الموظف الأخير

في الثامنة وتسعٍ وخمسين دقيقة من صباح يوم في عام 2035، كانت الشركة قد أنهت معظم عملها اليومي.
وصلت تقارير الأسواق، وفُرزت طلبات التوظيف، وأُجيب عن رسائل العملاء، واكتُشف خلل في أحد البرامج وأُصلح، ثم أُعيد ترتيب جدول الإنتاج بعد تغير مفاجئ في الطلب.
لم يكن أحد قد دخل المبنى بعد.
عند التاسعة تمامًا، مرّر موظف واحد بطاقته عند الباب. عبر صفوفًا من المكاتب الخالية، فيما كانت الشاشات تضيء وتنطفئ، والمهام تنتقل بين أنظمة لا تحتاج إلى مقعد أو استراحة قهوة أو راتب في نهاية الشهر.
لم يأتِ الرجل ليكتب التقارير أو يراجع الطلبات أو يصلح البرنامج. جاء ليقرر أيّ قرارات الآلة يمكن أن تصبح قرارات الشركة، وليضع اسمه تحتها.

لم يكن آخر إنسان لأن الآلة تعلمت كل شيء؛ كان آخر إنسان لأن المسؤولية لم تجد بعدُ آلةً تستطيع حملها.

هذا المشهد لم يقع، وقد لا يقع بهذه الصورة أبدًا. لكنه ليس خيالًا منفصلًا عن الحاضر؛ فكل عنصر فيه بدأ يتكوّن بالفعل: أنظمة تكتب وتبرمج وتفرز، ووكلاء رقميون ينفذون سلسلة من المهام، وشركات تعيد التفكير في عدد العاملين الذين تحتاج إليهم، وقوانين تحاول تحديد من يُسأل عندما يصدر القرار عن خوارزمية.
السؤال إذن ليس: متى يختفي الإنسان من مكان العمل؟
السؤال الأدق هو: ما الذي سيبقى عملًا بشريًا عندما تستطيع الآلة أداء جزء متزايد من الوظيفة؟

الوظيفة ليست شيئًا واحدًا

حين نقول إن الذكاء الاصطناعي «سيأخذ وظيفة»، نتعامل مع الوظيفة كأنها قطعة واحدة يمكن انتزاعها من يد الإنسان وتسليمها إلى آلة. لكن كل مهنة هي في الحقيقة حزمة من المهام المختلفة.
المعلم يشرح ويراقب ويصحح ويشجع، وقد يكتشف أن طالبًا يخفي خوفه خلف الصمت. والطبيب يقرأ التحاليل، لكنه يصغي أيضًا إلى رواية المريض، ويربط الأعراض بسياقه، ويقرر متى لا تكفي القاعدة العامة. والمحرر يجمع المعلومات ويعيد صياغتها، لكنه يميّز كذلك بين ما هو صحيح وما هو مهم، وبين العبارة الجذابة والعبارة العادلة.
تستطيع الآلة أن تدخل المهنة من باب بعض هذه المهام قبل أن تستولي على المهنة كلها. ولهذا تصبح كلمة «التعرّض» أدق من كلمة «الزوال».
في عام 2025، قدّرت منظمة العمل الدولية أن واحدًا من كل أربعة عاملين في العالم يعمل في مهنة لها درجة ما من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي. لكن 3.3% فقط من العمالة العالمية وقعت في أعلى فئة تعرض، ورأت المنظمة أن تحول الوظائف أرجح من إلغائها، لأن معظم المهن تضم مهام لا تزال تحتاج إلى مدخل بشري.
هذا الفرق ليس لغويًا. فإذا اختفت مهمة من عشر مهام، قد تبقى الوظيفة وتتغير. وإذا اختفت ثماني مهام، فقد يبقى الاسم نفسه بينما تصبح الوظيفة شيئًا آخر تمامًا.
وربما لا يكون الخطر أن يفقد الإنسان مهنته فورًا، بل أن يفقد تدريجيًا قدرته على التفاوض داخلها.

