رماد العقول 1

رماد العقول (1) — حين بيعت خزائن الفاطميين في زمن الشدة

لا تحتاج المكتبة دائمًا إلى نار لكي تموت.

يكفي أن يجوع الحارس.

أن يتوقف الجندي عن تلقي راتبه.

أن تنخفض مياه النيل.

أن تتحول الدولة من مؤسسة تمول النسّاخ والعلماء إلى سلطة تبحث عما يمكن بيعه قبل المساء.

ثم يحدث شيء أقل درامية من الحريق…

وأشد خطرًا منه.

يُفتح الباب.

يخرج كتاب.

ثم آخر.

ويُباع ثالث.

ويُفك غلاف رابع لأن الجلد أثمن من الورق.

وتنتقل مخطوطة إلى بيت لا نعرفه.

وتضيع أخرى في سوق.

ولا توجد لحظة واحدة يستطيع المؤرخ أن يشير إليها ويقول:

هنا ماتت المكتبة.

إنها تموت بالتقسيط.

وهذا تقريبًا ما حدث لجزء كبير من خزائن الكتب الفاطمية في القاهرة خلال القرن الحادي عشر ثم بعد نهاية الدولة الفاطمية سنة 1171.

لم تكن قصة جيش دخل مكتبة وأشعل فيها النار.

ولم تكن قصة حاكم واحد قرر أن يمحو كل ما كتبه خصومه.

كانت أكثر تعقيدًا.

وأكثر إنسانية.

وأكثر قسوة.

إنها قصة دولة صنعت واحدة من أعظم ثقافات الكتاب في عالمها…

ثم دخلت أزمة صار فيها ثمن الرغيف أهم من المخطوطة.

قبل الرماد كانت هناك مدينة تقرأ

دخل الفاطميون مصر سنة 969.

وبعد ذلك بقليل أصبحت القاهرة عاصمتهم.

كانت الدولة الفاطمية خلافة إسماعيلية شيعية تنافس الخلافة العباسية في بغداد سياسيًا ودينيًا.

وهذا التنافس لم يكن بالسيف وحده.

كان بالعلم أيضًا.

بالدعوة.

والتعليم.

والمناظرة.

والكتب.

أنشأ الفاطميون الأزهر.

وأقاموا مكتبات كبيرة.

وجذبوا علماء وأطباء وفلكيين وكتابًا.

وفي سنة 1005 أسس الخليفة الحاكم بأمر الله «دار العلم» في القاهرة.

مؤسسة للتعليم والقراءة والبحث، ارتبطت بها مكتبة وموارد لدعم العلماء والدارسين.

لم يكن الكتاب مجرد زينة في القصر.

كان جزءًا من مشروع الدولة.

دار العلم ليست خزائن القصر

من المهم التفريق بين شيئين كثيرًا ما يختلطان في الروايات الشعبية.

كانت هناك مكتبات وخزائن كتب داخل القصور الفاطمية.

وكانت هناك أيضًا «دار العلم» بوصفها مؤسسة مستقلة نسبيًا للتعليم والبحث.

المصادر تحدثت عن مجموعات هائلة في القصر.

كتب دينية.

وتاريخ.

وأدب.

ولغة.

وطب.

وفلك.

وفلسفة.

وغير ذلك.

أما الأرقام الدقيقة التي تذكرها المصادر الوسيطة عن أعداد الكتب فتختلف بشدة.

بعضها يتحدث عن مئات الآلاف من المجلدات.

لكن من الخطأ التعامل مع كل رقم وصلنا كأنه جرد حديث أجراه أمين مكتبة يحمل جهازًا إلكترونيًا.

المكتبات القديمة كانت ضخمة فعلًا.

أما عدد كتبها بالضبط فمسألة أكثر ضبابية.

ما نعرفه يكفي

حتى من دون الأرقام المذهلة، لدينا مؤشرات قوية على حجم ثقافة الكتاب الفاطمية.

في أواخر القرن العاشر، تذكر المصادر أن أمين مكتبة الخليفة العزيز بالله استطاع إحضار نسخ متعددة من أعمال كبيرة عند طلبها.

من تاريخ الطبري.

ومن «كتاب العين».

ومن «الجمهرة».

وفي بداية القرن الحادي عشر نُقلت أعداد كبيرة من المصاحف من الخزانة الفاطمية إلى مسجد عمرو بن العاص.

هذه التفاصيل مهمة.

