القبلة: هل يحتضن الذهب الحب أم يخفي اختلال القوة؟

القبلة — هل يحتضن الذهب الحب أم يخفي اختلال القوة؟

يقف رجل فوق امرأة راكعة.
يطوق رأسها بذراعيه.
ينحني نحو وجهها.
عيناه لا تظهران.
وجهه يكاد يختفي.
أما هي فمغمضة العينين.
إحدى يديها حول عنقه.
والأخرى تمسك يده الملامسة لوجهها.
من بعيد تبدو الصورة واضحة:
عاشقان.
قبلة.
ذهب.
زهور.
واحدة من أكثر صور الحب شهرة في تاريخ الفن.
لكن كلما اقتربنا من لوحة غوستاف كليمت، تبدأ البساطة في الانهيار.
هل تستسلم المرأة للحظة حب؟
أم أن وضع جسدها يخفي توترًا؟
هل الرجل يحتضنها؟
أم يحيط بها؟
لماذا يقف هو بينما تركع هي؟
ولماذا ينتهي المرج الذي يحمل جسديهما فجأة عند حافة تبدو كأنها نهاية العالم؟
ربما لهذا أصبحت «القبلة» أكثر من صورة رومانسية.
فاللوحة التي أعيد طبعها على البطاقات والأكواب والملصقات ملايين المرات لا تقول بوضوح ما نعتقد أننا نراه.
الذهب يغمر كل شيء.
وحين يغطي الذهب الجسد…
يصبح من الصعب أحيانًا معرفة أين ينتهي الحب وأين تبدأ السلطة.
فيينا التي رسمت اللوحة
رسم غوستاف كليمت «القبلة» في فيينا خلال السنوات 1907–1909 تقريبًا.
كانت المدينة آنذاك عاصمة إمبراطورية نمساوية مجرية ضخمة.
مدينة الموسيقى.
والقصور.
والأوبرا.
والمقاهي.
لكن تحت أناقة الواجهات كانت فيينا تدخل العصر الحديث بكل توتراته.
سيغموند فرويد يكتب عن اللاوعي.
وأرنولد شونبرغ يدفع الموسيقى خارج القواعد القديمة.
والمعماريون والفنانون يثورون على الزخرفة الأكاديمية التقليدية.
والمدينة التي ما تزال ترتدي ملابس الإمبراطورية بدأت تنتج فنًا يشك في كل ما تحته.
وسط هذا العالم كان كليمت يبحث عن لغة جديدة.
لغة تستطيع أن تجعل الجسد الحديث يظهر…
من دون أن ترسمه بالطريقة القديمة.
ابن نقاش الذهب
ولد غوستاف كليمت سنة 1862 قرب فيينا.
كان والده يعمل في نقش المعادن والذهب.
ولا ينبغي تحويل هذه الحقيقة إلى تفسير قدري بسيط يقول إن الابن استخدم الذهب لأن الأب كان يتعامل معه.
لكن من اللافت أن المادة التي ستصبح أشهر علامة بصرية في أعمال كليمت كانت مألوفة في البيئة الحرفية التي جاء منها.
درس كليمت في مدرسة الفنون التطبيقية في فيينا.
وبدأ حياته المهنية بطريقة بعيدة عن صورة الفنان المتمرد.
كان مع أخيه إرنست وزميله فرانز ماتش ينفذ زخارف لمبانٍ ومسارح ومؤسسات رسمية.
كان يعرف كيف يرسم ما تريده الدولة.
ثم بدأ يريد شيئًا آخر.
الانفصال
في سنة 1897 كان كليمت من أبرز مؤسسي حركة «انفصال فيينا».
الاسم يقول الكثير.
مجموعة من الفنانين انسحبت من المؤسسة الفنية المحافظة في المدينة وأرادت فضاءً للفن الحديث.
لم تكن لديهم مدرسة بصرية واحدة.
لكنهم رفضوا أن تحدد الأكاديميات القديمة وحدها ما يستحق أن يسمى فنًا.
شعارهم الشهير ارتبط بفكرة:
لكل عصر فنه.
وللفن حريته.
في هذه البيئة بدأ كليمت ينتقل من الرسوم الأكاديمية الواقعية إلى عالم تصبح فيه الزخرفة مساوية للشخصية، والخطوط والأشكال الهندسية جزءًا من المعنى لا مجرد زينة حوله.
قبل القبلة كان هناك فضيحة
قبل أن تصبح أعمال كليمت زينة مرغوبة في المتاحف والفنادق والمتاجر، واجه واحدًا من أكبر النزاعات الفنية في فيينا.
كُلّف برسم لوحات لسقف جامعة فيينا تمثل الفلسفة والطب والقانون.
كان المتوقع صورًا احتفالية بالعقل والعلم والتقدم.
لكن كليمت قدم مشاهد غامضة ومثيرة ومليئة بالأجساد والمرض والموت والقلق.
لم يرَ بعض النقاد فيها انتصار العلم.
رأوا شيئًا قريبًا من الكابوس.
تعرضت الأعمال لهجوم شديد.
واتُّهم كليمت بالإباحية والغموض والابتعاد عن المهمة الرسمية.
انتهى النزاع بأن استعاد لوحاته ورد الأموال المرتبطة بالتكليف.
وكان الدرس واضحًا.
كليمت لم يعد يريد أن يرسم بالطريقة التي تطلبها المؤسسة.
