رماد العقول 2

رماد العقول (2) — حين أصبحت العربية نفسها موضع اتهام

يمكن إحراق كتاب لأنه يقول شيئًا يخيف السلطة.
لكن هناك درجة أبعد.
أن تصبح اللغة التي كُتب بها الكتاب نفسها موضع ريبة.
عندها لا تعود المشكلة في فكرة واحدة.
كل صفحة تصبح مشتبهًا بها.
قصيدة.
وكتاب فقه.
ووصفة طبية.
ورسالة عائلية.
وسجل حساب.
حتى الإنسان الذي يستطيع قراءة الحروف يبدأ بإثارة السؤال:
ماذا يقرأ؟
ولماذا؟
وهل ما يزال ينتمي سرًا إلى العالم الذي جاءت منه هذه اللغة؟
هذه هي إحدى القصص التي بدأت بعد سقوط غرناطة.
لم تختفِ العربية من شبه الجزيرة الأيبيرية في صباح 2 يناير 1492.
ولم تُجمع كل كتب الأندلس في ساحة واحدة ثم تُحرق دفعة واحدة.
الصورة التي وصلت إلينا أكثر بساطة من الحقيقة.
أما الحقيقة فامتدت أكثر من قرن.
بدأت بوعود تسمح للمسلمين بالبقاء على دينهم وعاداتهم.
ثم جاءت حملة تحويل ديني أكثر قسرًا.
ثم أُحرقت كتب إسلامية.
ثم أُجبر المسلمون في قشتالة على الاختيار بين التنصر والرحيل.
ثم تحولت العربية نفسها، بعد عقود، إلى ممارسة يمكن أن تُعاقب عليها السلطة.
ثم جاءت ثورة.
ثم تهجير داخل البلاد.
ثم انتهت القصة الكبرى بطرد الموريسكيين بين 1609 و1614.
لم يُمحَ عالم الأندلس بضربة واحدة.
تآكل طبقة بعد طبقة.
وهذا ما يجعل الجزء الثاني من «رماد العقول» مختلفًا عن الأول.
في القاهرة الفاطمية رأينا المعرفة تتفرق لأن الدولة جاعت.
أما هنا…
فبدأت الذاكرة نفسها تبدو خطرة.
1492 لم يكن نهاية كل شيء
في 25 نوفمبر 1491 وُقعت شروط تسليم غرناطة بين أبي عبد الله محمد الثاني عشر، الذي عرفه الإسبان لاحقًا باسم بوعبديل، والملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيلا.
وفي 2 يناير 1492 انتقلت المدينة رسميًا إلى الحكم القشتالي.
كانت شروط الاستسلام، في ظاهرها، واسعة نسبيًا.
تضمنت ضمانات للمسلمين تتعلق بالدين والمساجد والعادات والقضاء والشؤون الاجتماعية.
لم يكن التصور المعلن في البداية أن سكان غرناطة المسلمين سيُجبرون فورًا على التخلي عن دينهم وثقافتهم.
وهكذا ظهر وضع معروف في إسبانيا المسيحية منذ قرون:
المُدَجَّنون.
مسلمون يعيشون تحت حكم مسيحي مع احتفاظهم بدرجات متفاوتة من دينهم وقوانينهم وعاداتهم.
كان يمكن أن تستمر غرناطة بهذا الشكل.
لكن المسار تغير بسرعة.
تالافيرا: غيّر الإنسان ببطء
كان أول رئيس أساقفة لغرناطة بعد الفتح هو هرناندو دي تالافيرا.
اتبع تالافيرا سياسة تبشيرية تقوم بدرجة أكبر على الإقناع والتعليم.
حاول رجال الدين المحيطون به تعلم العربية.
وعملت ترجمات.
واستُخدمت اللغة العربية للوصول إلى السكان.
الفكرة كانت واضحة:
إذا أردت أن تقنع الإنسان بدين جديد، تعلّم لغته أولًا.
لم يكن هذا تسامحًا بالمعنى الحديث.
الهدف ظل التنصير.
لكن الأداة كانت مختلفة.
اللغة لم تكن عدوًا.
كانت وسيلة.
وهذه المسافة الصغيرة بين الفكرتين ستصبح حاسمة بعد سنوات.
ثم جاء سيسنيروس
في سنة 1499 وصل إلى غرناطة أحد أقوى رجال الكنيسة في إسبانيا:
فرانسيسكو خيمينيث دي سيسنيروس.
رئيس أساقفة طليطلة.
ومقرب من الملكة إيزابيلا.
وسيصبح لاحقًا كاردينالًا ومحققًا عامًا ووصيًا على المملكة وأحد أهم رجال الدولة في عصره.
لم يكن سيسنيروس جاهلًا أو عدوًا للمعرفة.
وهذه نقطة تجعل قصته أكثر تعقيدًا.
الرجل نفسه الذي ارتبط بإحراق كتب عربية سيدعم لاحقًا إنشاء جامعة ألكالا ويشرف على واحد من أهم المشروعات العلمية الطباعية في أوروبا:
الكتاب المقدس متعدد اللغات المعروف باسم البوليجلوطا الكمبلوتنسية.
إذن نحن لا نتعامل مع رجل يكره الكتب.
بل مع رجل يميز بين معرفة يراها نافعة…
ومعرفة يراها خطرًا دينيًا.