فهي لا تصف مكتبة رمزية تحتوي نسخًا قليلة للاحتفال بالعلم.

نحن أمام جهاز مؤسسي لجمع الكتب ونسخها وحفظها واستخدامها.

والدولة التي تجمع هذا العدد من الكتب لا تجمع ورقًا فقط.

إنها تجمع ذاكرة.

1047: القاهرة كما رآها زائر

قبل الأزمة بسنوات قليلة وصل الرحالة والشاعر الفارسي ناصر خسرو إلى القاهرة.

كان ذلك في منتصف القرن الحادي عشر، خلال حكم الخليفة المستنصر بالله.

ما رآه أدهشه.

كتب عن ازدهار القاهرة وأمنها وأسواقها.

ووصف مستوى من الرفاه بدا له استثنائيًا.

في روايته، كان التجار قادرين على ترك متاجرهم دون الخوف نفسه الذي عرفه في أماكن أخرى.

القاهرة التي رآها لم تكن مدينة على وشك الانهيار.

كانت عاصمة دولة قوية وغنية.

وهذه هي النقطة التي تجعل ما حدث بعد ذلك أكثر أهمية.

فالمدن لا تسقط دائمًا بعد قرون من التراجع الظاهر.

أحيانًا يفصل بين صورة الازدهار وصورة الانهيار جيل واحد.

المستنصر

حكم المستنصر بالله الفاطمي زمنًا طويلًا بصورة استثنائية.

تولى الخلافة سنة 1036 وهو صغير السن.

ومات سنة 1094.

أكثر من نصف قرن على العرش.

خلال حكمه مرت الدولة بمرحلتين تكادان تبدوان كأنهما لدولتين مختلفتين.

في الأولى:

قوة.

وثروة.

ونفوذ واسع.

وفي الثانية:

صراع عسكري.

وانهيار مالي.

ومجاعة.

وفقدان أراضٍ.

وفوضى وصلت إلى قلب القاهرة.

كيف يمكن لدولة تمتلك المكتبات والذهب والجيوش أن تصل إلى ذلك؟

الجواب لا يبدأ بكتاب.

يبدأ بالنيل.

حين ينخفض الماء

اقتصاد مصر الوسيط كان شديد الارتباط بالنيل.

فيضانه يعني الزراعة.

والزراعة تعني الحبوب.

والحبوب تعني الخبز.

إذا انخفض الفيضان في سنة، ترتفع الأسعار.

إذا تكرر النقص، تصبح المشكلة أكبر.

لكن الكارثة في عصر المستنصر لم تكن نتيجة النيل وحده.

فهذه من أكثر النقاط التي يحتاج سرد «الشدة المستنصرية» إلى تصحيحها.

الجفاف وانخفاض مياه النيل كانا عاملين مهمين.

لكن الدولة كانت كذلك تعاني صراعًا عسكريًا داخليًا حادًا.

الجيش الذي انقسم

اعتمدت الدولة الفاطمية على مجموعات عسكرية متعددة.

أتراك.

وسودانيون.

وعناصر أخرى.

ومع ضعف المالية والصراع على النفوذ، تحولت المنافسة إلى مواجهات عنيفة.

لم يعد الجيش مجرد أداة للدولة.

أصبحت فصائله قوى تتصارع داخلها.

الطريق يتعطل.

والريف يضطرب.

والضرائب لا تصل.

والتجارة تتضرر.

والجندي الذي لا يتلقى أجره يبحث بنفسه عما يستطيع الاستيلاء عليه.

وهكذا تتحول الأزمة.

الجفاف يرفع سعر الطعام.

الفوضى تمنع وصول الطعام.

انهيار المالية يمنع الدولة من الدفع للجيش.

والجيش المضطرب يزيد انهيار الدولة.

ليست سلسلة من أسباب منفصلة.

إنها دائرة.

الشدة المستنصرية

عرفت الذاكرة التاريخية الأزمة الكبرى في زمن المستنصر باسم «الشدة المستنصرية».

وتربطها المصادر خصوصًا بسنوات قاسية في ستينيات وسبعينيات القرن الحادي عشر.

ظهرت في الروايات اللاحقة أوصاف مخيفة للجوع.

أسعار هائلة.

حيوانات اختفت.

وأجساد أضعفها نقص الطعام.

وبعض المؤرخين الوسيطين نقلوا قصصًا شديدة القسوة عن سلوك البشر أثناء المجاعة.

لكن يجب التمييز بين وجود كارثة حقيقية وبين قبول كل حكاية درامية وردت عنها حرفيًا.