من الأزمة إلى الذهب
في السنوات التالية دخل ما يسمى عادة «المرحلة الذهبية» في مسيرته.
ظهرت أعمال مثل «جوديث الأولى» و«أديل بلوخ-باور الأولى» و«القبلة».
بدأ الذهب الحقيقي يدخل سطح اللوحة.
ليس لونًا أصفر يقلد الذهب.
بل أوراق ذهب ومعادن ومواد لامعة حقيقية.
في «القبلة» استخدم كليمت الذهب والفضة والبلاتين ومواد معدنية أخرى إلى جانب الألوان الزيتية.
أصبحت اللوحة شيئًا بين الرسم والجوهرة.
وبين الصورة والقطعة الزخرفية.
رحلة إلى رافينا
من أهم المؤثرات على عالم كليمت الذهبي الفسيفساء البيزنطية.
زار رافينا الإيطالية، حيث شاهد فسيفساء كنائس مثل سان فيتالي.
هناك تقف الشخصيات الإمبراطورية والدينية أمام خلفيات ذهبية لا تحاول أن تبدو كسماء حقيقية أو غرفة حقيقية.
الذهب يلغي المكان.
يجعل الشخصية خارج الزمن.
ليست في غرفة.
ولا في حقل.
إنها في مساحة رمزية.
كليمت أخذ من هذه اللغة شيئًا أساسيًا.
لكن بدل أن يستخدم الذهب لتقديس إمبراطور أو قديس…
استخدمه حول عاشقين.
الحب الجسدي حصل على خلفية كانت في تقاليد أقدم مرتبطة بالمقدس.
ليس بيزنطة فقط
لم يعمل كليمت من مصدر واحد.
تأثر كذلك بالفن الياباني، والزخارف الشرقية والآسيوية، والفنون التطبيقية، والمنمنمات والخلفيات الذهبية في فنون العصور الوسطى، وبالحركة الزخرفية الأوروبية الحديثة.
كانت فيينا في بداية القرن العشرين مدينة تصلها الأشياء والصور والأساليب من أنحاء مختلفة من العالم.
وكليمت لم ينسخ أي تقليد حرفيًا.
كان يفككه ثم يعيد تركيبه.
لهذا تبدو «القبلة» قديمة وحديثة في الوقت نفسه.
يمكن أن ترى فيها أيقونة بيزنطية.
ثم ترى تصميم نسيج.
ثم لوحة حديثة.
ثم صورة تكاد تكون إعلانًا.
كل ذلك في مساحة واحدة.
مربع كامل تقريبًا
يبلغ حجم اللوحة 180 × 180 سنتيمترًا.
مربع كبير.
وهذا مهم.
الصورة لا تمتلك الاتجاه الأفقي التقليدي للمناظر الطبيعية.
ولا العمودي المعتاد للبورتريه.
المربع يخلق عالمًا مكتفيًا بنفسه.
في مركزه تقريبًا يقف الزوجان داخل كتلة ذهبية واحدة.
لا توجد مدينة.
ولا غرفة.
ولا سماء مرسومة بالطريقة المعتادة.
ولا شاهد آخر.
العالم كله تقلص إلى جسدين ومساحة من الذهب وحقل زهور ضيق.
كأن كليمت حذف كل شيء لا تحتاج إليه القبلة.
ثم أبقى شيئًا واحدًا مزعجًا:
الحافة.
حافة العالم
يركع جسد المرأة فوق مرج مليء بالزهور.
لكن المرج لا يستمر بعيدًا.
ينتهي فجأة.
بعده فراغ ذهبي.
بعض القراءات ترى في ذلك مجرد حل زخرفي.
وأخرى ترى أن العاشقين موجودان عند حافة هاوية أو على نهاية أرض.
لا نستطيع إثبات أن كليمت أراد «الهاوية» رمزًا للحب.
هو نفسه كان قليل الكلام عن معاني أعماله.
لكن الموقع البصري يترك إحساسًا لا يمكن تجاهله.
الحب هنا ليس داخل مكان مستقر.
الزوجان عند النهاية.
وكأن خطوة واحدة إضافية قد تنقل المشهد من النشوة إلى السقوط.
أين الجسد؟
للوهلة الأولى نرى رجلًا وامرأة.
لكن انظر إلى جسديهما.
يكادان يختفيان بالكامل داخل الثياب الذهبية.
تظهر الأيدي.
والوجه.
والقدم.
وقليل من الرقبة.
الباقي زخرفة.
الجلد مرسوم بطريقة ناعمة وقريبة من الطبيعة.
أما الملابس فمسطحة تقريبًا ومليئة بالأنماط الهندسية.
الجسد حقيقي.
والثوب تجريدي.
وهكذا يجمع كليمت عالمين كان الفن الأوروبي يفصل بينهما عادة:
الرسم التشخيصي.
والزخرفة.
الجسد موجود…
لكن الزخرفة تبتلعه.
الرجل مستطيلات
انظر إلى عباءة الرجل.
أشكال مستطيلة ومربعة.
أسود.
وأبيض.
وذهبي.
خطوط أكثر حدة.
أشكال تبدو مستقرة وصلبة.
ثم انظر إلى ثوب المرأة.
دوائر.
وأشكال ناعمة.
وألوان.
وزهور.
وتكوين أكثر سيولة.
يبدو أن كليمت يستخدم اختلاف الزخرفة لتمييز الجسدين بعدما دمجهما الذهب في كتلة واحدة.