وهذه قد تكون أخطر صورة للرقابة.
المعرفة التي تستحق البقاء
سرّع سيسنيروس عمليات التنصير في غرناطة.
وتختلف المصادر والمؤرخون في تفاصيل بعض إجراءاته، لكن من الواضح أن نهجه كان أكثر قسرًا من نهج تالافيرا.
تعرض أفراد وضغوط اجتماعية ودينية متزايدة.
وتحولت المدينة التي كان يفترض أن تظل إسلامية دينيًا ضمن شروط التسليم إلى فضاء تتسارع فيه عمليات التحويل إلى المسيحية.
وفي هذه البيئة ظهرت قصة الكتب.
تقول مصادر تاريخية إن السلطات جمعت كتبًا عربية من المسلمين أو المتنصرين حديثًا، وفُحصت.
أما الكتب الدينية الإسلامية فقد أُحرقت.
في حين تشير روايات إلى استثناء كتب في مجالات مثل الطب والفلسفة والتاريخ أو العلوم.
وهنا تكمن المفارقة.
اللغة نفسها لم تكن بعد ممنوعة كليًا.
والكتاب العربي لم يكن مرفوضًا لأنه عربي فقط.
كان يُسأل أولًا:
ماذا يحتوي؟
محرقة الكتب في بيب رامبلا
ترتبط الذاكرة الشعبية بحريق كبير للكتب العربية في ساحة بيب رامبلا في غرناطة.
وغالبًا ما يُذكر الحدث تحت سنة 1499.
لكن التدقيق التاريخي يجعل التاريخ أقل بساطة.
هناك أمر ملكي مؤرخ في 12 أكتوبر 1501 يأمر بإحراق نسخ من القرآن وكتب إسلامية أخرى.
ويرى بعض الباحثين أن مشهد الإحراق الشهير ينبغي ربطه بهذه المرحلة المتأخرة أكثر من ربطه مباشرة بسنة 1499.
إذن حتى أشهر صورة في القصة تحتاج إلى تصحيح.
نحن واثقون من وجود حملة ضد الكتب الإسلامية ومن إحراق مجموعات منها.
لكن تحديد اليوم والكمية الدقيقة وطبيعة كل الكتب التي دخلت النار أصعب بكثير من الرواية المدرسية.
كم كتابًا احترق؟
لا نعرف.
وتوجد أرقام ضخمة تتكرر في الكتب الشعبية وعلى الإنترنت.
عشرات الآلاف.
أحيانًا أكثر.
لكن الأرقام لا تستند دائمًا إلى جرد يمكن التحقق منه.
لا يوجد لدينا أمين مكتبة وقف في الساحة وعدّ كل مخطوطة قبل أن تدخل النار.
الأكثر أمانًا أن نقول:
وقعت عملية إحراق مهمة ومقصودة لكتب إسلامية عربية.
أما العدد الدقيق فغير محسوم.
وهذا لا يقلل من أهمية الحدث.
حجم الخسارة لا يحتاج إلى رقم مبالغ فيه لكي يكون مؤلمًا.
كتاب واحد فريد قد يساوي في التاريخ أكثر من آلاف النسخ المتكررة.
ما الذي نجا؟
إذا صحت الروايات التي تتحدث عن استثناء كتب الطب والفلسفة والتاريخ وغيرها، فإن ذلك يكشف منطقًا شديد الدلالة.
المشكلة لم تكن المعرفة العربية كلها.
كان يمكن استخدام طب عربي.
أو الاحتفاظ بعمل فلسفي.
أو دراسة تاريخ.
لكن النص الذي يحمل العقيدة الإسلامية أصبح خطرًا.
إذن السلطة كانت تحاول فصل المعرفة عن المجتمع الذي أنتجها.
نريد العلم.
لكن لا نريد الذاكرة الدينية التي جاءت معه.
نريد النص المفيد.
لكن لا نريد العالم الثقافي الذي أعطاه معناه.
هذه عملية تحدث كثيرًا في التاريخ.
الحضارات تستطيع أن تستعير من خصومها…
بينما تحاول محوهم من الحاضر.
الكتاب الطبي لا يتكلم وحده
لكن الفصل ليس سهلًا.
اللغة تحمل أكثر من الموضوع المكتوب فيها.
حتى كتاب الطب يحتوي مصطلحات.
وأسماء.
ومراجع.
وتاريخًا للمؤلف.
وطرقًا في التفكير.
وكلما بقيت العربية حية، بقيت إمكانية قراءة القرآن والفقه والشعر والرسائل والذاكرة الأسرية.
لا تستطيع السلطة أن تقول بسهولة:
احتفظوا بالعربية للطب…
وانسوها في الدين والبيت.
اللغة لا تقبل التقسيم الإداري بهذه السهولة.
ولهذا ستنتقل المعركة لاحقًا من الكتاب إلى اللغة نفسها.
ثورة البيازين
في أواخر 1499 اندلعت اضطرابات في حي البيازين في غرناطة.
كان الضغط الديني وسياسات التحويل أحد عناصر الأزمة.
انتشر التمرد إلى مناطق أخرى، ثم إلى جبال البشرات.
ردت السلطات بالقوة.
وأصبحت الانتفاضة نقطة تحول قانونية وسياسية.