المجاعة والاضطراب موثقان.

أما القصص الأكثر إثارة في المصادر فتحتاج إلى التعامل معها بوصفها روايات تاريخية لا صورًا فوتوغرافية.

وهنا يبدأ دور «خلف السطور»:

ألا نحتاج إلى المبالغة حين تكون الحقيقة ثقيلة بما يكفي.

عندما تصبح المكتبة مالًا

في دولة مستقرة، الكتاب له قيمة معرفية.

في دولة منهارة، يبدأ الناس برؤية قيمة أخرى.

الورق يمكن بيعه.

الغلاف المصنوع من الجلد يمكن استخدامه أو بيعه.

المخطوطة المزخرفة قد تجد مشتريًا.

الخزانة نفسها تحتوي أصلًا يمكن تحويله إلى مال.

تخبرنا المصادر عن تعرض خزائن القصر الفاطمي في أثناء الأزمة للنهب والتفريق.

جنود وعناصر عسكرية استولوا على أشياء من القصر عندما عجزت السلطة عن دفع مستحقاتهم أو السيطرة عليهم.

ومن بين ما خرج:

الكتب.

هل أحرق الجنود الكتب؟

هذه النقطة تستحق الحذر.

توجد في المصادر المتأخرة روايات عن إساءة معاملة الكتب، ونزع أغلفتها، وطرح أوراقها، وتحول كميات منها إلى أكوام خارج المدينة.

لكن ليس لدينا ما يبرر رسم مشهد سينمائي واحد يقول:

دخل الجنود المكتبة وأحرقوها.

الأدق أن مجموعات الكتب تعرضت للتفكيك والنهب والبيع والتشتت.

وهذه خسارة قد تكون أشد استدامة من الحريق.

الحريق يترك لنا حدثًا واضحًا.

أما التفكك فلا يخبرنا أين ذهب كل شيء.

الكتاب الذي نجا قد يبدو لنا مفقودًا

إذا خرج ألف كتاب من مكتبة وانتقل كل واحد إلى منزل مختلف، فهل دُمرت المكتبة؟

نعم بوصفها مؤسسة.

لكن هل دُمرت الكتب؟

ليس بالضرورة.

قد يبقى بعضها قرنًا آخر.

وقد يُنسخ منه نص جديد.

وقد يدخل مكتبة ثانية.

وقد ينتقل إلى مدينة بعيدة.

وقد نفقد أثره تمامًا رغم بقائه ماديًا.

وهذا فرق مهم.

حين نقول إن مكتبة «ضاعت»، لا يعني ذلك دائمًا أن كل صفحاتها تحولت إلى رماد.

قد يعني أن النظام الذي جمع الكتب ورتبها وحفظها وربط بعضها ببعض قد انهار.

المعرفة تحتاج إلى مؤسسة بقدر ما تحتاج إلى ورق.

السياق هو جزء من الكتاب

تخيل أنك تجد اليوم مجلدًا بلا بطاقة.

لا تعرف من اشتراه.

ولا أين كان.

ولا الكتب التي كانت بجواره.

لقد نجا النص.

لكن جزءًا من تاريخه مات.

المكتبة ليست رفوفًا تحمل كتبًا مستقلة.

ترتيب الكتب نفسه يخبرنا ما الذي كان يُقرأ.

وما الذي كان مهمًا.

وأي أعمال جُمعت معًا.

ومن استخدمها.

عندما تتفرق المجموعة، لا نخسر الكتب المفقودة فقط.

نخسر العلاقة بينها.

وهذا ما يجعل تشتيت مكتبة حضارية خسارة أكبر من مجموع المجلدات الضائعة.

ماذا كان الجائع يفعل بالكتاب؟

من السهل بعد ألف سنة أن نسأل بازدراء:

كيف يبيع الناس الكتب؟

لكن هذا سؤال يطرحه شخص شبعان.

إذا كانت أسرتك تحتاج إلى خبز، والمخطوطة على الرف تساوي ثمن طعام، ماذا ستفعل؟

المعرفة قيمة طويلة المدى.

الجوع فوري.

لا يستطيع الإنسان أن يأكل أرسطو.

ولا أن يسقي طفله من كتاب في الطب.

في لحظة الانهيار، يتغير سلم القيم.

الشيء الذي كان مقدسًا بالأمس يصبح سلعة اليوم.

هذه ليست إدانة لمن جاع.

