فلسطينيو غزة — حين صار الشريط الصغير يحمل تاريخًا أكبر من مساحته
على خريطة العالم، يبدو قطاع غزة صغيرًا إلى حد يمكن معه تغطيته بإصبع.
شريط ساحلي ضيق على البحر المتوسط.
لكن التاريخ لم يعامله يومًا باعتباره مكانًا صغيرًا.
مرت عليه جيوش وإمبراطوريات.
وكانت مدينة غزة نفسها محطة على طرق التجارة بين مصر وبلاد الشام منذ العصور القديمة.
ثم جاءت سنة 1948.
وفي سنوات قليلة تغير معنى المكان كله.
لم تعد غزة مجرد مدينة تحيط بها بلدات وقرى.
أصبحت ملجأً لمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين خرجوا من المجدل ويافا وبئر السبع وعشرات القرى والمدن الأخرى.
ارتفع عدد السكان في مساحة محدودة بصورة هائلة.
ظهرت المخيمات.
ثم أصبحت الخيمة بيتًا.
والبيت حيًا.
والحي مدينة.
وبعد أجيال صار أكثر سكان القطاع من عائلات تحمل ذاكرة مكان آخر أيضًا.
ثم جاءت حرب 1967.
والاحتلال.
والانتفاضات.
وأوسلو.
والسلطة الفلسطينية.
والانسحاب الإسرائيلي سنة 2005.
وفوز حماس بالانتخابات.
والانقسام الفلسطيني.
والحصار.
وجولات الحرب.
ثم 7 أكتوبر 2023 والحرب التي أعادت تشكيل غزة على نحو أكثر عنفًا من أي مرحلة عرفها معظم سكانها الأحياء.
قصة غزة ليست قصة حرب واحدة.
إنها قصة مكان ضاق جغرافيًا بينما اتسع تاريخه حتى أصبح من الصعب على جيل أن يرثه من دون أن يرث معه حربًا سابقة.
غزة قبل القطاع
لم يكن «قطاع غزة» كيانًا سياسيًا مستقلًا قبل 1948 بالشكل الذي نعرفه اليوم.
كانت مدينة غزة جزءًا من فلسطين الانتدابية، تحيط بها بلدات وقرى ومجال اقتصادي متصل ببقية فلسطين.
كانت الطرق تتجه شمالًا نحو يافا والقدس، وجنوبًا نحو سيناء ومصر.
وكان سكان المنطقة يعملون ويتاجرون ويتحركون خارج الحدود التي ستصبح لاحقًا حدود القطاع.
الحرب هي التي صنعت الشريط السياسي.
بعد حرب 1948 بقيت منطقة ساحلية صغيرة تحت السيطرة المصرية.
ومن خطوط الهدنة ظهرت الحدود التي ستعرف باسم قطاع غزة.
أي أن الجغرافيا الحالية لم تكن نتيجة تاريخ طبيعي طويل.
كانت نتيجة حرب.
عندما تضاعف السكان فجأة
كان يعيش في المنطقة التي أصبحت قطاع غزة نحو ثمانين إلى مئة ألف شخص تقريبًا قبل موجة اللجوء الكبرى.
ثم وصل إليها نحو مئتي ألف لاجئ فلسطيني من المناطق التي أصبحت داخل إسرائيل.
في فترة قصيرة أصبح عدد السكان أكثر من ثلاثة أضعاف تقريبًا.
لا توجد بنية تحتية تستطيع التعامل بسهولة مع تغير بهذا الحجم.
الماء نفسه.
الأرض نفسها.
الطرق نفسها.
لكن عدد الأفواه والبيوت المطلوبة أصبح مختلفًا بالكامل.
لم تكن غزة قد أصبحت فقيرة لأنها بعيدة عن العالم فقط.
كانت قد فقدت كذلك روابطها الاقتصادية القديمة مع بقية فلسطين.
المدينة التي كانت جزءًا من شبكة تجارية أصبحت شريطًا محدود الحركة.
ومنذ ذلك الوقت سيصبح الاكتظاظ واحدًا من السمات الأساسية في تاريخها.
اللاجئ الذي لم يغادر فلسطين كثيرًا
المسافة بين بعض القرى التي خرج منها اللاجئون وقطاع غزة ليست كبيرة.
مئات الآلاف لم يسافروا إلى قارة أخرى.
بعضهم تحرك عشرات الكيلومترات فقط.
لكن خط الهدنة جعل المسافة الصغيرة حدًا سياسيًا.
الأسرة التي خرجت من المجدل مثلًا يمكن أن تكون قريبة جغرافيًا من المكان الذي تركته، لكنها غير قادرة على العودة إليه.
وهكذا ظهر في غزة نوع من المنفى الغريب.
الوطن القديم قريب.
لكن الوصول إليه أبعد من الخريطة.
المخيم
جباليا.
والشاطئ.
والنصيرات.
والبريج.
والمغازي.
ودير البلح.
وخانيونس.
ورفح.
أسماء المخيمات أصبحت جزءًا من جغرافيا غزة.
أنشئت لتكون حلًا مؤقتًا للاجئين.
لكن المؤقت طال.
الخيمة أصبحت غرفة من الإسمنت.
ثم طابقًا ثانيًا.
ثم ثالثًا.
والطرق الضيقة التي لم تصمم لمدينة دائمة أصبحت شوارع لمجتمع كامل.
بعد ثلاثة أجيال يستطيع الإنسان أن يقول:
أنا من جباليا.
ثم يقول في الجملة التالية:
أصلنا من قرية قرب عسقلان.
المخيم لم يمحُ القرية.
لكنه أصبح مكانًا حقيقيًا هو الآخر.
الإدارة المصرية
من سنة 1948 حتى 1967 خضع قطاع غزة للإدارة المصرية، باستثناء فترة الاحتلال الإسرائيلي القصيرة خلال أزمة السويس 1956-1957.
مصر لم تضم القطاع إليها كما ضم الأردن الضفة الغربية في تلك المرحلة.
ولم يحصل سكان غزة بصورة جماعية على الجنسية المصرية.
بقي القطاع منفصلًا سياسيًا وقانونيًا.
ظهرت حكومة عموم فلسطين في غزة سنة 1948 بدعم من الجامعة العربية ومصر، لكنها لم تتحول إلى دولة فلسطينية قادرة على ممارسة سيادة حقيقية مستقلة.
بقي القرار الفعلي في يد الإدارة المصرية.
وهكذا عاش الفلسطيني في غزة داخل أرض فلسطينية ليست دولة مستقلة ولا جزءًا مدمجًا بالكامل في الدولة التي تديرها.