حين حطّم العمال الآلات

في إنجلترا مطلع القرن التاسع عشر، دخل عمال النسيج المهرة التاريخ باسم «اللُّوديين». اختُزلت قصتهم لاحقًا في صورة رجال خافوا من التقنية فحطموا الآلات، لكن جوهر الصراع كان أعقد من ذلك.
لم تكن الآلة وحدها هي المشكلة، بل الطريقة التي استُخدمت بها: تفكيك المهارة، وخفض الأجر، وتغيير قواعد الحرفة من دون أن يملك العاملون كلمة في التحول.
كان الصراع حول من يملك التقنية، ومن يحصل على مكاسبها، ومن يدفع ثمن الانتقال.
ثم جاء المصنع الحديث، فنقل جزءًا من المعرفة من يد الحرفي إلى نظام الإنتاج. وقسّمت التايلورية العمل إلى حركات محسوبة، وجعل خط التجميع العامل جزءًا من آلة تنظيمية أكبر. وبعد ذلك دخل الحاسوب إلى المكتب، فاختفت مهام وظهرت أخرى، واتسعت سرعة العمل والرقابة والاتصال في آن واحد.
في كل مرة، لم تكن التقنية قوة مستقلة تسقط من السماء. كان أثرها يتحدد داخل مؤسسة تملكها، وسوق يكافئها، وقانون يسمح بها أو يقيّدها، وعامل يملك أو لا يملك القدرة على التفاوض.
الجديد اليوم أن الآلة لم تعد تنافس العضلة وحدها، ولا تكرر حركة ميكانيكية محفوظة. لقد دخلت اللغة والصورة والبرمجة والتحليل؛ أي إلى المساحة التي بنت عليها الطبقة المتعلمة شعورها بالأمان.

من المساعد إلى الوكيل

كان الجيل الأول من الأدوات الرقمية ينتظر أمرًا واضحًا: اضغط زرًا، افتح ملفًا، نفّذ معادلة.
أما أنظمة الذكاء الاصطناعي الجديدة فبدأت تتلقى هدفًا عامًا، وتقترح خطوات، وتستخدم أدوات، وتراجع بعض نتائجها، ثم تواصل العمل.
التحول الحاسم لا يقع حين تعرف الآلة معلومة أكثر، بل حين تستطيع مواصلة المهمة مدة أطول من دون أن يتدخل إنسان لإنقاذها.
تحاول مؤسسة METR قياس هذا التحول عبر «أفق المهمة»: طول العمل الذي يستطيع وكيل آلي إتمامه بدرجة محددة من الموثوقية، مقارنة بالوقت الذي يحتاج إليه خبير بشري. وأظهرت قياساتها أن هذا الأفق كان يتضاعف تاريخيًا بوتيرة سريعة تقارب سبعة أشهر في مهام برمجية وبحثية محددة.
لكن النتيجة تحمل تحذيرها داخلها. فالدراسة نفسها أوضحت أن النماذج، وقت القياس، لم تكن قادرة بصورة موثوقة على تنفيذ مشروعات طويلة أو الحلول المباشر محل العامل في الأعمال اليومية المركبة.
إنها تتقدم بسرعة، نعم، لكنها لا تزال تتعثر كلما طال تسلسل الأفعال، أو غاب السياق، أو احتاج القرار إلى فهم ما لم يُكتب في التعليمات.
بين نجاح النموذج في الاختبار ونجاحه داخل الشركة تقع مساحة واسعة من الفوضى البشرية: عميل يغيّر رأيه، وبيانات ناقصة، ومدير يطلب هدفين متعارضين، وقاعدة قانونية لها استثناء، وقرار صحيح حسابيًا لكنه مدمر إنسانيًا.

ما تقوله الشركات، وما تفعله بالفعل

يعكس تقرير «مستقبل الوظائف 2025» حجم القلق والاستعداد معًا. فقد جمع تصورات أكثر من ألف صاحب عمل يمثلون ما يزيد على 14 مليون عامل.
وعبر التحولات الاقتصادية والتقنية والديموغرافية والمناخية مجتمعة، توقع المشاركون إنشاء 170 مليون وظيفة وإزاحة 92 مليونًا بحلول 2030.
هذه الأرقام ليست نبوءة، ولا يجوز نسبتها إلى الذكاء الاصطناعي وحده. إنها توقعات أصحاب عمل عن عالم سريع التغير. لكن التفاصيل تكشف الاتجاه: نصف المؤسسات المشاركة تخطط لإعادة توجيه أعمالها استجابةً للذكاء الاصطناعي، ونحو 40% تتوقع خفض العمالة في المواضع التي تستطيع التقنية أتمتة مهامها، بينما يخطط نحو الثلثين لتوظيف أصحاب مهارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
أي إن المؤسسة الواحدة قد توظف وتستغني في الوقت نفسه. قد تختفي وظيفة، ويظهر دور جديد، ويُعاد تشكيل وظيفة ثالثة بحيث تحمل الاسم القديم ولا يبقى من مضمونها إلا القليل.
غير أن الواقع لا يزال أبطأ من العناوين.
ففي يوليو/تموز 2026، أظهر مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني أن نسبة الشركات ذات العشرة موظفين فأكثر التي تستخدم تقنية ذكاء اصطناعي واحدة على الأقل ارتفعت من نحو 12% في أواخر 2023 إلى نحو 35% في يونيو/حزيران 2026.
ومع ذلك، قالت 10% فقط من الشركات المتبنية إن استخدامها واسع، وأفادت غالبية الشركات بأن الذكاء الاصطناعي لم يغير عدد العاملين لديها حتى ذلك الوقت.
الانتشار سريع، لكن إعادة بناء الشركة حول التقنية ما زالت محدودة. كثير من المؤسسات اشترت الأداة؛ قليل منها غيّر طريقة عمله جذريًا.