إنها إدانة لنظام وصل إلى النقطة التي اضطر فيها البشر إلى الاختيار بين الذاكرة والحياة.

الدولة نفسها باعت

لم يكن ضياع الكتب خلال الشدة نتيجة نهب الجنود وحدهم.

عبر المراحل اللاحقة أيضًا دخلت الممتلكات الفاطمية في عمليات بيع وتصفية وإعادة توزيع.

وهنا يجب ألا نخلط مرحلتين.

هناك خسائر وتشتيت خلال أزمة المستنصر في القرن الحادي عشر.

ثم هناك تفكيك جديد لمجموعات البلاط بعد سقوط الدولة الفاطمية في القرن الثاني عشر.

أي أن المكتبة لم تمت مرة واحدة.

تلقت ضربات على مدى عقود.

بدر الجمالي

بحلول سبعينيات القرن الحادي عشر كانت الدولة بحاجة إلى رجل يعيد السيطرة.

استدعى المستنصر القائد بدر الجمالي من الشام.

وصل إلى مصر سنة 1073 أو 1074 تقريبًا، وتولى الوزارة بصلاحيات واسعة.

أعاد تنظيم الجيش.

وقمع مراكز تمرد.

واستعاد قدرًا من الأمن والاستقرار المالي.

خرجت الدولة الفاطمية من أسوأ مراحل الانهيار.

لكنها لم تعد الدولة نفسها التي كانت قبل الأزمة.

تقلص نفوذها.

وتغير توازن السلطة داخلها.

وأصبحت الوزارة العسكرية أقوى.

وهذا أيضًا جزء من قصة الكتب.

فالثقافة لا تعيش خارج السياسة.

حين تتغير بنية الدولة، تتغير المؤسسات التي تمول المعرفة وتحميها.

هل عادت المكتبات؟

استمرت الثقافة الفاطمية بعد الشدة.

لم تختفِ الكتب من القاهرة.

ولم يتوقف العلماء عن العمل.

واستمرت مؤسسات دينية وعلمية.

وهذه نقطة مهمة لأن عنوان «رماد العقول» قد يدفعنا إلى تصور نهاية كاملة.

لم تحدث نهاية كاملة.

الحضارات نادرًا ما تُطفأ بمفتاح.

بعض الأشياء تموت.

وبعضها يتكيف.

وبعضها ينتقل.

وبعض الكتب التي خرجت من المجموعات القديمة ربما استمرت في التداول والنسخ.

لذلك فإن القصة ليست:

كان هناك علم، ثم جاء الجوع، فأصبح لا شيء.

بل:

ضُربت البنية التي كانت تجمع المعرفة على نطاق هائل، وفقدنا كمية لا نستطيع حتى قياسها بدقة.

1171

بعد نحو قرن من أزمة المستنصر جاءت نهاية سياسية أكبر.

في سنة 1171 أنهى صلاح الدين الأيوبي الخلافة الفاطمية في مصر.

عادت الخطبة باسم الخليفة العباسي.

وانتهت دولة حكمت مصر أكثر من قرنين.

ومع تغيير الدولة تغيرت المؤسسات.

وغالبًا ما ترد في الروايات الشعبية قصة حادة:

صلاح الدين دمّر مكتبات الفاطميين لأنها إسماعيلية.

لكن البحث التاريخي الحديث يقدم صورة أكثر تعقيدًا بكثير.

هل أحرق صلاح الدين مكتبات الفاطميين؟

لا توجد أدلة قوية تسمح لنا بتقديم العبارة بهذه البساطة.

درست الباحثة فوزية بورا الروايات الوسيطة الخاصة بمصير الكتب الفاطمية، وبيّنت أن صورة التدمير الكامل والمباشر لا تتفق جيدًا مع المصادر.

ما نراه أقرب إلى عملية بيع وتوزيع وتفريق امتدت سنوات.

بيعت كتب من ممتلكات القصر.

وانتقلت مجموعات إلى أشخاص ومؤسسات.

واستمرت بعض المؤلفات الفاطمية في التداول، وهو ما يتضح من استخدام مؤرخين لاحقين لمصادر ترجع إلى العصر الفاطمي.

مرة أخرى:

لم نواجه محرقة واحدة.

واجهنا تفككًا.

ولماذا يهم الفرق؟

لأن كلمة «أحرق» تنتج لنا شريرًا واضحًا.

أما كلمة «تفرق» فتجبرنا على فهم نظام كامل.

تغير سياسي.

