فلسطينيو الداخل1948

​فلسطينيو الداخل 1948

(حين بقي البيت… وظنوا أن صاحبه رحل

​

أثر فلسطينيي الشتات في بلاد اللجوء — حين لم يكن المنفى اتجاهًا واحدًا

حين يصل اللاجئ إلى بلد جديد، تُروى قصته عادة من جهة واحدة.

ماذا أعطاه البلد؟

مأوى.

مدرسة.

عملًا.

أمانًا.

وثيقة سفر.

أو فرصة لبداية جديدة.

لكن الزمن الطويل يضيف سؤالًا آخر:

ماذا أعطى اللاجئ للمكان الذي استقبله؟

بعد أكثر من سبعة عقود من الشتات الفلسطيني، لم يعد الفلسطينيون مجرد جماعات وصلت إلى الأردن ولبنان وسوريا والخليج وأوروبا والأمريكيتين.

أصبحوا جزءًا من اقتصادات هذه البلدان ومدارسها ومستشفياتها وجامعاتها وتجارتها وفنونها.

ليس بالطريقة نفسها في كل مكان.

وليس لأن الفلسطيني يحمل صفة استثنائية تجعله أكثر قدرة من غيره على النجاح.

بل لأن ملايين البشر حين يعيشون عقودًا داخل مجتمع جديد لا يبقون خارجه.

يعملون.

ويتعلمون.

ويبنون الشركات.

ويعلمون الأطفال.

ويؤسسون الجمعيات.

ويتزوجون.

ويكتبون.

ثم يصبح من الصعب معرفة أين ينتهي أثر البلد فيهم وأين يبدأ أثرهم فيه.

الشتات لم يكن طريقًا تسير فيه فلسطين إلى الخارج فقط.

كان طريقًا ذا اتجاهين.

في البداية كان المطلوب البقاء

بعد حرب 1948، لم يصل كثير من اللاجئين الفلسطينيين إلى البلدان العربية وهم يحملون خطة للمساهمة في اقتصاد جديد.

كان المطلوب أكثر بساطة وقسوة:

النجاة.

العثور على مكان للنوم.

الحصول على الطعام.

إيجاد مدرسة للأطفال.

والانتظار.

كانت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين قد بدأت عملها سنة 1950 للتعامل مع أزمة قُدّر حجمها آنذاك بنحو 750 ألف لاجئ.

لكن الانتظار طال.

ومع مرور السنوات ظهر سؤال جديد.

إذا لم تكن العودة قريبة، فكيف يعيش المجتمع؟

وكان أحد أهم الأجوبة:

التعليم.

الشيء الذي تستطيع حمله

الأرض لا تستطيع حملها معك.

والبيت يبقى خلفك.

والآلة في المصنع قد تضيع.

لكن المهارة تنتقل مع الإنسان.

ربما لهذا اكتسب التعليم مكانة مركزية في مجتمعات اللجوء الفلسطينية.

أنشأت الأونروا شبكة تعليمية واسعة في مناطق عملها.

وعبر عقود طويلة مر ملايين الأطفال الفلسطينيين بمدارسها.

ثم انتقل جزء منهم إلى التعليم الثانوي والجامعات والتدريب المهني.

هذه العملية لم تنتج قصة نجاح واحدة.

ولم تمنع الفقر.

لكنها ساعدت على تكوين أعداد كبيرة من المعلمين والممرضين والأطباء والمهندسين والموظفين والحرفيين.

وعندما بدأت اقتصادات عربية جديدة في التوسع بعد الحرب العالمية الثانية، كان هناك مجتمع يبحث عن العمل ويحمل معه رأسمالًا لا يحتاج إلى شاحنة:

المعرفة.

المدرسة ليست مؤسسة للاجئ فقط

عندما يتخرج المعلم الفلسطيني ويذهب للتدريس في بلد آخر، لا يعود أثر المدرسة محصورًا باللاجئين.

المعلم سيقف أمام أطفال من المجتمع المضيف.

والطبيب سيعالج مرضى لا يسألهم عن أصلهم قبل الفحص.

والمهندس سيصمم طريقًا يستخدمه الجميع.

هنا تبدأ مساهمة الشتات في التحول من منفعة فردية إلى أثر اجتماعي.

اللاجئ الذي تلقى تعليمًا لأنه احتاج إلى وسيلة لبناء حياته يصبح بعد سنوات جزءًا من بناء مؤسسات لا تخص اللاجئين وحدهم.

وهذه كانت واضحة خصوصًا في الخليج.

الخليج الذي كان يبني دولًا حديثة

في الخمسينيات والستينيات تسارعت التحولات الاقتصادية في دول الخليج مع اتساع إنتاج النفط ومشروعات الدولة الحديثة.

ظهرت حاجة كبيرة إلى الكفاءات.

معلمين.

وأطباء.

ومهندسين.

وإداريين.

ومحاسبين.

وفنيين.

وصل فلسطينيون إلى الكويت وقطر والسعودية ودول خليجية أخرى ضمن موجات من العاملين العرب.

لم يكونوا وحدهم.

شارك مصريون وسوريون ولبنانيون وعراقيون وغيرهم في العملية نفسها.

لكن الدراسات الخاصة بالهجرة الفلسطينية إلى الخليج تظهر أن الفلسطينيين كانوا عنصرًا مهمًا في قطاعات التعليم والإدارة والمهن الفنية خلال مراحل تأسيسية.

لم يذهبوا إلى دول مكتملة البنية.