رأت السلطة الملكية أن المسلمين الذين تمردوا خرقوا شروط التسليم.
ومع إخماد المقاومة تقلصت بسرعة مساحة التسامح التي وعدت بها اتفاقات 1491.
ما كان حقًا مضمونًا بدأ يتحول إلى امتياز يمكن سحبه.
1502
في سنة 1502 صدر في قشتالة قرار يفرض على المسلمين البالغين الاختيار بين التحول إلى المسيحية أو مغادرة المملكة، ضمن شروط جعلت الخروج نفسه معقدًا وصعبًا.
عمليًا دخل معظم المسلمين الباقين في قشتالة المسيحية رسميًا.
وهنا ولدت فئة تاريخية ستصبح محورية:
الموريسكيون.
مسلمون تحولوا إلى المسيحية وأبناؤهم وأحفادهم.
على الورق أصبحوا مسيحيين.
لكن الدولة والمجتمع لم يتوقفا عن السؤال:
هل هم مسيحيون فعلًا؟
عندما لا تكفي المعمودية
هذه لحظة مهمة لفهم ما سيحدث للكتب.
إذا كان الدين الرسمي تغير، فلماذا تستمر المشكلة؟
لأن السلطة لا تستطيع رؤية ما في القلب.
يمكن للإنسان أن يدخل الكنيسة.
وأن يحمل اسمًا مسيحيًا.
لكن ماذا يفعل في البيت؟
ماذا يأكل؟
أي لغة يتحدث؟
كيف يحتفل بالزفاف؟
هل يستحم بالطريقة القديمة؟
ما الذي تقوله أمه لطفله؟
وما الكتب الموجودة خلف الباب؟
حين يصبح إيمان الإنسان موضع شك دائم، تتحول الثقافة اليومية إلى دليل اتهام محتمل.
وهنا يبدأ الانتقال من مراقبة العقيدة…
إلى مراقبة العادات.
العربية لم تمت
رغم التحولات الدينية، استمرت العربية في غرناطة وأجزاء أخرى من إسبانيا.
بعض الناس كان يتحدثها.
وبعضهم يقرأها.
وظلت موجودة في الوثائق والمراسلات والممارسات اليومية.
لكن مع مرور الأجيال بدأت قدرة بعض الموريسكيين على استخدام العربية الكلاسيكية تتراجع.
وفي مناطق أخرى تطور استخدام مميز:
كتابة اللغة الإسبانية أو الرومانسية بالحروف العربية.
وهو ما يعرف بأدب الألخميادو.
اللغة المنطوقة تغيرت.
لكن الحرف بقي.
وكأن المجتمع يقول:
إذا لم نستطع الاحتفاظ باللغة كلها…
سنحتفظ بشكلها.
الحرف ذاكرة
الأبجدية ليست أداة محايدة تمامًا.
الحرف يحمل ذاكرة بصرية.
طفل يرى العربية في مخطوطة لا يرى مجرد أشكال.
قد يرى لغة جده.
وكتاب الصلاة.
والقرآن.
وشاهد قبر.
وعقد زواج.
وقصيدة.
ولهذا تستطيع السلطة أن تخاف من الحرف حتى عندما لا تفهم الكلمات.
في القرن السادس عشر أصبحت العربية في بعض السياقات الإسبانية أكثر من لغة أجنبية.
أصبحت علامة محتملة على هوية غير مندمجة.
هذا لم يحدث فورًا
من الخطأ تخيل أن سنة 1502 أغلقت كل شيء.
مرت عقود ظلت فيها ممارسات موريسكية عديدة قائمة.
اختلفت السياسات باختلاف المنطقة والحاكم والظرف.
واستمرت عناصر ثقافية عربية في الملابس والطعام والموسيقى والاحتفالات واللغة.
بعض السلطات تغاضت عنها.
وبعض السكان المسيحيين القدماء تعاملوا معها يوميًا.
والاقتصاد نفسه احتاج إلى خبرة السكان المحليين.
الدولة تريد الاندماج.
لكنها لا تستطيع إعادة صنع ملايين تفاصيل الحياة في يوم واحد.
التاريخ يسير أبطأ من المرسوم.
1566 و1567
بعد أكثر من ستة عقود من التحويلات، دخلت الأزمة مرحلة جديدة في غرناطة.
في عهد فيليب الثاني صدرت إجراءات تهدف إلى إنهاء مجموعة من العادات التي اعتبرتها السلطات مرتبطة بالإسلام أو تعيق الاندماج المسيحي.
دخلت القيود حيز التنفيذ في 1567.
استهدفت أشياء تبدو مختلفة جدًا:
اللغة العربية.
الملابس.
الاحتفالات.
الأغاني.
العادات الأسرية.
وحتى بعض مظاهر الاستحمام والثقافة المنزلية.
أصبح مطلوبًا من الموريسكيين التخلي عن العربية في الكلام والقراءة والكتابة.
بعد سبعين عامًا تقريبًا من سقوط غرناطة، لم يعد الأمر متعلقًا بكتاب ديني واحد.
اللغة نفسها أصبحت جزءًا من المشكلة.
الرجل الذي قال: هذه ثقافة وليست عقيدة
هنا يظهر واحد من أكثر أصوات المرحلة أهمية:
فرانسيسكو نونييث مولاي.
