتياغو.
أو ديترويت.
وقد يحمل جواز سفر بلد لم يرَ أجداده حدوده يوم غادروا قريتهم الأولى.
وقد يعرف فلسطين من صورة معلقة في غرفة الجلوس.
أو من مفتاح قديم.
أو من اسم قرية لم تعد موجودة بالصورة التي عرفها الجد.
لكن الشتات الفلسطيني ليس قصة مفتاح فقط.
ولا قصة مخيم فقط.
ولا حتى قصة لاجئ فقط.
إنه تاريخ مجتمع كامل أعاد بناء نفسه خارج المكان الذي خرج منه، ثم اكتشف أن الخروج المؤقت يمكن أن يصبح حياة تمتد ثلاثة وأربعة أجيال.
اليوم يعيش ملايين الفلسطينيين خارج فلسطين التاريخية.
وتشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لنهاية سنة 2025 إلى وجود نحو 15.5 مليون فلسطيني في العالم، منهم أكثر من ثمانية ملايين خارج فلسطين التاريخية، مع اختلاف التقديرات تبعًا لتعريف الأصل والإقامة ومصادر البيانات.
لكن الرقم لا يشرح الشتات.
فالشتات ليس مكانًا واحدًا.
الفلسطيني في الأردن لا يعيش التجربة نفسها التي يعيشها الفلسطيني في لبنان.
والفلسطيني في تشيلي ليس مثل الفلسطيني في مخيم بسوريا.
واللاجئ المسجل لدى وكالة الأمم المتحدة ليس بالضرورة مماثلًا لفلسطيني هاجر للعمل من الخليج إلى أمريكا ثم حصل على جنسية جديدة.
كلهم جزء من قصة واحدة.
لكنهم لم يعيشوا الفصل نفسه.
قبل أن يصبح الشتات كلمة
كان الفلسطينيون يسافرون ويهاجرون قبل سنة 1948.
خرج تجار وطلاب وعمال من فلسطين إلى مصر وبلاد الشام وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة وغيرها منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
لذلك لم يبدأ كل وجود فلسطيني خارج فلسطين مع الحرب.
في مدن أمريكا الجنوبية، مثلًا، ظهرت مجتمعات من مهاجري بلاد الشام قبل النكبة بعقود.
وبعض الذين استقروا هناك كانوا قادمين من بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور ومناطق أخرى.
لكن سنة 1948 غيرت معنى الخروج.
قبلها يمكن أن تكون الهجرة بحثًا عن التجارة أو العمل.
بعدها أصبح هناك مجتمع ضخم خرج في سياق الحرب ولم يعد إلى منزله.
من هنا تحول الانتشار من هجرة إلى قضية لجوء جماعية طويلة الأمد.
1948
بين أواخر 1947 وحرب 1948 غادر أو هُجّر مئات الآلاف من العرب الفلسطينيين من المدن والقرى التي أصبحت داخل دولة إسرائيل أو مناطق القتال.
تقدّر الأمم المتحدة عدد اللاجئين الذين كانت تتعامل معهم عند بدء عمليات الإغاثة بنحو 750 ألفًا.
وتقدم مصادر فلسطينية وتاريخية تقديرات مختلفة قليلًا بحسب الفترة وطريقة العد.
كان هناك من فر خوفًا من القتال.
ومن أُخرج بالقوة.
ومن غادر بعد انهيار مدينته أو قريته.
ومن تلقى أوامر عسكرية بالمغادرة.
ومن توقع العودة بعد أيام أو أسابيع.
اختلفت الظروف من مكان إلى آخر.
لكن النتيجة كانت واحدة على مستوى المجتمع:
مئات القرى والأحياء فقدت سكانًا فلسطينيين، وانتقل جزء كبير من السكان إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن ولبنان وسوريا ومناطق أخرى.
بالنسبة إلى الفلسطينيين ستصبح هذه اللحظة:
النكبة.
خيمة يفترض أن تكون مؤقتة
في البداية لم يكن كثير من اللاجئين يتعاملون مع المخيم باعتباره مدينة المستقبل.
الخيمة لا تقول:
سنعيش هنا سبعين عامًا.
تقول:
ننتظر.
أقيمت تجمعات طارئة.
ثم بدأت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى، الأونروا، عملها سنة 1950.
كان الهدف التعامل مع أزمة إنسانية ضخمة.
الغذاء.
والتعليم.
والرعاية الصحية.
والإغاثة.
والتشغيل.
لكن الأزمة التي يُفترض أن تكون مؤقتة لم تحصل على حل سياسي نهائي.
فتحولت الخيمة إلى مأوى.
ثم إلى بيت إسمنتي.
ثم إلى شارع.
ثم إلى حي يحمل اسم المخيم حتى عندما لم يعد فيه شيء يشبه الخيام الأولى.
من هو لاجئ فلسطين لدى الأونروا؟
تعرف الأونروا لاجئ فلسطين، لأغراض التسجيل والخدمات، بأنه الشخص الذي كان مكان إقامته المعتاد في فلسطين خلال الفترة من 1 يونيو 1946 إلى 15 مايو 1948، وفقد منزله ومصدر رزقه نتيجة حرب 1948.