ذهب كثير منهم في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات نفسها تتوسع بسرعة.

الكويت

ربما كانت الكويت أوضح مثال تاريخي.

بدأ وصول فلسطينيين إليها قبل 1948، ثم توسع بشدة بعد النكبة وبعد حرب 1967.

وجد المتعلمون منهم فرصًا في التعليم والإدارة والقطاع النفطي والهندسة والأعمال.

تشير الدراسات التاريخية إلى أن معلمين فلسطينيين شاركوا في النظام التعليمي الكويتي منذ سنوات مبكرة من تطوره.

كما عمل الفلسطينيون في الوزارات والمؤسسات الحكومية والشركات والقطاع الخاص.

بعضهم جاء وحده.

ثم استقدم أسرته.

ثم استقدم قريبًا آخر.

تكون مجتمع كبير.

ومع نهاية الثمانينيات لم يعد الوجود الفلسطيني في الكويت حالة مؤقتة صغيرة.

كان جزءًا واضحًا من المجتمع الاقتصادي والمهني للبلاد.

المعلم الذي لا يظهر في صورة المدينة

عندما نتحدث عن بناء الدول، نحب الصور الكبيرة.

المطار.

والطريق.

والوزارة.

والجامعة.

لكن هناك بنية أساسية أقل ظهورًا:

الإنسان الذي يعلم الجيل الذي سيشغل كل هذه المؤسسات.

في دول الخليج كان التعليم يتوسع في فترة قصيرة جدًا.

الحاجة إلى المعلمين سبقت أحيانًا قدرة المجتمع المحلي على توفير العدد المطلوب.

لهذا جاءت بعثات وكفاءات عربية متعددة.

وكان الفلسطينيون جزءًا مهمًا منها.

المعلم الذي يصل إلى مدرسة صغيرة في الخمسينيات ربما لا يترك مبنى يحمل اسمه.

لكن الطالب الذي علّمه قد يصبح لاحقًا طبيبًا أو مهندسًا أو مسؤولًا في الدولة.

بعض آثار البشر لا يظهر على الخرائط.

الإدارة

الشيء نفسه ينطبق على الموظفين والإداريين.

الدولة الحديثة تحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يكتبون المراسلات.

ويعدون الميزانيات.

وينظمون الملفات.

ويديرون المدارس.

ويخططون للمشروعات.

جاء فلسطينيون يحملون خبرات اكتسبوها في فلسطين الانتدابية أو الأردن أو المؤسسات التعليمية العربية، ثم اكتسبت الأجيال التالية مؤهلات جامعية أعلى.

وجودهم لم يصنع دول الخليج بمفرده.

مثل هذه العبارة ستكون مبالغة وتجاهلًا لمواطني هذه الدول وللمهاجرين من عشرات المجتمعات الأخرى.

لكن تجاهل مشاركتهم سيكون خطأ في الاتجاه الآخر.

كانوا جزءًا من قوة العمل البشرية التي رافقت التحول السريع من مجتمعات صغيرة نسبيًا إلى دول ذات مؤسسات حديثة واسعة.

ثم جاءت 1990

تكشف تجربة الكويت الجانب الآخر من القصة.

المساهمة الطويلة لا تضمن الاستقرار السياسي الدائم.

بعد الغزو العراقي للكويت سنة 1990، والموقف الذي اتخذته قيادة منظمة التحرير الفلسطينية خلال الأزمة، تغير وضع المجتمع الفلسطيني هناك جذريًا.

بعد تحرير الكويت غادر معظم الفلسطينيين البلاد خلال فترة قصيرة، وسط خليط من الطرد والضغط وتدهور الظروف وفقدان فرص العمل.

أسر عاشت عقودًا اضطرت إلى البدء من جديد.

وهذه مفارقة أساسية في تاريخ الشتات.

يمكن للإنسان أن يشارك في بناء مؤسسة ثلاثين سنة…

ولا يصبح ذلك وحده ضمانًا لبقائه عندما تنقلب السياسة.

المواطن والعامل واللاجئ

هذا يقود إلى فرق مهم.

ليس كل فلسطيني في بلاد الشتات لاجئًا بالوضع القانوني نفسه.

وليس كل فلسطيني مهاجرًا أجنبيًا بالمعنى نفسه.

في الأردن مثلًا حصل عدد كبير من الفلسطينيين على الجنسية وأصبحوا مواطنين كاملي الحقوق من حيث الأصل القانوني العام، مع وجود فئات فلسطينية أخرى ذات أوضاع مختلفة، وخصوصًا بعض القادمين من قطاع غزة بعد 1967.

في الخليج كان الوضع في الغالب قائمًا على الإقامة والعمل لا التجنيس.

وفي لبنان بقيت قيود قانونية مهمة على قطاعات من اللاجئين.

وفي أمريكا اللاتينية أصبح معظم الأحفاد مواطنين في بلدانهم منذ أجيال.

لذلك لا يمكن قياس «أثر الشتات» وكأنه مجتمع واحد يعمل تحت قانون واحد.

المكان يغير شكل المساهمة.

الأردن: حين يصعب فصل الأثر عن المجتمع

في الأردن تصبح المسألة أكثر تعقيدًا من الحديث عن «لاجئين ساهموا في بلد مضيف».

السبب أن عقودًا من الاندماج والمواطنة والزواج والحركة بين ضفتي الأردن جعلت الفلسطينيين جزءًا عميقًا من المجتمع نفسه.