كان موريسكيًا من غرناطة، كبير السن، مرتبطًا بالنخب المحلية وعاش التحولات منذ أواخر القرن الخامس عشر.
كتب مذكرة شهيرة يعترض فيها على الإجراءات الجديدة.
لم يقل ببساطة:
اسمحوا لنا بممارسة الإسلام.
بل قدم حجة أكثر تعقيدًا.
قال، في جوهر موقفه، إن كثيرًا من العادات المستهدفة ليست بالضرورة دينية.
اللغة ليست دينًا.
الملابس ليست دينًا.
الأغاني ليست دينًا.
ويمكن للمسيحي أن يتكلم العربية كما يمكنه أن يتكلم أي لغة أخرى.
كانت حجته محاولة للفصل بين الثقافة والعقيدة.
لكن السلطة رأت شيئًا آخر
بالنسبة إلى نونييث مولاي، يمكن للإنسان أن يكون مسيحيًا ويتحدث العربية.
بالنسبة إلى قطاعات في السلطة، استمرار العربية والعادات القديمة كان دليلًا على أن عملية التحول لم تكتمل.
وهنا يوجد سؤال ما يزال معاصرًا بصورة مدهشة:
كم يجب أن يتغير الإنسان لكي يثبت أنه اندمج؟
الدين؟
الاسم؟
اللغة؟
الملابس؟
الطعام؟
الموسيقى؟
إذا ظل يتكلم لغة أجداده، هل يعني ذلك أنه أقل ولاءً؟
الإجابة الإسبانية في تلك المرحلة اتجهت تدريجيًا إلى توسيع المطلوب.
لم يعد كافيًا أن يكون الإنسان مسيحيًا رسميًا.
كان عليه أن يبدو مختلفًا عن أسلافه أيضًا.
الكتاب يتحول إلى دليل
بعد هذا التحول، أصبحت المخطوطة العربية أكثر حساسية.
حتى عندما لا تكون نصًا دينيًا، يستطيع وجودها أن يثير السؤال عن صاحبها.
هل يستطيع قراءتها؟
من علمه؟
لماذا يحتفظ بها؟
هل هي كتاب طبي؟
أم قرآن مخفي؟
أم تعليمات دينية؟
أم تعويذة؟
سجلات محاكم التفتيش والوثائق الأخرى تظهر أشخاصًا واجهوا التحقيق بسبب نصوص وأوراق عربية في العقود اللاحقة.
الصفحة التي كانت يومًا أداة معرفة أصبحت قادرة على أن تكون قرينة في ملف قضائي.
المعرفة تدخل السر
حين يُمنع النص من الفضاء العام، لا يختفي دائمًا.
ينتقل إلى الخاص.
الكتاب تحت الأرض.
الصفحة خلف الجدار.
التعليم داخل الأسرة.
والنص الديني منسوخ بحروف صغيرة.
واللغة تستخدم بعيدًا عن السلطة.
ومن هذه البيئة جاءت مخطوطات موريسكية مخفية عُثر على بعضها بعد قرون داخل جدران وأسقف وبيوت قديمة.
من يحظر الكتاب قد يقلل انتشاره.
لكنه يستطيع كذلك أن يغير طريقة حياته.
من مكتبة عامة…
إلى سر عائلي.
1568: الانفجار
في نهاية سنة 1568 اندلعت ثورة كبيرة للموريسكيين في منطقة البشرات.
كانت أسبابها متعددة.
لكن القيود الثقافية والدينية الجديدة كانت من عناصر الاحتقان الأساسية.
تحولت الثورة إلى حرب قاسية استمرت حتى 1571.
ظهرت أعمال عنف من الطرفين.
وقُتل مدنيون.
وتعرضت قرى للتدمير.
واستُخدمت قوات كبيرة لإخماد المقاومة.
المشكلة التي بدأت قبل عقود بمحاولة تحويل السكان دينيًا أصبحت الآن حربًا.
وهنا تظهر المفارقة التي تتكرر في سياسات الاستيعاب القسري:
الإجراء الذي يُفترض أنه سيزيل الاختلاف…
قد يجعل الاختلاف أكثر سياسية.
بعد الثورة
بعد هزيمة الموريسكيين في غرناطة، نُقل عشرات الآلاف منهم قسرًا إلى مناطق أخرى في قشتالة.
كان الهدف كسر التركيز السكاني الذي حافظ على ثقافة غرناطة الموريسكية.
تفريق الناس يعني تفريق اللغة والعادات وشبكات المجتمع.
وهذه نسخة بشرية من الشيء الذي يحدث للمكتبة حين تتشتت كتبها.
لا تحتاج أن تحرق كل شيء.
فرّق الأجزاء.
إذا أصبح المتحدث العربي محاطًا بأشخاص لا يتحدثون العربية، ستضعف اللغة في الجيل التالي.
إذا فُصلت الأسرة عن المجتمع الذي يحفظ طقوسها، تتغير العادات.
الديموغرافيا تستطيع أن تفعل ما لا تفعله النار.
اللغة تموت اجتماعيًا قبل أن تموت في الكتب
لكي تعيش اللغة تحتاج إلى أكثر من قاموس.
تحتاج إلى أم تتحدث بها لطفل.
وبائع يستخدمها في السوق.