ويمتد استحقاق التسجيل وفق قواعد الوكالة إلى ذرية اللاجئين المسجلين من جهة الأب ضمن شروطها.
اليوم تحتفظ الأونروا بسجلات تقارب 5.9 مليون لاجئ فلسطيني مسجل.
لكن هنا تقع واحدة من أكثر الأخطاء شيوعًا.
عدد الفلسطينيين في الشتات ليس هو عدد المسجلين لدى الأونروا.
والعكس صحيح.
لاجئ لا يعني بالضرورة شتاتًا
تعمل الأونروا في خمسة ميادين:
الأردن.
ولبنان.
وسوريا.
وقطاع غزة.
والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.
إذن عدد كبير من اللاجئين المسجلين يعيش داخل فلسطين التاريخية نفسها، في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وفي المقابل هناك فلسطينيون في أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وأوروبا والخليج ومناطق أخرى ليسوا ضمن مجتمعات اللاجئين المسجلين لدى الأونروا.
لذلك هناك ثلاث دوائر تتقاطع ولا تتطابق:
الفلسطيني.
واللاجئ الفلسطيني.
والفلسطيني في الشتات.
فهم الفرق بينها ضروري قبل أي حديث عن الأرقام.
المخيم ليس كل اللاجئين
توجد صورة أخرى تحتاج إلى التصحيح.
ليس كل لاجئ فلسطيني يعيش في مخيم.
وتقول الأونروا إن نحو ثلث المسجلين فقط يعيشون في 58 مخيمًا معترفًا بها ضمن مناطق عمل الوكالة.
أما البقية فيعيشون في مدن وقرى وأحياء ومناطق خارج المخيمات.
المخيم مهم جدًا في الذاكرة الفلسطينية لأنه أصبح رمزًا للاقتلاع والانتظار.
لكن اختزال ملايين الفلسطينيين في صورة المخيم يحذف تنوعًا اجتماعيًا كاملًا.
هناك الطبيب.
والمهندس.
والعامل.
والأستاذ الجامعي.
ورجل الأعمال.
واللاجئ الفقير.
والأسرة التي حصلت على جنسية بلدها.
والأسرة التي لم تحصل عليها.
كلهم قد يعود أصلهم إلى موجة اللجوء نفسها.
لكن حياتهم بعد ذلك تفرعت في اتجاهات مختلفة.
الأردن
أصبح الأردن أحد أكبر مراكز الوجود الفلسطيني خارج فلسطين التاريخية.
وصل إليه عدد كبير من اللاجئين بعد 1948.
ثم جاءت موجة أخرى كبيرة بعد حرب 1967.
لكن التجربة الأردنية تختلف عن تجارب دول أخرى.
حصل عدد كبير من الفلسطينيين المقيمين في الأردن على الجنسية الأردنية، خصوصًا نتيجة التاريخ السياسي والقانوني للضفة الغربية وعلاقتها بالمملكة بعد 1948، مع وجود فئات فلسطينية في الأردن لها أوضاع قانونية مختلفة.
لذلك لا يمكن وصف المجتمع الفلسطيني في الأردن كله بكلمة «لاجئون» وكأن وضع الجميع واحد.
هناك أردنيون من أصول فلسطينية.
وهناك لاجئون مسجلون.
وهناك فلسطينيون قدموا في موجات مختلفة.
وتوجد مخيمات، وفي الوقت نفسه توجد أجيال أصبحت جزءًا عميقًا من النسيج الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
هنا يصبح سؤال الهوية معقدًا.
هل يكون الإنسان أردنيًا أم فلسطينيًا؟
بالنسبة إلى كثيرين لا توجد ضرورة للاختيار.
يمكن للهوية المدنية أن تكون شيئًا، وذاكرة الأصل شيئًا آخر.
1967
بعد تسعة عشر عامًا من حرب 1948 جاءت حرب يونيو 1967.
احتلت إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، إلى جانب أراضٍ عربية أخرى في الحرب.
وتسببت المعارك وما تلاها في موجة نزوح جديدة.
قدّر تقرير معاصر للأونروا أن أكثر من 300 ألف شخص أصبحوا بلا مأوى أو غادروا بيوتهم نتيجة الحرب، وكان من بينهم عشرات الآلاف ممن كانوا أصلًا لاجئين من حرب 1948.
بالنسبة إلى بعض الأسر كانت هذه هجرة ثانية.
غادرت قرية سنة 1948 إلى مخيم أو مدينة في الضفة الغربية.
ثم غادرت الضفة سنة 1967 إلى الأردن.
هنا يصبح لفظ «البيت» طبقتين.
البيت الذي فُقد أولًا.
والبيت الذي بُني بعده ثم فُقد أيضًا.
لبنان
في لبنان أخذ الشتات شكلًا مختلفًا.
وصل اللاجئون بعد 1948 وأقيمت مخيمات متعددة.
لكن النظام السياسي اللبناني القائم على توازنات طائفية دقيقة جعل الوجود الفلسطيني قضية شديدة الحساسية.
لم يحصل معظم اللاجئين الفلسطينيين على الجنسية اللبنانية.