وقد قرأ نقاد كثيرون الاختلاف باعتباره ترميزًا بصريًا للذكوري والأنثوي.
الخط المستقيم مقابل الدائرة.
الصلابة مقابل الليونة.
لكن علينا الانتباه.
هذه قراءة رمزية ممكنة.
وليست قاموسًا تركه كليمت يقول فيه إن كل مربع رجل وكل دائرة امرأة.
رجل بلا وجه
لا نرى وجه الرجل تقريبًا.
نرى شعره.
ورقبته.
وجزءًا من جانبه.
شخصيته الفردية ضعيفة.
أما وجه المرأة فهو أكثر وضوحًا بكثير.
هذه مفارقة.
الرجل هو الأكثر سيطرة على الوضع الجسدي.
لكنه الأقل ظهورًا بوصفه فردًا.
المرأة هي الأكثر انكشافًا للمتلقي.
وجهها هو مركز المشهد النفسي.
اللوحة تسمى «القبلة».
لكننا لا نرى فعل التقبيل نفسه بالطريقة المتوقعة.
فمه قريب من خدها أو جانب وجهها.
وهي تلتف داخل اللحظة.
الصورة لا تمنحنا الشفتين اللتين تتلامسان.
تمنحنا ما قبل القبلة أو خلالها أو حولها.
العينان المغلقتان
عين المرأة مغلقة.
يمكن تفسير ذلك بسهولة بوصفه استسلامًا عاطفيًا.
راحة.
نشوة.
ثقة.
لكن العين المغلقة تستطيع أن تحمل معنى آخر كذلك.
الانسحاب.
التوتر.
الاستسلام الذي لا نعرف إن كان رغبة أو قبولًا سلبيًا.
مرة أخرى لا تعطينا اللوحة دليلًا حاسمًا.
وهنا تكمن قوتها.
لو كانت المرأة تبتسم بوضوح وتنظر إلى الرجل، تصبح القصة سهلة.
ولو كانت تدفعه بعيدًا، تصبح سهلة أيضًا.
لكن يدها تمسك يده.
وذراعها ترتفع نحوه.
وفي الوقت نفسه وضع جسدها غير متكافئ مع وضعه.
كليمت يتركنا داخل المنطقة التي لا يستطيع فيها التعبير الواحد إنهاء النقاش.
ماذا تقول اليدان؟
اليدان ربما أهم من القبلة نفسها.
يد الرجل تحمل رأس المرأة.
والأخرى تطوق وجهها أو تمسكه.
أما المرأة فتضع يدًا على عنقه.
ويدها الأخرى فوق يده.
هل هي تستقبل اللمسة؟
أم تتحكم فيها؟
هل يدها على يده علامة حنان؟
أم محاولة لتحديد القوة التي يضغط بها؟
في لوحة جيدة يمكن لتفصيل صغير أن يمنع المعنى من الاستقرار.
لو حذف كليمت يد المرأة التي تلامس يده، لبدت الصورة أكثر هيمنة.
ولو جعلها تعانقه بقوة، لبدت أكثر تبادلًا.
اختار شيئًا بين الاثنين.
لماذا تركع؟
هذا هو السؤال الذي يجعل القراءة السياسية والجندرية ممكنة.
الرجل منتصب.
المرأة راكعة.
جسده يعلوها.
رأسه فوق رأسها.
ذراعاه يحيطان بها.
من منظور حديث حساس لعلاقات القوة، يصعب ألا نلاحظ هذا التفاوت.
لكن وضع الركوع لا يعني وحده الإكراه.
قد يكون نتيجة التكوين.
وقد يكون جزءًا من وضع حميم متبادل.
وقد تكون المرأة جالسة أو راكعة على المرج بينما الرجل ينحني إليها.
اللوحة لا تقدم قصة قبلية أو بعدية نعرف منها ما حدث.
لذلك يستطيع السؤال أن يبقى مشروعًا:
هل نحن أمام حب متبادل؟
أم أمام صورة للحب صيغت من نظرة رجل في مجتمع له تصور محدد عن أدوار الرجل والمرأة؟
لا ينبغي أن نجعل كليمت شاهدًا في محكمة معاصرة
هناك خطر في قراءة لوحة من 1908 بمفاهيم القرن الحادي والعشرين وحدها.
لا لأن أسئلة السلطة والجندر غير مشروعة.
بل لأن اللوحة جاءت من عالم ثقافي مختلف.
فيينا في زمن كليمت كانت تشهد تغيرًا كبيرًا في أدوار النساء والتعليم والعمل والحياة الفكرية، لكنها بقيت مجتمعًا أبويًا إلى حد كبير.
والفن نفسه كان مليئًا بصور المرأة بوصفها موضوعًا للرغبة والخوف والفتنة.
كليمت رسم النساء مرات كثيرة.
وكانت علاقاته بالنساء وحياته الخاصة موضع كثير من الروايات والتكهنات.
لكن علينا أن نفصل بين ما نعرفه وما نتخيله.
اللوحة تسمح بنقد علاقات القوة.
ولا تسمح لنا بإدانة أو تبرئة شخصية لم يخبرنا الفنان بقصتها أصلًا.
هل الرجل كليمت؟
من أكثر الأسئلة شيوعًا حول اللوحة:
هل رسم غوستاف كليمت نفسه؟
هناك أسباب جعلت الفكرة جذابة.
تظهر بعض الدراسات التحضيرية الرجل بلحية.