وواعظ.
وشاعر.
ومعلم.
وحبيب يكتب رسالة.
وقاضٍ يفهم العقد.
إذا بقيت اللغة فقط في مخطوطة داخل متحف، فقد نجت النصوص…
لكن اللغة الاجتماعية ماتت.
وهذا ما يجعل استهداف الاستخدام اليومي أخطر من إحراق مجموعة كتب محددة.
النار تدمر النسخة.
أما انقطاع الأجيال فيدمر القارئ.
ماذا يفيد الكتاب إذا لم يعد أحد يستطيع قراءته؟
هذه واحدة من أسئلة «رماد العقول».
قد تنجو المخطوطة ماديًا.
لكن إذا ماتت الجماعة التي تقرؤها، يصبح الكتاب صامتًا حتى يأتي باحث بعد قرون.
المعرفة تحتاج إلى سلسلة بشرية.
كاتب.
وقارئ.
ومعلم.
ونسخة.
ومكتبة.
حين تكسر السلسلة في أكثر من موضع، لا تحتاج إلى إحراق كل الصفحات.
بعضها يموت من الوحدة.
ومع ذلك استمرت العربية
لم تستطع القوانين إلغاء كل شيء.
بقيت نصوص.
وبقيت مخطوطات سرية.
واستمر بعض الموريسكيين في القراءة والكتابة بدرجات مختلفة.
وبقيت الكلمات العربية داخل الإسبانية نفسها.
حتى بعد اختفاء المجتمع الإسلامي المنظم، لم يكن ممكنًا إخراج قرون من التاريخ من اللغة الإسبانية.
كلمات في الزراعة.
والعمارة.
والإدارة.
والطعام.
والعلوم.
والحياة اليومية.
تستطيع الدولة أن تحظر لغة…
ثم تكتشف أنها تعيش داخل اللغة التي تريد أن تحل محلها.
القصر نفسه يتكلم العربية بصمت
بعد سقوط غرناطة، بقي قصر الحمراء.
الجدران.
والأقواس.
والزخارف.
والكتابات العربية.
يمكن للسلطة أن تمنع إنسانًا من الحديث بالعربية.
لكن ماذا تفعل بجدار كتب بالعربية قبل قرنين؟
تهدمه؟
تغطيه؟
تتركه؟
الحمراء واحدة من أعظم المفارقات في القصة.
حكمت إسبانيا المسيحية مدينة تريد تغيير ثقافة سكانها…
بينما كان قصرها الأشهر يحمل العربية على جدرانه.
الحجر احتفظ بما طُلب من الإنسان أن ينساه.
الثقافة أقوى من المرسوم… وأضعف منه أيضًا
هذه جملة تبدو متناقضة.
لكنها صحيحة.
الثقافة قوية لأنها تترك آثارًا لا يمكن محوها بسهولة.
في اللغة.
والعمارة.
والطعام.
والموسيقى.
والأسماء.
لكنها ضعيفة لأن الاستخدام الحي يحتاج إلى البشر.
إذا منعت التعليم جيلًا بعد جيل، يمكن للغة أن تختفي من الحياة اليومية.
يبقى أثرها.
لكن لا يبقى المجتمع الذي يحملها بالطريقة نفسها.
إذن السلطة لا تستطيع محو الماضي تمامًا.
لكنها تستطيع تغيير مستقبله.
ثم جاءت 1609
في بداية القرن السابع عشر قررت ملكية فيليب الثالث طرد الموريسكيين من إسبانيا.
بدأت عمليات الطرد سنة 1609 واستمرت حتى 1614 بدرجات مختلفة بحسب المناطق.
غادر مئات الآلاف وفق تقديرات تاريخية متباينة.
اتجه كثيرون إلى شمال إفريقيا.
آخرون إلى مناطق مختلفة في البحر المتوسط.
وهكذا انتهت عمليًا حياة مجتمع كبير عاش داخل شبه الجزيرة الأيبيرية قرونًا وتحوّل رسميًا إلى المسيحية لكنه ظل موضع شك.
إن كانت قصة الكتب بدأت بسؤال:
ماذا نسمح لهؤلاء الناس أن يقرأوا؟
فإنها انتهت بسؤال آخر:
هل نسمح لهم بالبقاء أصلًا؟
لا ينبغي أن نختصر الأندلس في مأساة أخيرة
هناك خطر في هذا النوع من المقالات.
أن نعيد كتابة تاريخ الأندلس كله وكأنه كان يسير منذ البداية إلى محرقة الكتب.
لم يكن كذلك.
ثمانية قرون تقريبًا من الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة شهدت دولًا مختلفة وحروبًا وتحالفات وازدهارًا وانقسامات.
وتعايش المسلمون والمسيحيون واليهود بدرجات متغيرة لم تكن جنة دائمة ولا حربًا دائمة.
حدث اضطهاد.
وحدث تعاون.
وتغيرت موازين القوة مرات كثيرة.
ما وقع بعد 1492 فصل محدد.
مهم وعنيف.
لكنه ليس التفسير الوحيد لما كانت عليه الأندلس.
وكذلك لا ينبغي أن نصنع أسطورة «المكتبة الوحيدة»
تتكرر أحيانًا روايات تقول إن كل علم الأندلس جُمع في غرناطة ثم أحرق.