وعاشوا فترات طويلة مع قيود مختلفة على العمل والتملك والحياة القانونية، تغيرت بعض تفاصيلها عبر العقود.
ثم جاءت الحرب الأهلية اللبنانية.
وأصبحت المخيمات الفلسطينية ومناطق الوجود الفلسطيني جزءًا من صراع أكبر بكثير.
دخلت الفصائل الفلسطينية الحرب.
وتعرض الفلسطينيون أنفسهم لمعارك وحصارات ومجازر.
من تل الزعتر إلى صبرا وشاتيلا ثم حرب المخيمات.
لم يعد المخيم في لبنان مجرد مكان انتظار للعودة.
أصبح كذلك ساحة داخل حرب بلد آخر.
سوريا
استقبلت سوريا هي الأخرى أعدادًا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين بعد 1948.
حصل الفلسطينيون فيها تاريخيًا على كثير من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية مع احتفاظهم بهويتهم القانونية الفلسطينية وعدم منحهم الجنسية السورية بصورة جماعية.
نشأت أحياء وتجمعات أصبحت معروفة بالحضور الفلسطيني.
وأشهرها اليرموك في دمشق.
رغم تسميته الشائعة بالمخيم، تحول اليرموك مع الزمن إلى منطقة حضرية واسعة ومركز اجتماعي واقتصادي مهم للفلسطينيين وغيرهم.
ثم جاءت الحرب السورية بعد 2011.
وجد الفلسطينيون أنفسهم مرة أخرى داخل حرب لم تبدأ بسبب قضيتهم.
حوصرت مناطق.
ودُمر جزء واسع من اليرموك.
وفر فلسطينيون إلى لبنان والأردن وتركيا وأوروبا وغيرها.
مرة أخرى ظهر نمط مؤلم:
اللجوء يمكن أن ينتج لجوءًا ثانيًا وثالثًا.
اللاجئ من اللاجئ
هناك طفل فلسطيني خرج جده من فلسطين سنة 1948.
وولد أبوه في مخيم بسوريا.
ثم خرج هو من سوريا خلال الحرب.
قد يصل إلى أوروبا بوصفه لاجئًا من حرب سورية، بينما يحمل تاريخ أسرته قصة لجوء فلسطيني أقدم.
أي بلد هو المنفى في هذه الحالة؟
سوريا؟
أم فلسطين؟
وأي بيت يريد العودة إليه؟
بيت الجد؟
أم بيت الأب في اليرموك؟
الشتات الطويل يصنع جغرافيا من طبقات.
ولا تعود كلمة «العودة» قادرة وحدها على شرح كل حياة فردية.
الخليج
منذ منتصف القرن العشرين توجه فلسطينيون كثيرون إلى دول الخليج للعمل.
مع توسع اقتصادات النفط والحاجة إلى المعلمين والمهندسين والأطباء والموظفين، شارك الفلسطينيون في بناء قطاعات تعليمية وإدارية ومهنية في دول عدة.
هؤلاء لم يكونوا جميعًا لاجئين بالمعنى القانوني نفسه.
بعضهم جاء من الضفة أو غزة.
وبعضهم من الأردن أو لبنان أو دول أخرى.
نشأت أسر عاشت عقودًا في الكويت والسعودية والإمارات وقطر وغيرها.
لكن طبيعة الإقامة في كثير من دول الخليج كانت مرتبطة بالعمل أكثر من التجنيس الدائم.
وهذا يعني أن الأسرة قد تعيش ثلاثين عامًا في بلد وتبقى قانونيًا مرتبطة بجنسية أو وثيقة أخرى.
الاستقرار لا يعني دائمًا المواطنة.
الكويت وحرب أخرى
قبل حرب الخليج سنة 1990 كان في الكويت مجتمع فلسطيني كبير وفاعل.
لكن أزمة الغزو العراقي للكويت والموقف السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية أثناء الأزمة أحدثا شرخًا حادًا.
بعد تحرير الكويت غادر معظم الفلسطينيين المقيمين فيها خلال فترة قصيرة، بعضهم تحت ضغط مباشر وبعضهم بسبب تغير الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية.
مرة أخرى تحرك مجتمع كامل تقريبًا.
إلى الأردن.
ودول الخليج الأخرى.
وأوروبا.
وأمريكا الشمالية.
الشتات لم يكن خطًا من فلسطين إلى مكان نهائي.
كان شبكة من الطرق التي تتغير كلما تغيرت السياسة.
أمريكا اللاتينية
في أمريكا اللاتينية كانت القصة مختلفة في جزء كبير منها.
فالهجرة الفلسطينية إلى تشيلي وهندوراس والسلفادور ودول أخرى بدأت في أواخر العهد العثماني واستمرت في موجات لاحقة.
كان كثير من المهاجرين الأوائل من المسيحيين الفلسطينيين من منطقة بيت لحم وما حولها.
دخلوا التجارة.
وأسسوا شركات.
وبنوا كنائس ومؤسسات وجمعيات.
واندمج أبناؤهم في المجتمعات الجديدة بدرجات كبيرة.
توجد اليوم في تشيلي خصوصًا واحدة من أبرز الجاليات الفلسطينية خارج العالم العربي.
هناك يمكن أن يكون الفلسطيني من الجيل الرابع أو الخامس.