وكليمت نفسه كان ملتحيًا.
كما أن علاقة كليمت الطويلة بمصممة الأزياء إميلي فلوجه جعلت كثيرين يتساءلون عما إذا كانت المرأة هي إميلي.
كانا قريبين جدًا.
وقضيا أوقاتًا طويلة معًا.
وارتبطت حياتهما الشخصية والفنية.
كما توجد قطعة صغيرة صممها كليمت مرتبطة بإميلي تستخدم موضوع العناق بصورة قريبة من «القبلة».
لكن هذا كله لا يثبت أن الشخصيتين هما كليمت وإميلي.
إميلي فلوجه
لم تكن إميلي مجرد «حبيبة محتملة لفنان مشهور».
كانت مصممة أزياء ناجحة وشريكة في صالون أزياء بارز في فيينا مع شقيقتيها.
ارتبطت بالتيارات الحديثة في التصميم والملابس.
وتظهر صور لها بملابس فضفاضة ومتقدمة على كثير من أزياء عصرها.
كانت علاقتها بكليمت عميقة ومستمرة حتى وفاته.
لكن طبيعة العلاقة الحميمة بينهما ليست معروفة بصورة تسمح لنا بوضع تسمية بسيطة عليها.
ولهذا فإن القول:
«المرأة في القبلة هي إميلي فلوجه»
يتجاوز الأدلة.
الأدق:
هناك فرضية قديمة وجذابة، ولها بعض المؤشرات، لكنها غير محسومة.
وربما لهذا لم يعطهما اسمين
عرض كليمت اللوحة في معرض فيينا الفني سنة 1908 بعنوان يرتبط بـ«العاشقين».
لم يقدمها باعتبارها بورتريه لشخصين معروفين.
الشخصيتان بلا اسم.
وهذا يغير كل شيء.
لو كتب:
غوستاف وإميلي،
لأصبحت قصة خاصة.
أما عندما يصبحان مجرد عاشقين، فإن كل من ينظر إلى اللوحة يستطيع أن يضع قصته داخلها.
هذا جزء من سر بقائها.
العاشقان اللذان لا نعرفهما يمكن أن يكونا الجميع.
ويمكن أن يكونا لا أحد.
الذهب الذي يلغي الزمن
لو رسم كليمت الخلفية غرفة في فيينا، لكنا عرفنا مكان المشهد.
لو رسم شجرة أو جبلًا، لأصبح له فصل ومناخ.
لكنه اختار الذهب.
لا صباح.
ولا مساء.
لا سماء.
ولا جدار.
لا سنة.
الزوجان خارج الزمن تقريبًا.
هنا يعود تأثير الفن البيزنطي.
الخلفية الذهبية لا تسجل العالم كما تراه العين.
تقول إن ما أمامك ينتمي إلى مستوى رمزي.
في الأيقونة يمكن أن يكون المقدس.
وفي «القبلة» أصبح الحب نفسه قريبًا من ذلك المستوى.
هل الذهب حب أم ثروة؟
الذهب في الثقافة البشرية يحمل معاني كثيرة.
المقدس.
والخلود.
والملكية.
والثروة.
والزواج.
والهدايا.
والسلطة.
ولذلك من المستحيل النظر إليه في لوحة عن الحب من دون أن يحمل كل هذه الظلال.
هل أحاط كليمت العاشقين بالذهب لأن الحب أثمن شيء؟
ربما.
لكن الذهب يستطيع كذلك أن يخفي الجسد.
يستطيع أن يحوله إلى شيء ثمين يمتلكه النظر.
الشخصية داخل الذهب جميلة.
لكنها أيضًا محاطة بمادة ارتبطت تاريخيًا بالقيمة والملكية.
مرة أخرى لا يوجد تفسير وحيد.
الذهب يحتضن…
ويغطي.
وجه المرأة مقابل ثوبها
هذا التناقض شديد الأهمية.
وجه المرأة فردي.
له أنف وفم وجفن وخد.
ثم يبدأ الثوب…
فتختفي الفردية داخل الزخرفة.
يمكن أن نقرأ هذا باعتباره انتقالًا من الإنسان إلى الرمز.
هي ليست امرأة بعينها.
تصبح «الأنثى» داخل لغة كليمت الزخرفية.
لكن هذه العملية نفسها قابلة للنقد.
حين نحول الإنسان إلى رمز، ماذا نخسر من شخصيته؟
قد يكون هذا أحد أسباب شعور بعض المشاهدين بأن اللوحة، رغم رومانسيتها، لا تقدم علاقة متساوية بين شخصيتين نعرفهما.
نحن نعرف جسد المرأة أكثر من ذاتها.
والوجه الوحيد الذي نقرأه هو وجهها
هناك تقليد طويل في الفن الغربي يجعل جسد المرأة ووجهها مساحة ينظر إليها المتلقي.
أما الرجل فيقوم بالفعل.
في «القبلة» الرجل ينحني.
ويمسك.
ويقبّل.
والمرأة تُرى.
لكن كليمت يعقد الأمر مرة أخرى.
وجه الرجل مخفي تمامًا تقريبًا.
هذا يعني أن المشاهد لا يستطيع بناء علاقة نفسية معه.
أما المرأة فهي مركز التعاطف البصري.
نحن لا نرى ما يشعر به الرجل.
نحاول أن نفهم ما تشعر به هي.
قد يكون هذا سببًا آخر لاستمرار السؤال حول اللحظة.