هذا الوضع الوسيط سيظهر بأشكال مختلفة مرة بعد مرة.
فقر المكان
لم تكن غزة تملك الموارد التي تكفي مجتمعًا تضاعف مرات.
مساحة زراعية محدودة.
عدد هائل من اللاجئين.
وفرص قليلة.
اعتمد كثيرون على خدمات الأونروا.
مدرسة.
وعيادة.
وحصص غذائية.
لكن التعليم الذي قدمته الوكالة أصبح مع الوقت واحدًا من أهم منافذ المجتمع.
الأسرة التي لا تملك أرضًا تستثمر في الطفل.
والمعلم يصبح مهنة.
والشهادة يمكن أن تخرج من القطاع حتى عندما لا يستطيع صاحب الأرض استعادة أرضه.
من هذه البيئة ستنشأ أجيال من المدرسين والأطباء والمهندسين والموظفين الذين سيعمل بعضهم لاحقًا في الخليج ودول عربية أخرى.
1956
خلال أزمة السويس احتلت القوات الإسرائيلية قطاع غزة لفترة قصيرة.
وقعت خلال هذه الفترة أعمال قتل للمدنيين وأسرى أو مشتبه بهم في خانيونس ورفح، وتناولت تقارير الأمم المتحدة أحداثًا وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
انسحبت القوات الإسرائيلية من القطاع في 1957 تحت ضغط دولي.
عادت الإدارة المصرية.
لكن التجربة كشفت لسكان القطاع أن خطوط 1949 ليست نهاية الحرب.
غزة ستظل مرتبطة بالصراع الأكبر مهما بدا أنها خارج مركزه للحظة.
1967
في يونيو 1967 تغير كل شيء مرة أخرى.
احتلت إسرائيل قطاع غزة وسيناء والضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان خلال حرب الأيام الستة.
دخلت غزة مرحلة الحكم العسكري الإسرائيلي.
بالنسبة إلى مجتمع تشكل نصفه تقريبًا من اللاجئين وذريتهم، حمل الاحتلال مفارقة جديدة.
إسرائيل التي قامت خلف الحدود التي خرجت منها أسر كثيرة أصبحت الآن السلطة التي تحكم مكان لجوئهم أيضًا.
لم يعد الخط الفاصل بين اللاجئ وإسرائيل موجودًا على الحدود فقط.
دخل إلى الحياة اليومية.
الاحتلال لا يعني حياة واحدة ثابتة
استمر الاحتلال الإسرائيلي المباشر للقطاع من 1967 حتى ترتيبات أوسلو في التسعينيات، مع تغيرات كبيرة داخل هذه العقود.
كان هناك حكم عسكري.
ومستوطنات إسرائيلية.
وقواعد وقوات.
وفي الوقت نفسه أصبح عشرات الآلاف من سكان غزة يعملون في إسرائيل في مراحل مختلفة.
يمكن للعامل أن يعبر صباحًا ليعمل في البناء أو الزراعة أو الخدمات، ثم يعود مساءً إلى القطاع.
الاقتصاد أصبح مرتبطًا بدرجة كبيرة بالسوق الإسرائيلية.
العلاقة لم تكن فصلًا تامًا.
كانت سيطرة وتبعية وحركة عمل في الوقت نفسه.
وهذا جعل أي إغلاق للمعابر قادرًا على ضرب الاقتصاد بسرعة.
المخيم يصنع السياسة
في بيئة اللاجئين ظهرت السياسة الفلسطينية بأشكال متعددة.
منظمة التحرير.
وحركة فتح.
والجبهة الشعبية.
والجهاد الإسلامي لاحقًا.
وحماس.
لم تكن غزة مجرد مكان تستقبل فيه الفصائل المؤيدين.
المخيم نفسه كان بيئة سياسية.
البيت ضيق.
والعائلة تحمل ذاكرة قرية مفقودة.
والاحتلال حاضر.
والشباب يواجهون بطالة وفرصًا محدودة.
هذه الظروف لا تنتج موقفًا سياسيًا واحدًا بصورة آلية.
لكنها تجعل السياسة جزءًا من الحياة اليومية بدرجة يصعب فصلها عنها.
الانتفاضة الأولى بدأت من غزة
في ديسمبر 1987 وقع حادث سير في جباليا أدى إلى مقتل عمال فلسطينيين عندما اصطدمت مركبة عسكرية إسرائيلية بمركبتهم.
جاء الحادث في مناخ مشحون أصلًا بالاحتلال والاحتجاجات والعنف.
اندلعت تظاهرات في مخيم جباليا.
ثم انتقلت بسرعة إلى بقية غزة والضفة الغربية.
بدأت الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
الحجارة.
والإضرابات.
والمقاطعة.
واللجان الشعبية.
والاعتقالات.
والاشتباكات.
غزة التي بدت في الخمسينيات مجرد مساحة للاجئين أصبحت في أواخر الثمانينيات منطلقًا لتحول سياسي فلسطيني كبير.
حماس
في بدايات الانتفاضة الأولى تأسست حركة المقاومة الإسلامية، حماس، في غزة عام 1987، بجذور مرتبطة بالحركة الإسلامية الفلسطينية وشبكة مؤسسات اجتماعية ودينية سبقتها.
قدمت الحركة نفسها بوصفها حركة إسلامية مقاومة للاحتلال ومنافسًا تدريجيًا لمنظمة التحرير وفصائلها القومية واليسارية.
ومع مرور الوقت أصبحت غزة مركز قوتها الأهم.
هذه النقطة ستكون حاسمة بعد عشرين عامًا.
فالانقسام الذي سيظهر سنة 2007 لم يهبط على القطاع فجأة.
كانت جذوره في منافسة طويلة بين مشروعين سياسيين فلسطينيين مختلفين.
أوسلو
في 1993 وقعت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية إعلان المبادئ المعروف باتفاق أوسلو.
وفي السنة التالية بدأت السلطة الفلسطينية ممارسة صلاحيات في أجزاء من غزة وأريحا.
عاد ياسر عرفات وقيادات منظمة التحرير إلى غزة في 1994.
بالنسبة إلى بعض الفلسطينيين كانت اللحظة بداية انتقال من الاحتلال إلى بناء الدولة.
وبالنسبة إلى منتقدي الاتفاق كانت السلطة محدودة بينما بقيت السيطرة الإسرائيلية على عناصر أساسية، وتأجلت القضايا الكبرى مثل القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود إلى مفاوضات الوضع النهائي.