هذا غير صحيح.
المخطوطات الأندلسية كانت موزعة عبر مدن ومؤسسات وأفراد، وانتقلت قبل سقوط غرناطة بقرون إلى المغرب ومصر والمشرق وأوروبا.
كثير من الأعمال العلمية والفلسفية الأندلسية نجا لأن نسخًا منه خرجت من المكان.
وبعضها ترجم إلى اللاتينية أو العبرية.
المعرفة الأندلسية لم تكن في غرفة واحدة.
ولهذا لم تستطع محرقة واحدة أن تمحوها.
هذه نقطة تشبه درس مكتبات الفاطميين.
أفضل وسيلة لنجاة النص…
أن توجد منه نسخة في مكان آخر.
ابن رشد مثال
مات ابن رشد سنة 1198، قبل سقوط غرناطة بثلاثة قرون تقريبًا.
لكن شروحه لأرسطو انتقلت في الترجمات اللاتينية والعبرية وأثرت في الفكر الأوروبي.
حتى لو ضاعت مخطوطات عربية معينة، كانت أفكاره قد عبرت الحدود.
هذا يوضح أن انتقال المعرفة يمكن أن يفصل النص عن المجتمع الذي ولده.
قد يضعف حضور المؤلف في لغته الأصلية…
بينما يعيش في لغة أخرى.
الفكرة تهاجر أفضل من صاحبها أحيانًا.
الطب الذي نجا لأنه مفيد
إذا كانت بعض الكتب الطبية والفلسفية والعلمية قد استثنيت فعلًا من الإحراق، فهذه ليست مفارقة صغيرة.
السلطة التي أرادت إضعاف هوية ثقافية كانت مستعدة للاحتفاظ ببعض منتجات تلك الهوية.
هذه ظاهرة متكررة في التاريخ.
نستطيع رفض شعب…
واستخدام علمه.
نحارب عقيدته…
ونقرأ طبيبه.
نمحو لغته من الشارع…
ثم نترجم كتابه إلى لغتنا.
الحضارات لا تتعامل مع الخصم كوحدة كاملة.
تنتقي.
تأخذ ما تراه مفيدًا.
وتحاول التخلص مما تراه خطرًا.
لكن من يحدد النافع؟
هذه هي السلطة الحقيقية.
ليست فقط أن تقول:
هذا الكتاب ممنوع.
بل أن تقول:
هذا علم.
وهذا ضلال.
هذا تراث يستحق الحفظ.
وهذا ينبغي أن يختفي.
الحد بين «المعرفة» و«الخطر» ليس طبيعيًا دائمًا.
ترسمه المؤسسات.
سيسنيروس الذي رعى مشروعًا عظيمًا لنشر الكتاب المقدس بلغات متعددة استطاع في سياق آخر أن يرى نصوصًا دينية عربية بوصفها شيئًا ينبغي إحراقه.
من منظوره لم يكن هناك تناقض.
كان يحمي الحقيقة كما يراها.
لكن من منظور الكتاب الذي احترق…
لا فرق بين الحماس للعلم والحماس للإيمان عندما تكون النتيجة رمادًا.
المخطوط الذي يختبئ في الجدار
مثلما رأينا في دونهوانغ، تستطيع الجدران أن تصبح مكتبات دون أن تقصد.
لكن الفرق عميق.
في دونهوانغ ربما أُغلقت المخطوطات لأسباب دينية أو إدارية لا نعرفها تمامًا.
أما في إسبانيا الموريسكية، فإخفاء بعض النصوص كان يمكن أن يكون وسيلة لتجنب المصادرة والتحقيق.
هناك مخطوطات اكتُشفت في مبانٍ بعد قرون.
إنسان يخفي الكتاب لا يعرف إن كان سيعود إليه.
لكنه يقرر أن الجدار أكثر أمانًا من الرف.
هذه لحظة هزيمة للمكتبة…
وانتصار للذاكرة في الوقت نفسه.
الكتاب الخائف
نحن نتصور الكتاب شيئًا ساكنًا.
لكن في فترات الاضطهاد يصبح له نوع من الحياة.
يُخفى.
ويُنقل.
وتُزال منه صفحة.
ويكتب بخط صغير.
ويُعطى لشخص موثوق.
ويُدفن.
ويُنسخ في السر.
ليس الكتاب هو الذي يخاف.
صاحبه يخاف.
لكن الخوف يغير شكل الكتاب نفسه.
لذلك تستطيع المخطوطة أن تحمل تاريخ القمع في مادتها.
الحجم.
والإخفاء.
والرموز.
واللغة المستعملة.
كلها قد تكون استجابات للسلطة.
من العربية إلى الألخميادو
من أكثر أشكال المقاومة الثقافية إثارة استخدام الحروف العربية لكتابة لغات رومانسية إسبانية.
يطلق على هذه الكتابة عادة «الألخميادو».
بعض الموريسكيين الذين فقدوا القدرة الكاملة على العربية ظلوا يستخدمون الأبجدية العربية لكتابة اللغة التي يتحدثونها.
يا لها من مفارقة.
الكلمات إسبانية.
والحروف عربية.
كأن الهوية وجدت حلًا وسطًا خاصًا بها.
إذا كانت اللغة تتغير…
فالحرف يتذكر.