اللوحة تجبرنا على قراءة تعبير الطرف الأكثر سكونًا.
الزهور
عند قدمي المرأة يتفجر المرج بالألوان.
زهور صغيرة كثيرة.
تكسر الذهب.
تعيد الطبيعة إلى الصورة.
كما تمتد بعض الزخارف النباتية والملونة إلى ثوبها.
بينما عباءة الرجل تعتمد أكثر على الأشكال الهندسية.
المرأة تبدو مرتبطة بالأرض والزهور.
والرجل بالكتل الهندسية.
هذه الثنائية شائعة في تاريخ الفن والثقافة:
الأنثى والطبيعة.
الرجل والبنية أو العقل.
لكن لا ينبغي أن نفترض أن كليمت كتب هذه المعادلة حرفيًا.
الفن يستخدم رموزًا ثقافية قد تتجاوز نية الفنان الواعية نفسها.
أصابع القدم
انظر إلى أسفل اللوحة.
تظهر قدما المرأة عند حافة المرج.
تفصيل صغير…
لكنه يعيد الجسد كله إلى الأرض.
فوقها عالم من الذهب يكاد يحول العاشقين إلى أيقونة.
تحتها أصابع بشرية تلامس العشب.
كأن اللوحة تقول في الوقت نفسه:
الحب خارج الزمن.
والحب جسد.
الذهب يرفعه.
والقدم تعيده.
هذه الثنائية بين الروحي والحسي موجودة في كثير من أعمال كليمت.
لم يكن يرسم جسدًا يخجل من نفسه.
لكنه لم يتركه مجرد جسد أيضًا.
كليمت والجنس
لم يكن كليمت فنانًا محافظًا في تصوير الجسد والرغبة.
رسوماته، خصوصًا الدراسات الخاصة، تحتوي أجسادًا نسائية عارية ووضعيات جنسية وصورًا كانت صادمة في زمنها.
هذا يضع «القبلة» في سياق مختلف قليلًا.
اللوحة تبدو عفيفة نسبيًا مقارنة ببعض رسوماته.
الجسدان مغطّيان تقريبًا بالكامل.
ومع ذلك هي شديدة الإيروتيكية.
لا نحتاج إلى العري لكي نشعر بالقرب الجسدي.
الرقبة.
واليد.
والخد.
وانحناء الرأس.
كل شيء يحدث داخل سنتيمترات قليلة.
أحيانًا يكون ما تخفيه اللوحة أكثر حسية مما تكشفه.
شراء اللوحة قبل أن تجف أسطورتها
عندما عُرضت اللوحة لأول مرة سنة 1908، لفتت الأنظار بسرعة.
اشترتها الدولة النمساوية لصالح «المعرض الحديث»، الذي أصبح لاحقًا جزءًا من مجموعة بلفيدير.
كانت تلك خطوة مهمة.
الفنان الذي دخل قبل سنوات في صدام مع مؤسسة رسمية بسبب لوحات الجامعة وجد إحدى أكثر لوحاته حداثة تدخل مجموعة الدولة.
وهكذا يحدث أحيانًا للفن المثير للجدل.
المؤسسة التي تخاف من الفنان في مرحلة…
تبدأ لاحقًا بحماية أعماله.
لم يكن كليمت فنانًا هامشيًا حين رسمها
من المغري أن نبني قصة الفنان العبقري المرفوض الذي لم يفهمه أحد إلا بعد موته.
لكن «القبلة» لا تسمح بهذه الأسطورة كاملة.
كان كليمت معروفًا جدًا بالفعل.
وله رعاة أثرياء.
وتباع أعماله.
وتوجد حوله نقاشات واسعة.
نعم، تعرض للنقد والفضائح.
لكن النجاح والرفض كانا موجودين في الوقت نفسه.
هذا أدق من قصة الفنان الفقير المجهول.
الحداثة في فيينا لم تكن تعمل في قبو.
كانت تتصارع مع المجتمع من داخله.
لماذا أصبحت اللوحة أشهر منه تقريبًا؟
لأنها سهلة التعرف.
ذهب.
وعاشقان.
وشكل مربع.
وصورة قوية حتى عندما تُصغّر.
يمكن وضعها على بطاقة.
وغطاء هاتف.
ومظلة.
وكوب.
وحقيبة.
تعمل وهي بطول متر وثمانين.
وتعمل بحجم عشرة سنتيمترات.
وهذه قدرة بصرية نادرة.
لكن النجاح التجاري يحمل ثمنًا.
حين نرى الصورة كل يوم على المنتجات، نتوقف عن رؤيتها.
تصبح «القبلة» ديكورًا قبل أن تكون لوحة.
الحب الذي تحول إلى منتج
هذه ربما مفارقة لا يستطيع كليمت نفسه أن يتخيل حجمها.
استخدم الذهب الحقيقي ليخلق عملًا فريدًا.
ثم أصبحت صورة العمل من أكثر الصور الفنية استنساخًا تجاريًا في العالم.
اللوحة الأصلية لا يمكن امتلاكها بسهولة.
لكن نسختها تستطيع أن تكون على وسادة في متجر سياحي.
الذهب الذي جعل اللوحة شيئًا ثمينًا…
ساعد كذلك في جعلها علامة تجارية.
الحب الذي يبدو خالدًا خارج السوق أصبح واحدًا من أنجح منتجات السوق الثقافية.
هل أفسد الانتشار اللوحة؟
ليس بالضرورة.