المشكلة التي لا تظهر في أرقام البطالة

قد لا تبدأ الأزمة بطرد الموظف الخبير، بل بعدم توظيف المبتدئ.
كانت المهام الروتينية، على محدوديتها، مدرسة خفية للمهنة. يراجع المحامي الشاب الملفات البسيطة ليتعلم كيف يرى ما لا يراه القارئ العادي. ويكتب الصحفي المبتدئ الأخبار القصيرة قبل أن يُكلَّف بالتحقيق. ويصلح المبرمج أخطاء صغيرة قبل أن يصمم نظامًا كاملًا.
إذا أنجزت الآلة أعمال البداية بكلفة أقل، فقد توفر الشركة وقتًا ومالًا اليوم، لكنها تقطع السلم الذي يصعد عليه خبير الغد.

إذا أنجزت الآلة عمل المبتدئ، فمن أين سيأتي الخبير؟

عندئذ لا يعود السؤال: كم وظيفة بقيت؟ بل: هل بقي طريق يمكن للإنسان أن يتعلم عبره؟
ولهذا قد تكون أرقام الوظائف المتاحة أقل أهمية من توزيعها العمري والمهني: هل يتراجع التوظيف عند بوابة الدخول؟ هل تبقى الخبرة مركزة في جيل قديم؟ وهل تتحول المعرفة إلى ملكية مغلقة داخل النماذج بدل انتقالها بين البشر؟

من يتحمل قرار الآلة؟

تستطيع الخوارزمية أن ترتب المتقدمين إلى وظيفة، وأن توصي بترقية موظف أو مراقبته أو استبعاده. لكنها لا تشعر بخسارة السمعة، ولا تواجه العامل لتشرح له لماذا حُرم من رزقه، ولا تملك ذمة أخلاقية مستقلة تقف أمام المحكمة.
لهذا بدأ القانون يلحق بالمشهد.
يضع قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي الأنظمة المستخدمة في التوظيف وإدارة العاملين ضمن المجالات عالية المخاطر. ووفق الجدول الأوروبي المحدّث، تبدأ القواعد الخاصة بهذه الاستخدامات الحساسة في ديسمبر/كانون الأول 2027.
هذه إشارة أعمق من موعد قانوني. إنها اعتراف بأن الخوارزمية حين تدخل مكان العمل لا تصبح مجرد أداة إنتاج؛ بل طرفًا يؤثر في الرزق والفرصة والكرامة.
ومن هنا يولد دور «الموظف الأخير»: الإنسان الذي لا يُطلب منه أداء المهمة، بل فهم القرار، والاعتراض عليه، وتحمل المسؤولية عنه.

ثلاث طرق إلى عام 2035

الزميل الدائم

تبقى غالبية الوظائف، لكن تتغير محتوياتها. تنجز الأنظمة المسودة والفرز والبحث، بينما يحتفظ الإنسان بالسياق والحكم والتفاوض والمسؤولية.
ترتفع الإنتاجية، وتتسع برامج التدريب، وربما يتحول جزء من المكاسب إلى أسبوع عمل أقصر أو أجور أفضل.
هذا هو السيناريو الأكثر تفاؤلًا، لكنه لا يتحقق تلقائيًا؛ فهو يحتاج إلى قانون وتدريب وقدرة تفاوضية تجعل الإنتاجية مكسبًا مشتركًا، لا وسيلة للاستغناء فقط.

الشركة الرفيعة

تنجز فرق صغيرة ما كانت تحتاج إليه مؤسسات كبيرة. لا تختفي جميع المهن، لكن يقل عدد المقاعد داخلها.
يصبح الموظف الواحد مديرًا لعدة وكلاء آليين، وتغدو الخبرة أعلى قيمة، فيما تضيق وظائف البداية والأعمال المكتبية المتوسطة.
في هذا العالم، لا تكون البطالة هي المشكلة الوحيدة. قد يعمل الناس، لكن بعدد ساعات متقطع، أو بعقود أضعف، أو في منافسة دائمة مع نظام يستطيع إنتاج المزيد بكلفة تقترب من الصفر.