يتحدث الإسبانية.
ويحمل الجنسية التشيلية.
ولم يعش يومًا في مخيم.
ومع ذلك يحمل اسم بيت لحم أو بيت جالا داخل ذاكرة الأسرة.
هذا أيضًا شتات فلسطيني.
أمريكا الشمالية
وصل فلسطينيون إلى الولايات المتحدة وكندا عبر موجات متعددة.
بعضها بدأ قبل 1948.
ثم ازدادت الهجرة بسبب الحروب والفرص التعليمية والاقتصادية ولمّ شمل الأسر.
نشأت مجتمعات مهمة في مدن ومناطق متعددة.
وهناك أصبح الفلسطيني جزءًا من تجربة الهجرة الأوسع.
يحصل على الجنسية.
يدخل الجامعات.
يعمل في التجارة والطب والهندسة والأكاديميا والإعلام وغيرها.
ثم يظهر سؤال جديد:
ماذا يبقى من الهوية عندما تزول تقريبًا كل الظروف المادية التي صنعتها أول مرة؟
قد لا توجد خيمة.
ولا وكالة إغاثة.
ولا حاجز لغة بعد جيلين.
ومع ذلك يبقى اسم القرية في البيت.
أوروبا
الوجود الفلسطيني في أوروبا أكثر تنوعًا من أن يُرد إلى موجة واحدة.
طلاب بقوا بعد الدراسة.
وعاملون.
وأسر هاجرت من لبنان وسوريا.
ولاِجئون وصلوا نتيجة الحروب المتعاقبة.
وفلسطينيون يحملون وثائق وجنسيات مختلفة.
لذلك تواجه الإحصاءات مشكلة أساسية.
هل تعد الشخص بحسب الجنسية؟
أم الأصل؟
أم مكان الولادة؟
الفلسطيني الذي يحمل جوازًا أردنيًا أو ألمانيًا أو تشيليًا قد لا يظهر في البيانات بوصفه فلسطينيًا أصلًا.
لهذا فإن كل رقم عالمي للفلسطينيين في الشتات يحتوي بالضرورة على تقدير.
فالهوية أسهل على الإنسان من الإحصاء.
المخيم الذي أصبح اسم عائلة موسعًا
المخيم ينتج نوعًا غريبًا من الجغرافيا.
الأسرة تعرف القرية الأصلية.
لكنها تعرف كذلك الزقاق الذي ولدت فيه داخل المخيم.
بعد ثلاثة أجيال قد يصبح الشخص ابن المخيم بقدر ما هو ابن القرية.
يقول:
نحن من صفورية.
أو حيفا.
أو المجدل.
ثم يقول:
أنا من البقعة.
أو الوحدات.
أو عين الحلوة.
أو اليرموك.
المكان المؤقت أصبح مكان ذاكرة هو الآخر.
وهنا تظهر مفارقة.
الاعتراف بالمخيم بوصفه بيتًا اجتماعيًا لا يعني التخلي عن ذاكرة البيت الأول.
الإنسان يستطيع أن ينتمي إلى مكانين حتى لو كان تاريخ العلاقة بينهما مؤلمًا.
المفتاح
أصبح مفتاح البيت القديم أحد أشهر رموز اللجوء الفلسطيني.
تحتفظ أسر بمفاتيح قالت إنها لبيوت تركها الآباء أو الأجداد سنة 1948.
هل يستطيع المفتاح اليوم فتح الباب نفسه؟
في كثير من الحالات لا.
البيت تغير.
أو هُدم.
أو لم يعد موجودًا.
لكن الرمز لا يعيش بسبب قدرته العملية.
يعيش لأنه دليل مادي على جملة:
كان لنا مكان.
قبل أن تتحول القضية إلى قرارات دولية وخرائط ومفاوضات، كان هناك باب.
وكان شخص يملك مفتاحه.
الرموز القوية تحول التاريخ الكبير إلى شيء تستطيع اليد حمله.
اسم القرية
شيء آخر بقي:
الأسماء.
قد يسمي الفلسطيني جمعيته باسم القرية.
أو ينشئ رابطة للعائلات القادمة منها.
وتوجد كتب وخرائط ومشروعات توثيق تجمع أسماء القرى والمواقع والصور والشهادات.
في بعض الأسر يحفظ الطفل اسم قرية لم يرها.
يسأل:
أين نحن منها؟
فيجيبه الجد بمسافة ليست بالكيلومترات.
بل بالذاكرة.
اسم القرية هنا يعمل مثل عنوان لا تصل إليه الرسائل.
لكنه يمنع المكان من الاختفاء الكامل.
هل الهوية تورث؟
القانون يستطيع أن يحدد من يرث الجنسية.
لكن الهوية تعمل بطريقة مختلفة.
طفل مولود في كندا لأبوين مولودين في لبنان لأجداد ولدوا في الجليل قد يقول:
أنا فلسطيني.
وقد يقول:
أنا كندي فلسطيني.
وقد يرى نفسه كنديًا فقط.
ليس هناك جهاز يستطيع فرض شعور واحد على الجميع.
لكن المجتمعات في الشتات تبني مؤسسات تساعد الذاكرة على الانتقال:
العائلة.