قد تكون النسخة الرخيصة بابًا إلى الفن.
طفل يرى «القبلة» على دفتر.
ثم يكتشف كليمت.
ويكتشف انفصال فيينا.
ثم شيله وكوكوشكا والفن الحديث.
المشكلة ليست في الاستنساخ.
بل عندما تصبح النسخة بديلًا عن النظر.
الصورة المألوفة تحتاج أحيانًا إلى أن نراها كما لو أنها جديدة.
وهذا ما يحدث عندما نسأل:
لماذا المرأة راكعة أصلًا؟
فجأة يختفي الكوب…
وتعود اللوحة.
هل هذه لوحة حب سعيدة؟
يمكن أن تكون.
هناك عناصر كثيرة تدعم القراءة الرومانسية.
تقارب الجسدين.
الأعين المغمضة.
احتضان المرأة للرجل.
الأرض المزهرة.
الهالة الذهبية.
غياب أي عنصر خارجي يهددهما.
بل إن متحف بلفيدير نفسه يقدم العمل بوصفه صورة رمزية للحب ومركزية العلاقة الإنسانية.
هذه قراءة قوية ومشروعة.
لكنها ليست القراءة الوحيدة.
فالعمل العظيم لا يبقى عظيمًا قرنًا لأنه لا يقول إلا جملة واحدة.
القراءة الأخرى
من زاوية مختلفة، نرى:
رجلًا أطول.
واقفًا.
يحيط بالمرأة.
وهي راكعة عند الحافة.
جسدها داخل مساحة أصغر.
ورأسها مقيد بصريًا بين يديه.
هذه العناصر تسمح بقراءة تتساءل عن عدم التوازن.
لا يعني هذا أن اللوحة «تصور اعتداء».
هذا ادعاء لا تسمح به الأدلة البصرية ولا التاريخية.
لكن السؤال عن السلطة مشروع.
فالحميمية نفسها تحتوي دائمًا على سؤال:
هل يختار الطرفان اللحظة بالطريقة نفسها؟
الفن لا يحتاج إلى الإجابة كي يجعلنا نلاحظ السؤال.
ماذا لو كانت هي التي تميل إليه؟
انظر مرة أخرى إلى يدها على رقبته.
وإلى أصابعها حول يده.
ليست يدا شخص يحاول الهرب بوضوح.
جسدها لا يبتعد.
ووجهها لا يحمل خوفًا ظاهرًا.
قد تكون المرأة منغمسة بالكامل في اللحظة.
وهكذا ترد اللوحة على القراءة السابقة من داخلها.
كلما حاولنا تثبيت معنى، يظهر تفصيل يزعجه.
هذه هي المساحة التي عاش فيها كليمت ببراعة:
بين الجسد والزخرفة.
بين الحب والشهوة.
بين المقدس والحسي.
بين الفرد والرمز.
وبين الحنان والامتلاك.
الفن لا يعمل مثل كاميرا المراقبة
لا نستطيع تحليل وضع اليدين ثم إصدار حكم قضائي على المشهد.
اللوحة بناء مقصود.
كليمت عدل التكوين أثناء العمل.
وأشارت دراسات تقنية للوحة إلى تعديلات أجراها على جسد المرأة وتفاصيل أخرى.
ما نراه ليس لحظة التقطتها كاميرا.
هو ترتيب صنعه الفنان لكي يؤدي وظيفة بصرية.
إذن كل وضعية موجودة لأنها خدمت التكوين.
لكن الفن لا يمنعنا من سؤال ما تقوله هذه الاختيارات ثقافيًا.
نية الفنان ليست المصدر الوحيد للمعنى.
المشاهد يأتي إلى اللوحة بتاريخه أيضًا.
هل يمكن أن تتغير اللوحة من جيل إلى آخر؟
نعم.
مشاهد سنة 1908 لم يرَ العالم الاجتماعي بالطريقة التي يراه بها مشاهد سنة 2026.
اللغة التي نستخدمها اليوم حول الموافقة والسلطة والجندر تغيرت.
وهذا يجعل بعض التفاصيل أكثر وضوحًا لنا.
لكن المشاهد القديم رأى أشياء أخرى قد لا نراها نحن.
علاقة الذهب بالأيقونات.
صدمة الجمع بين الفن الرفيع والزخرفة.
جدل فيينا حول الحداثة.
رموزًا بصرية كانت مألوفة في زمانه.
لا يملك جيل واحد حق احتكار اللوحة.
كل جيل يضيء جزءًا ويترك جزءًا في الظلام.
هل هذا ظلم للفنان؟
فقط إذا زعمنا أن قراءتنا هي الحقيقة الوحيدة.
أما أن نسأل اللوحة أسئلة عصرنا، فهذا أحد أسباب احتفاظ الفن القديم بحياته.
اللوحة التي لا تستطيع تحمل سؤال جديد تصبح وثيقة أثرية فقط.
«القبلة» تتحمل.
يمكن أن يراها عاشق ويجد نفسه فيها.
ويمكن أن تراها باحثة في الجندر فتسأل عن الوضعية.
ويمكن أن يدرسها مؤرخ للفن بحثًا عن رافينا.
ويمكن أن يدرسها مصمم بوصفها انتصارًا للزخرفة.
والعمل يبقى نفسه.
هذا ليس ضعفًا في المعنى.
إنه فائض منه.
إميلي مرة أخرى
ربما نريد بشدة أن تكون المرأة إميلي لأن ذلك يجعل القصة أجمل.