هل هذه هزيمة للعربية أم نجاح لها؟
الاثنان.
إذا لم يعد الكاتب قادرًا على التعبير بالعربية ويكتب الإسبانية بالحروف العربية، فهذا دليل على تراجع اللغة.
لكن إذا بقي الحرف بعد تغير اللغة، فهو دليل على قوة الذاكرة الثقافية.
الأشياء لا تموت كلها في اللحظة نفسها.
اللغة تفقد القواعد.
ثم المفردات.
وقد يبقى الخط.
أو يبقى اسم.
أو دعاء.
أو طريقة كتابة.
الحضارة حين تتراجع تترك طبقات مثل الساحل بعد انحسار البحر.
سيرفانتس نفسه احتاج العربية
هناك مفارقة أدبية شهيرة في «دون كيخوته».
يجعل ميغيل دي سيرفانتس الراوي يعثر على مخطوطة عربية ويريد شخصًا يستطيع ترجمتها.
الرواية نُشرت سنة 1605، أي بعد أكثر من قرن من سقوط غرناطة وقبيل قرار طرد الموريسكيين.
في واحد من أشهر النصوص الإسبانية على الإطلاق…
تظهر العربية داخل آلية الحكاية نفسها.
حتى الأدب الذي سيصبح رمزًا لإسبانيا الحديثة يحمل أثر اللغة التي كانت الدولة تحاول إزاحتها من الحياة العامة.
الثقافة لا تعرف دائمًا الحدود التي ترسمها السياسة.
الكتاب الذي تحرقه قد يعود داخل أدبك
هذه هي إحدى مفارقات التاريخ الثقافي.
قد تحاول دولة تنظيف هويتها من عنصر ما.
ثم يصبح هذا العنصر لاحقًا جزءًا من الطريقة التي يفهم بها العالم تلك الدولة.
اليوم لا يمكن شرح إسبانيا دون الأندلس.
ولا غرناطة دون الحمراء.
ولا تاريخ الإسبانية دون العربية.
ولا المطبخ والعمارة والموسيقى والأسماء الجغرافية دون قرون من التفاعل.
ما اعتبرته مرحلة سياسية لاحقة شيئًا يجب تجاوزه…
أصبح لاحقًا جزءًا من التراث الوطني نفسه.
الزمن يغير معنى الأشياء التي كانت يومًا خطرة.
الذاكرة لا تحتاج إلى انتصار لكي تبقى
خسر المسلمون حكم غرناطة.
وتحول السكان.
وأُحرقت كتب.
وقُيدت اللغة.
وحدثت ثورات وتهجير.
ثم طُرد الموريسكيون.
سياسيًا تبدو النهاية كاملة.
لكن بعد خمسة قرون ما يزال الباحث يقرأ النص العربي.
والسائح ينظر إلى كتابات الحمراء.
والموسيقي يستعيد تراثًا أندلسيًا في مدن المغرب العربي.
والعائلات في شمال إفريقيا تحتفظ بروايات عن أصول أندلسية.
لا يعني ذلك أن ثقافة الأندلس بقيت بلا انقطاع وبالشكل نفسه.
لكن الهزيمة السياسية لم تستطع تحويلها إلى عدم.
وهذا فرق مهم.
يمكنك أن تنهي دولة.
أصعب أن تنهي كل آثارها.
الجزء الذي لا نعرف أننا فقدناه
مع ذلك لا ينبغي للرومانسية أن تخفي الخسارة.
كم نصًا لم يصل إلينا؟
لا نعرف.
كم قصيدة؟
كم رسالة؟
كم سجلًا محليًا؟
كم كتابًا دينيًا فريدًا؟
كم نسخة تحمل تعليقات قارئ أندلسي على الهامش؟
كم ذاكرة عائلية؟
لن نجد قائمة.
لأن الشيء الذي فُقد فُقد معه غالبًا دليل فقدانه.
هذه هي المشكلة نفسها التي رأيناها في القاهرة.
أكبر خسائر المكتبات قد تكون الأشياء التي لم يبق حتى اسمها.
الخوف من ذاكرة الآخر
لماذا يخيف الكتاب؟
لأنه يستطيع أن يسمح لجيل جديد بتذكر شيء لم يعشه.
يمكن للطفل الذي ولد بعد سقوط غرناطة أن يقرأ نصًا كتب قبل الفتح.
فتنتقل إليه ذاكرة لم تستطع السياسة إزالتها بالزمن.
الكتاب يكسر خطة النسيان الطبيعية.
من دون الكتاب، يموت شاهد.
ثم يموت ابنه.
ثم تتحول القصة إلى ذكرى ضعيفة.
أما النص فيستطيع أن يعيد صوت الميت بعد مئتي سنة.
ولهذا فإن السلطة التي تريد خلق هوية جديدة قد ترى الأرشيف القديم مشكلة سياسية.
الكتاب لا يحمل الماضي فقط.
يحمله إلى المستقبل.
إحراق الكتاب اعتراف بقوته
هذه المفارقة قاسية.
لو كان الكتاب بلا قوة…
لما احتاج أحد إلى إحراقه.
من يجمع النصوص ويضعها في النار يقول، من دون أن يريد:
أنا أخاف ما تستطيع هذه الصفحات أن تفعله.