والكنيسة.
والمسجد.
والجمعية.
والدبكة.
والطعام.
والأغنية.
واللغة.
والقصة.
أحيانًا يعيش الوطن في وصفة أكثر مما يعيش في خطاب.
المطبخ
المقلوبة.
والمسخن.
والكنافة.
والزعتر.
وزيت الزيتون.
تتحول الأطعمة في الشتات إلى أكثر من طعام.
تصبح طريقة لإعادة المكان على الطاولة.
لكن حتى المطبخ يتغير.
تدخل مكونات البلد الجديد.
وتختلف الأسماء.
وتختلط الوصفات.
وهنا ليست المسألة البحث عن «طبق نقي» لم يتغير منذ قرون.
الثقافات لا تعمل هكذا.
قيمة الطعام أنه يحمل ذاكرة حتى وهو يتكيف.
ربما هذا هو الشتات كله في طبق.
شيء بقي.
وشيء تغير.
ولا تستطيع فصل الاثنين.
اللغة
العربية إحدى أدوات بقاء الهوية.
لكن الأجيال تتعامل معها بطريقة مختلفة.
الجيل الأول يتحدثها كلغة حياة.
الثاني قد يتحدث لغة البيت ولغة البلد.
الثالث قد يفهم أكثر مما يتكلم.
والرابع ربما يتعلم العربية في دورة لكي يستعيد شيئًا فقدته الأسرة في طريق الاندماج.
هذا لا يعني أن الهوية تختفي آليًا مع اللغة.
هناك فلسطينيون في أمريكا اللاتينية لا يتحدثون العربية ويحتفظون بهوية فلسطينية قوية.
لكن اللغة تمنح الذاكرة بابًا إضافيًا.
حين تضيع، يحتاج الجيل التالي إلى ترجمة ما كان الجد يقوله مباشرة.
الفلسطيني ليس تجربة واحدة
هناك خطأ آخر يقع فيه الخطاب العام.
التحدث عن «الفلسطينيين في الشتات» كأنهم طبقة اجتماعية واحدة.
الحقيقة شديدة التنوع.
ثري يملك شركة في سانتياغو.
لاجئ يعيش في مخيم بلبنان.
مهندس في دبي.
طالب في برلين.
عائلة في عمّان تحمل الجنسية منذ عقود.
امرأة خرجت من اليرموك إلى السويد.
كل هؤلاء يمكن أن يدخلوا تحت عنوان واحد.
لكن قدرتهم على السفر والعمل والحصول على التعليم والوثائق ليست متساوية.
الهوية المشتركة لا تلغي الفوارق الطبقية والقانونية.
وأحيانًا يكون جواز السفر أكثر تأثيرًا في الحياة اليومية من الأصل المشترك.
وثيقة السفر
بالنسبة إلى بعض الفلسطينيين لم يكن السؤال:
ما جنسيتك؟
سهلًا أبدًا.
هناك لاجئون يحملون وثائق سفر بدل جوازات وطنية كاملة.
وتختلف القدرة على السفر والحصول على التأشيرات والعمل بحسب الوثيقة والبلد المضيف والوضع القانوني.
هنا يصبح الشتات تجربة بيروقراطية أيضًا.
قد تعرف تمامًا من أنت.
لكن موظف الحدود يريد أن يعرف:
من الدولة التي تضمن هذه الوثيقة؟
الإنسان يحمل هوية.
والنظام الدولي يريد جنسية.
وحين لا يتطابق الاثنان تبدأ سلسلة من المشكلات التي لا تظهر في القصائد عن المنفى.
منظمة التحرير والشتات
بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 ثم صعود الفصائل الفلسطينية بعد حرب 1967، أصبح الشتات مركزًا أساسيًا للسياسة الفلسطينية.
الأردن.
ثم لبنان بدرجة كبيرة.
ثم تونس بعد خروج قيادة المنظمة من بيروت سنة 1982.
لم تكن الحركة الوطنية الفلسطينية تعمل من دولة فلسطينية مستقلة.
كانت تعمل من المنافي.
وهذا جعل الشتات ليس مجرد موضوع للسياسة الفلسطينية.
كان المكان الذي صُنعت فيه السياسة نفسها لفترات طويلة.
لكن وجود فصائل مسلحة داخل دول مضيفة خلق كذلك صدامات مع سلطات ومجتمعات محلية.
أبرزها أحداث الأردن في 1970-1971 ثم التعقيدات العميقة للحرب اللبنانية.
المنفى يستطيع أن يمنح الحركة مساحة.
ويستطيع أن يجعلها ضيفًا مسلحًا داخل دولة لها حساباتها الخاصة.
بيروت 1982
كان لبنان مركزًا رئيسيًا لمنظمة التحرير وفصائلها في السبعينيات وبدايات الثمانينيات.
في 1982 اجتاحت إسرائيل لبنان، ووصلت الحرب إلى بيروت.
بعد حصار طويل خرجت قيادة منظمة التحرير ومقاتلون فلسطينيون إلى دول عربية مختلفة.
انتقل مركز القيادة إلى تونس.