فنان يرسم المرأة الأقرب إليه داخل أشهر قبلة في تاريخ الفن الحديث.
لكن الحقيقة التاريخية تقاومنا.
لا يوجد إثبات حاسم.
حتى متحف بلفيدير، الذي درس العمل ووثائقه وتقنياته، يعامل تحديد هوية الشخصيتين بحذر.
يمكن أن تكون هناك إشارات إلى كليمت وإميلي.
لكن الطابع الرمزي العام للعمل يقاوم تحويله إلى صورة شخصية مؤكدة.
أحيانًا نريد اسمًا لأن الغموض يزعجنا.
وكليمت ترك لنا الغموض.
ماذا كان كليمت يقول عن معاني لوحاته؟
القليل.
لم يكن من الفنانين الذين يكتبون بيانات طويلة يشرحون كل رمز.
وكان يميل إلى ترك العمل مفتوحًا.
وهذا يجب أن يجعلنا أكثر تواضعًا.
يمكننا تفسير.
لكن لا يمكننا أن نقول:
«أراد كليمت بالتأكيد أن يقول…»
ثم نبني قصة لا دليل عليها.
أفضل النقد هو الذي يعرف الفرق بين:
ما نراه.
وما نعرفه تاريخيًا.
وما نقترحه تفسيرًا.
هذه القاعدة وحدها تحمي «القبلة» من كثير من الأساطير التي تراكمت حولها.
الذهب لا يشرح نفسه
حتى اختيار الذهب يمكن تفسيره بعدة طرق.
تأثير بيزنطي.
وحرفية زخرفية.
ورغبة في جعل سطح اللوحة لامعًا وماديًا.
وإحساس بالفخامة.
وفصل الشخصيات عن العالم الواقعي.
وقد يكون كل ذلك معًا.
الفنان لا يحتاج إلى وضع معنى واحد في المادة.
الذهب مادة ورمز وتأثير بصري في اللحظة نفسها.
عندما يتحرك المشاهد أمام اللوحة الأصلية، يتغير انعكاس الضوء على المعادن.
الصورة ليست ثابتة تمامًا.
ما يبدو مسطحًا يبدأ باللمعان.
الضوء نفسه يدخل العمل.
لماذا لا تكفي الصورة الرقمية؟
لأن الذهب ليس أصفر.
الشاشة تحول المعدن إلى لون.
أما أمام الأصل فالسطح يتفاعل مع الإضاءة وزاوية النظر.
وهذا يغير تجربة اللوحة.
المواد جزء من المعنى.
الصورة الرقمية تستطيع أن تخبرنا بالتكوين.
ولا تستطيع أن تمنحنا تمامًا إحساس معدن حقيقي موضوع فوق القماش.
كليمت لم يرسم الذهب فقط.
وضع الذهب.
الفرق بين الفعلين هو جزء من عبقريته.
هل الزخرفة فن أقل؟
في زمن كليمت كان الفصل بين «الفنون الجميلة» والفنون التطبيقية موضع تحدٍ.
هل لوحة الزيت أعلى من النسيج؟
هل التصميم أقل من الرسم؟
كليمت وحركة انفصال فيينا والدوائر الفنية المحيطة بها ساهموا في كسر هذه الحدود.
في «القبلة» لا توجد طريقة سهلة لفصل اللوحة عن التصميم.
العباءات تبدو كأنها نسيج.
والذهب يشبه صناعة المجوهرات.
والتكوين يصلح تقريبًا لنمط زخرفي.
لكن الوجه واليدين رسما بحس تشخيصي دقيق.
اللوحة تقول إن الزخرفة ليست إطارًا للفن.
يمكن أن تكون الفن نفسه.
المرأة ليست زخرفة بالكامل
وهذا فرق مهم.
لو جعل كليمت كل شيء نمطًا، لفقدنا الإنسان.
أبقى الوجه واليدين والقدمين خارج التجريد الكامل.
كأن الجسد يقاوم تحوله إلى تصميم.
هذه المناطق الصغيرة من الجلد تحمل كل العاطفة تقريبًا.
خد.
وجفن.
وأصابع.
ورقبة.
بين أطنان الذهب البصري، المشاعر موجودة في بضعة سنتيمترات من اللحم.
المادة الأثمن في اللوحة ليست بالضرورة الذهب.
قد تكون الجلد الذي لم يغطه.
الحب والامتلاك
في العلاقات البشرية يوجد خط رفيع دائمًا بين عبارتين:
أريد أن أكون قريبًا منك.
وأريدك أن تكون لي.
الفن والأدب مليئان بخلطهما.
الحب يستطيع أن يحمل الحنان.
ويستطيع أن يحمل الغيرة.
والحماية.
والامتلاك.
والرغبة في الاتحاد بالآخر حتى تختفي حدوده.
في «القبلة» يندمج الجسدان بصريًا داخل عباءة ذهبية واحدة.
هذه صورة رومانسية جميلة.
لكنها تطرح سؤالًا فلسفيًا أيضًا:
إذا أصبح الاثنان واحدًا…
ماذا يحدث للفرد؟
هل الاتحاد ذروة الحب؟
أم أن الحب يحتاج إلى بقاء شخصين؟
كليمت يمحو الحدود
يصعب أحيانًا معرفة أين ينتهي ثوب الرجل ويبدأ ثوب المرأة.
الذهب يوحدهما.