في غزة ظهر للمرة الأولى منذ عقود جهاز حكم فلسطيني واسع.
وزارات.
وشرطة.
ومؤسسات.
لكن الدولة لم تأتِ.
غزة والبحر الذي لا يكفي
قطاع غزة يملك شاطئًا طويلًا نسبيًا مقارنة بحجمه.
ومن السهل أن ننظر إلى البحر ونتخيل بابًا مفتوحًا للعالم.
لكن البحر نفسه خضع لقيود أمنية إسرائيلية متفاوتة على مناطق الصيد والحركة البحرية.
لم يتحول إلى ميناء دولي حر يربط غزة بالأسواق العالمية.
المطار الفلسطيني الدولي افتتح قرب رفح سنة 1998.
كان رمزًا مهمًا.
للمرة الأولى يستطيع فلسطينيون السفر من منشأة تحمل العلم الفلسطيني.
لكن المطار لم يعش طويلًا.
تعرض مدرجه ومنشآته للتدمير خلال الانتفاضة الثانية ولم يعد يعمل.
في غزة تتكرر القصة نفسها.
باب يفتح.
ثم يغلق.
الانتفاضة الثانية
في سنة 2000 اندلعت الانتفاضة الثانية.
كانت أشد تسليحًا وعنفًا من الأولى.
وقعت هجمات فلسطينية ضد إسرائيليين، بينها تفجيرات استهدفت مدنيين.
ونفذت إسرائيل عمليات عسكرية واسعة واغتيالات وعمليات توغل وهدم.
ازدادت القيود على حركة سكان غزة.
وتراجع عدد العمال الذين يستطيعون الوصول إلى إسرائيل.
واشتدت الأزمة الاقتصادية.
في هذه المرحلة تراجع نموذج التسعينيات الذي تخيل أن الحدود ستصبح أكثر انفتاحًا بالتدريج.
بدأ الاتجاه المعاكس.
المعابر أصبحت أكثر مركزية.
ومن يسيطر على المعبر يسيطر على جزء كبير من حياة القطاع.
المستوطنات داخل غزة
حتى سنة 2005 كانت توجد مستوطنات إسرائيلية داخل القطاع، أبرز تجمعاتها في منطقة غوش قطيف.
عاش فيها آلاف المستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الجيش.
كانت الطرق والمناطق الأمنية المرتبطة بالمستوطنات مصدر احتكاك دائم مع السكان الفلسطينيين.
بالنسبة إلى إسرائيل، كانت المستوطنات موطنًا لمواطنين يعيشون في أرض تعتبرها قطاعات إسرائيلية ذات أهمية أمنية أو تاريخية.
أما المجتمع الدولي والأمم المتحدة فاعتبرا المستوطنات في الأراضي المحتلة مخالفة للقانون الدولي.
في 2005 قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون تنفيذ انسحاب أحادي الجانب.
2005
في أغسطس وسبتمبر 2005 أخلت إسرائيل جميع مستوطنيها من قطاع غزة وأزالت الوجود العسكري الدائم من داخله.
كانت الصور استثنائية.
جنود إسرائيليون يخرجون مستوطنين إسرائيليين بالقوة من بعض المواقع.
ثم تغادر آخر القوات.
لأول مرة منذ 1967 لم تعد هناك مستوطنات إسرائيلية أو قواعد دائمة داخل القطاع.
بالنسبة إلى إسرائيل، أنهى «فك الارتباط» الاحتلال المباشر لغزة.
أما الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر وجهات قانونية أخرى فواصلت اعتبار القطاع جزءًا من الأرض الفلسطينية المحتلة، مستندة إلى استمرار إسرائيل في السيطرة على المجال الجوي والبحري وجوانب واسعة من الحدود والسجل السكاني والحركة.
إذن حتى تعريف ما حدث أصبح موضع خلاف.
هل أصبحت غزة حرة سنة 2005؟
إذا كان المقصود:
هل بقي جيش إسرائيلي منتشرًا دائمًا داخل المدن والمستوطنات؟
لا.
لقد انسحب.
وإذا كان السؤال:
هل أصبحت غزة دولة ذات سيادة كاملة على حدودها وسمائها وبحرها وتجارتها؟
أيضًا لا.
استمرت إسرائيل في السيطرة على معظم نقاط الدخول والخروج، والمجالين الجوي والبحري، بينما أصبح معبر رفح مع مصر يعمل وفق ترتيبات خاصة شاركت فيها السلطة الفلسطينية ومصر والاتحاد الأوروبي ومراقبة إسرائيلية غير مباشرة.
غزة حصلت على إدارة داخلية أوسع.
لكنها لم تحصل على سيادة دولة مستقلة.
الانتخابات
في يناير 2006 جرت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني.
حققت قائمة حماس فوزًا واضحًا بالمقاعد وهزمت حركة فتح التي هيمنت طويلًا على السلطة الفلسطينية.
كان التصويت في الضفة الغربية وقطاع غزة معًا.
لم يصوت سكان غزة وحدهم لحماس.
لكن نتيجة الانتخابات غيرت بنية السلطة.
شكّلت حماس الحكومة.
وطالبت اللجنة الرباعية الدولية الحكومة الفلسطينية بالالتزام باللاعنف والاعتراف بإسرائيل وقبول الاتفاقات السابقة.
رفضت حماس هذه الشروط بصيغتها المطلوبة.
توقفت أو قُيدت مساعدات واتصالات دولية مهمة.
وبدأ الصراع داخل النظام الفلسطيني نفسه يتفاقم.
فلسطيني ضد فلسطيني
كانت فتح تسيطر على أجزاء كبيرة من أجهزة الأمن والسلطة.
وحماس تملك الحكومة وقوة عسكرية وتنظيمية كبيرة.
ازداد التوتر.
اشتباكات.
واغتيالات.
ومحاولات تسوية.
في فبراير 2007 توسطت السعودية في اتفاق مكة لتشكيل حكومة وحدة وطنية.
لم يصمد الاتفاق.
في يونيو تحول الصراع إلى قتال مفتوح.
هزمت حماس قوات فتح في القطاع وسيطرت عليه.
أقال الرئيس محمود عباس الحكومة التي تقودها حماس وشكل حكومة أخرى في الضفة الغربية.
ومنذ ذلك الوقت ظهر نظام سياسي فلسطيني منقسم فعليًا:
حماس في غزة.
والسلطة الفلسطينية بقيادة فتح في أجزاء من الضفة الغربية.
حين أصبح الانقسام جغرافيا
الخلاف السياسي الفلسطيني تحول إلى خريطة.