عالمان للعمل

تملك فئة صغيرة النماذج والبيانات ورأس المال، وتستخدم فئة أخرى الأدوات بشروط لم تضعها، بينما تبقى مناطق وقطاعات كاملة خارج مكاسب الإنتاجية.
ينقسم السوق بين عمل عالي السلطة مدعوم بالآلة، وعمل بشري منخفض الأجر يصعب أتمتته أو لا يستحق اقتصاديًا كلفة الأتمتة.
هنا لا تختفي الوظيفة بالضرورة؛ الذي يختفي هو قدرتها على منح صاحبها الأمان والكرامة والانتماء.

من يربح؟

لن يرسم المستقبل خطًا بسيطًا بين مهن ناجية وأخرى منقرضة. سيجري الخط داخل المهنة الواحدة.
قد يربح صاحب الخبرة الذي يستخدم النظام لتوسيع قدرته، ويخسر المبتدئ الذي كانت مهمته الأولى إعداد المسودة. وقد تربح المؤسسة التي تملك بياناتها وتعيد تصميم عملها، وتخسر أخرى تشتري الأدوات نفسها من دون معرفة كيف تدمجها.
وقد يربح العامل من ارتفاع الإنتاجية، أو لا يحصل منها إلا على مزيد من المراقبة وسرعة أعلى ومقعد أقل أمانًا.
أما المكسب الأكبر، فيبقى مرشحًا للذهاب إلى من يملك النماذج والبنية الحاسوبية والبيانات.
وهنا يتغير السؤال من «ماذا تستطيع الآلة؟» إلى «من يملك الآلة، ومن يضع شروط استخدامها، ومن يحصل على الوقت والثروة اللذين توفرهما؟».

ما الذي ينبغي مراقبته الآن؟

لنعرف أي طريق يسلكه المستقبل، لا تكفي متابعة عدد النماذج الجديدة أو درجاتها في الاختبارات. هناك ثلاثة مؤشرات أكثر دلالة:
1. عمق الاستخدام: هل تستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي كأداة فردية، أم بدأت تسلّمه عمليات كاملة تمتد من القرار إلى التنفيذ؟
2. بوابة الدخول: هل تتراجع الوظائف المبتدئة والتدريب العملي، حتى إن بقي إجمالي التوظيف مستقرًا؟
3. المسؤولية والتوزيع: هل تمنح القوانين حق تفسير القرار الآلي والاعتراض عليه؟ وهل تتحول مكاسب الإنتاجية إلى أجور ووقت أفضل، أم إلى تقليص العاملين وحده؟
هذه المؤشرات لا تخبرنا بما تستطيع التقنية فعله فقط، بل بما قرر المجتمع أن يسمح لها بفعله.

الإنسان الذي بقي ليوقّع

نعود إلى مبنى عام 2035. المكاتب خالية، والمهام أُنجزت قبل التاسعة، والرجل الوحيد يمشي نحو شاشة تعرض عشرات القرارات الجاهزة.
قد يرفض بعضها، ويعيد بعضها، ويوافق على الباقي. وربما يكون وجوده رمزيًا، مجرد اسم بشري تحتاج إليه المؤسسة كي تبدو مسؤولة. وربما يكون، على العكس، آخر حاجز حقيقي بين الكفاءة العمياء وحياة الناس.
لن تحدد قدرة الآلة وحدها أي الاحتمالين ينتصر. سيحدده القانون، وملكية التقنية، وقوة العاملين، والطريقة التي نعرّف بها العمل: هل هو مجموعة مهام نريد إنجازها بأقل كلفة، أم مساحة يكتسب فيها الإنسان الاستقلال والخبرة والمعنى؟

المستقبل لا تحدده قدرة الآلة وحدها؛ تحدده أيضًا الجهة التي تملكها، والقانون الذي يضبطها، والطريقة التي توزَّع بها مكاسبها.

ربما لن يأتي يوم يحمل فيه شخص واحد لقب «الموظف الأخير». لكننا نقترب من لحظة يصبح فيها كل موظف مطالبًا بأن يثبت ما الذي يضيفه بعد أن تتعلم الآلة أداء المزيد من مهامه.
وعندها لن يكون السؤال الأصعب: هل ستتعلم الآلة كل المهن؟
بل: هل سنجعلها تحرر الإنسان من عبء العمل، أم تحرر العمل من حاجته للإنسان؟

مصادر ومراجع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top