تعيش في الأردن أكبر مجموعة من لاجئي فلسطين المسجلين لدى الأونروا بين مناطق عمل الوكالة، ومعظمهم يحملون الجنسية الأردنية.

لكن المجتمع الأردني من أصل فلسطيني أوسع من خانة التسجيل لدى الوكالة.

عبر العقود شارك أردنيون من أصول فلسطينية في التجارة والمصارف والصناعة والطب والتعليم والإعلام والمهن المختلفة.

وهنا يصبح السؤال:

هل نسمي هذا «مساهمة الفلسطينيين في الأردن»؟

أم مساهمة مواطنين أردنيين في بلدهم؟

كلا الوصفين يستطيع أن يحمل جزءًا من الحقيقة.

لكن الثاني يذكرنا بأن الشتات الطويل يغير معنى «الضيف» نفسه.

الاقتصاد لا يسأل دائمًا عن الأصل

المصنع يحتاج إلى عامل.

والشركة إلى محاسب.

والمستشفى إلى طبيب.

والجامعة إلى أستاذ.

ومع مرور الوقت تصبح الهوية المهنية أهم في الحياة اليومية من قصة الهجرة.

هذا أحد أسباب صعوبة قياس أثر مجتمع الشتات بدقة.

لا توجد في الحسابات القومية خانة تقول:

هذا الجزء من الناتج المحلي صنعه شخص من أصل فلسطيني.

ولا ينبغي أن توجد.

الاقتصاد يعمل عبر المؤسسات والأفراد، لا عبر جداول الأعراق.

يمكننا توثيق وجود الفلسطينيين في قطاعات مختلفة.

لكن تحويل ذلك إلى رقم يقول إنهم صنعوا نسبة محددة من اقتصاد بلد كامل غالبًا يحتاج بيانات غير متوفرة.

لهذا يجب الحذر من الأرقام التي تبدو مذهلة وتنتشر بلا مصدر.

لبنان: المساهمة تحت القيود

في لبنان عاش الفلسطينيون تجربة مختلفة.

قيود قانونية وسياسية حالت تاريخيًا دون اندماجهم بالطريقة نفسها التي حدثت في الأردن.

كما أن الحرب الأهلية والصراع المسلح جعلا الوجود الفلسطيني جزءًا من انقسامات لبنانية مؤلمة.

لكن المخيمات نفسها أنتجت حياة اقتصادية واجتماعية.

ورش.

ومتاجر.

ومدارس.

ومراكز صحية.

ومؤسسات ثقافية.

وعمالًا ومهنيين.

وبعض الفلسطينيين عمل خارج المخيمات في قطاعات متعددة رغم القيود.

لا يجوز رومانسة هذه التجربة.

الفقر والبطالة والتهميش القانوني حقيقيون.

لكن وصف المخيم فقط باعتباره مكانًا يتلقى المعونة يحذف حقيقة أن سكانه ينتجون ويعملون ويبنون شبكات اقتصادية مثل أي مجتمع آخر.

الطبيب الذي درس لأنه لا يملك أرضًا

ظهرت بين الفلسطينيين في الشتات مهن تعتمد على التعليم وقابلية الانتقال بين البلدان.

الطب.

والهندسة.

والتدريس.

والمحاسبة.

هذه المهن لها ميزة خاصة للاجئ أو المهاجر.

يمكن أن تنقلها معك.

إذا انتقلت من يافا إلى عمّان ثم الكويت، لا تستطيع نقل الأرض.

لكن شهادة الطب تستطيع أن تعبر الحدود إذا اعترفت بها الدولة الجديدة.

ولهذا ارتبط التعليم المهني والعالي باستراتيجيات عائلية واضحة لدى شرائح واسعة من مجتمعات الشتات.

الأب يقول لابنه:

احصل على شهادة.

خلف النصيحة تجربة تاريخية.

ما يمكن أن يُصادر أقل أمانًا من الشيء الموجود في رأسك.

ليست قصة عبقرية جماعية

هنا يجب التوقف.

عندما نلاحظ حضور الأطباء والمهندسين والمعلمين الفلسطينيين، يسهل بناء أسطورة جديدة:

الفلسطيني شعب استثنائي بطبيعته في التعليم.

لكن هذا تفسير ضعيف.

الظروف صنعت حوافز قوية.

مجتمع فقد الأرض ومصادر الدخل يحتاج إلى استثمار قابل للنقل.

مؤسسات مثل الأونروا جعلت التعليم متاحًا لأعداد كبيرة.

والاقتصادات الخليجية احتاجت إلى المتعلمين.

والأسر وجدت أن الشهادة قد تكون أفضل وسيلة للصعود الاجتماعي.

النتيجة لا تحتاج إلى تفسير عرقي.

يكفي أن نفهم الظروف.

التحويلات المالية

المهاجر لا يؤثر فقط في البلد الذي يعمل فيه.

يرسل المال إلى الأسرة التي بقيت في بلد آخر.

شكلت تحويلات العاملين الفلسطينيين في الخليج لعقود مصدرًا مهمًا لدخل أسر في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن وبلدان أخرى.

وهكذا ظهر اقتصاد عابر للحدود.

الرجل يعمل في الكويت.

زوجته وأطفاله قد يكونون معه.

وأخوه يدرس في عمّان.

وأبواه في الضفة الغربية.

والمال يتحرك بينهم.