بيع ممتلكات الدولة السابقة.

تحول مذهبي.

انتهاء مؤسسات.

انتقال كتب.

فقدان فهارس.

موت علماء.

تغير رعاة الثقافة.

وأحيانًا إهمال بسيط.

التاريخ يحب القصص التي تحتوي نارًا.

لكن المكتبات قد تختفي أيضًا بسبب موظف يسجلها في قائمة مزاد.

لا نعرف حجم الخسارة

هذه من أكثر الجمل صدقًا في المقال.

لا نعرف.

نعرف أن المكتبات كانت ضخمة.

ونعرف أن معظم مخطوطاتها لم يصل إلينا.

لكن لا نستطيع أخذ رقم قديم لعدد الكتب ثم طرح عدد المخطوطات الموجودة اليوم لنعلن «عدد الكتب التي دُمرت».

بعض الكتب نسخ مكررة.

وبعض النصوص نُسخت لاحقًا.

وبعض المخطوطات ربما ما يزال موجودًا دون معرفة أصله الفاطمي.

وبعضها تلف طبيعيًا.

وبعضها ضاع خلال أزمات مختلفة.

وبعضه ربما انتقل خارج مصر.

الخسارة مؤكدة.

الحساب الدقيق مستحيل.

بضعة ناجين من بحر

يشير الباحثون إلى أن عددًا قليلًا جدًا من المخطوطات التي يمكن ربطها بثقة بالمجموعات الفاطمية الضخمة بقي معروفًا اليوم.

وهذا وحده يكشف حجم الفجوة بين ما كان موجودًا وما وصلنا.

لكن حتى حين تختفي النسخة، قد يبقى النص.

وهنا تأتي أهمية النسخ.

كتاب واحد يستطيع أن يولد عشر نسخ.

ثم تضيع النسخة الأصلية وتبقى واحدة من الأبناء.

لذلك فإن تاريخ المعرفة أكثر قدرة على النجاة من تاريخ الأشياء.

المخطوطة قد تموت.

والفكرة قد تستمر.

الورق هش والفكرة عنيدة

هذا أحد أسرار الحضارة المكتوبة.

أحرق نسخة من كتاب…

قد توجد أخرى.

دمر مكتبة…

قد يكون طالب قد نسخ نصًا قبل عشرين سنة.

بع مخطوطة…

قد تصل إلى مدينة جديدة فيقرأها عالم لم يكن سيقرأها لو بقيت في القصر.

حتى الكارثة تستطيع أن تنتج طرقًا غريبة للنجاة.

لا يعني ذلك أن التفريق كان مفيدًا.

لكن المعرفة ليست كتمثال واحد.

إذا كُسر التمثال ضاع الأصل.

أما النص فيستطيع أن يعيش بنسخة.

ثم نسخة من النسخة.

هذه القدرة على التكاثر هي ما جعل الكتاب واحدًا من أكثر اختراعات البشر مقاومة للموت.

ماذا فقدنا إذن؟

قد يكون السؤال الأهم ليس:

كم كتابًا فقدنا؟

بل:

أي كتب؟

نحن نعرف الكتب التي نجت.

ولا نستطيع أن نضع قائمة كاملة للكتب التي لم يعد لها أثر.

ربما كانت بينها أعمال لعلماء لم تصلنا أسماؤهم.

نسخ فريدة.

رسائل.

سجلات.

خرائط.

ملاحظات طبية.

دواوين.

ترجمات.

كتب نعرف عناوينها ولا نملك نصوصها.

وكتب لم يبق حتى عنوانها.

هذه هي مأساة الأرشيف المفقود.

لا نستطيع الحزن على الأشياء التي لا نعرف أنها كانت موجودة.

المعرفة تنتقي نفسها بعد الكارثة

عندما ينهار الأرشيف، لا ينجو «أفضل» ما فيه بالضرورة.

ينجو ما صادف أن كانت له نسخة أخرى.

أو ما امتلكه شخص في مدينة بعيدة.

أو ما نسخه تلميذ.

أو ما اعتبره مجتمع لاحق مهمًا فأعاد نسخه.

هذا يعني أن ما نعرفه عن الماضي ليس عينة محايدة.

إنه نتيجة سلسلة من المصادفات والاختيارات.

بعض المؤلفين يصبحون عظماء جزئيًا لأن كتبهم نجت.

وقد يكون هناك آخرون لا نستطيع تقييمهم لأنهم خسروا اليانصيب المادي للتاريخ.