قد لا تملك المخطوطة سيفًا.
لكنها تستطيع تعليم طفل.
وتثبيت عقيدة.
وحفظ لغة.
وإعطاء جماعة قصة تقول بها:
نحن كنا هنا.
وهذا أحيانًا أخطر على مشروع الاستيعاب من أي سلاح.
لكن النار لا تنتصر دائمًا
إذا أحرقت ألف نسخة وبقيت واحدة، يمكن أن تبدأ السلسلة من جديد.
أما إذا منعت الناس من تعليم أطفالهم اللغة، فقد يكون الأثر أعمق.
ولهذا فإن القصة الحقيقية ليست محرقة الكتب وحدها.
إنها انتقال السياسة من النص إلى القارئ.
في البداية:
أعطني القرآن.
ثم:
لا تتحدث بالعربية.
ثم:
لا تلبس بهذه الطريقة.
لا تغنِّ هذه الأغنية.
لا تستخدم هذا الاسم.
لا تحتفل بهذه العادة.
هنا لا تعود السلطة تحاول تغيير العقيدة فقط.
تحاول إعادة تصميم الإنسان.
المفارقة
أرادت السلطات المسيحية في غرناطة أن تجعل السكان الجدد جزءًا من مجتمع واحد.
لكن كلما توسعت شروط الاندماج، أصبح الفرق أكثر وضوحًا.
المعمودية لم تكفِ.
فاستُهدفت اللغة.
ثم العادات.
ثم اللباس.
ثم الموسيقى.
وبذلك أصبح الموريسكي يعرف نفسه أكثر فأكثر من خلال الأشياء التي قيل له ألا يفعلها.
المنع يستطيع أن يصنع هوية بقدر ما يستطيع أن يحطمها.
الشيء الذي كان عادة يومية…
يتحول تحت الحظر إلى رمز للمقاومة.
حين أصبحت العربية نفسها موضع اتهام
في بداية القصة كان هناك كتاب ديني يدخل النار.
وفي نهايتها كان هناك مجتمع كامل يُطلب منه أن يتوقف عن الكلام بالطريقة التي عرفها آباؤه.
هذه المسافة هي قصة الجزء الثاني من «رماد العقول».
ليست القصة أن الإسبان أحرقوا «كل كتب الأندلس».
ذلك غير صحيح.
وليست أن المعرفة العربية اختفت من أوروبا.
ذلك غير صحيح أيضًا.
وليست أن كل مخطوطة عربية كانت ممنوعة منذ 1492.
التاريخ كان أكثر تدرجًا.
وهذا التدرج هو ما يجعله مخيفًا.
في البداية تبدو القضية محدودة:
كتب دينية.
ثم يصبح السؤال:
لماذا تحتفظون بالعربية؟
ثم:
لماذا ترتدون هكذا؟
ثم:
لماذا ما زلتم مختلفين؟
وأخيرًا:
لماذا تبقون هنا؟
النار التي تبدأ في الصفحة يمكن أن تصل إلى تعريف الإنسان نفسه.
وربما لهذا فإن أخطر لحظة في تاريخ الكتاب ليست عندما يشتعل الورق.
فالورق يمكن نسخه.
أخطر لحظة هي عندما يصبح القارئ خائفًا من أن يراه أحد وهو يقرأ.
حينها لا تحتاج السلطة إلى حرق كل مكتبة.
يكفي أن تجعل الرف مكانًا خطيرًا.
سيخفي الناس الكتب بأنفسهم.
وسيتوقف بعضهم عن تعليم أطفالهم اللغة.
ثم يأتي جيل يستطيع رؤية الحروف…
ولا يستطيع سماع الصوت الذي كان فيها.
وفي هذه النقطة لا يعود الرماد على الأرض.
يصبح في الذاكرة.
المصادر والمراجع
– L. P. Harvey — Islamic Spain, 1250 to 1500.
– L. P. Harvey — Muslims in Spain, 1500 to 1614.
– Helen Rodgers and Stephen Cavendish — City of Illusions: A History of Granada.
– Francisco Núñez Muley — A Memorandum for the President of the Royal Audiencia and Chancery Court of the City and Kingdom of Granada، تحرير وترجمة Vincent Barletta.
– Olivia Remie Constable — To Live Like a Moor: Christian Perceptions of Muslim Identity in Medieval and Early Modern Spain.
– Max Deardorff — A Tale of Two Granadas: Custom, Community, and Citizenship in the Spanish Empire, 1568–1668.
– Mary Elizabeth Perry — The Handless Maiden: Moriscos and the Politics of Religion in Early Modern Spain.
– Antonio Domínguez Ortiz and Bernard Vincent — Historia de los moriscos: Vida y tragedia de una minoría.
– دراسات Cambridge Core حول سقوط التعايش الديني في إسبانيا الوسيطة وسياسات غرناطة بعد 1492.
– دراسات تاريخية حول فرانسيسكو خيمينيث دي سيسنيروس، وتنصير مسلمي غرناطة، وأوامر إحراق الكتب الإسلامية في مطلع القرن السادس عشر.
– شروط تسليم غرناطة، 25 نوفمبر 1491.
– الأوامر الملكية القشتالية المتعلقة بالكتب الإسلامية والتحولات الدينية في غرناطة وقشتالة بين 1501 و1502.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top