الهجرة التي تخدم اقتصاد البلد المضيف ترسل في الوقت نفسه جزءًا من دخلها إلى مجتمع آخر.

الشتات شبكة مالية بقدر ما هو شبكة بشرية.

رأس المال يعود بطريقة أخرى

بعض الفلسطينيين الذين نجحوا في الخارج استثمروا لاحقًا في مشروعات داخل الأردن أو فلسطين أو بلاد إقامتهم.

أو مولوا تعليم أفراد الأسرة.

أو أسسوا مؤسسات خيرية وثقافية.

هذا نمط معروف في مجتمعات الشتات عالميًا.

المهاجر لا يرسل المال للاستهلاك فقط.

قد يحول دخله إلى شهادة جامعية لأخيه.

ثم يصبح الأخ طبيبًا.

ويهاجر هو الآخر.

فتتحول الحوالة إلى رأس مال بشري ينتج حوالة أخرى.

هكذا تستطيع شبكة عائلية صغيرة أن تغير وضعها الاجتماعي خلال جيلين.

سوريا: حياة حضرية لا مخيم فقط

في سوريا، عاش الفلسطينيون تاريخيًا ضمن وضع منحهم كثيرًا من حقوق العمل والتعليم والخدمات مع بقاء جنسيتهم الفلسطينية منفصلة.

ومع الزمن تحولت تجمعات مثل اليرموك إلى فضاءات حضرية كبيرة.

نشأت فيها تجارة.

ومهن.

ومدارس.

ومؤسسات سياسية وثقافية.

ولم يكن سكانها الفلسطينيون منفصلين اقتصاديًا عن دمشق.

كان السوري يدخل اليرموك للشراء.

والفلسطيني يخرج للعمل في دمشق.

الحدود بين «المخيم» و«المدينة» كانت أضعف مما يوحي الاسم.

ثم جاءت الحرب السورية لتدمر جزءًا كبيرًا من هذه الحياة.

وهذا يذكرنا بأن الأثر الاجتماعي يمكن أن يستغرق ستين عامًا لبنائه، ثم تتعرض بنيته للانهيار في سنوات قليلة.

عندما يصبح اللاجئ لاجئًا مرة أخرى

خرج فلسطينيون من سوريا إلى لبنان والأردن وتركيا وأوروبا ودول أخرى.

حمل بعضهم شهاداته وخبرته ومهنته.

وحمل آخرون القليل.

بدأت دورة جديدة.

في البلد الجديد يظهر السؤال نفسه:

هل هذا الإنسان عبء؟

أم مورد؟

الإجابة تعتمد جزئيًا على القوانين.

الطبيب الذي لا يُسمح له بممارسة الطب قد يتحول في الإحصاءات إلى عاطل عن العمل.

المشكلة ليست أنه فقد معرفته.

بل أن المؤسسة لا تستطيع أو لا تريد استخدامها.

لهذا لا تقاس مساهمة اللاجئين بقدراتهم وحدها.

تقاس أيضًا بمدى قدرة الدولة المضيفة على دمج هذه القدرات.

أمريكا اللاتينية: من البائع إلى صاحب المصنع

في تشيلي وهندوراس والسلفادور ودول أخرى، بدأ كثير من المهاجرين الفلسطينيين الأوائل بالتجارة الصغيرة.

بائع متجول.

ثم متجر.

ثم شركة.

وبعد أجيال ظهرت أسر فلسطينية الأصل في الصناعة والمصارف والعقارات والإعلام والمهن والسياسة.

في تشيلي تحديدًا ارتبط مهاجرون فلسطينيون مبكرون بتطوير قطاعات من تجارة النسيج ثم الصناعة.

نشأ حي باتروناتو في سانتياغو بوصفه أحد المواقع المرتبطة بقوة بالمهاجرين العرب، ومنهم الفلسطينيون، وورشهم ومتاجرهم.

لكن النجاح الاقتصادي لم يكن الشيء الوحيد الذي تركوه.

تركوا مؤسسات.

النادي الذي أصبح تشيليًا

نادي «بالستينو» لكرة القدم هو المثال الأشهر.

نشأ من مؤسسات رياضية أسستها الجالية الفلسطينية في تشيلي خلال بدايات القرن العشرين، وتطور إلى نادٍ محترف داخل كرة القدم التشيلية.

هذه مؤسسة فلسطينية الأصل.

لكنها ليست مؤسسة للأصل الفلسطيني وحده.

يلعب فيها تشيليون من خلفيات مختلفة.

ويشجعها أشخاص ليسوا فلسطينيين.

وتنافس ضمن دوري البلاد.

حدث شيء مهم هنا.

الجالية لم تبنِ جدارًا يحفظ تراثها داخله.

صنعت شيئًا دخل الثقافة العامة للبلد.

اسم فلسطين أصبح جزءًا من كرة القدم التشيلية.

هذا أحد أكثر أشكال تأثير الشتات وضوحًا.

المؤسسة أقوى من الذكرى الفردية

إذا كان حفظ الهوية يعتمد على الجد وحده، فإنها قد تختفي عندما يموت.

لكن المؤسسة تعيش أطول.

مدرسة.

نادٍ.

جمعية.

كنيسة.

صحيفة.

مركز ثقافي.

شركة.

هذه الكيانات تحول تجربة المهاجر إلى جزء من حياة المدينة.

في سانتياغو ساهمت الجالية الفلسطينية والعربية في بناء شبكة من المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

بعضها حافظ على الارتباط بفلسطين.