المكتبة والسلطة

الفاطميون لم يجمعوا الكتب حبًا مجردًا في المعرفة وحدها.

المكتبة كانت أيضًا مؤسسة قوة.

الخلافة تحتاج إلى علماء.

وإلى فقه.

وإلى دعوة.

وإلى لغة.

وإلى تاريخ يشرح شرعيتها.

دار العلم نفسها كانت جزءًا من المشروع الفكري والسياسي للدولة.

وهذا طبيعي.

مكتبات الملوك والأباطرة والجامعات والمؤسسات الكبرى عبر التاريخ ارتبطت دائمًا بأنظمة السلطة التي مولتها.

لكن المشكلة تظهر عندما تعتمد المعرفة بالكامل على راعٍ واحد.

إذا سقط الراعي…

ماذا يحدث للمكتبة؟

أفضل حماية للمعرفة هي تعدد النسخ

يمكن أن نتعلم من قصة الفاطميين شيئًا حديثًا جدًا.

المعرفة التي توجد في مكان واحد معرضة للموت.

كتاب بنسخة واحدة هش.

أرشيف على خادم واحد هش.

قاعدة بيانات تحت سيطرة مؤسسة واحدة هشة.

المخطوطة القديمة والملف الرقمي يشتركان في المشكلة نفسها.

الحريق.

والحرب.

والإفلاس.

والخطأ التقني.

والقرار السياسي.

كلها تستطيع محو نسخة وحيدة.

النجاة تحتاج إلى التوزيع.

نسخ متعددة.

ومؤسسات متعددة.

وأماكن متعددة.

ربما الشيء الذي اعتبرناه كارثة في الماضي — أن ينسخ الناس الكتاب وينقلوه — هو بالضبط ما أنقذ كثيرًا من المعرفة.

وهل كانت المعرفة للجميع؟

لا ينبغي أن نرسم القاهرة الفاطمية كمدينة يقرأ فيها الجميع داخل مكتبة عامة حديثة.

كان التعليم محدودًا بمعاييرنا.

والأمية واسعة.

وكان الوصول إلى بعض مجموعات القصر مقيدًا.

لكن مؤسسات مثل الأزهر ودار العلم وسعت دوائر التعلم بما كان مهمًا لعصرها.

وأصبحت القاهرة مركزًا علميًا وفكريًا بارزًا.

وهذا يجعل الأزمة أكثر من فقد مقتنيات ملكية.

كانت ضربة لنظام معرفي متكامل.

من يبيع الكتاب ليس عدو المعرفة دائمًا

هذه النقطة هي قلب الجزء الأول من «رماد العقول».

في الأجزاء التالية سنرى المعرفة تواجه الخوف والعنف.

لكن هنا العدو مختلف.

ليس رجلًا يقول:

هذا الكتاب خطير، أحرقوه.

بل إنسان يقول:

أحتاج إلى المال.

إنها خسارة بلا كراهية للكتاب.

وهذا ربما أشد رعبًا.

نحن نفهم الرقابة.

نفهم المنتصر الذي يريد محو أفكار خصمه.

لكن ماذا نفعل حين يصبح الكتاب ببساطة أقل قيمة من وجبة؟

لا توجد حجة فلسفية تستطيع هزيمة المعدة الفارغة.

الحضارة تبدأ بعد الشبع بقليل

ليس المقصود أن الفقير لا ينتج معرفة.

التاريخ يكذب ذلك.

لكن المؤسسات الثقافية الكبرى تحتاج إلى فائض.

شخص يستطيع أن يقضي سنوات ينسخ كتابًا لأن شخصًا آخر يزرع له الطعام.

فلكي يوجد عالم فلك، يجب أن يوجد مجتمع يستطيع إطعام عالم لا يزرع بنفسه طوال اليوم.

ولكي توجد مكتبة تضم مئات الآلاف من المجلدات، يجب أن توجد دولة أو مؤسسة قادرة على دفع أجور الوراقين والحراس والعلماء والمجلدين.

الحضارة المادية هي الأرض التي تقف عليها الحضارة الفكرية.

حين تنهار الأولى…

تكتشف الثانية أنها ليست معلقة في الهواء.

المكتبة تحتاج إلى رغيف

نحب أن نضع الفكر في مواجهة المادة.

العقل ضد الجسد.

الكتاب ضد الخبز.

لكن الحقيقة أن الكتاب يحتاج إلى الخبز.

المؤلف يجب أن يأكل.

والناسخ يجب أن يأكل.