ثم وقعت مذبحة صبرا وشاتيلا في سبتمبر 1982، عندما قتلت ميليشيات لبنانية أعدادًا كبيرة من المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين داخل المخيمين ومحيطهما، بينما كانت القوات الإسرائيلية تسيطر عسكريًا على المنطقة المحيطة؛ وقد خلصت لجنة كاهان الإسرائيلية لاحقًا إلى مسؤولية غير مباشرة لقيادات إسرائيلية عن عدم منع خطر المذبحة.
مرة أخرى أصبح المخيم عنوانًا لمأساة جديدة بعد مأساة 1948.
الشتات والقرار الفلسطيني
ظلت هناك معضلة:
كيف تمثل حركة وطنية شعبًا موزعًا في دول كثيرة، لكل مجتمع منها ظروفه القانونية والسياسية؟
الفلسطيني في غزة له أولويات يومية مختلفة عن الفلسطيني في لبنان.
والفلسطيني في الداخل له وضع آخر.
واللاجئ في الأردن ليس المهاجر في تشيلي.
مع ذلك يحتاج المشروع الوطني إلى لغة مشتركة.
أصبح حق العودة.
والدولة.
والتمثيل.
والهوية.
محاور تجمع مجموعات مختلفة، لكن تفسيرها السياسي وطرق تحقيقها بقي موضع خلاف فلسطيني ودولي واسع.
الشتات ليس كتلة سياسية تصوت بعقل واحد.
إنه مجتمع عالمي يحمل خلافاته معه أيضًا.
أوسلو وسؤال من يمثل من؟
عندما بدأت عملية أوسلو في التسعينيات وأُنشئت السلطة الفلسطينية في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، انتقل جزء كبير من مركز السياسة الفلسطينية من الخارج إلى الداخل.
كان ذلك تحولًا كبيرًا.
لكن ملايين الفلسطينيين ظلوا خارج الأراضي التي تديرها السلطة.
بالنسبة إلى الشتات، ظهرت أسئلة جديدة.
أين موقع اللاجئين في التسوية النهائية؟
ماذا يحدث لحق العودة؟
من يمثل المجتمعات الموجودة خارج مناطق السلطة؟
هذه القضايا بقيت من أعقد ملفات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولم تُحسم باتفاق نهائي.
وهكذا بقي الشتات بعد أوسلو واقعًا لا تستطيع مؤسسة داخل الضفة وغزة وحدها أن تختصره.
أرقام اليوم
تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لنهاية سنة 2025 تشير إلى وجود نحو 15.5 مليون فلسطيني في العالم، يعيش أكثر من ثمانية ملايين منهم خارج فلسطين التاريخية، ومعظم هؤلاء في الدول العربية.
أما الأونروا فتسجل نحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني ضمن مناطق عملها الخمس.
لا ينبغي جمع الرقمين أو مقارنتهما وكأنهما يقيسان الشيء نفسه.
الأول تقدير ديموغرافي للأشخاص الفلسطينيين بحسب تعريفات ومنهجية إحصائية.
والثاني سجل إداري لفئة محددة من اللاجئين وذريتهم المستحقين للتسجيل لدى وكالة أممية.
الأرقام مهمة.
لكن حدودها مهمة أيضًا.
عندما يصبح العدد أكبر من سكان الوطن
هذه إحدى المفارقات الكبرى.
تشير التقديرات الفلسطينية الحالية إلى أن أكثر من نصف الفلسطينيين يعيشون خارج فلسطين التاريخية.
أي أن الشتات ليس هامشًا حول المجتمع.
إنه جزء هائل منه.
وبذلك يصبح السؤال الفلسطيني مختلفًا عن أسئلة هجرة كثيرة.
كيف تبني تصورًا لمستقبل شعب عندما يعيش جزء كبير منه خارج المكان محل النزاع؟
هل الوطن هو الأرض التي يعيش فيها السكان؟
أم الأرض التي خرج منها الأجداد؟
أم شبكة بشرية تمتد بين الاثنين؟
الديموغرافيا حولت الفلسفة إلى سؤال سياسي حقيقي.
هل يذوب الشتات مع الزمن؟
توقع كثيرون عبر التاريخ أن الأجيال الجديدة ستندمج ببساطة في المجتمعات المضيفة وتنسى الأصل.
حدث الاندماج فعلًا بدرجات كبيرة.
حصل فلسطينيون على جنسيات.
وتزوجوا من مجتمعات أخرى.
وتغيرت لغاتهم.
ونجحوا اقتصاديًا واجتماعيًا.
لكن الاندماج لم يؤدِ تلقائيًا إلى اختفاء الهوية الفلسطينية.
أحيانًا يحدث العكس.
كلما ابتعد الجيل عن التجربة الأصلية، يبحث عن طرق جديدة لاستعادتها.
الجد عاش القرية ولم يحتج إلى متحف لها.
الحفيد الذي لم يرها قد يحتاج إلى خريطة وصورة وأرشيف رقمي لكي يبني علاقته بها.
التكنولوجيا تغير المنفى
كان الشتات سابقًا يعتمد على الرسالة.
ثم الهاتف.
ثم شريط الفيديو.
اليوم يمكن لشخص في تشيلي أن يرى شارعًا في بيت لحم مباشرة على هاتفه.