وبعضها اندمج كليًا تقريبًا في المجتمع التشيلي.

ومع مرور الوقت أصبح من الصعب الحديث عنها باعتبارها مؤسسات «أجنبية».

فهي موجودة هناك منذ أجيال.

الأدب لا يحتاج إلى وزارة

هناك أثر آخر أصعب قياسًا:

الثقافة.

الفلسطينيون في الشتات أنتجوا أدبًا وفنًا وفكرًا وصحافة داخل مجتمعات متعددة.

بعضه يتحدث مباشرة عن فلسطين.

وبعضه لا يتحدث عنها إطلاقًا.

وهذه نقطة مهمة.

الكاتب من أصل فلسطيني لا يجب أن يكتب طوال حياته عن اللجوء لكي تكون له مساهمة.

حين يكتب رواية تشيلية أو أمريكية أو عربية، هو يشارك في ثقافة البلد الذي يعيش فيه.

الأصل جزء من سيرته.

وليس قفصًا لموضوعه.

إدوارد سعيد

ربما يكون إدوارد سعيد أحد أشهر الأمثلة عالميًا على تحول تجربة فلسطينية عابرة للبلدان إلى أثر فكري يتجاوز القضية الفلسطينية نفسها.

ولد في القدس.

ونشأ بين القاهرة وأماكن أخرى.

وعمل أستاذًا في الولايات المتحدة.

أصبح كتابه «الاستشراق» أحد أكثر الكتب تأثيرًا في الدراسات الإنسانية الحديثة، وأثار في الوقت نفسه نقاشات وانتقادات واسعة.

تأثيره لا يُختصر في كونه «مفكرًا فلسطينيًا».

دخل النقاش الأكاديمي العالمي حول الثقافة والسلطة والتمثيل.

هذه صورة أخرى لأثر الشتات.

الفرد يبدأ من سيرة مرتبطة بالنزوح والهوية.

ثم ينتج فكرة يستخدمها باحث لا يعرف شيئًا عن عائلته.

محمود درويش والمنفى

محمود درويش عاش مراحل طويلة خارج فلسطين وتنقل بين عواصم عدة.

تحولت تجربة المنفى لديه إلى شعر تجاوز الجمهور الفلسطيني.

قرأه عرب لم يعيشوا اللجوء.

وترجمت أعماله إلى لغات عديدة.

هنا لا يؤثر الشتات في اقتصاد البلد فقط.

ينتج لغة.

واللغة تتحرك أبعد من صاحبها.

لكن درويش أيضًا مثال على خطر آخر.

حين يصبح الكاتب رمزًا وطنيًا، قد ننسى أنه شاعر قبل أن يكون شعارًا.

الثقافة الفلسطينية أثرت في البلدان التي عاش فيها أبناؤها عندما سمحت لهم تلك البلدان بأن يكونوا فنانين كاملين، لا مجرد ممثلين لقضية.

الصحافة والإعلام

شارك فلسطينيون في الصحافة العربية منذ ما قبل النكبة ثم في عواصم الشتات.

بيروت.

وعمّان.

ولندن.

والخليج.

وغيرها.

أسسوا صحفًا ومجلات ودور نشر.

وعملوا في الإعلام والإذاعة والتلفزيون.

لا يعني ذلك أن «الإعلام العربي فلسطيني».

هذه مبالغة لا معنى لها.

لكنه يعني أن حركة الفلسطينيين بين المراكز العربية جعلتهم جزءًا نشطًا من فضاء ثقافي لا يتوقف عند الحدود الوطنية.

الكاتب يستطيع أن يولد في فلسطين.

ويعمل في بيروت.

وتطبع مقالته في لندن.

ويقرأها شخص في المغرب.

هذا هو الشتات حين يتحول من فقدان للمكان إلى اتساع للشبكة.

الجامعات

الأمر نفسه حدث في الأكاديميا.

وصل فلسطينيون إلى جامعات عربية وغربية باحثين وطلابًا ثم أساتذة.

درسوا الطب والعلوم والهندسة والأدب والتاريخ والاقتصاد.

بعضهم عاد.

وكثيرون بقوا.

ومع الوقت أصبحت هناك شبكات علمية عابرة للبلدان.

هل يمكن قياس مساهمة هؤلاء باعتبارها «فلسطينية»؟

ليس دائمًا.

البحث العلمي الذي ينجزه أستاذ في جامعة أمريكية يصبح إنتاجًا للجامعة وللمجال العلمي كله.

وهذه ربما إحدى علامات نجاح الاندماج:

أن يتوقف المجتمع الجديد عن وضع نجمة صغيرة إلى جانب كل إنجاز تقول:

صنعه مهاجر.

ريادة الأعمال ليست دائمًا شركة كبيرة

في دراسات الهجرة يكثر التركيز على رجال الأعمال الناجحين.

لكن الجزء الأكبر من الاقتصاد تصنعه الأعمال الصغيرة.

بقالة.

ومطعم.

وورشة.

ومحل ملابس.

ومكتب محاسبة.

وسيارة أجرة.

هذه المشاريع تدفع إيجارًا.

وتشتري من موردين.

وتوظف عاملًا.

وتدفع الضرائب.

وقد ترسل ابنًا إلى الجامعة.

ثم يصبح الابن مهندسًا.

لذلك فإن أثر مجتمع الشتات لا يُقاس فقط بأسماء المليونيرات.

أحيانًا يكون الأثر الحقيقي ملايين القرارات الصغيرة التي اتخذتها أسر لم تدخل التاريخ.