إذا عاش الإنسان في غزة، فهو تحت سلطة حماس الفعلية.
وإذا عاش في رام الله، فهو تحت مؤسسات السلطة الفلسطينية بقيادة فتح.
لم تُجر انتخابات تشريعية فلسطينية جديدة منذ 2006.
كبر جيل كامل لا يتذكر نظامًا سياسيًا فلسطينيًا موحدًا.
وهذه حقيقة مهمة.
غزة لم تصبح فقط محاصرة من الخارج.
أصبحت كذلك منفصلة سياسيًا عن الضفة بسبب انقسام داخلي لم يستطع الفلسطينيون إنهاءه رغم جولات مصالحة كثيرة.
كل محاولة لتفسير غزة بإسرائيل وحدها تحذف هذا الانقسام.
وكل محاولة لتفسيرها بحماس وحدها تحذف بنية الاحتلال والحدود والصراع الأوسع.
التاريخ أصعب من اختيار سبب واحد.
الحصار
بعد سيطرة حماس على غزة شددت إسرائيل بصورة كبيرة القيود على حركة البضائع والأشخاص من وإلى القطاع.
وفرضت مصر كذلك قيودًا على معبر رفح بدرجات مختلفة عبر السنوات.
قالت إسرائيل إن إجراءاتها ضرورية لأسباب أمنية ولمنع وصول الأسلحة والمواد ذات الاستخدام العسكري إلى حماس والجماعات المسلحة التي تطلق الصواريخ على إسرائيل.
أما الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان فوثقت الأثر الإنساني والاقتصادي الواسع للقيود، وانتقدت جوانب منها باعتبارها تتجاوز الاحتياجات الأمنية وتضر بالسكان المدنيين.
من هنا أصبح وصف «الحصار» جزءًا من اللغة اليومية في غزة.
لكن الحصار لم يكن بابًا مغلقًا بالطريقة نفسها كل يوم.
تغيرت قواعده عبر السنوات.
الأنفاق
حين تضيق الحركة الرسمية تظهر حركة أخرى.
نشأت شبكة واسعة من الأنفاق تحت الحدود بين غزة ومصر.
نُقلت عبرها مواد غذائية.
ووقود.
وسجائر.
ومواد بناء.
وأجهزة.
وكذلك أسلحة ومعدات عسكرية.
تحولت الأنفاق إلى اقتصاد كامل.
عامل.
وتاجر.
وضريبة.
ومخاطرة.
بالنسبة إلى سكان كثيرين كانت وسيلة للحصول على سلع يصعب إدخالها رسميًا.
وبالنسبة إلى إسرائيل ومصر كانت كذلك طريقًا للتهريب المسلح وتهديدًا أمنيًا.
مرة أخرى يحمل الشيء الواحد وظيفتين.
الرغيف والسلاح يمكن أن يعبرا من النفق نفسه.
الصواريخ
أطلقت حماس والجهاد الإسلامي وجماعات فلسطينية أخرى آلاف الصواريخ وقذائف الهاون باتجاه إسرائيل عبر سنوات متعددة.
كانت الصواريخ الأولى بدائية وقصيرة المدى.
ثم تطورت قدراتها ووصلت إلى مدن أبعد.
استهدفت أو أصابت مناطق مدنية وأدت إلى قتل وإصابة إسرائيليين وأجانب.
إطلاق صواريخ عشوائية أو متعمدة باتجاه المدنيين يحظره القانون الدولي الإنساني.
بالنسبة إلى الفصائل، قُدمت الصواريخ بوصفها سلاحًا للمقاومة والردع في مواجهة قوة عسكرية أكبر بكثير.
أما بالنسبة إلى المدني الإسرائيلي الذي يسمع صفارة الإنذار، فالنقاش الاستراتيجي يختصر إلى سؤال:
هل سيصل الصاروخ إلى البيت؟
الحرب ترى السلاح من جهة مطلقه.
والمدني يراه من جهة سقوطه.
جولة بعد جولة
بعد 2007 شهد قطاع غزة وإسرائيل جولات عسكرية متكررة.
عملية الرصاص المصبوب في 2008-2009.
التصعيد الكبير في 2012.
حرب 2014.
جولة مايو 2021.
وبينها مواجهات أقصر وغارات وإطلاق صواريخ وتوترات حدودية.
في كل مرة توجد شرارة مختلفة.
لكن البنية العامة تتكرر.
صواريخ فلسطينية.
غارات إسرائيلية.
ضحايا مدنيون.
مبانٍ مدمرة.
وقف إطلاق نار بوساطة مصرية أو دولية.
ثم فترة هدوء.
ثم جولة أخرى.
كل وقف إطلاق نار كان يوقف المعركة.
ولم يحل أسباب الصراع.
2014
كانت حرب 2014 من أكثر الجولات دموية قبل 2023.
استمرت نحو خمسين يومًا.
قُتل أكثر من ألفي فلسطيني، بينهم مدنيون ومقاتلون، مع خلافات في تصنيف بعض الضحايا.
وقُتل عشرات الإسرائيليين، معظمهم جنود، إلى جانب مدنيين.
دُمرت أو تضررت آلاف المنازل.
ظهرت الأنفاق الهجومية التي امتدت إلى داخل إسرائيل بوصفها عنصرًا عسكريًا مركزيًا في الحرب.
بالنسبة إلى إسرائيل أصبحت الأنفاق دليلًا على أن انسحاب 2005 لم ينهِ التهديد من غزة.
وبالنسبة إلى سكان القطاع كشفت الحرب مرة أخرى مشكلة المكان الذي لا يملك المدني فيه خيارات كثيرة للهرب خارج منطقة القتال.
مسيرات العودة
في 2018 بدأت احتجاجات واسعة قرب السياج الحدودي عرفت باسم «مسيرات العودة الكبرى».
رفع المشاركون مطالب تتعلق بحق اللاجئين في العودة وإنهاء الحصار.
شارك مدنيون وناشطون وفصائل.
اقترب بعض المتظاهرين من السياج أو حاولوا اختراقه في بعض الأحداث، واستخدم بعضهم الحجارة والزجاجات الحارقة ووسائل أخرى.
استخدم الجيش الإسرائيلي الذخيرة الحية ووسائل تفريق المظاهرات.
قُتل وأصيب عدد كبير من الفلسطينيين.
انتقدت لجان أممية ومنظمات حقوقية استخدام القوة الإسرائيلية في حالات متعددة.
وقالت إسرائيل إنها كانت تحمي الحدود من اختراقات وهجمات تستغل الاحتجاجات.