وتستطيع أسرة موزعة بين خمس دول أن تتحدث في اللحظة نفسها.
وتوجد خرائط رقمية وصور أقمار صناعية وأرشيفات للقرى وشهادات مصورة.
المسافة الجغرافية بقيت.
لكن المسافة البصرية تقلصت.
وهذا يخلق نوعًا جديدًا من الشتات.
الإنسان بعيد جسديًا.
لكنه يعيش الحدث اليومي عبر شاشة في جيبه.
المنفى لم يعد يعني غياب الصورة.
أحيانًا يعني فائضها.
ماذا يفعل البعد بالذاكرة؟
يجعلها انتقائية.
الجد يتذكر تفاصيل متناقضة.
الحفيد قد يحتفظ بأجملها فقط.
القرية تصبح زيتونًا وبيوتًا حجرية وموسم حصاد.
لكن الحياة الأصلية كانت تحتوي الفقر والخلافات والعمل الصعب والفوارق الاجتماعية مثل أي مجتمع.
الحنين يزيل أحيانًا الأشياء التي لم تكن جميلة.
وهذا طبيعي إنسانيًا.
لكن التاريخ يحتاج إلى التمييز بين القرية كما كانت والقرية كما أصبحت داخل ذاكرة الشتات.
كلاهما حقيقي بطريقته.
لكنهما ليسا الشيء نفسه.
نجاح لا يلغي الفقد
هناك ميل إلى روايتين متقابلتين.
الأولى ترى الفلسطيني في الشتات ضحية دائمة لا يفعل شيئًا إلا انتظار العودة.
والثانية تحتفل بقصص النجاح لتقول إن المجتمع تجاوز اللجوء.
كلاهما ناقص.
يمكن للأسرة أن تنجح اقتصاديًا بدرجة كبيرة.
وتظل ترى نفسها أسرة اقتُلعت من مكان.
يمكن للاجئ أن يصبح أستاذ جامعة.
ولا تتوقف بذلك قصة أصل أسرته عن الوجود.
النجاح والفقد ليسا نقيضين.
الإنسان قادر على بناء حياة جديدة من دون أن يعتبر أن الحياة القديمة لم تكن مهمة.
الوطن الثاني ليس عدو الوطن الأول
هذه نقطة حساسة في تجارب الشتات كلها.
الفلسطيني الذي أصبح مواطنًا في الأردن أو تشيلي أو الولايات المتحدة يستطيع أن يحب البلد الذي يعيش فيه وينتمي إليه.
ولا يعني ذلك بالضرورة التخلي عن أصل فلسطيني.
والعكس صحيح.
التعلق بفلسطين لا يعني بالضرورة رفض المجتمع الذي منح الأسرة بيتًا جديدًا.
الهوية الحديثة يمكن أن تكون متعددة.
المشكلة تبدأ عندما يُطلب من الإنسان إثبات ولائه بحذف نصف سيرته.
بعد أجيال من الشتات، أصبح كثير من الفلسطينيين أبناء وطنين أو أكثر.
هذا ليس ضعفًا في الهوية.
إنه نتيجة تاريخها.
الفلسطيني الذي عاد ولم «يعد»
بعد اتفاقات أوسلو عاد عشرات الآلاف من الفلسطينيين من الخارج إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، بينهم كوادر في منظمة التحرير وأسرهم وغيرهم.
لكن حتى كلمة العودة حملت مفارقة.
شخص ولد في تونس أو الكويت أو بيروت قد يصل إلى غزة لأول مرة ويسمي الرحلة «عودة».
كيف يعود إنسان إلى مكان لم يولد فيه؟
لأن الذاكرة العائلية لا تستخدم القاموس نفسه الذي تستخدمه شركات الطيران.
بالنسبة إلى الفرد:
إنها أول زيارة.
وبالنسبة إلى القصة التي ورثها:
إنها عودة.
من يملك تعريف الفلسطيني؟
الدولة؟
الوثيقة؟
الأب؟
الأم؟
اللغة؟
مكان الولادة؟
الذاكرة؟
لا توجد إجابة واحدة تكفي لكل سياق.
في القانون تستخدم تعريفات محددة بحسب الجنسية أو التسجيل أو الوثائق.
أما في المجتمع فتعمل الهوية بطرق أوسع.
يمكن لإنسان أن يكون فلسطيني الأصل ولا يحمل أي وثيقة فلسطينية.
ويمكن أن يحمل وثيقة فلسطينية ويعيش طوال حياته خارج المنطقة.
كلما طال الشتات أصبح التناقض أوضح.
الدولة تريد خانات ثابتة.
والتاريخ ينتج بشرًا لا يدخلون دائمًا فيها بسهولة.
ما الذي جمعهم إذن؟
ليس الوضع القانوني.
ولا اللغة وحدها.
ولا الدين، فالفلسطينيون مسلمون ومسيحيون ومجتمعات أخرى صغيرة.
ولا الطبقة.
ولا بلد الإقامة.
الذي جمع الشتات بدرجة كبيرة هو ذاكرة أصل مشترك وتجربة تاريخية مرتبطة بفلسطين، حتى عندما اختلف الناس في تفسيرها السياسي أو طريقة التعامل معها.