الطعام يدخل البلد

الحمص اليوم موجود في مدن حول العالم.

والفلافل.

والكنافة.

والزعتر.

ليس كل انتشار لهذه الأطعمة فلسطيني المصدر وحده، فهي جزء من تراث مطبخي مشرقي مشترك ومتداخل.

لكن المهاجرين الفلسطينيين كانوا من بين من حمل هذه المأكولات إلى مجتمعات جديدة.

المطعم قد يبدأ خدمة للجالية.

ثم يدخل إليه الجار.

ثم تصبح الوجبة جزءًا من المدينة.

وفي الجيل التالي قد يقدم المطعم وصفة تغيرت لتناسب الذوق المحلي.

هل هذا فقدان للأصل؟

أم نجاح للطعام؟

ربما الاثنان.

حين تدخل الثقافة مجتمعًا جديدًا، لا تبقى كما كانت.

البلد المضيف يغيّر الفلسطيني أيضًا

حتى الآن يبدو المقال كأنه يسأل فقط:

ماذا قدم الفلسطينيون؟

لكن العنوان يقول إن الطريق في اتجاهين.

الأردن غيّر الفلسطيني.

والكويت غيرته.

وتشيلي غيرته.

والولايات المتحدة غيرته.

أعطته لغة جديدة.

ونظام تعليم جديدًا.

ومهنة.

وقانونًا.

وأحيانًا جنسية.

وتصورًا مختلفًا للعالم.

الفلسطيني التشيلي ليس نسخة بعيدة من الفلسطيني في بيت لحم.

إنه هوية جديدة أنتجتها تشيلي وفلسطين معًا.

وهذه حقيقة لا تنتقص من الأصل.

بل تشرح معنى الشتات.

اللهجة

استمع إلى فلسطيني وُلد في عمّان.

وآخر عاش في الخليج.

وثالث من تشيلي لا يتحدث العربية.

سترى التاريخ في اللغة نفسها.

اللهجات تختلط.

والمفردات تدخل.

والأسماء تتغير طريقة نطقها.

الهوية التي تتحرك لا تبقى مغلقة.

حتى الطعام والملابس والموسيقى تتغير.

ولهذا فإن القول إن الفلسطينيين «حافظوا على هويتهم» يحتاج إلى إضافة.

حافظوا عليها وهم يغيرونها.

فالهوية التي لا تتغير مع المكان الجديد يصعب أن تعيش أربعة أجيال.

الزواج يعيد تركيب المجتمع

في كثير من بلدان الشتات تزوج الفلسطينيون من المجتمعات المضيفة.

أردنيون.

وسوريون.

ولبنانيون.

وتشيليون.

وأمريكيون.

وأوروبيون.

بعد جيل يصبح السؤال:

أي جزء من الطفل فلسطيني؟

السؤال نفسه قد يكون خاطئًا.

الإنسان ليس كوبًا نقيس الهويات داخله بالنصف والربع.

قد يحمل أكثر من انتماء كامل.

ويصبح هذا الطفل نفسه جسرًا اجتماعيًا بين عائلتين وثقافتين.

الاندماج لا يحدث في المؤتمرات.

يحدث أيضًا عندما تجتمع عائلتان حول مائدة واحدة.

الأثر السياسي

وجود مجتمع كبير من أصل فلسطيني يمكن أن يخلق كذلك تأثيرًا في المجال العام والسياسة الخارجية، كما درست أبحاث عن تشيلي خصوصًا.

لكن يجب الحذر هنا.

لا توجد «كتلة فلسطينية» تتحكم في سياسة دولة.

ولا يصوت جميع المنحدرين من أصل فلسطيني بالطريقة نفسها.

تختلف ميولهم السياسية مثل بقية المواطنين.

ما تستطيع الجالية فعله هو إنشاء جمعيات وشبكات ومؤسسات تدخل النقاش العام وتدافع عن مواقفها مثل جماعات مدنية أخرى.

وقد يكون لذلك أثر بدرجات مختلفة بحسب البلد والمرحلة التاريخية.

المواطنة تسمح للمهاجر السابق بأن يتحول من موضوع للسياسة إلى مشارك فيها.

عندما يصبح ابن المهاجر وزيرًا

هناك لحظة رمزية في تاريخ كل جالية.

حين يصل أحد أبنائها إلى منصب كان المهاجر الأول لا يستطيع تخيل الاقتراب منه.

نائب.

وزير.

رئيس بلدية.

أو رئيس دولة.

حدث ذلك لأشخاص من أصول فلسطينية في أكثر من بلد في أمريكا اللاتينية.

لكن أهمية الأمر ليست في القول:

انظروا كم هم ناجحون.

الأهم:

المجتمع المضيف لم يعد يرى أصلهم عائقًا تلقائيًا أمام أن يمثلوا الدولة كلها.

هذا تحول من الهجرة إلى المواطنة.

الجد يدخل البلد بوثيقة عثمانية ويُسمى غريبًا.

والحفيد يقف أمام المواطنين طالبًا أصواتهم.

لكن ليست كل قصة نجاح

إذا توقفنا هنا نصنع دعاية لا تاريخًا.

الفلسطينيون في الشتات عرفوا البطالة والفقر والتمييز والقيود القانونية مثلما عرفوا النجاح.

هناك أسر بقيت في المخيمات أجيالًا.

وأطفال خرجوا من المدرسة للعمل.