حتى التظاهر في غزة لم يستطع الهرب من سؤال الحدود والأمن.
البحر
هناك صياد في غزة يريد شيئًا شديد البساطة:
أن يخرج بقاربه.
لكن مساحة الصيد المسموح بها تغيرت مرارًا مع الوضع الأمني والسياسي.
تتسع.
ثم تضيق.
وقد تُغلق.
وهذا مثال صغير على طبيعة الاقتصاد.
قرارات مرتبطة بالصراع تستطيع أن تغير دخل الأسرة في يوم واحد.
الأمر نفسه ينطبق على العمال الذين يحصلون على تصاريح للعمل في إسرائيل.
وعلى المزارع قرب الحدود.
وعلى التاجر الذي ينتظر شاحنته عند المعبر.
غزة ليست فقيرة لأنها تفتقر إلى الأشخاص القادرين على العمل.
جزء كبير من مشكلتها أن الوصول إلى السوق نفسه غير مستقر.
الكهرباء
لسنوات عاش سكان القطاع مع جدول كهرباء لا يعرفه كثير من المجتمعات الأخرى.
ساعات تعمل.
وساعات تنقطع.
المشكلة لها مصادر متعددة.
محطة توليد محدودة.
وقود.
وخطوط كهرباء من إسرائيل ومصر في مراحل مختلفة.
وخلافات سياسية فلسطينية على المدفوعات والإدارة.
وأضرار نتيجة الحروب.
المولد الكهربائي أصبح جزءًا من الحياة.
والبطارية.
واللوح الشمسي.
حين يعيش مجتمع طويلًا مع الانقطاع، يتكيف.
لكن التكيف لا يعني أن المشكلة اختفت.
يعني فقط أن الإنسان أصبح ماهرًا في ترتيب حياته حول الفشل.
الماء
الماء مشكلة أعمق.
تعتمد غزة بدرجة كبيرة على الخزان الجوفي الساحلي الذي تعرض عبر عقود للاستنزاف وتداخل مياه البحر والتلوث.
أصبح جزء كبير من مياهه غير مناسب للشرب دون معالجة.
ظهرت محطات تحلية ومعالجة ومشروعات دولية.
لكن الكهرباء والوقود والبنية التحتية تؤثر مباشرة في عملها.
في مكان محاصر ومكتظ، الماء ليس ملفًا بيئيًا منفصلًا عن السياسة.
إذا تعطلت الكهرباء تتعطل المضخة.
وإذا تضرر الطريق لا تصل الصيانة.
وإذا ازدادت الكثافة يزداد الضغط على الخزان.
كل أزمة تدخل في الأخرى.
الشباب
قبل حرب 2023 كان مجتمع غزة من المجتمعات الشابة جدًا.
أجيال كاملة وُلدت بعد اتفاق أوسلو.
وأجيال أخرى وُلدت بعد الانسحاب الإسرائيلي.
وعدد كبير من الشباب لم يغادر القطاع في حياته.
يعرف العالم من الهاتف.
يستطيع مشاهدة جامعة في أوروبا.
وشارع في إسطنبول.
ومقهى في عمّان.
لكنه قد يحتاج إلى موافقات وإجراءات معقدة لمغادرة مساحة صغيرة جدًا.
هذه ربما إحدى أكثر صور الحصار النفسية وضوحًا.
أن يكون العالم كله ظاهرًا على الشاشة…
والطريق إليه غير مضمون.
الجامعة
مع ذلك ظهرت في غزة جامعات ومؤسسات تعليم عالٍ.
الجامعة الإسلامية.
والأزهر.
والأقصى.
وغيرها.
تخرج أطباء ومهندسون ومدرسون ومبرمجون وصحفيون.
التعليم أصبح مرة أخرى أداة لمجتمع محدود الحركة.
لكن الشهادة تواجه سؤالًا:
أين ستعمل؟
اقتصاد صغير ومحاصر لا يستطيع استيعاب كل الخريجين.
والسفر ليس متاحًا بسهولة.
يمكن للإنسان أن ينجح في الجامعة ثم يصطدم بالجغرافيا.
في غزة ليست البطالة دائمًا دليلًا على نقص المهارة.
أحيانًا هي دليل على نقص المكان الذي تستطيع المهارة أن تعمل داخله.
7 أكتوبر 2023
في صباح 7 أكتوبر شنت حماس وجماعات فلسطينية مسلحة أخرى هجومًا واسعًا على جنوب إسرائيل.
اخترق المهاجمون السياج في نقاط متعددة.
هاجموا بلدات ومواقع عسكرية ومهرجانًا موسيقيًا ومناطق أخرى.
قتل أكثر من 1,200 شخص بحسب الأمم المتحدة، غالبيتهم من المدنيين، وأُخذ 251 شخصًا إلى غزة رهائن.
وثقت تحقيقات أممية جرائم خطيرة شملت قتل مدنيين وأخذ رهائن وأعمال عنف جنسي وغيرها.
بالنسبة إلى إسرائيل كان ذلك أحد أكثر الأيام دموية في تاريخها.
أعلنت الحكومة الحرب على حماس.
وبدأت مرحلة ستغير غزة بصورة يصعب مقارنتها بالجولات السابقة.
الحرب
شنت إسرائيل حملة جوية ثم برية واسعة في قطاع غزة.
قالت إن أهدافها هي تفكيك القدرات العسكرية والحكومية لحماس، إعادة الرهائن، ومنع تكرار هجوم 7 أكتوبر.
واجه الجيش شبكة واسعة من الأنفاق ومقاتلين يعملون داخل بيئة حضرية شديدة الكثافة.
لكن الحرب لم تقع داخل ساحة عسكرية منفصلة.
وقعت بين أكثر من مليوني مدني.
ارتفعت أعداد القتلى الفلسطينيين إلى عشرات الآلاف وفق بيانات السلطات الصحية في غزة التي تعتمد عليها الأمم المتحدة مع الإشارة إلى مصدرها.
دُمرت أو تضررت مساحات واسعة من المساكن والبنية التحتية.
ونزح معظم السكان مرات متعددة.
من المدني ومن المقاتل؟
هذه واحدة من أصعب مسائل أرقام الحرب.
وزارة الصحة في غزة تنشر إجمالي أعداد القتلى ولا تقدم في كل تحديث تقسيمًا نهائيًا متفقًا عليه بين المدنيين والمقاتلين.
تقول إسرائيل إنها قتلت أعدادًا كبيرة من مقاتلي حماس والجماعات الأخرى، وتطعن في بعض طرق عرض الأرقام الفلسطينية.
