ستيفن هوكينغ: اتساع الفكر في ضيق الجسد
حين تضيق المادة ولا تضيق الروح
في حجرة هادئة في كامبريدج، كان رجل يجلس أمام العالم ولا يستطيع أن يتحرك فيه إلا بقدر ضئيل.
جسدٌ أخذ المرض منه شيئًا بعد شيء.
الحركة أولًا.
ثم القدرة على الكلام.
ثم أشياء أخرى كان الإنسان العادي لا يتذكر أصلًا أنه يمتلكها، لأنها تبدو بديهية إلى درجة أننا لا نراها إلا عندما نفقدها.
كان ستيفن هوكينغ في الحادية والعشرين من عمره عندما شُخّص بمرض عصبي حركي شديد، وكانت التوقعات في ذلك الوقت قاتمة إلى حد أن مستقبله بدا أقصر بكثير مما تخيله شاب في ذلك العمر.
كان يمكن لتلك اللحظة أن تصبح نهاية الحكاية.
لكن شيئًا غريبًا حدث.
كلما أخذ المرض مساحة أكبر من الجسد، بدا أن شيئًا آخر يتسع في الداخل.
الفكر.
لم يكن هوكينغ قادرًا على الذهاب بعيدًا بجسده، لكنه استطاع أن يذهب إلى أماكن لم يصل إليها جسد أحد.
إلى حافة الزمن.
إلى ولادة الكون.
إلى أكثر الأشياء غموضًا في السماء.
إلى الثقوب السوداء.
كان الثقب الأسود، في الخيال البشري، يبدو كالنهاية المطلقة.
مكانٌ تبتلع فيه الجاذبية كل شيء، حتى الضوء نفسه.
لا شيء يخرج.
لا أثر يعود.
وكأن الكون وضع في مكان ما حفرةً لا تسمح لأحد بمعرفة ما يحدث في داخلها.
لكن هوكينغ نظر إلى هذه العتمة بطريقة مختلفة.
في عام 1974، اقترح أن الثقوب السوداء ليست سوداء تمامًا.
فهي، وفق حساباته، يمكن أن تبعث إشعاعًا حراريًا يفقدها الطاقة ببطء.
الفكرة كانت غريبة بما يكفي لتغير الطريقة التي ينظر بها الفيزيائيون إلى هذه الأجسام.
حتى أكثر الأماكن ظلمة في الكون لم تكن خالية تمامًا من الضوء.
وهنا تبدأ القصة التي لا تتحدث عن الثقب الأسود وحده.
تأمل وجه هوكينغ.
ملامح رجل أخذ المرض من جسده الكثير، لكنه لم يستطع أن يأخذ منه الفضول.
ولهذا تبدو فكرة الكينتسوجي، ذلك الفن الياباني الذي يُصلح الخزف المكسور بالذهب، أكثر من مجرد صورة جميلة.
في الكينتسوجي لا يُخفى الكسر.
لا يحاول الصانع أن يتظاهر بأن القطعة لم تتحطم.
بل يترك أثر الانكسار ظاهرًا.
ويملأ الشقوق بالذهب.
فتصبح الأماكن التي كانت دليلًا على الضعف جزءًا من جمال القطعة.
لكن حياة هوكينغ كانت أكثر تعقيدًا من هذه الصورة.
فهو لم «يهزم» المرض.
المرض استمر في أخذ أشياء منه.
وهو لم يستعد جسده.
بل فقد منه المزيد مع مرور السنوات.
ومع ذلك، لم يكن فقدان الجسد مساويًا لفقدان الإنسان.
وهنا، ربما، تكمن المسألة كلها.
ماذا يبقى من الإنسان عندما يبدأ جسده في التخلي عنه؟
هل الإنسان هو قدرته على المشي؟
على الكلام؟
على رفع يده؟
على أن يعيش حياة عادية بلا قيود؟
أم أن هناك شيئًا آخر في الداخل لا يُقاس بحركة الجسد؟
لم يكن هوكينغ يملك رفاهية تجاهل هذه الأسئلة.
كان يعيشها.
كل يوم.
ولهذا لم تكن الفيزياء بالنسبة إليه مجرد مهنة.
كانت أيضًا طريقة للذهاب إلى أماكن لا يستطيع جسده الوصول إليها.
حين عجزت قدماه عن حمله، حمله عقله إلى النجوم.
وحين ضاق العالم حول جسده، اتسع العالم داخل رأسه.
لكن المفارقة الأعمق كانت في مكان آخر.
لقد قضى هوكينغ جزءًا كبيرًا من حياته يحاول أن يفهم أجسامًا لا يستطيع أحد لمسها.
ثقوبًا سوداء تبتلع الضوء.
وكونًا بدأ من حالة لا نستطيع العودة إليها.
وزمنًا يتصرف على نحو لا يشبه تجربتنا اليومية.
وربما لم يكن يعرف، وهو يفعل ذلك، أن أكثر الأسئلة التي يطاردها العلم كانت تقترب بطريقة ما من حياته هو.
الثقب الأسود يبدو مظلمًا لأنه يحتجز الضوء.
لكن هوكينغ اكتشف أن العتمة ليست دائمًا غيابًا للضوء.
أحيانًا يكون الضوء هناك…
لكننا لا نعرف كيف نراه.
وهذه الفكرة، التي بدأت كحساب فيزيائي، تبدو بعد سنوات أكثر قربًا من الإنسان مما ينبغي.
فكم من إنسان نحكم عليه من الجزء الذي نراه فقط؟
كم من جسد نظنه مكسورًا، بينما توجد خلف صمته حياة كاملة لا نملك الأدوات لرؤيتها؟
وكم مرة نظرنا إلى انكسار في حياتنا باعتباره نهاية، فقط لأننا لم نعرف بعد ماذا يمكن أن يولد من داخله؟
لم يكن هوكينغ بحاجة إلى أن يصبح «بلا كسر» حتى يصبح استثنائيًا.
كان عليه فقط أن يجد طريقة ليعيش داخل الكسر دون أن يسمح له بأن يصبح تعريفه الوحيد.
ولعل هذا هو المعنى الذي يتأخر حتى نهاية الحكاية.
في البداية، يبدو أن قصة هوكينغ هي قصة رجلٍ ضاق به جسده فاتسع عقله.
لكن ربما كانت أعمق من ذلك.
ربما لم يكن جسده هو السجن الذي انتصر عليه.
ربما كان الجسد مجرد أحد الحدود التي اعتدنا أن نظن أنها تحدد الإنسان.
وحين بدأت هذه الحدود تضيق حوله، اضطر إلى البحث عن الإنسان في مكان أبعد.
في الفكر.
في الخيال.
في السؤال.
في القدرة على أن ينظر إلى أكثر الأشياء ظلمة في الكون، ويسأل:
هل أنت متأكد من أن الظلام يعني النهاية؟
كان هوكينغ يجلس في كرسيه المتحرك.
جسدٌ ساكن تقريبًا.
وعالمٌ كامل يتحرك خلف عينيه.
وبينهما، لم يكن هناك شيء يمكن أن نراه بسهولة.
مجرد فكرة.
لكن ربما كانت تلك هي المفارقة التي احتاجت حياته كلها حتى تكشفها لنا:
أن الإنسان قد يخسر مساحة هائلة من جسده، دون أن يخسر بالضرورة اتساعه.
وأن بعض الشقوق لا تُغلق كي تختفي.
تُملأ بالذهب…
كي نعرف، بعد فوات الوقت، أين دخل الضوء.