ومهنيون لم تستطع شهاداتهم فتح باب الوظيفة.

ولاِجئون مُنعوا من ممارسة مهن معينة في مراحل مختلفة.

ومجتمعات نزحت مرة ثانية وثالثة.

قصة الطبيب ورجل الأعمال حقيقية.

وقصة العامل الفقير حقيقية أيضًا.

ولا يجوز أن تستخدم الأولى لمحو الثانية.

ليس كل بلد استفاد بالطريقة نفسها

البلد الذي يسمح للاجئ بالدراسة والعمل والاستثمار يستطيع الاستفادة من طاقته بدرجة أكبر.

والبلد الذي يقيده إلى قطاعات محدودة يحصل على مساهمة أصغر مما يمكن أن يقدمها.

هذه ليست قضية فلسطينية فقط.

إنها قاعدة اقتصادية عامة.

إذا كان لديك مهندس ولا تسمح له بالعمل مهندسًا، فإن المجتمع يخسر قبل المهندس نفسه.

ولهذا تختلف نتائج الشتات بين مكان وآخر.

البشر قد يكونون أنفسهم.

لكن القوانين ليست نفسها.

الامتنان ليس دينًا أبديًا

يوجد خطاب آخر يحتاج إلى الحذر.

أحيانًا يقال للاجئ:

البلد استقبلك، إذن عليك أن تكون ممتنًا ولا تطالب بشيء.

وأحيانًا يرد خطاب مضاد:

لقد بنينا البلد، إذن لنا فضل خاص عليه.

كلاهما يفسد العلاقة.

المجتمع المضيف قدم موارد وفرصًا وحماية بدرجات متفاوتة.

والوافد عمل وأنتج ودفع الضرائب وأسهم في المجتمع بدرجات متفاوتة.

هذه ليست صفقة فضل.

إنها حياة مشتركة امتدت عقودًا.

بعد جيلين يصبح سؤال:

من أعطى من أكثر؟

أقل فائدة من سؤال:

ماذا بنينا معًا؟

حين تتحول المساعدة إلى استثمار

في بدايات اللجوء يحتاج الإنسان إلى الدعم.

هذه حقيقة لا عيب فيها.

لكن إذا حصل الطفل على مدرسة جيدة، فالمجتمع لا يكون قد أنفق عليه فقط.

قد يكون استثمر في طبيب سيعمل ثلاثين عامًا.

أو معلم سيخرج أجيالًا.

أو صاحب شركة يوظف عشرات الأشخاص.

هذه إحدى الحجج الأساسية عالميًا لسياسات دمج اللاجئين.

النظر إليهم فقط من خلال تكلفة العام الأول يتجاهل عشرات السنوات التي يمكن أن تأتي بعده.

تاريخ الفلسطينيين يقدم حالات كثيرة تظهر هذه الدورة.

من الإغاثة.

إلى التعليم.

إلى المهنة.

إلى المساهمة.

المدرسة التي أنتجت معلمًا لبلد آخر

في هذا شيء من المفارقة.

أنشئت مدارس اللاجئين لكي تمنع جيلًا من الضياع.

لكن خريجيها لم يبقوا كلهم داخل المخيم.

تحركوا إلى المدن.

والجامعات.

والخليج.

وأوروبا.

وأمريكا.

وهكذا استطاع استثمار إنساني داخل مخيم صغير أن يصل أثره إلى دولة تبعد آلاف الكيلومترات.

الطالب الذي تعلم في مدرسة أونروا بالأردن قد يصبح معلمًا في الخليج.

ثم يدرس ابنه في جامعة أمريكية.

ثم يعمل الحفيد في شركة عالمية.

من أين نبدأ قياس الأثر؟

هذه هي مشكلة الشتات الجميلة والصعبة.

لا توجد له حدود إحصائية واضحة.

فلسطين استفادت أيضًا من بلاد اللجوء

كما ساهم الفلسطينيون في المجتمعات المضيفة، اكتسبت فلسطين منهم ومن تلك المجتمعات أشياء كثيرة.

التعليم في الجامعات العربية.

والخبرات المهنية.

والأموال المحولة.

والشبكات التجارية.

والأفكار السياسية والفكرية.

والعلاقات الدولية.

جزء كبير من الطبقة المهنية والسياسية والثقافية الفلسطينية الحديثة تشكل في الخارج بدرجات مختلفة.

القضية الفلسطينية نفسها أصبحت عالمية جزئيًا لأن الفلسطينيين عاشوا في العالم.

المهاجر لا يحمل وطنه معه فقط.

عندما يعود — فعليًا أو عبر المال والفكرة — يحمل شيئًا من العالم إلى وطنه.

لا يوجد شتات «نقي»

بعد عقود، يصبح من العبث البحث عن ثقافة فلسطينية خارجية لم تتأثر بالمكان.

موسيقى فلسطين في تشيلي ستسمع الإسبانية حولها.

وطعامها سيتغير.

والفلسطيني في الأردن يتشارك حياة ولهجة ومؤسسات مع الأردنيين.

والفلسطيني في أمريكا يصبح جزءًا من النقاشات الأمريكية.

هذا ليس فشلًا في حفظ الهوية.

هذا هو ثمن بقائها حية.

كل ثقافة تسافر تعود مختلفة.

ولو بقيت مطابقة تمامًا لما خرجت به قبل ثمانين عامًا، لكان علينا أن نسأل إن كانت تعيش أصلًا أم محفوظة في صندوق.