وتستخدم الأمم المتحدة بيانات وزارة الصحة مع نسبها إلى المصدر، وقد تحققت بصورة مستقلة من هويات أجزاء من قوائم الضحايا في مراحل مختلفة.
لهذا فإن أفضل صياغة تاريخية ليست تحويل كل رقم متغير إلى حقيقة نهائية.
المؤكد على نطاق واسع هو حجم الخسارة البشرية الهائل بين الفلسطينيين، وبينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء، إلى جانب مقتل مقاتلين.
الحرب لا تصبح أكثر دقة لأننا نخفي حدود معرفتنا بالأرقام.
الرهائن
كان الأسرى الإسرائيليون والأجانب المحتجزون في غزة جزءًا مركزيًا من الحرب والمفاوضات.
أطلقت حماس وبعض الجماعات سراح رهائن في صفقات ومراحل مختلفة.
وأنقذت إسرائيل رهائن في عمليات عسكرية.
وقُتل آخرون في الأسر أو خلال الحرب، مع نزاعات حول مسؤولية بعض الوفيات.
أصبحت صور الرهائن جزءًا من الحياة العامة الإسرائيلية.
مظاهرات.
وعائلات تضغط على الحكومة.
وانقسام سياسي حول أولوية الصفقة أو استمرار العمليات العسكرية.
مرة أخرى يوجد بشر داخل الاستراتيجية.
الشخص الذي تسميه المفاوضات «رهينة» تسميه الأسرة:
ابني.
أمي.
زوجي.
المستشفى
تحولت المستشفيات في غزة إلى إحدى أكثر ساحات الجدل حساسية.
قالت إسرائيل إن حماس تستخدم منشآت طبية ومناطق مدنية لأغراض عسكرية وإن لها بنية تحتية تحت بعض المستشفيات.
ونفت حماس اتهامات متعددة أو طعنت في نطاقها.
وثقت جهات دولية تدهور النظام الصحي، وتعرض مستشفيات للقصف والحصار والإخلاء وخروج عدد كبير من المنشآت عن الخدمة كليًا أو جزئيًا.
القانون الدولي يمنح المستشفيات حماية خاصة، مع قواعد محددة بشأن فقدان الحماية عند استخدامها في أعمال تضر بالعدو وبعد استيفاء شروط التحذير المناسبة.
لكن المدني الذي يحتاج عملية جراحية لا يعيش النقاش القانوني.
يحتاج إلى مستشفى يعمل.
المساعدات
تحول دخول الطعام والدواء والوقود إلى واحد من أهم ملفات الحرب.
قالت إسرائيل إنها تسمح بدخول المساعدات وتتهم حماس بالاستيلاء على موارد أو استغلال بنى مدنية، كما أشارت إلى مشكلات في توزيع المساعدات داخل القطاع.
وقالت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية مرارًا إن حجم المساعدات والوصول الآمن والتوزيع لم تكن كافية لتلبية الاحتياجات الهائلة، وإن القيود والإجراءات والعمليات العسكرية وانعدام الأمن عرقلت الاستجابة.
هذه ليست مناظرة يمكن حلها بالشعار.
سلسلة المساعدة تبدأ من الشاحنة عند الحدود ولا تنتهي إلا عندما يصل الطعام إلى الأسرة.
أي عطل في المنتصف يعني أن وجود الشاحنة في الإحصاء لا يعني أن الطفل أكل.
المجاعة والجوع
خلال الحرب صدرت تحذيرات دولية متكررة من خطر المجاعة وسوء التغذية.
تغيرت التقييمات من منطقة إلى أخرى ومن فترة إلى أخرى تبعًا لدخول المساعدات والعمليات العسكرية والنزوح.
استخدام كلمة «مجاعة» له تعريف فني محدد في نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وليس مجرد وصف أدبي للجوع الشديد.
لذلك يجب التفريق بين التحذير من خطر المجاعة، وتأكيد المجاعة وفق المعايير الفنية، وبين وجود جوع وسوء تغذية واسع حتى عندما لا تتحقق كل شروط التصنيف في فترة محددة.
في غزة أصبحت الكلمات نفسها تحتاج إلى قياس.
لأن كل كلمة يمكن أن تتحول إلى حجة سياسية.
القانون يدخل الحرب
رفعت جنوب إفريقيا قضية أمام محكمة العدل الدولية متهمة إسرائيل بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة.
رفضت إسرائيل الاتهام وقالت إن حربها موجهة ضد حماس وإنها تمارس حقها في الدفاع عن مواطنيها ضمن القانون الدولي.
في 2024 أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة ملزمة تتعلق بحماية الفلسطينيين في غزة وضمان المساعدات وحفظ الأدلة ومنع التحريض المباشر والعلني على الإبادة.
لكن المحكمة لم تكن في هذه المرحلة قد أصدرت حكمًا نهائيًا في موضوع القضية يقرر أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية.
هذه نقطة يجب الحفاظ عليها.
وجود قضية وتدابير مؤقتة حقيقة.
والحكم النهائي مسألة أخرى.
المحاكم لا توقف القنابل فورًا
هذه إحدى مفارقات القانون الدولي.
المحكمة تستطيع إصدار أمر.
لكنها لا تملك جيشًا لتنفيذه بنفسها.
المحكمة الجنائية الدولية أصدرت كذلك في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات ينفيانها وتطعن إسرائيل في اختصاص المحكمة وإجراءاتها.
وكانت المحكمة قد أصدرت مذكرة بحق القائد العسكري في حماس محمد الضيف، ثم أنهت الإجراءات بحقه بعد تأكيد وفاته.
كل ذلك جعل غزة ليست فقط ساحة حرب.
بل كذلك واحدة من أهم ساحات اختبار القانون الدولي المعاصر.
وقف إطلاق النار 2025
بعد مفاوضات ووساطات متعددة، أُعلن في أكتوبر 2025 اتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق رهائن وترتيبات إنسانية، بوساطة شاركت فيها الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا وفق الإعلان الأممي.
استقبل المجتمع الدولي الاتفاق بوصفه فرصة لإنهاء حرب استمرت نحو عامين.
لكن وقف إطلاق النار لم يعنِ عودة غزة إلى ما قبل الحرب.
فالمدينة التي تتوقف فيها الغارة لا تستعيد البيت المهدوم تلقائيًا.
والشبكة الصحية لا تعود بمجرد توقيع الورقة.
والطفل الذي فقد أسرته لا يعود إلى يوم 6 أكتوبر 2023.
الحرب يمكن أن تتوقف في ساعة.
أما آثارها فتبدأ عند تلك الساعة.