والحارس يجب أن يأكل.

وصانع الورق.

والمجلد.

والمدرس.

والطالب.

المكتبة شبكة من البطون أيضًا.

حين تنقطع الموارد، لا تختفي الثقافة فورًا.

لكن تبدأ أطرافها بالسقوط.

وهذا ما يجعل المجاعة حدثًا ثقافيًا بقدر ما هي حدث اقتصادي وإنساني.

هل كان يمكن إنقاذ الكتب؟

من السهل أن نقول نعم بعد ألف عام.

لكن الدولة نفسها كانت تحاول النجاة.

الجيش يتقاتل.

الطعام شحيح.

السلطة تفقد السيطرة.

المقاطعات تتمرد أو تضيع.

والمال لا يكفي.

في مثل هذا الوضع، من سيحرس المكتبة؟

من سيدفع؟

من سيمنع الجندي من أخذ مخطوطة إذا كان يعتقد أن الدولة مدينة له براتب؟

المؤسسات الثقافية تظهر قوتها في زمن الاستقرار.

أما زمن الانهيار فيكشف مدى اعتمادها على أشياء نعدها عادة منفصلة عنها:

الأمن.

والمالية.

والزراعة.

والطرق.

والماء.

النيل كان شريكًا في المكتبة

هذه ربما أكثر صورة تلخص القصة.

حين كان النيل يفيض بصورة كافية، ينمو القمح.

والقمح يطعم القاهرة.

والقاهرة تمول الدولة.

والدولة تدفع للجند.

ويحرس الجند القصر.

ويبقى الكتاب على الرف.

حين يضعف هذا التسلسل ويضاف إليه صراع السلطة، يستطيع انخفاض الماء في جنوب مصر أن ينتهي بمخطوطة تباع في سوق القاهرة.

لا توجد علاقة واضحة للعين بين النهر والكتاب.

لكن الحضارة شبكة.

الماء يصل إلى الصفحة بطرق لا نراها.

ثم تغيرت الدولة وبقي بعض العلم

انتهى الفاطميون.

وجاء الأيوبيون.

ثم المماليك.

وبقيت القاهرة مركزًا كبيرًا للعلم.

لم تُمحَ المعرفة المصرية.

بل أعيد تنظيمها تحت مؤسسات ومذاهب ورعاة جدد.

وهذا يمنعنا من كتابة التاريخ كجنازة مستمرة.

الدولة تموت.

والمدينة تعيد إنتاج نفسها.

مؤسسة تغلق.

وأخرى تفتح.

كتاب يضيع.

وآخر يُنسخ.

حتى الأزهر، الذي بدأ في سياق فاطمي إسماعيلي، واصل حياته في عصور لاحقة ضمن بيئة سنية مختلفة.

المؤسسة أحيانًا تعيش أطول من الفكرة السياسية التي أنشأتها.

من يملك الذاكرة بعد سقوط الدولة؟

حين يسقط نظام، لا تسقط قصته معه.

يأتي المنتصر ويعيد ترتيب المؤسسات.

وقد يهمل بعض ما كان يقدره النظام السابق.

وقد يحتفظ بأشياء أخرى.

وهكذا يصبح الأرشيف ساحة صراع هادئ.

ما الذي يُنسخ؟

ما الذي يُدرس؟

ما الذي يباع؟

ما الذي يعتبر مهمًا؟

وما الذي يُترك حتى يختفي؟

محو الماضي لا يحتاج دائمًا إلى أمر رسمي.

يمكن للإهمال أن يقوم بالعمل نفسه على مدى جيلين.

«رماد العقول» ليس رمادًا حرفيًا

وهنا يجب أن نصحح عنوان السلسلة نفسها.

في الجزء الأول لا يوجد رماد كبير نستطيع أن نقف أمامه.

وهذا مقصود.

الرماد هنا استعارة.

المعرفة التي كانت مجموعة في مكان واحد تحولت إلى شظايا.

بعضها نجا.

بعضها بيع.

بعضها انتقل.

وبعضها اختفى.

إن كنا نبحث عن حريق مذهل، سنخطئ القصة.

الكارثة الحقيقية لم تكن أن النار أكلت الكتب.

بل أن النظام الذي كان يعرف أين توجد الكتب انهار.

المفارقة

الدولة الفاطمية أنفقت ثروة هائلة على جمع المعرفة.

ثم في ساعة الأزمة أصبحت تلك المعرفة نفسها ثروة قابلة للبيع.