لهذا يستطيع شخص في مخيم بلبنان وشخص في سانتياغو أن يستخدم الاسم نفسه:
فلسطيني.
مع أن حياتيهما اليومية قد لا تتشابهان تقريبًا.
الهوية هنا ليست وصفًا للحياة الحالية فقط.
إنها كذلك وصف للطريق الذي أوصل الأسرة إليها.
المفارقة
كان اللجوء في الأصل نتيجة خروج من المكان.
لكن الشتات الفلسطيني ساهم مع الزمن في إبقاء المكان حاضرًا.
في المدرسة.
والجمعية.
والقصيدة.
واللوحة.
والتجارة.
والجامعة.
والمطبخ.
والسياسة.
والأرشيف.
والاسم.
كل جيل ولد أبعد جغرافيًا وجد وسيلة جديدة لإعادة فلسطين إلى حياته.
هذا لا يعني أن الذاكرة بقيت كما هي.
تغيرت.
واختلطت.
وتعددت.
لكنها لم تختفِ بالطريقة التي قد يتوقعها من ينظر إلى المنفى كأنه آلة للنسيان.
المنفى يستطيع أن يبعد الإنسان عن المكان.
ويستطيع في الوقت نفسه أن يجعل المكان أكثر حضورًا داخل الذاكرة.
حين صار الوطن أكثر من مكان
ربما لا توجد صورة واحدة قادرة على اختصار الفلسطينيين في الشتات.
الخيمة مشهورة.
لكنها لا تكفي.
المفتاح مشهور.
لكنه لا يكفي.
جواز السفر لا يكفي.
ولا خريطة فلسطين.
ولا صورة الجد.
الشتات الفلسطيني اليوم يمتد من مخيمات لا تزال تحمل آثار 1948 إلى أسر اندمجت منذ أكثر من قرن في أمريكا اللاتينية.
بين الاثنين ملايين القصص.
شخص لا يستطيع السفر بسهولة بسبب وثيقته.
وشخص يحمل جوازًا من أقوى جوازات العالم.
طفل يتعلم العربية لأنه فقدها أبوه.
وطفل يعيش في بيت لم تتوقف العربية فيه منذ خروج الجد.
رجل يعرف رقم قطعة الأرض القديمة.
وآخر لا يعرف إلا اسم المدينة.
امرأة ورثت مفتاحًا.
وأخرى ورثت وصفة.
وثالثة ورثت قصة لا تعرف كم بقي منها مطابقًا لما حدث فعلًا.
لكن كل ذلك يكشف شيئًا واحدًا.
حين يطول الشتات بما يكفي، لا يعود الوطن مجرد نقطة على الخريطة.
يصبح مجموعة علاقات بين البشر والأماكن والذكريات.
وهنا توجد المفارقة الأصعب.
الفلسطيني الذي يبني بيتًا جديدًا يحتاج إلى أن يسمح لنفسه بأن يعيش.
وإذا عاش طويلًا بما يكفي يصبح البيت الجديد حقيقيًا أيضًا.
يولد الأطفال فيه.
ويموت الآباء فيه.
وتصبح له ذاكرة.
وبعد جيلين قد يجد الإنسان نفسه يحمل حنينين:
إلى مكان خرج منه الجد.
وإلى مكان خرج منه الأب.
لهذا فإن الشتات ليس انتظارًا متجمدًا منذ 1948.
إنه مجتمع عاش سبعة عقود وأكثر، وأنشأ حياة كاملة خلال الانتظار.
وهذه الحياة لا تلغي القضية التي بدأت منها.
لكنها تجعلها أكثر تعقيدًا من صورة لاجئ أمام خيمة.
خلف كل رقم في إحصاءات الشتات يوجد إنسان استطاع أن يفعل شيئًا شديد الصعوبة:
أن يبني حياة في مكان جديد من دون أن يكون مضطرًا إلى محو المكان السابق من ذاكرته.
ربما لهذا بقيت فلسطين حاضرة في أماكن تبعد عنها آلاف الكيلومترات.
ليس لأن الزمن توقف.
بل لأن الزمن استمر.
وحمل الناس القصة معهم.
المصادر والمراجع
– وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى — UNRWA — سجلات وتعريفات وأرقام لاجئي فلسطين.
– الأمم المتحدة — تقارير لاجئي فلسطين والمهجرين نتيجة حرب 1967.
– الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني — التقديرات السكانية للفلسطينيين في فلسطين التاريخية والشتات، 2025–2026.
– Helena Lindholm Schulz — The Palestinian Diaspora: Formation of Identities and Politics of Homeland.
– Laurie A. Brand — Palestinians in the Arab World: Institution Building and the Search for State.
– Rosemary Sayigh — Palestinians: From Peasants to Revolutionaries.
– Salim Tamari — Mountain Against the Sea: Essays on Palestinian Society and Culture.
– Rashid Khalidi — Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness.
– Benny Morris — 1948: A History of the First Arab-Israeli War.
– Walid Khalidi — All That Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948.
– United Nations High Commissioner for Refugees — مواد الحماية واللجوء المتعلقة بالفلسطينيين خارج نطاق عمليات الأونروا.