هذه التقنية تجعل العناق شيئًا أكبر من جسدين.
كتلة واحدة تقريبًا.
لكن الوجهين ما يزالان منفصلين.
هذه ربما أفضل صيغة بصرية للعلاقة.
وحدة…
من دون اندماج كامل.
الرجل لا يصبح المرأة.
والمرأة لا تصبح الرجل.
الزخرفة تريد دمجهما.
والجلد يصر على أنهما شخصان.
ربما لهذا بقيت اللوحة
ليست لأنها أجمل قبلة رُسمت.
ولا لأن الذهب غالٍ.
بل لأنها تعطي كل مشاهد فرصة لأن يرى علاقته الخاصة داخلها.
العاشق يرى الحنان.
الناقد يرى السلطة.
المصمم يرى الزخرفة.
المؤرخ يرى فيينا.
والمؤمن بتاريخ الفن يرى صدى الأيقونات والفسيفساء.
والسائح يرى رمزًا عالميًا.
والشركة ترى صورة قابلة للبيع.
لا توجد قراءة تمحو الأخرى بالكامل.
اللوحة نجت من كثرة الاستخدام لأنها تحتوي أكثر مما يبدو على سطحها.
المفارقة
أراد كليمت أن يجعل جسدين يبدوان خارج الزمن.
فأصبحت اللوحة واحدة من أكثر الصور استهلاكًا داخل الزمن الحديث.
استخدم الذهب الحقيقي…
ثم أصبحت نسخها تطبع على أرخص الأشياء.
أخفى هوية الرجل والمرأة…
فحاول العالم قرنًا كاملًا أن يعطيهما أسماء.
رسم عناقًا…
فتحول إلى نقاش حول القوة.
وضع العاشقين داخل كتلة تبدو مغلقة تمامًا على نفسها…
ثم دخل بينهما ملايين المشاهدين بأسئلتهم.
ربما هذه هي المفارقة الأكبر في كل قبلة مرسومة.
حتى أكثر لحظة يفترض أنها خاصة…
تصبح عامة عندما توضع في متحف.
هل يحتضن الذهب الحب أم يخفي اختلال القوة؟
يمكن أن ننظر إلى اللوحة مرة أخيرة.
الرجل ينحني.
المرأة تغمض عينيها.
يده على وجهها.
يدها على يده.
هو قائم.
وهي راكعة.
الزهور تحتها.
والفراغ خلفها.
والذهب حول الاثنين.
إذا أردنا قصة رومانسية خالصة، سنجد الأدلة.
وإذا أردنا سؤالًا عن السلطة، سنجده أيضًا.
المشكلة تبدأ فقط عندما نجبر اللوحة على اختيار أحدهما.
كليمت لم يعطنا محضرًا لما حدث قبل اللحظة.
ولا لما سيحدث بعدها.
لا نعرف إن كان الرجل هو الفنان.
ولا إن كانت المرأة إميلي.
ولا نعرف إن كانت الحافة هاوية فعلًا أم نهاية زخرفية للمرج.
ولا نملك جملة من كليمت تقول:
هذا هو المعنى.
وهذا جيد.
لأن الفن أحيانًا يصبح أضعف عندما يشرح نفسه بالكامل.
«القبلة» لم تعش أكثر من قرن لأنها أجابت.
عاشت لأنها ما تزال تسأل.
هل الحب أن يختفي اثنان داخل بعضهما؟
أم أن يبقيا شخصين رغم العناق؟
هل الإمساك بالوجه حنان؟
أم امتلاك؟
هل إغماض العين راحة؟
أم استسلام؟
هل الذهب يقدس الجسد؟
أم يحوله إلى شيء جميل يمكن النظر إليه وامتلاكه؟
ربما لا يوجد جواب نهائي.
وربما كانت قوة اللوحة في أن كليمت وضع الحب في المكان الذي يعرفه كل من عاشه:
بين الأمان والخوف.
بين الرغبة والضعف.
بين أن تقترب من شخص…
وأن تمنحه القدرة على جرحك.
لهذا لا يكفي أن نقول إن «القبلة» لوحة عن الحب.
إنها لوحة عن المسافة الأخيرة قبل أن يختفي شخصان داخل العناق.
والذهب لا يخبرنا إن كان ذلك خلاصًا…
أم خطرًا.
إنه فقط يجعل اللحظة تلمع إلى الأبد.
المصادر والمراجع
– Belvedere Museum Vienna — The Kiss (Lovers)، السجل الرسمي للعمل ومعلومات المواد والأبعاد والتاريخ.
– Belvedere Museum Vienna — Gustav Klimt and the Belvedere.
– Belvedere Museum Vienna — Why Did Gustav Klimt Use Gold?
– Belvedere Museum Vienna — الدراسات الفنية والتقنية المتعلقة بلوحة The Kiss وهويتي الشخصيتين المحتملتين.
– Alfred Weidinger — Gustav Klimt.
– Tobias G. Natter — Gustav Klimt: Complete Paintings.
– Marian Bisanz-Prakken — Gustav Klimt: The Drawings.
– Frank Whitford — Klimt.
– Carl E. Schorske — Fin-de-Siècle Vienna: Politics and Culture.
– Smarthistory — Gustav Klimt, The Kiss.
– Neue Galerie New York — مواد غوستاف كليمت وفن فيينا الحديث.
– الدراسات التاريخية المتعلقة بانفصال فيينا والفن النمساوي في مطلع القرن العشرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top