الأثر الذي لا يُرى

ربما أكبر مساهمة لمجتمعات الشتات لا تظهر في الكتب.

إنها الحياة اليومية.

مريض يعالجه طبيب.

طفل يعلمه مدرس.

موظف يحل معاملة.

جار يساعد جاره.

شركة صغيرة تفتح خمسة وظائف.

مهندس يعمل في شبكة مياه.

امرأة تؤسس حضانة.

طالب يصبح أستاذًا.

هذه الأفعال لا تحصل على تماثيل.

لكن المدن تعمل بها.

وعندما تعيش جماعة ملايين الساعات داخل مجتمع، فإنها تغيره حتمًا بهذه التفاصيل.

كما يغيرها المجتمع في المقابل.

المفارقة

خرج الفلسطيني في جزء كبير من قصة الشتات لأنه فقد القدرة على البقاء في مكانه.

ثم وصل إلى مكان جديد وقضى حياته يساعد، مثل غيره من السكان، في جعل ذلك المكان أكثر قدرة على العمل.

فقد مدرسة.

فأصبح معلمًا.

فقد متجرًا.

ففتح متجرًا جديدًا.

فقد بيتًا.

فبنى بيتًا في بلد آخر.

هذه ليست قصة انتصار على النكبة.

فالبيت الجديد لا يمحو البيت المفقود.

لكنها تكشف قدرة الإنسان على إنتاج شيء بعد الخسارة.

وربما هنا أخطأنا حين جعلنا صورة اللاجئ دائمًا صورة شخص ينتظر.

لقد انتظر كثيرون فعلًا.

لكنهم أثناء الانتظار عاشوا.

حين لم يكن المنفى اتجاهًا واحدًا

في المقال السابق رأينا كيف حمل الفلسطيني الوطن معه.

أما هنا فنرى شيئًا آخر.

لم يكن يحمل فقط.

كان يترك أيضًا.

ترك معلم فلسطيني جزءًا من حياته في مدرسة كويتية.

وترك طبيب سنواته في مستشفى أردني أو خليجي.

وترك تاجر متجرًا أصبح لاحقًا شركة في تشيلي.

وترك كاتب كتابًا أصبح جزءًا من ثقافة بلد آخر.

وترك عامل عرقه في طريق أو مبنى لن يعرف مستخدموه اسمه.

ثم أخذ من هذه البلاد أشياء بدوره.

لغة.

وجنسية.

ومهنة.

وأصدقاء.

وزوجًا أو زوجة.

وأطفالًا لا يستطيعون فصل تاريخ فلسطين عن تاريخ البلد الذي ولدوا فيه.

بعد ثلاثة أجيال يصبح السؤال:

من أثر في من؟

أقل وضوحًا.

وهذا ربما هو الجواب.

كلاهما.

الشتات ليس قطعة من فلسطين موضوعة خارج حدودها بلا تغيير.

إنه مجتمع جديد يتكون في الاحتكاك بين ذاكرة حملها القادم وعالم وجده أمامه.

بعض البلدان منحت الفلسطينيين مساحة كبيرة للعمل والاندماج.

وبعضها فرض قيودًا قاسية.

وبعض العلاقات انهارت عندما تغيرت السياسة.

ومع ذلك تركت العقود الطويلة آثارًا لا يمكن حذفها بقرار حكومي.

يمكن أن يغادر مئات الآلاف من بلد.

لكن الطلاب الذين علموهم لا يغادرون ذاكرتهم معهم.

ولا المباني التي صمموها.

ولا الشركات التي أسسوها.

ولا الكلمات التي أدخلوها إلى الأدب.

ولا النادي الذي أصبح جزءًا من مدينة بعيدة.

ولذلك فإن أكثر الصور دقة للفلسطيني في الشتات ربما ليست مفتاح البيت القديم وحده.

بل مفتاحان.

واحد لباب بقي في الذاكرة.

وآخر لباب بناه في المكان الجديد.

كلاهما حقيقي.

ولا يحتاج أحدهما إلى إلغاء الآخر.

المصادر والمراجع

  • وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى — UNRWA — مواد التعليم وأوضاع لاجئي فلسطين في مناطق العمليات.
  • Laurie A. Brand — Palestinians in the Arab World: Institution Building and the Search for State.
  • Helena Lindholm Schulz — The Palestinian Diaspora: Formation of Identities and Politics of Homeland.
  • Shafeeq Ghabra — دراسات الجالية الفلسطينية في الكويت وتطورها الاجتماعي والسياسي.
  • دراسات حديثة حول الفلسطينيين في الخليج العربي ودور المهنيين الفلسطينيين في التعليم والإدارة وبناء المؤسسات خلال مراحل التوسع النفطي.
  • Ido Zelkovitz — A Paradise Lost? The Rise and Fall of the Palestinian Community in Kuwait.
  • Rosemary Sayigh — Palestinians: From Peasants to Revolutionaries.
  • Riccardo Bocco — دراسات اللاجئين الفلسطينيين والتعليم والتنمية البشرية.
  • Cecilia Baeza — دراسات الفلسطينيين في أمريكا اللاتينية وتشيلي.
  • Siri Schwabe — Moving Memory: Remembering Palestine in Postdictatorship Chile.
  • Nancie L. Solien González — Dollar, Dove, and Eagle: One Hundred Years of Palestinian Migration to Honduras.
  • Memoria Chilena — دراسات الهجرة العربية والفلسطينية إلى تشيلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top