الكتاب الذي اشتراه خليفة ليبقى…

باعه جندي لكي يعيش.

المجلد الذي صُنع ليقاوم الزمن…

ربما فُك غلافه لأن الجلد له قيمة.

والخزانة التي كانت دليلًا على قوة الدولة…

أصبحت مخزنًا يستطيع المنهارون تحويله إلى نقود.

هذه هي المفارقة القاسية.

حين تكون الدولة قوية، تجمع الأشياء لكي تقول إنها ستبقى.

وحين تضعف…

تبدأ ببيع الأدلة على أنها كانت قوية.

ثلاثة أسباب لموت المعرفة

هذه هي بداية ثلاثية «رماد العقول».

لن نبحث عن ثلاثة حرائق متشابهة.

بل عن ثلاثة أعداء مختلفين للذاكرة.

هنا:

الجوع والانهيار المؤسسي.

في الأندلس:

الخوف من ذاكرة الآخر ومحاولة تغييرها.

وفي بغداد:

العنف الذي يضرب المدينة ومؤسساتها في لحظة واحدة.

النتيجة في الحالات الثلاث متشابهة:

ثقوب في الذاكرة.

لكن الطريق إلى الثقب مختلف.

وهذا هو الدرس.

ليس للمعرفة عدو واحد.

حين بيعت خزائن الفاطميين في زمن الشدة

لا نعرف اسم آخر شخص حمل كتابًا من إحدى الخزائن الفاطمية الكبيرة.

ولا نعرف أين وضعه.

ربما باعه.

ربما احتفظ به.

ربما نسخه أحد.

ربما استخدمت أوراقه في غرض آخر.

ربما توجد صفحة منه اليوم في مكتبة لم يدرك أحد أصلها.

وربما اختفت منذ تسعمئة عام.

لكننا نعرف شيئًا واحدًا.

المكتبة التي تحتاج قرنًا لتُبنى يمكن أن تبدأ بالتفكك في موسم جوع.

ليس لأن الناس توقفوا فجأة عن احترام العقل.

بل لأن الحضارة نفسها تملك جسدًا.

وتحتاج إلى ماء.

وطعام.

ورواتب.

وأمن.

حين ينهار الجسد، لا يبقى العقل بعيدًا عن الإصابة.

ربما لهذا يكون الدفاع عن المعرفة أكبر من الدفاع عن الكتب.

أن تحمي الكتاب يعني أن تحمي أيضًا المجتمع الذي يستطيع الاحتفاظ به.

المزارع الذي يزرع القمح.

والعامل الذي يصنع الورق.

والدولة التي تدفع للمدرس.

والطريق الذي يحمل الطعام.

والقانون الذي يمنع النهب.

والمؤسسة التي تملك نسخة ثانية.

كل هؤلاء حراس مكتبة حتى لو لم يدخلوا واحدة في حياتهم.

وحين نرى مخطوطة فاطمية باقية اليوم، لا ينبغي أن نسأل فقط:

كيف نجت؟

بل:

كم كتابًا آخر كان بجوارها ولم يصل؟

لن نحصل على الرقم.

وهذا تحديدًا هو حجم الخسارة.

أن يكون المفقود كبيرًا إلى درجة أننا فقدنا حتى القدرة على عدّه.

المصادر والمراجع

  • Jonathan M. Bloom — Painting in the Fatimid Period: A Reconsideration، Journal of the Royal Asiatic Society.
  • Fozia Bora — Did Salah al-Din Destroy the Fatimids’ Books? An Historiographical Enquiry، Journal of the Royal Asiatic Society.
  • Paul E. Walker — Exploring an Islamic Empire: Fatimid History and its Sources.
  • Paul E. Walker — Fatimid Institutions of Learning.
  • Heinz Halm — The Fatimids and Their Traditions of Learning.
  • Michael Brett — The Fatimid Empire.
  • Farhad Daftary — The Isma‘ilis: Their History and Doctrines.
  • Kirsten Thomson — Politics and Power in Late Fatimid Egypt: The Reign of Caliph al-Mustansir.
  • ناصر خسرو — سفرنامه، وصف القاهرة في القرن الحادي عشر.
  • المقريزي — المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، مع التعامل النقدي مع الروايات المتأخرة.
  • Institute of Ismaili Studies — دراسات المؤسسات العلمية والثقافة الفكرية في العصر الفاطمي.
  • Cambridge History of Egypt — The Fatimid State, 969–1171.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top