غزة في 2026
حتى سبتمبر 2026 ظلت الأمم المتحدة تصف الاحتياجات الإنسانية في القطاع بأنها هائلة.
مبانٍ واسعة مدمرة أو متضررة.
أسر تعيش في خيام وملاجئ مؤقتة.
ونظام صحي يعاني نقصًا حادًا.
ومشكلات في المياه والصرف الصحي.
ووجود ذخائر ومخلفات حرب ومبانٍ غير آمنة.
كما استمرت ضربات وأعمال عسكرية رغم وقف إطلاق النار.
إذن لا يمكن وصف المرحلة ببساطة بأنها:
«ما بعد الحرب».
في حياة كثير من السكان لم تبدأ مرحلة طبيعية جديدة بعد.
الأكثر دقة:
ما بعد الجزء الأكبر من الحرب المفتوحة، داخل آثارها المستمرة.
من سيحكم غزة؟
هذا أحد أكبر الأسئلة التي بقيت مفتوحة.
حماس حكمت القطاع منذ 2007.
إسرائيل تقول إنها لا تقبل بعودة حكم حماس المسلح إلى الوضع السابق للحرب.
السلطة الفلسطينية تطالب بدور في مستقبل غزة ضمن رؤية لوحدة الأراضي الفلسطينية.
وتناقش دول عربية وقوى دولية ترتيبات تتعلق بالحكم والأمن وإعادة الإعمار.
لكن أي صياغة دائمة تحتاج إلى إجابة عن أكثر من سؤال:
من يدير الشرطة؟
من يسيطر على السلاح؟
من يجمع الضرائب؟
من يشرف على المعابر؟
من يدفع رواتب الموظفين؟
من يعيد بناء البيت؟
السياسة الكبرى تبدأ غالبًا بهذه الأسئلة الصغيرة جدًا.
إعادة الإعمار
إعادة بناء غزة ليست مشروع مقاولات فقط.
قبل أن تبني البيت يجب إزالة الركام.
وقبل إزالة الركام يجب التأكد من عدم وجود ذخائر غير منفجرة.
وقبل إنشاء الحي يجب إصلاح الماء والصرف والكهرباء والطرق.
ثم تحتاج إلى المدارس.
والمستشفيات.
والوظائف.
والمصانع.
والمعابر.
والموانئ أو بدائلها.
والتمويل.
ثم يظهر السؤال السياسي:
من سيدفع؟
وبأي شروط؟
إذا أعيد بناء غزة من دون حل يمنع حربًا جديدة، فإن المانح سيمول مبنى قد يحتاج إلى تمويله مرة ثانية بعد سنوات.
وهذه المشكلة رافقت عمليات الإعمار السابقة أيضًا.
ماذا يريد سكان غزة؟
لا يوجد جواب واحد.
أكثر من مليوني شخص لا يملكون رأيًا واحدًا.
هناك من يؤيد حماس.
ومن يعارضها.
ومن يؤيد فتح.
ومن يرفض الفصيلين.
ومن يريد مغادرة القطاع.
ومن يرفض فكرة المغادرة أصلًا.
ومن يريد العودة إلى القرية التي خرج منها جده.
ومن يريد فقط أن يستطيع ابنه السفر إلى جامعة.
الحرب تجعل العالم يتحدث عن «غزة» كأنها شخص واحد.
لكن غزة مجتمع.
وفي كل مجتمع خلافات.
أكثر ما تفعله الحرب ظلمًا أنها تحول ملايين الأفراد إلى اسم جمع.
هل غزة سجن؟
استخدم سياسيون وناشطون وكتاب تعبير «السجن المفتوح» لوصف القطاع بسبب القيود على الحركة.
التعبير قوي.
لكنه مجازي وسياسي.
غزة ليست سجنًا بالمعنى القانوني الحرفي.
فيها مدن وجامعات وأسواق وعائلات واقتصاد ومجتمع.
لكن القيود الصارمة على السفر والحركة والتجارة جعلت التشبيه مفهومًا لمن يستخدمه.
إسرائيل ترد بأن الحدود تخضع لاعتبارات أمنية مرتبطة بحماس والهجمات والتهريب المسلح، وأن مصر تسيطر كذلك على حدودها مع القطاع.
الحقيقة التي لا تحتاج إلى استعارة هي أن قدرة سكان غزة على الدخول والخروج كانت لعقود أقل بكثير من حرية الحركة المعتادة لسكان معظم البلدان.
وهذا وحده كافٍ لفهم حجم المشكلة.
هل غزة مستقلة؟
لا.
وليست دولة.
لكنها ليست مجرد مدينة إسرائيلية أيضًا.
هي جزء من الأراضي الفلسطينية في التصور الدولي لحل الدولتين.
تحكمها منذ 2007 سلطة فعلية بقيادة حماس، بينما السلطة الفلسطينية المعترف بها دوليًا لم تمارس السيطرة الفعلية عليها طوال تلك الفترة.
وتسيطر إسرائيل على جوانب حيوية من البيئة الخارجية للقطاع بدرجات تغيرت مع الحرب والاتفاقات.
وتتحكم مصر بمعبرها وحدودها الخاصة.
لهذا فإن أي كلمة بسيطة:
مستقلة.
محتلة.
محاصرة.
محكومة ذاتيًا.
تلتقط جزءًا من الواقع فقط ما لم نشرح ما نعنيه.
غزة مكان لا تكفيه كلمة واحدة.
الطفل الرابع
تخيل أربعة أجيال في أسرة واحدة.
الجد الأكبر خرج من قرية سنة 1948.
ابنه عاش الإدارة المصرية.
الحفيد عاش الاحتلال الإسرائيلي والانتفاضة الأولى وأوسلو.
ابن الحفيد ولد تحت حكم حماس والحصار وشهد حروب 2008 و2012 و2014 و2021 وربما حرب 2023.
أربعة أجيال.
كل واحد منها يستطيع أن يقول:
أنا من غزة.
لكن غزة التي عرفها ليست غزة نفسها.
نادرًا ما يحصل مجتمع على هذا القدر من التحولات السياسية في هذا القدر الصغير من المكان.
الذاكرة المزدوجة
في المخيم ما تزال الأسرة تحمل اسم القرية الأصلية.
لكن بعد سبعين عامًا أصبحت لديها كذلك ذاكرة غزية.
البيت الذي دُمر في حرب حديثة قد يكون البيت الثاني أو الثالث بعد بيت 1948.
وهنا يصبح مفهوم العودة معقدًا.
الفلسطيني قد يريد العودة إلى القرية التي خرج منها الجد.
وفي الوقت نفسه يريد العودة غدًا إلى الحي الذي أُجبر على النزوح منه داخل القطاع.
هناك عودتان.
واحدة تاريخية.
وواحدة فورية.
الحرب تضيف طبقات جديدة من النزوح فوق طبقة لم تُحل أصلًا.
لماذا بقيت غزة مركزية؟
ليست لأنها أكبر المدن الفلسطينية.
وليست لأنها الأغنى.
بل لأنها جمعت عناصر الصراع كلها في مساحة واحدة.
اللاجئون.
والاحتلال.
والمقاومة المسلحة.
والمستوطنات ثم الانسحاب.
والانقسام الفلسطيني.
والحصار.
والصواريخ.
والحدود.
والرهائن.
والحرب.
والمساعدات.
والقانون الدولي.
يمكن لحدث صغير في غزة أن يتحول خلال أيام إلى قضية في مجلس الأمن وواشنطن والقاهرة والدوحة وتل أبيب ورام الله وعواصم أوروبا.
هذا حمل ثقيل على مساحة صغيرة.
المفارقة
كان يفترض أن يكون قطاع غزة بعد 1948 مكانًا مؤقتًا للاجئين.
ثم أصبح المكان نفسه وطن أجيال.
كان يفترض أن تقود أوسلو إلى تسوية دائمة خلال سنوات.
لكن الوضع المؤقت طال عقودًا.
خرجت المستوطنات والجيش الإسرائيلي الدائم من داخل القطاع سنة 2005.
لكن الحدود أصبحت بعد ذلك أكثر إغلاقًا في مراحل كثيرة.
فازت حماس بانتخابات فلسطينية شملت الضفة وغزة.
ثم انتهى بها الأمر تحكم غزة وحدها.
بُني مطار لكي ينفتح القطاع على العالم.
ثم تحول إلى أطلال.
أقيمت اتفاقات لوقف إطلاق النار مرات متعددة.
لكن كل جيل تقريبًا عرف حربًا جديدة.
في غزة، أكثر الأشياء ثباتًا كانت الأشياء التي قيل يومًا إنها مؤقتة.
حين صار الشريط الصغير يحمل تاريخًا أكبر من مساحته
يمكن أن ننظر إلى غزة من الجو فنرى شريطًا من العمران بين البحر والسياج.
لكن الخرائط لا تظهر كل شيء.
لا تظهر قرية المجدل داخل ذاكرة أسرة في مخيم الشاطئ.
ولا تظهر الحدود التي تغيرت سنة 1948.
ولا المدارس التي تعلم فيها ثلاثة أجيال من اللاجئين.
ولا العامل الذي كان يخرج إلى إسرائيل صباحًا ثم أُغلق المعبر أمامه.
ولا الطالب الذي حصل على منحة جامعية ولم يعرف هل سيتمكن من السفر.
ولا الإسرائيلي الذي عاش سنوات يسمع إنذار الصواريخ قرب حدود القطاع.
ولا أم الرهينة التي انتظرت خبرًا.
ولا أم الطفل الفلسطيني التي حملته بين خيمة ومستشفى.
السياسة تضغط كل هؤلاء داخل كلمات:
حصار.
أمن.
مقاومة.
إرهاب.
احتلال.
دفاع عن النفس.
إبادة.
حرب.
لكن وراء الكلمات بشر مختلفون لا يعيشون المصطلح بالطريقة نفسها.
وهذا ربما أهم ما يجب ألا يضيع عند كتابة تاريخ غزة.
فهم الأسباب لا يعني تبرير الجرائم.
والاعتراف بالخوف الإسرائيلي لا يمحو المعاناة الفلسطينية.
والاعتراف بالكارثة الإنسانية في غزة لا يمحو ما حدث للمدنيين في إسرائيل في 7 أكتوبر.
والحديث عن الاحتلال والحصار لا يلغي مسؤولية القيادات الفلسطينية عن قراراتها.
والحديث عن حماس لا يحول مليوني إنسان إلى حماس.
إذا أردنا رؤية غزة فقط من خلال السؤال:
من المخطئ؟
فسنجد آلاف الصفحات من الجدل.
أما السؤال الذي يسبق ذلك تاريخيًا فهو:
كيف وصل أكثر من مليوني إنسان إلى العيش داخل هذه المساحة بهذه الظروف؟
هنا نعود إلى البداية.
نحو مئتي ألف لاجئ يدخلون منطقة يسكنها أقل من نصف ذلك العدد تقريبًا.
الخيمة.
ثم المخيم.
ثم الإدارة المصرية.
ثم الاحتلال.
ثم الانتفاضة.
ثم السلطة.
ثم الانسحاب.
ثم الانقسام.
ثم الحصار.
ثم الحرب بعد الحرب.
كل مرحلة لم تستبدل المرحلة السابقة.
وضعت طبقة فوقها.
لهذا تحمل غزة اليوم أكثر من تاريخ في الوقت نفسه.
لاجئ 1948 يعيش داخل حفيده.
واحتلال 1967 داخل السياسة.
وأوسلو داخل المؤسسات.
وانقسام 2007 داخل الحكم.
و7 أكتوبر داخل الحرب الأخيرة.
وغزة 2026 تحاول أن تجد شيئًا يبدو بسيطًا في أي مكان آخر:
بداية لا تكون مجرد هدنة بين نهايتين.
المصادر والمراجع
- United Nations — History of the Question of Palestine.
- United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees in the Near East — UNRWA — التقارير التاريخية حول اللاجئين في قطاع غزة.
- United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs — OCHA — التقارير الإنسانية الخاصة بقطاع غزة.
- United Nations Independent International Commission of Inquiry on the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, and Israel — تقارير هجمات 7 أكتوبر والحرب اللاحقة.
- International Court of Justice — Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip: South Africa v. Israel.
- International Criminal Court — Situation in the State of Palestine.
- Jean-Pierre Filiu — Gaza: A History.
- Sara Roy — The Gaza Strip: The Political Economy of De-development.
- Beverley Milton-Edwards — Hamas: The Islamic Resistance Movement.
- Tareq Baconi — Hamas Contained: The Rise and Pacification of Palestinian Resistance.
- Nathan J. Brown — Palestinian Politics after the Oslo Accords.
- Rashid Khalidi — The Hundred Years’ War on Palestine.
- Council on Foreign Relations — Israeli-Palestinian Conflict Timeline.
- اتفاقات أوسلو وإعلان المبادئ والترتيبات الفلسطينية الإسرائيلية المتعلقة بقطاع غزة.

